تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْعين الْمُهْملَة (٩)

الصفحة ١ من ٢

إِذا لم يُحِبُّوا الزائر وَلَا الْمُسَافِر أَن يرجعا أوقدوا خَلفه نَارا وَقَالُوا أبعده الله وأسحقه ونار الْحَرْب وَتسَمى نَار الأهبة يوقدونها على يفاع إعلاماً لمن بعد مِنْهُم ونار الصَّيْد يوقدونها للظباء لتعشى أَبْصَارهم ونار الْأسد يوقدونها إِذا خافوه لِأَنَّهُ إِذا رَآهَا حدّق إِلَيْهَا وتأملها ونار السَّلِيم توقد للملدوغ إِذا سهر والمجروح إِذا نزف وَمن الْكَلْب الْكَلْب يوقدونها حَتَّى لَا يَنَامُوا ونار الْفِدَاء كَانَت مُلُوكهمْ إِذا سبوا قَبيلَة وَطلب مِنْهَا الْفِدَاء كَرهُوا أَن يعرضُوا النِّسَاء نَهَارا لِئَلَّا يفتضحن ونار الوسم الَّتِي يسمون بهَا الْإِبِل لتعرف إبل الْمُلُوك فَترد المَاء أَولا ونار الْقرى وَهِي أعظم النيرَان ونار الحرمز وَهِي النَّار الَّتِي أطفأها الله لخَالِد بن سِنَان الْعَبْسِي احتفروا لَهُ بِئْرا ثمَّ أَدخل فِيهَا وَالنَّاس يرونه ثمَّ اقتحمها وَخرج مِنْهَا انْتهى عوداً إِلَى مَا نَحن بصدده وللعمادي من لطائف الْأَشْعَار مَا رقّ وراق فَمن ذَلِك قَوْله فِي الْغَزل

أكفكف دمع الْعين خوفًا وأكتمعَن النَّاس والمخفي فِي الْقلب أعظم
وهبني كتمت الدمع عَنْهُم تجلداًعلى حر نَار فِي الحشا تتضرم
أيخفى نحول الْجِسْم عَن عين نَاظروَهل ذلة النَّفس العزيزة تكْتم
لقد شهد العدلان فِيمَا كتمتهوهيهات أَن يخفى الْمُحب المتيم
كلفت ببدر مَا تجلى بِوَجْهِهِلبدر الدجى إِلَّا انجلى وَهُوَ مظلم
وَيسْتر فِي أوراقه الْغُصْن خجلهإِذا مَا بدا مِنْهُ قوام مقوّم
وَكم من وشَاة نازعوا فِي جمالهفَلَمَّا تبدّى يخجل الشَّمْس سلمُوا
إِذا لَام يَوْمًا عاذلي فِيهِ أننيأَصمّ وَسمع اللوم عِنْدِي محرّم
وَقد كنت أَهْوى الْحسن فِي كل صُورَةفقنعني هَذَا الحبيب المعمم

قَوْله فقنعني من القناعة وَفِيه إِيهَام الْمُقَابلَة بَين الْمقنع وَهُوَ المستور وَيخْتَص بِالنسَاء والمعمم وَيُقَال على الذكران من الحسان وَمن التعبيرات قَوْلهم فلَان على طَريقَة ابْن أَكْثَم من الْإِعْرَاض عَن الحبيب الْمقنع والميل إِلَى المعمم وَيحسن فِي هَذَا الْمحل قَول أبي الْعَلَاء المعري

أفق إِنَّمَا الْبَدْر الْمقنع رَأسهضلال وبغي مثل بدر الْمقنع
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

وَوَقع فِي شعر ابْن سناء الْملك

رويداً فَمَا بدر الْمقنع طالعاًبأفتك من ألحاظي بَدْرِي المعمم

وَكِلَاهُمَا إِشَارَة إِلَى بدر وأظهره رجل سحار فِي بِلَاد الشرق واسْمه عَطاء الْخُرَاسَانِي

وَجعله دَلِيلا على ربوبيته وَإِنَّمَا قيل لَهُ الْمقنع لِأَنَّهُ كَانَ يقنع رَأسه لِأَنَّهُ كَانَ قَبِيح الْوَجْه جدّاً وَكَانَ من خَبره أَنه كَانَ أوّل أمره قصاراً من أهل مرو وَكَانَ يعرف شَيْئا من السحر والنيرنجيات فادّعى الربوبية من طَرِيق المناسخة وَقَالَ لأشياعه أَن الله تَعَالَى تحوّل إِلَى صُورَة آدم فَلذَلِك قَالَ للْمَلَائكَة اسجدوا لَهُ فسجدوا إِلَّا إِبْلِيس فَاسْتحقَّ بذلك السخط ثمَّ تحول من صُورَة آدم إِلَى صُورَة نوح وَهَكَذَا إِلَى صور الْأَنْبِيَاء والحكماء حَتَّى حصل فِي صُورَة أبي مُسلم الْخُرَاسَانِي ثمَّ زعم أَنه انْتقل إِلَيْهِ فَقبل قوم دَعْوَاهُ وعبدوه وقاتلوا دونه مَعَ مَا عاينوا من عَظِيم ادعائه وقبح صورته لِأَنَّهُ كَانَ مُشَوه الْخلق أَعور لَكِن إِنَّمَا غلب على عُقُولهمْ بالتمويهات الَّتِي أظهرها لَهُم بِالسحرِ والنيرنجيات وَكَانَ فِي جملَة مَا أظهر لَهُم صُورَة بدر يطلع فيراه النَّاس من مَسَافَة شَهْرَيْن من مَوْضِعه ثمَّ يغيب فَعظم اعْتِقَادهم فِيهِ وَلما اشْتهر أمره ثار عَلَيْهِ النَّاس وقصدوه فِي قلعته الَّتِي كَانَ قد اعْتصمَ بهَا وحصروه فَلَمَّا أَيقَن بِالْهَلَاكِ جمع نِسَاءَهُ وسقاهن سما فمتن مِنْهُ ثمَّ تنَاول شربة من ذَلِك السم فَمَاتَ وَدخل الْمُسلمُونَ فَقتلُوا من فِيهَا من أشياعه وَذَلِكَ فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة انْتهى وللعمادي

صب تحكم فِي حشاه وَجَسَدهإِن جَار متلفه عَلَيْهِ فعبده
يَا من جَفا جفني لذيذ مَنَامهلما تصدّى لي جفاه وصدّه
أستعذب التعذيب فِيك وكل مَاترضاه لي وَلَو أَن روحي ضدّه
أَحْبَبْت تسهيدي فرحت أحبهوَأَرَدْت إتلافي فلست أردّه
وجفوتني فجفوت نَفسِي رَاضِيالَا يَنْبَغِي من لَا تودّ أودّه

وَهَذِه الأبيات أجراها على أسلوب أَبْيَات أبي الشيص الْمَشْهُورَة وَهِي

وقف الْهوى بِي حَيْثُ أَنْت فَلَيْسَ ليمُتَأَخّر عَنهُ وَلَا متقدّم
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
أجد الْمَلَامَة فِي هَوَاك لذيذةحبا لذكرك فليلمني اللوّم
للشاعر حسن كامل الصيرفي، من قصيدة «كان التنقل في الغرام يلذ لي»
أشبهت أعدائي فصرت أحبهمإِذا كَانَ حظي مِنْك حظي مِنْهُم
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «وقف الهوى لي حيث أنت فليس لي»
وأهنتني فأهنت نَفسِي صاغراًمَا من يهون عَلَيْك مِمَّن يكرم
للشاعر عبد الرحمن الموصلي، اقرأ القصيدة

وَمن مقطوعاته قَوْله مضمناً قَول أبي تَمام

واوات أصداغه للْعَطْف بالأربوَسيف ألحاظه ينبي عَن العطب
وَالنَّفس بَينهمَا حارت فَقلت لَهَاالسَّيْف أصدق إنباء من الْكتب

وَمن لطائفه قَوْله فِي مدح آل الْبَيْت وَبَيت الصّديق

صَحَّ عِنْدِي فِي بَيت آل حَبِيبِيثمَّ آل الصدّيق قَول حبيب
كل شعب حلوا بِهِ حَيْثُ كَانُوافَهُوَ شعبي وَشعب كل أديب
أنّ قلبِي لَهُم لكالكبد الحرّاوقلبي لغَيرهم كالقلوب

والبيتان الأخيران لأبي تَمام فِي مدح سُلَيْمَان وأخيه الْحسن ابْني وهب لَكِن تصرف فيهمَا بعض تصرف وَالَّذِي حمله على تضمينهما مَا قَالَه ابْن خلكان عَن بعض الأفاضل أَنه لما سمع هذَيْن الْبَيْتَيْنِ قَالَ لَو كَانَا فِي آل رَسُول الله

كَانَ أليق فَمَا يسْتَحق ذَلِك القَوْل إِلَّا هم وَله فِي الْغَزل وَهُوَ حسن

أضحى هلالاً مذ تعذر بدرناثمَّ التحى فمحا الْهلَال محاق
عهدي بلام الخد خطا فانثنتوَلها بجملة وَجهه استغراق

وَله

لَا تعذلوني فِي غرامي بِهِوَفِي سقامي من تجافيه
فإنني من مُنْذُ أبصرتهعلمت أَنِّي ميت فِيهِ

وَكتب إِلَيْهِ الأديب مُحَمَّد بن محيي الدّين الْحَادِي الصَّيْدَاوِيُّ قصيدة من نظمه أَرَادَ مُرَاجعَته بهَا فوصلته وَهُوَ مَرِيض فَكتب إِلَيْهِ

قد أَتَانِي مِنْك القريض وفكريمن مدى السقم فِي الطَّوِيل العريض
وَأَرَدْت الْجَواب بالنظم فِي الْحَالفحال الجريض دون القريض

الجريض الغصة من الجرض وَهُوَ الرِّيق يغص بِهِ والقريض الشّعْر وَحَال الجريض مثل قَالَه شوشن الْكلابِي حِين مَنعه أَبوهُ من الشّعْر فَمَرض حزنا حَتَّى أشرف على الْهَلَاك فَأذن لَهُ أَبوهُ فِي قَول الشّعْر فَقَالَ هَذَا القَوْل وَكتب إِلَى البوريني وَكَانَ أَعَارَهُ مجموعاً

مولَايَ مجموعاي عنْدك دَائِمافاحفظهما وَلَك الْبَقَاء السرمد
فاقر الَّذِي لَا يَسْتَطِيع تجلداًبتعطف واقرا الَّذِي يتجلد

فَكتب إِلَيْهِ

الْقلب مني لَا مزِيد عَلَيْهِ فِيأبوابكم ملقى وربي يشْهد
مجموعكم مولَايَ عِنْدِي لم يزلوسط الْفُؤَاد بِعَين قلبِي يشْهد

وَله غير ذَلِك وَذكره البوريني فِي تَارِيخه وَلم يوفه حَقه وَذكره وَالِدي فَأطَال فِي تَرْجَمته وأطاب كَيفَ وَهُوَ أحد مشايخه الَّذين افتخر بهم وتميز بالانتماء إِلَيْهِم وَقد تمثل فِي حَقه بقول بعض الأدباء

أَصبَحت من بَيت الْعِمَاد بجلقأروي رِوَايَات الثنا الْمَشْهُور

فلقاه فِيهَا نَافِع وحماه فِيهَا عَاصِم (ونوا لَهُ ابْن كثير ...)

هَذَانِ من المؤرخين وَأما أَرْبَاب الإنشاد فقد ذكره مِنْهُم الخفاجي فِي كِتَابيه وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا وَمَا أحسن مَا تمثل فِي حَقه بقول الشهَاب المنصوري

أَرَأَيْتُم فِي النَّاس ذَات لطيفتشرح الصَّدْر مثل ذَات الْعِمَاد
حسبها من لطافة أَنَّهَا لميخلق الله مثلهَا فِي الْبِلَاد

وَذكره عبد الْبر الفيومي فِي المنتزه والبديعي فِي ذكرى حبيب وَعبارَته فِي حَقه هَذِه مفتي الديار الشامية وَصَاحب الإفادة بِالْمَدْرَسَةِ السليمانية سيداً استعبد الْمجد وَالنَّاس من ذَلِك أَحْرَار وَظَهَرت فِي الْخَافِقين فضائله كَمَا ظهر النَّهَار جبلت رَاحَته على الإنعام كَمَا جبل اللِّسَان على الْكَلَام وَقد أنْفق عمره على اجتلاء فرائد التَّفْسِير إِلَى أَن لحق بجوار ربه اللَّطِيف الْخَبِير وَقد أورث مجده أبناءه الَّذين إِذا دجت الخطوب فأراعم كَالنُّجُومِ العوائم

ثَلَاثَة أَرْكَان وَمَا انهد سوددإِذا اثبتت فِيهِ ثَلَاث دعائم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أمالك إن الحزن أحلام حالم»

ثمَّ أورد بعض أشعار ومنشآت لَهُ من جُمْلَتهَا أبياته الْمَشْهُورَة الَّتِي مستهلها

سأطمس آثَار هواي أثارهاوأنفض من ذيل الْفُؤَاد غبارها
لقد آن صحوي من سلاف صبَابَةفقد طالما خامرت جهلا خمارها
هجرت الْهوى والزهو حَتَّى اشتياقهوَطيب لَيَال اللَّهْو حَتَّى ادّكارها
وعفيت سبل الْهزْل بالجدّ مقلعاًوعفت مسرّات جنيت ثمارها
أثام كفيت الْيَوْم بِالتّرْكِ شرّهالعَلي غَدا فِي الْحَشْر أكفى شِرَارهَا
قطفت أزاهير الصبابة فِي الصِّبَاوَقد صَار عاراً أَن أَشمّ عرارها
فَلَو صائدات الْقلب أقبلن كالمهاوقبلن رَأْسِي مَا قبلت مزارها
وَقد كنت أودعت الحجا فاستردّهإِلَى النَّفس شيب قد أعَاد وقارها
وَكَانَ شَبَابِي شب نَار صبابتيفمذ لَاحَ نور الشيب أخمد نارها
ترى شيبتي مَا عذرها لشبيتيوَقد سبقت قبل الْكَمَال عذارها
تَبَسم ثغر الشّعْر فِيهَا تَعَجبالَهَا إِذْ رأى ليل السبال نَهَارهَا
فَمَا زار وكر الشّعْر فِيهَا غرابةوَلَا دَار حَتَّى استوطن الباز دارها
عَسى الْآن عَمَّا قد عثرت إنابةيقيل بهَا للنَّفس رَبِّي عثارها
عَسى رَحْمَة أَو نظرة أَو عنايةيتم سعودي فِي صعودي منارها
عَسى نفحة من نور نور معارفتهب فتختار الْفُؤَاد قَرَارهَا
ويشرح صَدْرِي نور علم مقدسيريني أسرار الْعُلُوم جهارها
وأمنح ألطافاً من الْأنس أَبْتَغِيخفاها ويأبى الوجد إِلَّا اشتهارها
ويكشف عَن عَيْني البصيرة حجبهابأنوار عرفان تزيح استتارها
فَيظْهر لي سر الْحَقِيقَة مشرقاًعلى ظلم الْكَوْن الَّتِي قد أنارها
فأحظى بحالات من الْقرب أَبْتَغِيبدنيا وَأُخْرَى فَضلهَا وفخارها
ولطف إلهي قطب دَائِرَة المنىفَإِن عَلَيْهِ فِي الْعَطاء مدارها

وَلما طعن فِي السنّ ورقى درج السّبْعين نظم هَذِه الأبيات وَهِي متداولة فِي أَيدي النَّاس وَهِي

قد شَاب فودي حِين ثاب فُؤَادِيفَكَأَنَّمَا كَانَا على ميعاد
حسن الْخَوَاتِم أرتجي من محسنقد منّ لي قدماً بِحسن ميادي
وعمادي التَّوْحِيد فَهُوَ وسيلتيفِي نيل مَا أرجوه عِنْد معادي
أَن قيل أيّ سفينة تجْرِي بِلَامَاء وَلَيْسَ لأَهْلهَا من زَاد
قل رَحْمَة الرَّحْمَن من أَنا عَبدهتسع الْعباد فَمن هُوَ ابْن عماد

وأشعاره كَثِيرَة جدا وشهرتها كَافِيَة عَن الإطناب بذكرها وَكَانَت وِلَادَته لَيْلَة الثُّلَاثَاء رَابِع عشر ربيع الآخر سنة ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي لَيْلَة الْأَحَد سَابِع عشر جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى وَخمسين وَألف وَدفن إِلَى جَانب وَالِده بمقبرة بَاب الصَّغِير وَأَخْبرنِي بعض من أَثِق بِهِ أَنه لَيْلَة وَفَاته كَانَ ماراً على دَاره فَرَأى يقظة كوكبا من السَّمَاء كَبِيرا انقض من الْأُفق وَهوى إِلَى سطح دَار الْعِمَادِيّ فَلم يمض إِلَّا والصياح قد قَامَ وشاع مَوته ورؤيت لَهُ منامات صَالِحَة بعد مَوته وَاتفقَ لَهُ أَنه وقف فِي آخر درس من دروسه التفسيرية فِي الْمدرسَة السليمانية على قَوْله تَعَالَى ﴿كتب على نَفسه الرَّحْمَة﴾ وَكَانَ اتّفق لَهُ وَهُوَ يقْرَأ على الشَّمْس بن المنقار فِي تَفْسِير الْكَشَّاف أَنه وقف على قَوْله تَعَالَى ﴿إِن رحمت الله قريب من الْمُحْسِنِينَ﴾ ورثاه جمَاعَة من كبراء شعراء عصره مِنْهُم أَحْمد بن شاهين ومطلع مرثيته

خلت الديار فَلَا أنيس دانيوتضعضعت بتضعضع الْأَركان
ووهى عماد علومها وحلومهاوَهوى بِنَا أَرْكَانهَا لهوان

( ...)

( ...)

وغدت دمشق وليدة مسنامةللمفلسين بأبخس الْأَثْمَان
وتبدّلت مِنْهَا المحاسن فاغتدتثَكْلَى تعط الجيب للأردان
أثرت حَقًا يَا زمَان بجلقوسلبتها إِحْسَان ذِي إِحْسَان
ومحوت أنس سرورها فتبدّلتجَهرا بظلمة وَحْشَة الأحزان
يَا موحشاً أهل الْحَيَاة بفقدهآنست فِي الْمَوْتَى حمى رضوَان
يَا رَاقِدًا ثقل الرقاد بجفنهأنعم عليّ بيقظة الْوَسْنَان
يَا مفتياً طَال السُّؤَال لقبرهوَجَوَابه مُتَعَذر الْإِمْكَان
هلا أجبْت سؤالنا ولطالماكنت الْمُجيب لنا عَن الْقُرْآن
أَواه والهفاً لأعظم طَارقوافى فأدهشنا من الْحدثَان
فلك هوى مَا كَانَ أحراه بِأَنيبْقى وتهوى قبتا كيوان
شمس بِنور الْعلم ضاءت بُرْهَةفكست نُجُوم الأَرْض باللمعان

مِنْهَا

كَيفَ اسْتَوَى الْبَحْر الخضم بحفرةأم كَيفَ حل الْكَنْز فِي هميان
يَا عبد رَحْمَن السَّمَوَات العلىأبشر برحمة رَبك الرَّحْمَن

وَهِي طَوِيلَة وَفِيمَا أوردناه مِنْهَا غنية

عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله العيدروس الشهير بسقاف الإِمَام الْجَلِيل قطب الْمُحَقِّقين قَالَ الشلي فِي تَرْجَمته ولد سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة بِمَدِينَة تريم وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن على الشَّيْخ الأديب الْمعلم عمر بن عبد الله الْخَطِيب وجوّده وَأخذ علم القراآت الْعشْر إفراداً وجمعاً على الْمقري الْكَبِير الشَّيْخ مُحَمَّد بن حكم باقشير وَأخذ عَن القَاضِي عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين وجدّه شيخ الْإِسْلَام عبد الله بن شيخ العيدروس وَعَمه إِمَام العارفين عَليّ زين العابدين وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل با فضل وَغَيرهم واعتنى بِفُرُوع الْفِقْه وأصوله وبرع فِي مَفْهُومه ومنقوله وَحفظ الْإِرْشَاد ولاحظته الْعِنَايَة بالإسعاد والإمداد وبرع فِي الْعُلُوم شرعيها وعقليها وعربيها وخاض فِي بحار عُلُوم الصُّوفِيَّة قيل كَانَ يعلم علما متقناً أَرْبَعَة عشر فَنًّا وَأذن لَهُ غير وَاحِد من مشايخه فِي التدريس فدرس وَتخرج بِهِ كَثِيرُونَ وَلما توفّي عَمه إِمَام العارفين الشَّيْخ عَليّ زين العابدين قَامَ بمنصبهم أتمّ قيام وسلك مَسْلَك آبَائِهِ الْكِرَام ثمَّ جلس مجْلِس عَمه للتدريس الْعَام وَاسْتقر فِي ذرْوَة المنصب حَيْثُ يمتطى السنام وَكَانَ يجلس كل يَوْم من أول النَّهَار إِلَى آخر الضُّحَى

الْأَعْلَى وَالنَّاس يَغْدُونَ عَلَيْهِ ويردون من فَضله الغل والنهل وَحضر هَذَا الدَّرْس عُلَمَاء أَعْلَام ومشايخ إِسْلَام قَالَ الشلي وحضرته مَرَّات ودعا لي بدعوات وَكَانَت عباداته أَكْثَرهَا قلبية وَكَانَ ملازماً لقِيَام الثُّلُث الْأَخير من اللَّيْل هُوَ وَالْإِمَام الشَّيْخ مُحَمَّد باعيشة يقرآن الْقُرْآن كل ختمة لشيخ من الْقُرَّاء السَّبْعَة وَيسْتَعْمل السّنة فِي مدخله ومخرجه بل فِي جَمِيع أُمُوره وَألبسهُ الله رِدَاء جميلاً وكل من رَآهُ انْتفع بِرُؤْيَتِهِ قبل كَلَام يتَكَلَّم بِهِ وَإِذا تكلم كَانَ الْبَهَاء والنور على أَلْفَاظه قَالَ بعض عُلَمَاء وقته لقد طفت كثيرا من الْبِلَاد وَرَأَيْت الْأَئِمَّة والزهاد فَمَا رَأَيْت أكمل مِنْهُ نعتاً وَلَا أحسن وَصفا وَبِالْجُمْلَةِ فأقواله مفيدة وأفعاله حميدة وَإِذا كَانَ أَعْيَان زَمَانه قصيدة فَهُوَ بَيتهَا وَإِن انتظموا عقدا كَانَ هُوَ واسطته وَمَعَ تبحره فِي الْعُلُوم العديدة لم يسمع أَنه ألف رِسَالَة وَلَا نظم شعرًا وَلَا قصيدة وَلم يزل يترقى فِي المقامات وَالْأَحْوَال حَتَّى نَالَ غَايَة الآمال وَدعَاهُ دَاعِي الِانْتِقَال وَكَانَ انْتِقَاله فِي سنة ثَلَاث وَخمسين وَألف وفيهَا مَاتَ جمَاعَة من أهل الْأَحْوَال فَلِذَا أرخها بَعضهم بقوله غَابَ الْوُجُود وَدفن بقبة جده وقبره مَشْهُور عِنْد النَّاس وَمن استجار بِهِ أَمن من كل باس رَحمَه الله تَعَالَى

السَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد كَمَال الدّين بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْحُسَيْنِي الدِّمَشْقِي الْمَعْرُوف بِابْن النَّقِيب وَقد تقدم تَتِمَّة نسبه فِي تَرْجَمَة عَمه السَّيِّد حُسَيْن وَكَانَ السَّيِّد الْمَذْكُور نادرة وقته فِي الْفضل وَالْأَدب والذكاء وجودة القريحة وَحسن التخيل وَكَانَ مطلعاً على اللُّغَة وَالشعر وأنواعه الِاطِّلَاع التَّام وفضله أشهر من أَن ينوّه بِهِ أَو ينيبه عَلَيْهِ تخرج بوالده وَغَيره من فضلاء الْعَصْر حَتَّى برع وأتقن فنوناً ثمَّ تعانى الْإِنْشَاء ونظم الشّعْر فِي طَلِيعَة عمره فَأحْسن فيهمَا كل الْإِحْسَان وَضرب فيهمَا بالقدح الْمُعَلَّى وَكَانَ يتخيل التخيلات الْبَعِيدَة البديعة فِي التشابيه العجيبة والنكات المتقنة والمعميات العويصة وَكَلَامه كَمَا ترَاهُ يجمع بَين الجزالة وَحسن التَّرْكِيب فِي لطائف الصَّنْعَة وتملك رق الإتقان والإبداع ويعرب عَمَّا وَرَاءه من أدب كثير وَحفظ غزير وقريحة غير قريحة وطبع غير طبع وَقد وقفت لَهُ على أَشْيَاء يحْسد الأول الْأَخير عَلَيْهَا فَمن ذَلِك رقْعَة بِخَطِّهِ كتبهَا إِلَى صاحبنا المرحوم زين الدّين بن أَحْمد البصراوي يستدعيه وَيطْلب مِنْهُ رَيْحَانَة الشهَاب يَقُول فِيهَا

يَا أديباً يُبْدِي من الْأَدَب الغضرياضاً موشية الديباج
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «يا أديباً يبدي من الأدب الغض»
قد نمتها سحب الحيا وسقاها الطلقبل الصَّباح وعذب المزاج
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «يا أديباً يبدي من الأدب الغض»
إنّ فصل الرّبيع وافى بوردمُنْذُ أضحت نفوسنا فِي ابتهاج
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «يا أديباً يبدي من الأدب الغض»
ولغض الريحان مَعَ يَانِع الْورْدازدواج فِي قُوَّة الامتزاج
فتفتضل مَعَ الرَّسُول إِذا شِئْتبريحانة الشهَاب الخفاجي

هَذَا وَالْمَقْصُود مِنْهَا تَعْلِيق مَا يَقع عَلَيْهِ الِاخْتِيَار مِمَّا يصلح لحاجتي من بَدَائِع الْأَشْعَار والكف عَن التَّطْوِيل بِمَا لَيْسَ من هَذَا الْقَبِيل وَقد اتّفق لي بالصالحية من يوميات ربيعية من بَاب تجريب الخاطر وَهِي

بكر الرَّوْض بالنسيم الوانيوتجلى الرّبيع فِي ألوان
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «بكر الروض بالنسيم الواني»
وأملت حمائم الدوح ألحاناًأمالت معاطف الأغصان
وبدا الْورْد فِي خدود دوَامللعذارى من القطوف الدواني
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «بكر الروض بالنسيم الواني»
وانجلى الصُّبْح عَن مواليد مزنأودعتها ضمائر الأفنان
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «بكر الروض بالنسيم الواني»
مَا ألذ الرّبيع فِي زمن الْورْدوَأحلى الشَّبَاب فِي العنفوان
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «بكر الروض بالنسيم الواني»

وَقلت فِي أَيَّام الرّبيع

حبانا لذيذ الْعَيْش آذار واغتدتأزاهره تهدي لنا الطّيب والعرفا
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «حبانا لذيذ العيش آذار واغتدت»
ووافت بواكير الرّبيع بجدةتزف عروس الرَّوْض من خدرها زفا
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «حبانا لذيذ العيش آذار واغتدت»
وهب النسيم اللدن من جَانب الربىيلين لَهَا عطفا ويسألها عطفا
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «حبانا لذيذ العيش آذار واغتدت»
إِذا ضمهَا عرف الكمائم ضمختصباه وسامته معاطفها اللطفا
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «حبانا لذيذ العيش آذار واغتدت»
محبان فِي وسط الرياض تألفاأجنت لَهُ سرّ الغرام بِمَا أخْفى
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «حبانا لذيذ العيش آذار واغتدت»
وجمشها حَتَّى زها شمس نورهافعبس وَجه النَّهر واختطف الشنفا

وأحدث الخاطر معمى فِي اسْم مُحَمَّد وَهُوَ

رب ظَبْي مقرطق قد تبدّىخلت بَدْرًا من فَوْقه قد تلالا
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «رب ظبي مقرطق مذ تبدى»
لَاحَ فِي الثغر جَوْهَر من ثناياهفأبدى فِي الخدّ خالا بِلَالًا
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «رب ظبي مقرطق مذ تبدى»

وَقلت بعده فِي هانىء

حِين بَان الخليط وازداد وجديقلت والدمع فِي الخدود يسيل
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «حين بان الخليط وازداد وجدي»
يَا رَسُولي إِلَيْهِ روحي خُذْهَامنجداً إثره بهَا يَا رَسُول
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «حين بان الخليط وازداد وجدي»

وَقلت بعده فِي سُلَيْمَان

لقد سقاني الحبيب كأساًلم أرو مِنْهَا ورمت أُخْرَى
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «لقد سقاني الحبيب كأسا»
فَقَالَ خُذ مَا بَقِي بكاسيسؤراً وَأحسن بِذَاكَ سؤرا
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «لقد سقاني الحبيب كأسا»
فَعِنْدَ مَا جادلي بِمَا فِيأَوَاخِر الكاس مت سكرا

هَذَا مَا قرأته بِخَطِّهِ وَمن معمياته العويصة قَوْله فِي سليم وعَلى مَعَ اخْتِلَاف الْأَعْمَال

وَرْقَاء قلبِي قد أضحت مرفرفةعلى قوامك يَا من طرفه عجمي
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «ورقاء قلبي قد أضحت مرفرفة»
وَأَنَّهَا هَبَطت مِنْهُ على غُصْنفغض طرفك وارسله إِلَى الْقدَم
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «ورقاء قلبي قد أضحت مرفرفة»

أرادها من أَنَّهَا بِعَمَل التَّحْلِيل وَهِي بِسِتَّة وبالعجمية شش فَإِذا هَبَطت صَارَت سينا والغصن الْألف وَهِي يَك وَلها اللَّام بِالْعدَدِ الحسابي من أبجد وغض مرادفه كف وَهِي بِمِائَة فَإِذا هَبَطت لَهَا الْيَاء وَالْمِيم من الْغَايَة وَأما طَريقَة اسْتِخْرَاج على فَإِنَّهُ أَرَادَ قلت وَقد أَكثر فِي أشعاره من المعميات وَكَانَ شَدِيد الاعتناء بِهَذَا النَّوْع جدا وَهَذَا من الْأَنْوَاع اللطيفة المسلك وَقد أدرجه بعض الْمُتَأَخِّرين فِي فنون البديع وعدّه من المحسنات وَاعْترض بِأَن مُلَاحظَة المحسن إِنَّمَا هِيَ بعد رِعَايَة الفصاحة البلاغة والبلاغة مَشْرُوطَة بِعَدَمِ التعقيد لفظا وَمعنى وَكِلَاهُمَا وجود فِي المعمى فَهُوَ خَارج عَنهُ وَقد يُجَاب بِأَن محققي هَذَا الْفَنّ شرطُوا لصِحَّته وجود الْمَعْنى الشعري فِيهِ وَإِذا لم يكن مَوْجُودا فَلَيْسَ بمعتد بِهِ فَعَلَيهِ يكون دَاخِلا فِي المحسنات قطعا وَإِن كَانَ بعض مُتَقَدِّمي علمائه لم يشْتَرط ذَلِك لصِحَّته وَهُوَ مِمَّا لَا اعْتِدَاد بِهِ وَمن غَرِيب مَا وَقع لي مَعَ بعض أدباء الرّوم وَقد ذكر المعمى فَقَالَ أَبنَاء الْعَرَب لَا يعْرفُونَ المعمى فأوردت لَهُ أَشْيَاء مِنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ فاعترف بِأَن الْمُتَأَخِّرين مَشوا على نهج الْأَعَاجِم والأروام فِيهِ لِكَثْرَة اختلاطهم بهم وَأما المتقدمون فَلَا يعرفونه فأخرجت لَهُ دفتراً من جمعياتي نقلت فِيهِ عَن ابْن قُتَيْبَة اللّغَوِيّ قَالَ إِن هَذِه الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة وَهِي الأحاجي واللغز والمعميات من خَصَائِص الْعَرَب وكل من نظم فِيهَا من أَبنَاء فَارس وَأَبْنَاء الرّوم إِنَّمَا أَخذ ذَلِك عَنْهُم وتطفل على موائدهم وَانْظُر إِلَى تَسْمِيَة هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة هَل هِيَ عَرَبِيَّة أَو فارسية فالمعمى من التعمية وَهِي التغطية والأحجية من الحجا وَهُوَ الْعقل كَأَنَّهُ يختبر فِيهَا الْعقل واللغز الْإخْفَاء انْتهى مَا قَالَه وَلَكِن مَعَ هَذَا فَالْحق أَحَق أَن يتبع أَن تطفل الْفرس وَالروم وعَلى الْعَرَب فِي هَذِه الْأُمُور وَإِن كَانَ وَاقعا لكِنهمْ لجودة أفكارهم تصرّفوا فِيهِ تصرّف الْملاك فاستحقوا أَن يوصفوا بالتفرد بِهِ وَلَقَد وقفت فِي الرّوم على رِسَالَة للسَّيِّد شرِيف

فِي المعمى ذكر فِيهَا أَنه صنع بَيْتا وَاحِدًا يخرج مِنْهُ ألف اسْم بطرِيق التعمية مَعَ الْتِزَام تعدّد الْإِيهَام فِي كل اسْم وَهَذِه الْأَنْوَاع وَإِن انْفَرد كل وَاحِد مِنْهَا بأسلوب يَخُصُّهُ إِلَّا أَنَّهَا ترجع إِلَى أصل وَاحِد هُوَ إبراز الْكَلَام على خلاف مُقْتَضى الْعبارَة فالأحجية أَن يُؤْتى بِلَفْظ مركب وَيطْلب مَعْنَاهُ من تَحْلِيل لفظ مُفْرد كَقَوْلِك هدهداي ارْجع ارْجع وَأما المعمى فَهُوَ قَول يسْتَخْرج مِنْهُ كلمة فَأكْثر بطرِيق الرَّمْز والإيماء بِحَيْثُ يقبله الذَّوْق السَّلِيم واللغز مثله إِلَّا أَنه يَجِيء على طَريقَة السُّؤَال وَالْفرق بَينه وَبَين المعمى أَن الْكَلَام إِذا دلّ على ذَات شَيْء من الْأَشْيَاء بِذكر صِفَات لَهُ تميزه عَمَّا عداهُ كَانَ ذَلِك لغزاً وَإِذا دلّ على اسْم خَاص بملاحظة كَونه لفظا بِدلَالَة مرموزه سمى ذَلِك معمى فَالْكَلَام الدَّال على بعض الْأَسْمَاء يكون معمى من حَيْثُ أَن مَدْلُوله ذَات من الذوات لَا بملاحظة أوصافها فعلى هَذَا يكون قَول الْقَائِل فِي اسْم كَون

يَا أَيهَا الْعَطَّار أعرب لناعَن اسْم شَيْء قل فِي سومك
تنظره بِالْعينِ فِي يقظةكَمَا ترى بِالْقَلْبِ فِي نومك

صَالحا لِأَن يكون فِي اصطلاحهم معمى بِاعْتِبَار دلَالَته على اسْم بطرِيق الرَّمْز وَمثل ذَلِك كثير فِي أشعار الْعَرَب فَلَا حَاجَة إِلَى تَكْثِير الْأَمْثِلَة وَاعْلَم أَن أَرْبَاب المعمى لم يشترطوا فِي اسْتِخْرَاج الْكَلِمَة بطرِيق التعمية حُصُولهَا بحركاتها وسكناتها بل يَكْفِي حُصُول حُرُوف الْكَلِمَة من غير مُلَاحظَة هيئتها الْخَاصَّة فَإِن وَقع التَّعَرُّض للحركات والسكنات أَيْضا كَانَ ذَلِك من المحسنات ويسمون هَذَا عملا تذييلياً وَقد خرجنَا عَن الصدد الَّذِي نَحن فِيهِ فلعلك لَا تسأم وقرأت بِخَط بعض الأدباء نَاقِلا عَن خطّ السَّيِّد صَاحب التَّرْجَمَة قَالَ أنْشد الْعَلامَة نَسِيج وحدة المرحوم الشَّيْخ أَحْمد الْمقري المغربي فِي كِتَابه أزهار الرياض فِي أَخْبَار عِيَاض فِي جملَة مَا أوردهُ من شعر ابْن زمرك الأندلسي من كتاب ذكر أَنه من تآليف بعض سلاطين تلمسان بني الْأَحْمَر وَهُوَ حفيد ابْن الْأَحْمَر المخلوع سُلْطَان الأندلس الَّذِي كتب إِلَيْهِ ابْن زمرك بعد ابْن الْخَطِيب قَالَ وَهُوَ سفر ضخم سَمَّاهُ بالبقية والمدرك من شعر ابْن زمرك لَيْسَ فِيهِ إِلَّا نظمه فَقَط فَقَالَ وَمن وَصفه فِي زهر القرنفل الصعب الاجتناء بجبل الْفَتْح وَقد وَقع لَهُ مَوْلَانَا المستعين بِاللَّه بذلك فارتجل قطعا مِنْهَا

أَتَوْنِي بنوّار يروق نضارهكخدّ الَّذِي أَهْوى وَطيب تنفسه
للشاعر ابن زمرك، من قصيدة «أتوني بنوار يروق نضارة»
وجاؤوا بِهِ من شَاهِق متمنعتمنع ذَاك الظبي فِي ظلّ مكنسه
رعى الله مِنْهُ عَاشِقًا متقنعاًبزهر حكى فِي الْحسن خدّ مؤنسه
وَإِن هَب خفاق النسيم بنفحهحكت عرفه طيبا يَفِي بتأنسه
للشاعر ابن زمرك، من قصيدة «أتوني بنوار يروق نضارة»

قَالَ وَكنت من أَعمال الْفِكر فِي عدَّة تماثيل أصفه بهَا تكون من هَذَا الزهر على حَالَة تحْشر لَهَا النَّفس بتحريك نَازع الاقتدار وَتصرف عَنْهَا الخاطر كبارًا لِأَن أكون فاتح هَذَا الْبَاب من غير وَطْأَة ثَابِتَة فِي اسْمه ومنتهاه حَتَّى رَأَيْت فِي ذكر معزاه مَا ترى فَقلت فِيهِ عدّة مقاطيع مِنْهَا

وجنّى من القرنفل يُبْدِيلَك عرفا من نشره بابتسام
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «وجني من القرنفل يبدي»
فَوق سوق كَأَنَّهَا من أَبَارِيقالحميا مساكب للمدام
وسدت فَوْقهَا السقاة خدوداًداميات مِنْهَا مَكَان الْفِدَام
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «وجني من القرنفل يبدي»

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع