تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْعين الْمُهْملَة (١٤)

الصفحة ١ من ٢

نظمها سَمَّاهُ حسن السريرة فِي حسن السِّيرَة وَشَرحه على قِطْعَة من ديوَان المتنبي سَمَّاهُ الْكَلم الطّيب على كَلَام أبي الطّيب وعلو الْحجَّة بِتَأْخِير أبي بكر بن حجَّة وَله رسائل علمية مِنْهَا قِطْعَة على أَوَائِل صَحِيح البُخَارِيّ سَمَّاهَا إفحام المجاري فِي إفهام البُخَارِيّ ورسالة سل السَّيْف على حل كَيفَ ورسالة فسر بهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت﴾ سَمَّاهَا عرائس الْأَبْكَار وغرائس الأفكار وَمِنْهَا شرح على كتاب الْكَافِي فِي علمي الْعرُوض والقوافي سَمَّاهُ كشف الخافي من كتاب الْكَافِي وَلم يزل منهمكاً على الْعلم مباحثاً فِيهِ مَعْرُوفا بِهِ وَله الْأَشْعَار الرائقة الحلوة فَمن ذَلِك قَوْله يمدح الشريف حسن بن أبي نمي

بَدَت تجر ذيول التيه والخيلافِي رَوْضَة الْعجب حَتَّى قلت حيّ على
خود تجرّد بيضًا من لواحظهافَتتْرك الْأسد فِي ساحاتها قَتْلَى
وتنثني بقوام زانه هيففتجعل الْغُصْن تعديلاً كَذَا ميلًا
مَا أطلعت لي هلالاً من مبرقعهاإِلَّا وعاينته بَدْرًا فَلَا أَفلا
وَلَا رنت لي بلحظ فَتْرَة كسلاإِلَّا وَقد بعثت جَوف الحشا رسلًا
يَا حسنها من فتاة حل مبسمهاظلم يفوق على لذاته العسلا
ورصعته لآل حول منبتهازمزّد الوشم يَا لله من فعلا
ناديتها ورماح الْحَيّ معلنةيَا ظَبْيَة الْحَيّ هَل مَا يبلغ الأملا
لوالهٍ عبثت أَيدي الغرام بِهِأما ترى شَأْنه أَن يبدع الغزلا
قَالَت صدقت وَلَكِن ذَاك تَوْطِئَةلمدح أفضل من فِي الأَرْض قد عدلا
السَّيِّد الْحسن الْملك الْهمام وَمنترَاهُ بِالْحَقِّ للجوزاء منتعلا
سُلْطَان مَكَّة حامي الْبَيْت من شهِدتبعد لَهُ الأَرْض لما مهد السبلا
مؤيد الدّين بالفهم الَّذِي اقترنتبِهِ السعادات فِي حالاته جملا
لَيْث الكتيبة مروى المشرفية مندم العدا منهلاً إِذا أرعف الأسلا
صَاد الصناديد يَوْم الْحَرْب مَا بَطلرأى عجائبه إِلَّا وَقد بطلا
كم ذَا أبانت عَن العلياء همتهوَكم أبادت معالي عزمه رجلا
وَكم محا سَيْفه أهل الْفساد وأربابالعناد فجارى سَيْفه الأجلا
فَأَصْبحُوا لَا ترى إِلَّا مساكنهمبلاقعاً قد كساها الذل ثوب بلَى
وَلَيْسَ بدعاً فَهَذَا شَأْن وَالِدهعلى المرتضى السَّامِي بِفضل وَلَا
فسل حنيناً وسل بَدْرًا وسل أحداوالنهروان وسل صفّين والجملا
فيا ابْن طه عَلَوْت النَّاس مرتبَةوَجل قدرك أَن تحكي لَهُ مثلا
هَل أَنْت ملك عَظِيم الْخلق أم ملكأبن فأمرك هَذَا حير العقلا
جمعت كل صِفَات الْحسن أعظمهاجبر الخواطر للعاني وَمن وصلا
لَا سِيمَا من عبيد غرس نعمتكمأَبَا وجدا فَمن ذَا أَصْبحُوا أصلا
لذا حثثت مطايا الْعَزْم مسرعةإِلَى فنائك كَيْمَا أبلغ الأملا

مِنْهَا

مَا ينفذ حكم الشَّرْع دَامَ سوىذَات الشريف وَمَا عَنهُ نرى حولا
أدامه الله فِي سعد يسر بِهِوَذَا دُعَاء لكل الْخلق قد شملا
ثمَّ الصَّلَاة على الْمُخْتَار من مُضروالآل والصحب مَا مدح الشريف حلا

وَلما وقف على قَول الْبَدْر الدماميني

يَا سَاكِني مَكَّة لَا زلتمأنسا لنا أَنِّي لم أنسكم
للشاعر بدر الدين الدماميني، اقرأ القصيدة
مَا فِيكُم عيب سوى قَوْلكُمعِنْد اللقا أوحشنا إنسكم
للشاعر بدر الدين الدماميني، اقرأ القصيدة

قَالَ مجيباً

مَا عيبنا هَذَا وَلكنهمن سوء فهم جَاءَ من حدسكم
للشاعر محيى الدين الطبري، اقرأ القصيدة
لم نعن بالإيحاش عِنْد اللقابل مَا مضى فابكوا على نفسكم
للشاعر محيى الدين الطبري، اقرأ القصيدة

وحذا حذوه وَلَده زين العابدين الْمُقدم ذكره فَقَالَ

يَا مظهر الْعَيْب على قَوْلنَاعِنْد اللقا أوحشنا أنسكم
مَا قصدنا مَا قد جنحتم لَهُمن خطأ قد جَاءَ فِي فهمكم
فقولنا الْمَذْكُور جَار علىحذف مُضَاف غَابَ من حدسكم
وَالْقَصْد فقد الْأنس فِيمَا مضىلَا ضِدّه الْوَاقِع فِي وهمكم
فالأنس لم يوحش بلَى فَقدههُوَ الَّذِي يوحش من مثلكُمْ
وَبعد أَن بَان لكم فاجزموابِنِسْبَة الْعَيْب إِلَى نفسكم

وَحين وقف على مَا قَالَه الْعَلامَة أَحْمد بن عبد الرؤف قَالَ مجيباً ومعتذراً عَن الدماميني

صونا موَالِي الْفضل بَين الورىللبدر إِن تُدْرِكهُ شمسكم
وجللوه بعباء الإخافَإِنَّهُ الْأَنْسَب من قدسيكم
فَإِنَّهُ الْكَنْز وبنيانهمؤسس قد مَا على أسكم
كَأَنَّهُ أضمر أَن شانكمصناعَة الْإِيهَام فِي لفظكم
فَاسْتعْمل النَّوْع الَّذِي أَنْتُمأَدْرِي بِهِ كي يجتني غرسكم
وَلم يَسعهُ كَونه مُنْكرالمثل هَذَا الحذق من مثلكُمْ
فَإِن هَذَا سَائِغ شَائِعبرهانه أوحشنا أنسكم

وَكَانَت ولادَة صَاحب التَّرْجَمَة آخر نَهَار السَّابِع وَالْعِشْرين من صفر سنة سِتّ وَسبعين وَتِسْعمِائَة بِمَكَّة وَتُوفِّي فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَتُوفِّي وَالِده الإِمَام مُحَمَّد ابْن يحيى سنة ثَمَان عشرَة وَألف وَسبب موت صَاحب التَّرْجَمَة أَنه لما كَانَ لَيْلَة الْأَرْبَعَاء سلح شهر رَمَضَان أَمر حيدر باشا مُتَوَلِّي الْيمن أَن لَا يخْطب الْعِيد فِي هَذَا الْعَام إِلَّا خطيب حَنَفِيّ وَكَانَت النّوبَة لصَاحب التَّرْجَمَة وَكَانَ قد تهَيَّأ للخطبة وَأخذ جَمِيع مَا يَحْتَاجهُ من السماط والحلوى على عَادَة خطيب الْعِيد بِمَكَّة فراجع حيدر باشا فِي ذَلِك فَلم يفعل وشدد فِي مَنعه مُبَاشرَة خطْبَة الْعِيد فتعب لذَلِك تعباً شَدِيدا فَمَاتَ فَجْأَة وَصلى عَلَيْهِ بعد صَلَاة الْعِيد من يَوْمه والطبريون بَيت علم وَشرف مَشْهُورُونَ فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا وهم أقدم ذَوي الْبيُوت بِمَكَّة فَإِن الشَّيْخ نجم الدّين عمر بن فَهد ذكر ذَلِك فِي كِتَابه التَّبْيِين بتراجم الطبريين وَقَالَ إِن أول من قدم مَكَّة مِنْهُم الشَّيْخ رَضِي الدّين أَبُو بكر مُحَمَّد بن أبي بكر بن عَليّ بن فَارس الْحُسَيْنِي الطَّبَرِيّ قيل سنة سبعين وَخَمْسمِائة أوفى الَّتِي بعْدهَا وَانْقطع بهَا وزار النَّبِي

وَسَأَلَ الله تَعَالَى عِنْده أَوْلَادًا عُلَمَاء هداة مرضيين فولد لَهُ سَبْعَة أَوْلَاد وهم مُحَمَّد وَأحمد وَعلي وَإِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَكَانُوا كلهم فُقَهَاء عُلَمَاء مدرسين وَكَانَ دُخُول الْقَضَاء وإمامة مقَام إِبْرَاهِيم فِي بَيتهمْ سنة ثَلَاث وَسبعين وسِتمِائَة كَمَا ذكره النَّجْم بن فَهد فِي تَارِيخه إتحاف الورى بأخبار أم الْقرى وَذكره الفاسي فِي تَارِيخه العقد الثمين فِي تَارِيخ بلد الله الْأمين وَلم تزل إِمَامَة الْمقَام الْمَذْكُور مَخْصُوصَة بهم لَا مدْخل مَعَهم فِي ذَلِك الْأَجْنَبِيّ وكل من كمل مِنْهُم للمباشرة يُبَاشر وَلَا يحْتَاج إِلَى إِذن جَدِيد لوُقُوع الْإِذْن الْمُطلق لَهُم من زمن السلاطين السَّابِقين والأشراف الْمُتَقَدِّمين وَاتفقَ فِي عَام إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف أَن إنْسَانا رام الدُّخُول مَعَهم فِي ذَلِك وَقع كَلَام طَوِيل فِي ذَلِك ثمَّ مَنعه الشريف عبد الله بن الْحسن ثمَّ ورد أَمر من وَزِير مصر حِينَئِذٍ مُحَمَّد باشا بِمَنْع الْمَذْكُور أَيْضا وَاسْتمرّ ذَلِك إِلَى الْآن وَمَا زَالَت المناصب الْعلية فِي أَيْديهم يتلقونها كَابِرًا عَن كَابر ويعقدون عَلَيْهَا فِي مقَام الافتخار بالخناصر من الْقَضَاء وَالْفَتْوَى والتدريس والإمامة والخطابة بِبَلَد الله النفيس وَكَانَ منصب الخطابة قَدِيما

ينْتَقل بِمَكَّة فِي ثَلَاثَة بيُوت الطبريين والظهيريين والنويريين وَبَيت الطَّبَرِيّ أقدمهم فِي ذَلِك كَمَا يعلم من كتب التواريخ الْقَدِيمَة وَمن خطباء الطبيين الْمُحب الطَّبَرِيّ والبهاء الطَّبَرِيّ ثمَّ إِنَّه فِي حُدُود الثَّلَاثِينَ وَألف جدد خطيب مالكي ثمَّ حنبلي ثمَّ آخر حنبلي فِي عَام ثَلَاث وَأَرْبَعين وَكَانَ منصب الخطابة مَحْفُوظًا عَن أَحْدَاث النَّاس فَلَا يقلده إِلَّا الْعَظِيم علما أَو نسبا وَاتفقَ فِي عَام إِحْدَى وَأَرْبَعين أَن بَاشر الخطابة الشَّيْخ مُحَمَّد المنوفي فورد أَمر من وَزِير مصر مُخَاطبا بِهِ صَاحب مَكَّة وقاضيها وَشَيخ حرمهَا بِمَنْعه من ذَلِك فَلَمَّا جَاءَت نوبَته امْتنع قَاضِي مَكَّة إِذْ ذَاك شكر الله أَفَنْدِي من الصَّلَاة خَلفه فَأرْسل إِلَى الشريف زيد وَكَانَ بمصلاه بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وَقد صعد الْمِنْبَر وخطب فَأرْسل إِلَيْهِ الشريف وَمنعه من الصَّلَاة وَأَشَارَ إِلَى غَيره فصلى بِالنَّاسِ ثمَّ الخطباء فِي زَمَاننَا بغاية الْكَثْرَة بِحَيْثُ أَنه لم يصل الْوَاحِد مِنْهُم إِلَى نوبَته إِلَّا بعد مُضِيّ سنة ولنبي الطَّبَرِيّ مزِيد التَّقْوَى والورع وَالصَّلَاح وَتُوفِّي أَسبَاب الْخَيْر والفلاح وَزِيَادَة الألفة بَينهم وَبَين وُلَاة مَكَّة المشرفة والتراسل بَينهم بالأشعار الْحَسَنَة اللطيفة مِمَّا هُوَ مَذْكُور فِي التواريخ الْمَذْكُورَة وَغَيرهَا حَتَّى أَن تِلْكَ الألفة بَينهم اقْتَضَت المواصلة بالمصاهرة وأكملت مَا هُوَ من أَسبَاب الْمُفَاخَرَة فقد نقل الفاسي أَن زَيْنَب بنت قَاضِي مَكَّة الشهَاب أَحْمد بن قاضيها أَيْضا الْجمال مُحَمَّد الطَّبَرِيّ كَانَت زَوْجَة للشريف عجلَان صَاحب مَكَّة سنة سبعين وَسَبْعمائة ثمَّ اخْتلعت مِنْهُ لتسريه عَلَيْهَا وَمن طالع العقد الثمين علم مَا لَهُم من المناقب وَمَا اشتملوا عَلَيْهِ من المناصب وناهيك بالمقامة الَّتِي أَنْشَأَهَا الْحَافِظ جلال الدّين السُّيُوطِيّ مهنئاً الْمُحب الطَّبَرِيّ الْمُتَأَخر لما عزل أَبَا السعادات وَأَبا البركات ابْني ظهيرة عَن خطة الْقَضَاء وَولي ذَلِك بمفرده مَعَ مَا أضيف إِلَيْهِ من المناصب بسعاية الشريف أبي الْقَاسِم بن حسن بن عجلَان صَاحب مَكَّة وَمن جملَة المقامة

إِن الْقُضَاة بِمَكَّة لثَلَاثَةطبقًا لما قد جَاءَ فِي الْأَخْبَار
شيخ الْمقَام وَقد مضى فِي جنَّةوالقاضيان كِلَاهُمَا فِي النَّار

وَذكر الْحَافِظ نجم الدّين عمر بن فَهد فِي تَذكرته الْمُسَمَّاة نور الْعُيُون بِمَا تفرق من الْفُنُون قَالَ لما كنت بِالْقَاهِرَةِ المحروسة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة ورد إِلَيْهَا القَاضِي أَبُو البركات بن عَليّ بن ظهيرة ساعياً لِأَخِيهِ أبي السعادات فِي عوده لمنصبه قَضَاء الشَّافِعِيَّة وصحبة سؤالان مَعْنَاهُمَا أَن رجلَيْنِ من طلبة الْعلم الشريف بهَا

تنَازعا فِي مسئلة فَرضِيَّة فقصد أَحدهمَا بالسؤال عَنْهَا أَخَاهُ أَبَا السعادات وَامْتنع الآخر فَحلف الأول بِالطَّلَاق الثَّلَاث أَنه لَيْسَ بِمَكَّة وأعمالها أحد أعلم مِنْهُ فَهَل يَقع على الْحَالِف حنث أم لَا وَهل بِالْبَلَدِ من يُسَاوِي الْمشَار إِلَيْهِ فِي الْعلم أَو يفوقه فَأجَاب شيخ الْإِسْلَام الْحَافِظ الشهَاب أَحْمد بن حجر الْعَسْقَلَانِي الْكِنَانِي وَالْإِمَام السنباطي بِعَدَمِ الْحِنْث وَأطلق الأول بِانْفِرَادِهِ فِي وقته وَعدم مساواته فضلا عَن أَن يفوقه أحد فِي بَلَده وَقيد الثَّانِي بِأَنَّهُ إِذا سُئِلَ فِي الْفِقْه أجَاب فِي الْحَال من الرَّافِعِيّ وَالرَّوْضَة أَو فِي الْأُصُول فَمن ابْن الْحَاجِب والبيضاوي وَكَذَا الحَدِيث وَالتَّفْسِير كَمَا شَاهده مِنْهُ فِي مجاورته بِبَلَدِهِ فَلَمَّا اطلع على السؤالين وجوابهما الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي الْمُحب الطَّبَرِيّ كتب فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة قصيدة لامية من نظمه إِلَى الْحَافِظ ابْن حجر مضمونها الْإِنْكَار عَلَيْهِ وعَلى السنباطي فِي الْفتيا وَهِي هَذِه

يقبل الأَرْض عبد قد أحبكمطفْلا وَفِي كبرٍ فِي الْحبّ مَا عدلا
وَيسْأل الله أَن يحظى برؤيتكمعلى الصَّفَا فَعَسَى أَن يبلغ الأملا
يَا وَاحِد الْعَصْر خُذ منا مراسلةتَشْكُو لما قد حكى عَنْكُم وَمَا حصلا
من مَكَّة صدرت تَشْكُو لخالقهاأَيْضا وتروى لكم عَن ألسن الفضلا
مَا بَال سيدنَا زلت أناملهوَالله تِلْكَ لعمري زلَّة العقلا
جَاءَت لمَكَّة فتيا قد جزمت بهَابِأَن أفضلهَا هَذَا الَّذِي خذلا
وَقلت هَذَا طَلَاق لم يَقع وَلَقَدقَالَ المحق طَلَاق الأحمق اتصلا
إِن كَانَ أعملها من قد ذكرت فقدصَارَت بِلَا عَالم وَالْعلم قد هزلا
رام الترقي إِلَى الْعليا فأنزلهذَا الدَّهْر من طيشه لَا زَالَ مستفلا
قد أوقع الحبر فِيمَا لَيْسَ شيمتهكَانَ الإِمَام عَن التحريف منعزلا
ارْجع هداك الَّذِي أَعْطَاك منزلَةعَن ذِي الْمقَالة وَالْأَمر الَّذِي نقلا
مَا يحمد الله فِي الدّين والهوى وَلَقَدذمّ الَّذِي بالهوى قد كَانَ مشتغلا
هلا كتبتم أدام الله دولتكممثل السباطي إِذْ من أَكلَة وحلا
خُذ زادك الله حرصاً ذكر سيرتهعَن وَاحِد لم يزدْ فِيهَا وَلَا جهلا
أَبُو السعادات هَذَا من شبيبتهوَفِي كهولته مَا حَاز قطّ علا
لم يَأْخُذ الْعلم عَن شيخ يعرفهُوَجه الصَّوَاب وَلَا أصغى وَلَا قبلا
يُفْتِي من الْكتب إِن أخطا فعادتهوَإِن أصَاب فَوجه الذَّم مَا جهلا
والنحو لم يدر فِيهِ قطّ مسئلةمثل الْحمار إِذا مَا فِيهِ قد سئلا
كَذَا الْأُصُول إِذا مَا قلت مبحثهينشى الرياسة إِذْ كَانَت لَهُ شغلا
علم الْفَرَائِض لم يحسن لمسئلةمِنْهُ وَلَا لحساب الأَصْل قد عملا
قد ضيع الْعُمر حسداً للملا وَلهعجب وَكبر وحقد بئْسَمَا فعلا
أضحى بِمَكَّة يُؤْذِي الْخلق من حمقوَلَيْسَ فِي النَّاس شخص من أَذَاهُ خلا
لَهُ مثالب أُخْرَى غير مَا ذكرتإِنِّي عقلت لساني عَنهُ فانعقلا
جَمِيع جيران بَيت الله يَعْقِلهَاإِن اتهمت فسل عَن ذَاك من عقلا
فَكيف ينْسب من هَذَا لَهُ صفةبِأَنَّهُ عَالم وَالْحَال مَا نقلا
فَكُن رعاك الْإِلَه الْيَوْم معتذراًعَمَّا جنيت وَقل وَالله قد جهلا
الله يبْقى لنا هَذَا المليك لقدأراح مَكَّة من أَحْكَام من عزلا
كَانَت ولَايَته للْحكم نازلةوَالْحَمْد لله عَنَّا زَالَ مَا نزلا
أسْتَغْفر الله فِي تَقْصِيرهَا فَلَقَدجَاءَت بذب لما بِالنَّاسِ قد حصلا
وصل رب على الْمُخْتَار من مُضروَآله وأجب يَا خير من سئلا
كَذَلِك الصحب والأتباع مَا طلعتشمس ولاح ضِيَاء الْأُفق أَو أَفلا

وَقد أطلقنا عنان الْقَلَم فِي ميدان المداد وَإِن كَانَ لَيْسَ من شَرط المُرَاد إِذْ الحَدِيث شجون وَالْكَلَام يجر بعضه بَعْضًا هَذَا وَقد قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي الْمَذْكُور فِي بعض كتبه أَن قَول الأقران بَعضهم فِي بعض غير مَقْبُول قَالَ وَمَا علمت عصراً سلم أَهله من ذَلِك غير عصر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ انْتهى كَلَامه قلت وَفِي قَوْله غير عصر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ تَأمل إِذْ لم يسلمُوا أَيْضا من ذَلِك كَمَا يعرفهُ من طالع سيرهم فَالظَّاهِر الْعُمُوم وَلَعَلَّ كَلَامه مَبْنِيّ على الْأَكْثَر وَالْغَالِب لقلته فيهم بِالنِّسْبَةِ لمن بعدهمْ وَالله تَعَالَى أعلم

عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد أبي الغيض السَّيِّد الْأَفْضَل أَبُو مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن قضيب البان يتَّصل نسبه بِأبي عبد الله الْحُسَيْن قضيب البان الْموصِلِي من أَوْلَاد مُوسَى الجون بن عبد الله الْمَحْض بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط بن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ابْن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ وَالْحُسَيْن قضيب البان الْمَذْكُور صَاحب الكرامات الْمَشْهُورَة ذكره كثير من النسابة والمؤرخين وَهُوَ الَّذِي كَانَ صحب الشَّيْخ عبد الْقَادِر الكيلاني قدّس سره وَزوج الشَّيْخ عبد الْقَادِر ابْنَته الْمُسَمَّاة

بخديجة السمينة لأبي المحاسن على ولد الشَّيْخ قضيب البان الْمَذْكُور وَكَانَت قبل تَحت ولد الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الطنشونجي فَمَاتَ عَنْهَا جده وَتَزَوجهَا بعده أَبُو المحاسن عَليّ الْمَذْكُور واستولدها ذكر ذَلِك عبد الله بن سعد اليافعي وَشَيخ الشّرف فِي كِتَابَيْهِمَا فَيكون نسب السَّيِّد عبد الْقَادِر صَاحب التَّرْجَمَة مُتَّصِلا بِحَضْرَة الشَّيْخ عبد الْقَادِر الكيلاني من ابْنَته خَدِيجَة السمينة وبحضرة الشَّيْخ قضيب البان من وَلَده أبي المحاسن على المسطور وَهَذَا السَّيِّد هُوَ أكبر أهل وقته وفريد أقرانه ولد بحماه وَهَاجَر بِهِ أَبوهُ إِلَى حلب وتوطن بهَا إِلَى سنة ألف وفيهَا حج إِلَى بَيت الله الْحَرَام وجاور بِمَكَّة إِلَى حُدُود سنة اثْنَتَيْ عشرَة بعد الْألف وَمِنْهَا توجه إِلَى الْقَاهِرَة بِإِشَارَة القطب وَكَانَ شيخ الْإِسْلَام يحيى بن زَكَرِيَّا قَاضِيا بِمصْر فزاره وَكَانَ مُعْتَقدًا على الْمَشَايِخ والأولياء فبشره بمشيخة الْإِسْلَام وَبَايَعَهُ على الطّرق الثَّلَاثَة النقشبندية والقادرية والخلوتية ثمَّ أقره على طَرِيق النقشبندية وَأمره بالاشتغال بِالذكر القلبي وَله مَعَه كرامات ومكاشفات وَلما ولي الْإِفْتَاء وَجه إِلَيْهِ نقابة حلب وديار بكر وَمَا والاهما مَعَ قَضَاء حماه بطرِيق التَّأْبِيد برتبة مَكَّة المكرمة فَلم يقبل الْقَضَاء والرتبة وَاعْتذر عَن عدم قبُوله وَقبل النقابة لكَونهَا خدمَة آل الرَّسُول

وَاسْتمرّ نَقِيبًا بحلب إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ لَهُ كرامات شهيرة وأحوال باهرة وَألف التآليف الْحَسَنَة الْوَضع الدَّالَّة على رسوخ قدمه فِي التصوف والمعارف الإلهية من جُمْلَتهَا الفتوحات المدنية ألفها على وتيرة الفتوحات المكية والمدنية للشَّيْخ الْأَكْبَر ابْن عَرَبِيّ وفيهَا يَقُول شيخ الْإِسْلَام ابْن زَكَرِيَّا الْمَذْكُور مقرظاً عَلَيْهَا بقوله

فتوحات شَيْخي غادة مَدَنِيَّةكستها نفيسات الْعُلُوم ملابسا
فَلَا عجب لَو تشتهيها نفوسناوأبحاثها أبدت إِلَيْنَا نفائسا
فَللَّه در الشَّيْخ أكبر عصرهبأنفاسه لَا زَالَ يحيي المجالسا

وَله كتاب نهج السَّعَادَة فِي التصوف وناقوس الطباع فِي أسرار السماع وَشرح أَسمَاء الله الْحسنى ورسالة فِي أسرار الْحُرُوف وَكتاب مَقَاصِد القصائد ونفحة البان وحديقة اللآل فِي وصف الْآل وَكتاب المواقف الإلهية وعقيدة أَرْبَاب الْخَواص وَغير ذَلِك مَا ينوف على أَرْبَعِينَ تأليفاً وَله ديوَان شعر كُله فِي لِسَان الْقَوْم وَله تائية عَارض بهَا تائية ابْن الفارض وَقد شرحها الْعَلامَة إِبْرَاهِيم بن المنلا الْمُقدم ذكره شرحاً لطيفاً وَمن لطائف شعره قَوْله

أرى للقلب نحوكم انجذابالأسْمع من جنابكم خطابا
فكم ليل بقربكم تقضىإِلَى سحر سُجُود أَو اقترابا
وَكم من نشوة وَردت نَهَارافَلَا خطأ وعيت وَلَا صَوَابا
وَكم سحت علينا من نداكمغيوث لَا تفارقنا انسكابا
وَكم نفحات أنس أسكرتنابهَا حضر الصَّفَا وَالْقَبْض غابا
توافقت الْقُلُوب على التدانيفَلم نشْهد بِهِ مِنْكُم حِجَابا
لقد حَاز الْوَلِيّ بِكُل حَالمن الرَّحْمَن فيضاً مستطابا
ترَاهُ بَين أهل الأَرْض أضحىلداعي الْحبّ أسرعهم جَوَابا
وَغير الله لَيْسَ لَهُ مُرَادوَغير حماه لَا يَرْجُو انتسابا

وَمن رَقِيقه قَوْله

سقاني الْحبّ من خمر العيانفتهت بسكرتي بَين الدنان
وَقلت لرفقتي رفقا بقلبيوخاطبت الحبيب بِلَا لِسَان
شربت لحبه خمرًا سقانيكصحبي فانتشى مِنْهَا جناني
شطحت بشربها بَين الندامىورشدي ضَاعَ مِمَّا قد دهاني
فأكرمني وتوجني بتاجيقوم بسره قطب الزَّمَان
وَأَمرَنِي على الأقطاب حَتَّىسرى أَمْرِي بهم فِي كل شان
وأطلعني على سر خفيّوَقَالَ السّتْر من سر الْمعَانِي
فهام أولو النهى من بعد سكريوغابوا فِي الشُّهُود عَن الْمَكَان
مريدي لَا تخف واشطح بسريفقد أذن الحبيب بِمَا حباني

وَقَوله

نظرت إِلَيْك بِعَين الطّلبومنك إِذن طلبي وَالسَّبَب
رَأَيْتُك فِي كل شَيْء بداوَلَيْسَ سواك لعَيْنِي حجب
فَأَنت هُوَ الظَّاهِر المرتجىوَأَنت هُوَ الْبَاطِن المرتقب
وَأَنت الْوُجُود لأهل الشُّهُودوَأَنت الَّذِي كل شَيْء وهب
وعيني بِعَيْنِك قد أَبْصرتلعينك فِي كل تِلْكَ النّسَب

وَمن مقاطيعه قَوْله

وَلَقَد شكوتك فِي الضَّمِير إِلَى الْهوىوعتبت من حنق عَلَيْك تجننا
منيت نَفسِي فِي هَوَاك فَلم أجدإِلَّا الْمنية عِنْد مَا هجم المنا

وَقَوله

إِذا امتدّ كف للأنام بحاجةفقوّتها من عَادَة الهمة السُّفْلى
وَمن يَك يَسْتَغْنِي عَن الْخلق جملَةفيغنيه رب الْخلق من فَضله الْأَعْلَى

وَقَوله

إِذا أَسَأْت فَأحْسنواستغفر الله تنجو
وَتب على الْفَوْر وارجعوَرَحْمَة الله فارجو

وَله غير ذَلِك من لطائف القَوْل وَكَانَت وِلَادَته بحماه فِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي فِي حُدُود سنة أَرْبَعِينَ وَألف بحلب

عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد بن عمر العلمي الْمَقْدِسِي بن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الشَّيْخ مُحَمَّد العلمي وَقد تقدم ذكر تَتِمَّة نسبه كَانَ عبد الْقَادِر هَذَا من الصلحاء الأجلاء وَكَانَ من محَاسِن وقته ونوادره فِي لطف الطَّبْع والتواضع والمعرفة وَكَانَ مَشْهُورا بالصلاح وَإِلَيْهِ كتب الإِمَام خير الدّين الرَّمْلِيّ فِي صدر كتاب قَوْله

لحضرة القطب وَابْن القطب سيدنَامختارنا العلمي دَامَت فضائله
مني سَلاما كعد الْقطر أخصرهوَذَاكَ نزر إِذا نصت شمائله

وَكَانَت وَفَاته نَهَار الْأَحَد وَدفن نَهَار الْإِثْنَيْنِ ثَانِي جُمَادَى الأولى سنة تسع وَسبعين وَألف بِمَدِينَة لدّ بِضَم اللَّام وَتَشْديد الدَّال وَهِي الْقرْيَة الْمَشْهُورَة قرب مَدِينَة الرملة من نواحي الْبَيْت المقدّس فِيهَا يقتل الدَّجَّال فِيمَا يَزْعمُونَ

عبد الْقَادِر بن مصطفى الصفوري الأَصْل الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي الْمُحَقق الْكَبِير كَانَ من أساطين أفاضل عصره مَشْهُور الذّكر بعيد الصيت اتّفق أهل عصرنا على جلالته وَعظم شَأْنه وَدينه وورعه وصيانته وأمانته كَانَ فَقِيها مُفَسرًا محدّثاً أصولياً نحوياً وَعِنْده فنون كَثِيرَة غَيرهَا وَكَانَ مُنْقَطِعًا عَن النَّاس كثير الْبلوى والأمراض أَخذ بِدِمَشْق عَن الشَّمْس الميداني وَغَيره ثمَّ رَحل فِي صباه إِلَى مصر وَأخذ بهَا عَن الْبُرْهَان اللَّقَّانِيّ وَأبي الْعَبَّاس الْمقري وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن النَّقِيب الْبَيْرُوتِي نزيل دمياط وَجمع لنَفسِهِ مشيخة رَأَيْتهَا وَعَلَيْهَا خطه وَأكْثر الرِّوَايَة فِيهَا عَن ابْن النَّقِيب الْمَذْكُور ثمَّ رَجَعَ إِلَى الشَّام ودرس بهَا وَأفَاد وانتفع بِهِ جمَاعَة ثمَّ سَافر إِلَى الرّوم وَمكث بهَا زَمَانا وَلم يحصل على أمانيه فورد دمشق وَأعْطى بعد ذَلِك الْمدرسَة البلخية وَدَار الحَدِيث الأشرفية فسكنهما ودرس بهما مُدَّة حَيَاته وَكَانَ يدرس بالجامع الْأمَوِي فيحضره أَعْيَان الطّلبَة الشَّافِعِيَّة وَأجل من انْتفع بِهِ وَحصل ودأب مَوْلَانَا الشَّيْخ

الْعَالم الصَّالح الْوَرع تَقِيّ الدّين بن شمس الدّين السَّيِّد الحصني نفع الله بِهِ فَإِنَّهُ لَازمه سِنِين وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ صاحبنا الْفَاضِل أَحْمد بن مُحَمَّد الصَّفَدِي إِمَام الدرويشية الْمُقدم ذكره وصاحبنا الأديب الْفَاضِل زين الدّين بن أَحْمد البصراوي وَغَيرهم وَله تحريرات ورسائل كَثِيرَة ووقفت لَهُ على تَحْرِير علقه على عبارَة الْغَزالِيّ الْمَشْهُورَة فَذَكرتهَا هُنَا لما فِيهَا من الْفَائِدَة والعبارة هِيَ قَوْله لَيْسَ فِي الْإِمْكَان أبدع مِمَّا كَانَ وَكَانَ بعض الطّلبَة سَأَلَهُ عَنْهَا فَأجَاب بِمَا نَصه اعْلَم أَيهَا الْأَخ أَن الْمحَال على قسمَيْنِ أَحدهمَا محَال لذاته وَالثَّانِي محَال لغيره فَإِن الْمُمكن قد يصير محالاً لغيره أَو وَاجِبا لغيره مِثَاله بعث الْمَوْتَى من قُبُورهم مُمكن فِي حد ذَاته لِأَنَّهُ إِذا خلى الْعقل وَنَفسه حكم بِجَوَازِهِ لَكِن لما أخبر سُبْحَانَهُ صَار وَاجِب الْوُقُوع بِالنّظرِ إِلَى خبر الله تَعَالَى لَا يتَخَلَّف عَدمه وَصَارَ محالاً لغيره بِهَذَا الِاعْتِبَار إِذا تقرر لَك هَذَا علمت أَن مَا قَالَه حجَّة الْإِسْلَام حق وإيضاحه إِنَّمَا هُوَ بعد أَن تعلم أَن علم الله تَعَالَى قديم وَأَنه تعلق فِي الْأَزَل بِأَن الْمُمكن الَّذِي وجد يُوجد فِي أَي زمَان وَفِي أَي مَكَان وعَلى أَي صفة وَحِينَئِذٍ فوقوعه على خلاف مَا تعلق بِهِ الْعلم محَال لغيره لِأَنَّهُ لَو وَقع على خلاف ذَلِك لزم انقلاب الْعلم جهلا وَأَنه محَال فِي حق الْحَكِيم الْخَبِير الْعَلِيم الْقَدِيم والإرادة وَالْقُدْرَة تعلقهما بالممكن إِنَّمَا يكون على وفْق تعلق الْعلم الْقَدِيم بِهِ وحينئذٍ تعلم أَن عدم إِمْكَان أبدع مِمَّا كَانَ لَيْسَ فِيهِ نِسْبَة الْجَهْل وَلَا نِسْبَة الْعَجز إِلَى الْملك الديَّان كَيفَ يظنّ ذَلِك بِحجَّة الْإِسْلَام الَّتِي مَلَأت معلوماته الدُّنْيَا بل عدم إِمْكَانه إِنَّمَا هُوَ لعدم تعلق الْإِرَادَة وَالْقُدْرَة بِهِ لما يلْزم عَلَيْهِ من الْمحَال فَتدبر ذَلِك ينْدَفع عَنْك خيال أَوْهَام من لم يعلمُوا مواقع الْكَلَام وَلم يَذُوقُوا دقائق الْعُلُوم بل مطمح أنظارهم اعْتِرَاض أكَابِر الْعلمَاء والطعن على وَرَثَة الْأَنْبِيَاء كَأَنَّهُمْ صَارُوا لَهُم ضدّا فصرف الله تَعَالَى أذهانهم عَن الْوُصُول إِلَى غوامض الْمعَانِي وتمسكوا بظواهر المباني وَمن أجَاب بِأَن مَا مَوْصُولَة لم يُصَادف محلا لِأَن الْمَنْقُول عَن الإِمَام أَنه قَالَ لَيْسَ فِي الْإِمْكَان إِلَى آخِره وَجَوَاب هَذَا الْمُجيب مَبْنِيّ على أَن كَلَام الْحجَّة مَا فِي الْإِمْكَان إِلَى آخِره وَلَيْسَ هُوَ إِلَّا لَيْسَ كَمَا نَقله عَنهُ بعض الْمُتَأَخِّرين وَتكلم عَلَيْهِ بِكَلَام طَوِيل أَيْضا وقفت عَلَيْهِ بعد كتابتي مَا تقدم ورأيته نقل كَلَام الْحجَّة وَمن جملَة مَا نَقله أَن الْبذر الزَّرْكَشِيّ تكلم على هَذِه الْكَلِمَة فِي تَذكرته وَنقل كَلَام بعض من تقدمه فِيهَا هَذَا آخر مَا حَرَّره بفكره وَله ذيل نَقله عَن الإِمَام الْغَزالِيّ وَإِنَّمَا ذكرت هَذَا التَّحْرِير لِكَثْرَة تداول النَّاس هَذِه الْعبارَة وَبِاللَّهِ

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع