تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْعين الْمُهْملَة (٨)

الصفحة ٢ من ٢

وَكَانَ قَلِيل الْكَلَام جدا من غير إعياء وَلَا خلل وَكَانَ لَهُ خطّ حسن مَرْغُوب فِيهِ وَكَانَ أضبط يكْتب بكلتا يَدَيْهِ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من الكمل فِي زَمَانه وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة زنبل من جنان بشار

السَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن شرف الدّين الحجافي اليمني الْعَالم البارع كَانَ عَلامَة يضْرب بِهِ الْمثل فِي الذكاء وَكَانَ يشبه بجده من قبل الْأُمَّهَات السَّيِّد عبد الرَّحْمَن وَكَانَ محققاً فِي الْأُصُول والمنطق واشتغل فِي التَّفْسِير فِي آخر أمره وَله شرح على غَايَة السول للسَّيِّد الْحُسَيْن بن الْقَاسِم أَجَاد فِيهِ كل الإجادة وَكَانَ مُتَوَلِّيًا لأعمال حفاش ثمَّ اسْتَقر بِصَنْعَاء وَكَانَ لَا يطْمع فِي شَيْء من زِينَة الدُّنْيَا وَلَا هم لَهُ بِغَيْر الْعلم توفّي بالحشيشة من مخارف صنعاء فِي نَيف وَخمسين بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى

عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد عماد الدّين بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عماد الدّين الْعِمَادِيّ الحني الدِّمَشْقِي أحد أَفْرَاد الدَّهْر وأعيان الْعلم وأعلام الْفضل وَهُوَ الْمُفْتِي بِالشَّام بعد أَن كَانَ أَبوهُ بهَا حينا مرجع النَّاس للْفَتْوَى حَتَّى استغرق علمه وَاسْتحق مكانته وَكَانَ فِي عصره مِمَّن يباهي بالتردد إِلَيْهِ والاكتساب من معلوماته وحوى من الصِّفَات الْحَسَنَة والأخلاق الرائقة مَا انْفَرد بِهِ دون مُنَازع واختص بِهِ من غير مشارك وَكَانَ كثير الْفضل جم الْفَائِدَة وَله محاضرة تستفز الحلوم وفطنه تسحر الْعُقُول وَألف حَاشِيَة على بعض تَفْسِير الْكَشَّاف بقيت فِي مسوداته وَله المنسك الْمَشْهُور الَّذِي سَمَّاهُ بالمستطاع من الزَّاد وَكتاب الْهَدِيَّة فِي عبادات الْفِقْه وَالرَّوْضَة الريا فِيمَن دفن بداريا وَله رسائل كَثِيرَة فِي سَائِر الْفُنُون ومنشآت وأشعار أَكْثَرهَا لطيف المسلك حسن الْموقع وَنَشَأ فِي مطلع عمره يَتِيما فَإِن وَالِده مَاتَ وَله من الْعُمر سبع سِنِين وَكَانَ كثيرا مَا ينشد فِي ذَلِك كنت ابْن سبع حِين مَاتَ أبي واجتهد فِي التَّحْصِيل أَولا على الْحسن البوريني وعَلى ابْن خَالَته الشَّيْخ مُحَمَّد بن محب الدّين الْحَنَفِيّ ثمَّ لزم جدي القَاضِي محب الدّين وَأخذ عَنهُ مُعظم الْفُنُون وَأخذ عَن الشَّمْس ابْن المنقار والمنلا مُحَمَّد بن عبد الْملك الْبَغْدَادِيّ وبرع البراعة التَّامَّة وتفوق وَحج فِي سنة أَربع عشرَة بعد الْألف وَأخذ بِالْمَدِينَةِ عَن السَّيِّد صبغة الله بن روح الله الْمُقدم ذكره طَرِيق النقشبندية وَكَانَ الْجد القَاضِي الْمَذْكُور فِي تِلْكَ السّنة قَاضِيا بالركب وَجرى للعمادي أَنه لما أَرَادَ الدُّخُول إِلَى الْبَيْت المشرف وَقع فانصدعت رجله من شدَّة الزحام وعالجها فبرأت وَلَكِن بَقِي أثر الانصداع فَكَانَ يعرج شَيْئا مَا

مِنْهَا وَمن المعجب مَا كتبه الْجد فِي شَأْنه هَذَا إِلَى تِلْمِيذه الأديب الذيق الألمعي أبي الطّيب الْغَزِّي الْمُقدم ذكره وَكَانَ أرسل إِلَيْهِ كتابا مَعَ نجاب الشَّام وَكتب إِلَيْهِ فِي حَاشِيَته مَا نَصه وَأما أخوكم الْعَلامَة ولدنَا الْعِمَادِيّ فَإِنَّهُ فِي الصِّحَّة والسلامة وَالنعْمَة والكرامة وَهُوَ يسلم عَلَيْكُم ويعرض وافر شوقه إِلَيْكُم فانتقد أَبُو الطّيب من تَعْبِيره بِلَفْظ الْعَلامَة المستفيض إِطْلَاقه على الزَّمَخْشَرِيّ مَا جنح إِلَيْهِ وَحكم عَلَيْهِ بِقُوَّة حدسه وَبعد مَا رَجَعَ إِلَى دمشق تخلص للإقراء والإفادة وَولي تدريس الْمدرسَة الشبلية فِي سنة سبع عشرَة وَألف ثمَّ ولي بعْدهَا الْمدرسَة السليمية فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَلما ورد دمشق الْمولى أسعد بن سعد الدّين قَاصِدا الْحَج راجت لَدَيْهِ فضائله وَظَهَرت لَهُ مزيته فَأقبل عَلَيْهِ بكليته وَلما عَاد إِلَى الرّوم وَولي الْإِفْتَاء صيره ملازماً على قاعدتهم وَكَانَ قبل ذَلِك بِمدَّة أَخذ عَنهُ الْمولى أَحْمد بن زين الدّين المنطقي الْمُقدم ذكره الْمدرسَة السليمية فَصنعَ الْعِمَادِيّ قصيدة فِي مدح الْمولى أسعد الْمَذْكُور يتطلب فِيهَا إِعَادَة الْمدرسَة إِلَيْهِ ويتظلم من الدَّهْر ومطلعها

بك أسعد الرّوم ابْن سعد الدّينيسمو عماد الْعلم ثمَّ الدّين

وَمن جُمْلَتهَا وَهُوَ مَحل الْغَرَض

لَك أشتكي مولَايَ أفظع وصمةكَادَت لشدَّة قهرها تصميني
يَا ضَيْعَة الإعمار فِي طلب العلىبِالْعلمِ وَالنّسب الَّذِي بالشين
أَمن الْمُرُوءَة وَهِي أسمى رُتْبَةأَنى أعادل بِابْن زين الدّين
لَا بل يرجح ثمَّ يغصب منصبيوأعود مِنْهُ بصفقة المغبون
لَو كنت مَعَ كفو قرنت لهان ليلكنه بئس القرين قريني
أَو كَانَ ثمَّ تعادل لهضمتهفَانْظُر إِلَى دهري بِمن يبلوني

فقرر عَلَيْهِ الْمدرسَة وَله فِيهِ قصيدة بديعة يشْكر صَنِيعه فِيهَا مطْلعهَا

إِلَّا هَكَذَا فليسعد العَبْد سيدفَلَا زلت فِي سعد ومولاي أسعد

وَهِي طَوِيلَة ثمَّ ولي بعد ذَلِك الْمدرسَة السليمانية والإفتاء بِالشَّام فِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَألف وَتوجه إِلَى الْحَج وَهُوَ مفت فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَكبر صيته بعد ذَلِك واشتهر وَسلم لَهُ عُلَمَاء عصره وَمِمَّا يرْوى أَنه رفع مِنْهُ لشيخ الْإِسْلَام يحيى بن زَكَرِيَّا فَتْوَى وَعَلَيْهَا جَوَابه فَكتب ابْن زَكَرِيَّا عَلَيْهَا إِلَى جَانِبه الْجَواب كَمَا بِهِ أخونا الْعَلامَة أجَاب وَهَذِه غَايَة فِي المدحة وعلو الرُّتْبَة وَقد مدحه أَكثر الشُّعَرَاء عصره من الأدباء

بالقصائد السائرة وخلدوا مدائحه فِي صفحات آثَارهم وَبِالْجُمْلَةِ فأخباره وفضائله مَلَأت كل محفل ووقفت لَهُ على تحريرات أدبية كَثِيرَة وَمن ألطفها جَوَابه عَن سُؤال رَفعه إِلَيْهِ بعض الأدباء فِي الأغاليط الَّتِي ذكرهَا صَاحب الْقَامُوس عِنْدَمَا ذكر الْبَيْتَيْنِ الْمَشْهُورين وهما

لَا در در إناس خَابَ سَعْيهمْيستمطرون لَدَى الْأَزْمَان بالعشر
أجاعل أَنْت بيقورا مسلعةذَرِيعَة لَك بَين الله والمطر

فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْبَيْت الثَّانِي تِسْعَة أغلاط فَأجَاب بِمَا نَصه أَقُول قد لَاحَ لي فِي هَذِه الْأَلْفَاظ تِسْعَة وُجُوه خطرت بالبال وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال الأول ادخال الْهمزَة على غير مَحل الْإِنْكَار وَهُوَ جَاعل وَالْوَاجِب إدخالها على السّلْعَة لِأَنَّهَا مَحل الْإِنْكَار الثَّانِي تَقْدِيم الْمسند الَّذِي هُوَ خلاف الأَصْل فَلَا يرتكب إِلَّا لسَبَب فَكَانَ الْوَاجِب تَقْدِيم المسلعة وَإِدْخَال الْهمزَة عَلَيْهَا بِأَن يُقَال أمسلعة أَنْت تجْعَل ذَرِيعَة الثَّالِث أَن تَرْتِيب هَذَا الْبَيْت على مَا قبله يَقْتَضِي أَنه قصد الِالْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب قطعا وَأَنه بعد أَن حكى عَنْهُم حالتهم الشنيعة الْتفت إِلَى خطابهم بالإنكار ومواجهتهم بالتوبيخ حَتَّى كَأَنَّهُمْ حاضرون يَسْتَمِعُون وَحِينَئِذٍ فَفِيهِ أَنه أَخطَأ فِي إِيرَاد أحد اللَّفْظَيْنِ بِالْجمعِ وَالْآخر بِالْإِفْرَادِ وَلَا شكّ أَن شَرط الِالْتِفَات الِاتِّحَاد الرَّابِع أَن الجاعلين هم الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة الَّذين حكى عَنْهُم فِي الْبَيْت الأول فَلَا وَجه لتخصيص الْوَاحِد مِنْهُم بالإنكار عَلَيْهِ دون الْبَقِيَّة لَا يُقَال هَذَا الْوَجْه دَاخل فِي الَّذِي قبله لأَنا نقُول هَذَا وَارِد بِقطع النّظر عَن كَون الْكَلَام التفاتاً أَو غير الْتِفَات من حَيْثُ أَنه نسب أمرا إِلَى جمَاعَة ثمَّ خصص وَاحِدًا بالإنكار من غير الْتِفَات إِلَى الِالْتِفَات أصلا الْخَامِس تنكير الْمسند إِذْ لَا وَجه لَهُ مَعَ تقدّم الْعَهْد حَيْثُ علم أَن مُرَاده بالجاعل هم الأناس المذكورون فِي الْبَيْت الأول فَكيف يُنكر الْمَعْهُود فَكَانَ حق الْكَلَام أَن يُقَال أمسلعة أَنْتُم الجاعلون السَّادِس البيقور اسْم جمع كَمَا فِي الْقَامُوس وَاسم الْجمع وَإِن كَانَ يذكر وَيُؤَنث لَكِن قَالَ الرضي فِي بحث الْعدَد مَا محصله أَن اسْم الْجمع وَإِن كَانَ مُخْتَصًّا بِجمع الْمُذكر كالرهط والنفر وَالْقَوْم فَإِنَّهَا بِمَعْنى الرِّجَال فيعطي حكم الْمُذكر فِي التَّذْكِير فَيُقَال تِسْعَة رَهْط وَلَا يُقَال تسع رَهْط كَمَا تَقول تِسْعَة رجال وَلَا تَقول تسع رجال وَإِن كَانَ مُخْتَصًّا بالمؤنث فَيعْطى حكم جمع الْإِنَاث نَحْو ثَلَاث من الْمَخَاض لِأَنَّهَا بِمَعْنى حوامل النوق وَإِن احتملها كالخيل

وَالْإِبِل وَالْغنم لِأَنَّهَا تقع على الذُّكُور وَالْإِنَاث فَإِن نصت على أحد المحتملين فَإِن الِاعْتِبَار بذلك النَّص انْتهى فقد صرح بِأَنَّهَا إِن اسْتعْملت مرَادا بهَا الذُّكُور تُعْطى حكم الذُّكُور وَقد نَص صَاحب الْقَامُوس وَغَيره على أَنهم كَانُوا يعلقون السّلع على الثيران كَمَا تقدم فَبِهَذَا الِاعْتِبَار لَا يسوغ وصف البقور بالمسلعة السَّابِع إِيرَاد المسلعة صفة جَارِيَة على مَوْصُوف مَذْكُور وَالَّذِي يظْهر من عبارَة صَاحب الصِّحَاح أَنَّهَا اسْم للبقر الَّتِي يعلق عَلَيْهَا السّلع للاستمطار لَا صفة مَحْضَة حَيْثُ قَالَ وَمِنْه المسلعة إِلَى آخِره وَلم يقل وَمِنْه الْبَقر المسلعة وَقَالَ السُّيُوطِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْمُغنِي نقلا عَن أَئِمَّة اللُّغَة أَن المسلعة ثيران وَحش علق فِيهَا السّلع وَحِينَئِذٍ فَلَا تجْرِي على مَوْصُوف كَمَا أَن لفظ الركب اسْم لركبان الْإِبِل مُشْتَقّ من الرّكُوب وَلم يسْتَعْمل جَارِيا على مَوْصُوف فَلَا يُقَال جَاءَ رجال ركب بل جَاءَ ركب الثَّامِن أَن الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِي كتب اللُّغَة أَن الذريعة بِمَعْنى الْوَسِيلَة لَا غير وَأَن الْوَسِيلَة مستعملة فِي التَّعْدِيَة بإلى فاستعمال الذريعة هُنَا بِدُونِ إِلَى مَعَ لَفْظَة بَين مُخَالف لوضعها واستعمالها الْمَنْصُوص عَلَيْهِ وَأما اللَّام فِي لَك فَإِنَّهَا للاختصاص فَلَا دخل لَهَا فِي التَّعْدِيَة كَمَا يُقَال اجْعَل هَذَا الْكتاب تحفة لَك التَّاسِع قَوْله بَين الله والمطر لَا معنى لَهُ وَالصَّوَاب بَيْنك وَبَين الله لأجل الْمَطَر وَذَلِكَ لأَنهم كَانُوا يشعلون النيرَان فِي السّلع وَالْعشر الْمُعَلقَة على الثيران ليرحمها الله تَعَالَى وَينزل الْمَطَر لإطفاء النَّار عَنْهَا كَمَا تقدم وَالله أعلم أَقُول لَا يخفى أَن مَا استخرجه لَا يُسمى أغلبة أغاليط فأجل فكرك فِيمَا هُنَالك تصب المحز والسلع بِفتْحَتَيْنِ وَالْعشر بضمة ففتحة ضَرْبَان من الشّجر كَانَت الْعَرَب إِذا أَرَادوا الاسْتِسْقَاء فِي سنة الجدب عقدوها فِي أَذْنَاب الْبَقر وَبَين عراقيبها وأطلقوا فِيهَا النَّار وصعدوا بهَا الْجبَال وَرفعُوا أَصْوَاتهم بِالدُّعَاءِ وَهَذِه النَّار أحد نيران الْعَرَب وَهِي أَرْبَعَة عشر نَار الْمزْدَلِفَة توقد حَتَّى يَرَاهَا من دفع من عَرَفَة وأوّل من أوقدها قصي بن كلاب وَهَذِه ونار التَّحَالُف لَا يعقدون الْحلف إِلَّا عَلَيْهَا يطرحون فِيهَا الْملك والكبريت فَإِذا استشاطت قَالُوا هَذِه النَّار قد تهددتك ونار الْغدر كَانُوا إِذا غدر الرجل بجاره أوقدوا لَهُ نَارا بمنى أَيَّام الْحَج ثمَّ صاحوا هَذِه غدرة فلَان فيفتضح الغادر دنيا وَأُخْرَى فينصب لَهُ لِوَاء يَوْم الْمَحْشَر وينادى عَلَيْهِ على رُؤُوس الأشهاد هَذِه غدرة فلَان بن فلَان ثمَّ يلقى فِي النَّار ونار السَّلامَة توقد للقادم من سَفَره سالما غانماً ونار الزائر وَالْمُسَافر وَذَلِكَ أَنهم

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.