من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْعين الْمُهْملَة (١٩)
الصفحة ١ من ٢
السَّيِّد عبد بن على بلفقيه بن عبد الله العيدروس صَاحب الشبيكة بِمَكَّة المشرفة قَالَ الشلى فى وَصفه كَانَ من عباد الله الصَّالِحين أهل الْولَايَة وَله كرامات خارقة مِنْهَا أَن بعض أَصْحَابه الْفُقَرَاء جَاءَ لَيْلَة عيد الْفطر وَهُوَ ذُو بَنَات وثيابهن عِنْد الصّباغ لم يقدر على أجرته وشكا حَاله اليه فَقَالَ اذْهَبْ الى المسفلة لنا هُنَاكَ نذر خُذْهُ فَخرج فاذا هُوَ بِرَجُل بدوى يسْأَل عَن بَيت السَّيِّد فَقَالَ لَهُ أَنا خادمه فَقَالَ هَذِه نَاقَة نذر لَهُ فَأَخذهَا وباعها وَأعْطى الصّباغ أجرته وَعِيد بالباقى وَمِنْهَا أَن رجلا من أَصْحَاب السَّيِّد هَاشم الحبشى أَمر بقتْله مَعَ آخَرين الشريف ادريس وَهُوَ
بِالطَّائِف فَمَا مروا بِهِ سوق المعلاة رَآهُ أَخُوهُ مكتوفا فجَاء الى السَّيِّد هَاشم وَبكى وَقَالَ لَهُ ذَهَبُوا بأخى للْقَتْل فَقَالَ لَيْسَ هَذَا من وظيفتى فَذهب بِهِ السَّيِّد هَاشم الى صَاحب التَّرْجَمَة فَدَعَا الله تَعَالَى وَقَالَ يسلم من الْقَتْل ان شَاءَ الله تَعَالَى فَلَمَّا أَصْبحُوا خَرجُوا بهم من الْحَبْس الى مَحل الْقَتْل فتعب أَخُو الرجل وأتى للسَّيِّد وَهُوَ يبكى فَقَالَ لَهُ لَا بَأْس على أَخِيك فَبَيْنَمَا هم اذ جَاءَ رَسُول من عِنْد الشريف ادريس بفك الرجل الْمَذْكُور وَسَببه ان الشريف كَانَ يصلى الْمغرب فَدخل عَلَيْهِ صَاحب التَّرْجَمَة وَمَعَهُ الرجل فَقَالَ لَهُ فك هَذَا الرجل فَلَمَّا فرغ من الصَّلَاة قَالَ للحاجب اطلب السَّيِّد عبد الله فَقَالَ الْحَاجِب مَا دخل على أحد فَأرْسل الى أهل الْفَرِيق ان السَّيِّد عبد الله ضيفنا أَرْسلُوهُ لنا فسألوا عَنهُ فى الْفَرِيق فَلم يُوجد فَأرْسل فى الْحَال قَاصِدا يفك الرجل فَأتى وَقد قتل أَصْحَابه فَلم هموا بقتْله اذا هم بالرسول فأطلقوه وَكَانَت وَفَاته فى سنة خمسين وَألف وَدفن بقبة أَبِيه وجده بالشبيكة
عبد الله بن عمر بن عبد الله بن أَحْمد باجمال الحضرمى ذكره الشلى وَقَالَ فى وَصفه ذُو المقامات الفاخرة والاحوال الظَّاهِرَة أَخذ الْعلم عَن الشيح الْفَقِيه عبد الرَّحْمَن بن سراج وَغَيره وجد فى الطّلب واجتهد فى الْعِبَادَات واستغرق بهَا حَتَّى فتح الله تَعَالَى عَلَيْهِ بالمقامات الْعلية ثمَّ تصدى للارشاد وشاع ذكره فقصده النَّاس وَكَانَ شفوقا على النَّاس حسن التودد اليهم وَكَانَت كتب الرَّقَائِق والسلوك وصفات رجال الطَّرِيق كَأَهل الرسَالَة نصب عَيْنَيْهِ وَاتفقَ أهل بَلَده على انه أكملهم علما وَعَملا وزهدا وكرما وورعا وتواضعا ومروءة وصبرا وحلما وَله كرامات خارقة وَكَانَ لَا يرد سَائِلًا كَائِنا مَا كَانَ وَيتَصَدَّق بغالب أَمْوَاله الْبر وَكَانَت صدقاته كَثِيرَة وَحصل كتبا كَثِيرَة ووقفها وَله مؤلفات نافعة فى مهمات الدّين وَاخْتصرَ الزواجر لِابْنِ حجر وَكَانَ اذا جَاءَهُ صَاحب الدُّنْيَا اسْتَحى من حَاله ويزهد فى الدُّنْيَا واذا جَاءَهُ الْفَقِير استقوى قلبه وزادت رغبته فى الْآخِرَة وَلم يتَزَوَّج لاستغراقه فى مقَام الاحسان وَكَانَت لَهُ أَحْوَال عَجِيبَة فَتَارَة يبرز للنَّاس ويدرس فى الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة كالتفسير والْحَدِيث وَالْفِقْه وَكتب الرَّقَائِق وَتارَة يحتجب عَن النَّاس أشهرا وأياما وَلما قربت وَفَاته وَردت عَلَيْهِ حَالَة عَظِيمَة واعتراه من الهيبة والانوار مَا يدهش الْعُقُول فَأرْسل اليه بعض المريدين الصَّادِقين الاولياء وَهُوَ فى ذَلِك الْحَال ليحمل عَنهُ بعض مَا نزل بِهِ من الاحوال فَقَالَ للرسول قل لَهُ لَو وَقعت عَلَيْك ذرة
لقتلتك وَتوفى من غير مرض وانخسف الْقَمَر لَيْلَة وَفَاته وَوَقعت الهيبة فى قُلُوب الْحَاضِرين فَسَكَتُوا وَلم ينطقوا بِكَلِمَة وَلم تأت امْرَأَة الى الْبَيْت الذى توفى فِيهِ وَحضر النَّاس من الْبِلَاد الَّتِي وصل اليها خبر وَفَاته وازدحم النَّاس على مَاء غسله وَكَانَت وِلَادَته فى يَوْم الْجُمُعَة لخمس خلون من شهر ربيع سنة ثَمَان وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَتوفى صبح يَوْم الثلاثا ثَالِث عشر شَوَّال سنة ثَمَان عشرَة وَألف
عبد الله بن عمر الشهير بخواجه زَاده قاضى الْعَسْكَر القسطنطينى المولد الصَّدْر الْكَبِير الالمعى الاديب الْفَاضِل كَانَ من الاذكياء الْمَشْهُورين لَهُ التفوق فى الادب والتبريز فى الشهامة وَكَانَ يحفظ كثيرا من أشعار الْعَرَب وأمثالهم ووقائعهم وبحاضر بهَا وسما حَظه فى طَلِيعَة عمره لتعين وَالِده بَين عُلَمَاء الدولة وقربه من السلطنة لكَونه كَانَ معلم السُّلْطَان عُثْمَان وملتفته ومرغوبه وَنَشَأ وَلَده هَذَا واشتغل على عُلَمَاء عصره حَتَّى سَاد واشتهر بِالْفَضْلِ والادب ولازم من الْمولى شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا ثمَّ درس بالمدارس الْعلية وتوصل فى مُدَّة قَليلَة الى الْمدرسَة السليمانية وَصَارَ قَاضِيا بأدرنة بِلَا وَاسِطَة وَاتفقَ لَهُ انه اجْتمع بشيخ الاسلام الْمولى أسعد فأشعره بِأَنَّهُ استكثر ذَلِك عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ لَيست بِأول قَارُورَة كسرت فى الاسلام يُشِير بذلك الى مَا وَقع للْمولى الْمَذْكُور من صَيْرُورَته ابْتِدَاء قَاضِيا بأدرنه وَذَلِكَ لمكانة وَالِده عِنْد السُّلْطَان مُحَمَّد لكَونه كَانَ معلما لَهُ ثمَّ بعد ذَلِك صَار قاضى دَار السلطنة وعزل عَنْهَا فى مقتل السُّلْطَان عُثْمَان وطالت مُدَّة عَزله حَتَّى قاربت عشر سنوات ثمَّ صَار قاضى الْعَسْكَر بِأَنا طولى وَأَقْبل عَلَيْهِ السُّلْطَان مُرَاد فرقاه الى قَضَاء عَسْكَر روم ايلى وسافر فى خدمَة السُّلْطَان الْمشَار اليه الى روان ثمَّ طلب وَهُوَ فى الصدارة قَضَاء الْقَاهِرَة فَوجه اليه وَورد دمشق فى ثَالِث عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف وَتوجه الى الْقَاهِرَة فَابْتلى عِنْد دُخُوله اليها بالاسهال وَلم تطل مدَّته حَتَّى توفى فى السّنة الْمَذْكُورَة رَحمَه الله تَعَالَى
عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله المصرى الشَّيْخ العابد الزَّاهِد الْمَعْرُوف بِابْن الصبان لَان وَالِده كَانَ يَبِيع الصابون فى بَاب زويلة من أَبْوَاب الْقَاهِرَة ذكره المناوى فى طَبَقَات الاولياء وَقَالَ فى تَرْجَمته نَشأ وَقَرَأَ الْقُرْآن عِنْد ابْن المناديلى بِبَاب الْخرق ثمَّ غلب عَلَيْهِ الْحَال وَهُوَ فى سنّ الِاحْتِلَام فَكَانَ يهيم ويصعق أَحْيَانًا ثمَّ حبب اليه لُزُوم مجْلِس الشَّيْخ مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد الملقب كريم الدّين الخلوتى فَأخذ عَنهُ
واختص بِهِ وأرشده كريم الدّين الى سُكْنى زَاوِيَة الشَّيْخ دمرداش فناب عَن بعض أَوْلَاد الشَّيْخ فى عدَّة وظائف وأقرأ بهَا الاطفال وَهُوَ فى خلال ذَلِك يلازم مجْلِس شَيْخه ويعرض عَلَيْهِ وقائعه ويقص عَلَيْهِ رُؤْيَاهُ وَهُوَ يرقيه فى الْمَرَاتِب ويخليه وتكرر لَهُ ذَلِك فَاسْتَأْذن الشَّيْخ يَوْمًا أَن يتْرك أكل الْحَيَوَان وَمَا خرج مِنْهُ فَمَنعه ثمَّ أذن نمكث كَذَلِك مُدَّة فرق حجابه وقويت روحا نِيَّته وتمثلت لَهُ الارواح وخاطب وخوطب ثمَّ حصل لَهُ لمحة من التجلى البرقى فهام وَغَابَ عَن حواسه فَوكل بِهِ الشَّيْخ من لَازمه ليضبط حَاله وَصَارَ يَأْكُل كل يَوْم عدَّة من رُؤْس الْغنم ويشكو الْجُوع وَالنَّار ثمَّ انحل ذَلِك وَأَجَازَهُ الشَّيْخ بالتربية والارشاد وَلما مَاتَ الشَّيْخ شرع يلقن ويخلى فتشوش جمَاعَة الشَّيْخ وَقَالُوا ولد ابْنَته سيدى مُحَمَّدًا حق بارث المشيخة وَتوجه جمع مِنْهُم الى زَاوِيَة دمرداش فَضربُوا صَاحب التَّرْجَمَة وجماعته وأخرجوهم من الْخلْوَة فَشَكَاهُمْ الى شيخ الْحَنَفِيَّة على بن غَانِم المقدسى وَشَيخ الشَّافِعِيَّة الشَّمْس الرملى فأرسلا يَقُولَانِ ان لم يحصل الْكَفّ عَن هَذَا الرجل والا أخبرنَا الْحَاكِم بِمَا نعلمهُ من أَحْوَال الْفَرِيقَيْنِ فكفوا وَبنى الامر على السّكُون وَلم يزل أَمر الشَّيْخ عبد الله فى ازدياد حَتَّى اشْتهر بالمكاشفات وشوهد لَهُ كرامات شَتَّى من جُمْلَتهَا انه دخل بَيته لَيْلًا فى الظلمَة فأضاء هيكله وَصَارَ كالشمعة ثمَّ تحول من زَاوِيَة الشَّيْخ دمرداش وَسكن بمدرسة ابْن حجر بِخَط حارة بهاء الدّين فَأقبل النَّاس عَلَيْهِ أَكثر واشتهر ذكره وَبعد صيته وَلم يزل يسوح فى رياض الاذكار الى أَن توفى وَكَانَت وَفَاته فى سنة احدى بعد الالف وَهُوَ فى عشر التسعين وَدفن تجاه الْمدرسَة وَله عدَّة رسائل فى الطَّرِيق واستخلف أَخَاهُ الشَّيْخ مُحَمَّدًا رَحمَه الله تَعَالَى
عبد الله بن مُحَمَّد الْمصْرِيّ الحنفى امام مدرسة شادى بك خَارج دمشق بمحلة القنوات كَانَ فَاضلا وَله معرفَة بعدة فنون أجلهَا الْعَرَبيَّة وفروع الْفِقْه مَعَ مُشَاركَة فى أصُول الْفِقْه الى غير ذَلِك وَكَانَ حسن الاخلاق ضَاحِك السن عادم الكلفة سمح الْكَفّ مَعَ ضيق يَده قَرَأت بِخَط عبد الْكَرِيم بن مَحْمُود الطارانى فى مَجْمُوع ترْجم فِيهِ بعض من أدركهم من الْعلمَاء وَمِنْهُم صَاحب التَّرْجَمَة قَالَ فى تَرْجَمته ورد الى دمشق من مصر فى سنة أَربع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَاخْتَارَ الاقامة بهَا فتديرها ولازم عُلَمَاء دمشق مُدَّة وَاسْتمرّ بهَا زَمَانا الى أَن اشْتهر وَصَارَ خَطِيبًا بِجَامِع العداس بمحلة القنوات واماما بمدرسة شادى بك بالجامع الاموى أَيَّامًا مَا قَالَ
وأخبرنى انه قَرَأَ الْعلم زَمَانا بِمصْر وَمن جملَة أشياخه الَّذِي أَخذ عَنْهُم وأجازوه بالاقراء الشَّيْخ الامام على بن غَانِم المقدسى وَشَيخ الادب مُحَمَّد الحنبلى الْمَعْرُوف بالفارضى صَاحب الْمَقْصُورَة فى مديح مفتى الرّوم عَلامَة الْوُجُود الْمولى أَبى السُّعُود وَكَانَ مُدَّة اقامته يظْهر كَمَال الشوق الى زِيَارَة الْبَيْت الْحَرَام والتثام ثرى الْقَبْر الشريف قَالَ الْحسن البورينى وسمعته يلهح بِهَذِهِ الْكَلِمَات
ارى نفسى باشواق رهينهلقبر قد ثوى وسط المدينه
وللبيت الْحَرَام وَمَا حواهمن الدُّرَر المعظمة الثمينة
فاتفق انه فى سنة أَربع بعد الالف ولى امامة الركب الشامى وَحج فَلَمَّا رَجَعَ مَعَ الْحَاج الى منزلَة الجديدة بَين الْحَرَمَيْنِ الشريفين وَأَرَادَ الرحلة مِنْهَا قدمت لَهُ نَاقَة من جمال السلطنة فَلَمَّا أَرَادَ ركُوبهَا وقصته فَمَاتَ شَهِيدا عَن نَحْو ثَمَانِينَ سنة وَدفن ثمَّة رَحمَه الله تَعَالَى
عبد الله بن مُحَمَّد بن محيى الدّين عبد الْقَادِر بن زين الدّين بن نَاصِر الدّين النحراوى الحنفى أوحد الْفُضَلَاء الْفُقَهَاء وَأجل أَصْحَاب التخاريج فى مَذْهَب النُّعْمَان الَّذين تكحلت بحبرهم عُيُون الْفَتْوَى فى عصره ارْتَفع الى ذرى الْفَضَائِل وسابق فى حلبة الْعُلُوم فحاز قصب الفواضل أَخذ عَن وَالِده فسرى فى ليل الْمجد فباكره الْفَلاح وَحط رَحْله فى شأو الْعلم فَمَا ترك من أَبِيه مغدى وَلَا مراح وَأفْتى ودرس وَنزل فى ساحة الْفضل وعرس وَأخذ عَنهُ الْخلق الْكثير وانتفع بِهِ الجم الْغَفِير وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فى أحد الربيعين سنة سِتّ وَعشْرين وَألف عَن نَحْو خمسين سنة
السَّيِّد عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله الحسينى المغربى الاصل ثمَّ القاهرى الشافعى الْمَعْرُوف بالطبلاوى ولنزوله بِمصْر عِنْد الشَّيْخ الْعَلامَة نَاصِر الدّين الطبلاوى الشافعى وَكَانَ أعظم شُيُوخه الشَّيْخ الْمَذْكُور أَخذ عَنهُ عدَّة عُلُوم مِنْهَا علم القراآت وساد فِيهَا سيادة عَظِيمَة بِحَيْثُ انه كتب فِيهَا حواشى عل شرح الشاطبية للجعبرى بِخَطِّهِ جردها تِلْمِيذه الشَّيْخ سُلَيْمَان اليسارى المقرى وَانْفَرَدَ بِعلم اللُّغَة فى زَمَنه على جَمِيع أقرانه بِحَيْثُ انه كتب نسخا مُتعَدِّدَة من الْقَامُوس وَاخْتصرَ لِسَان الْعَرَب وَسَماهُ رشف الضَّرْب من لِسَان الْعَرَب لم يكمل وَكَانَ عَارِفًا بارعا بِعلم الْعرُوض وَله شرح على تأنيس المروض فى علم الْعرُوض وَله شرح على عُقُود الجمان فى الْمعَانى
وَالْبَيَان تأليف الْجلَال السيوطى وَله حَاشِيَة على حَاشِيَة الْعَلامَة الْبَدْر الدمامينى على مغنى اللبيب لِابْنِ هِشَام وَسُئِلَ عَن معنى بَيت النهروانى وَهُوَ
فِيك خلاف لخلاف الذىفِيهِ خلاف لخلاف الْجَمِيل
فَأجَاب بقوله من أَبْيَات
ان كَلَام النهروانى الذىذكرتموه فِيهِ مدح جليل
ترَاهُ من لفظ خلاف حوىأَرْبَعَة مِنْهَا خلاف الْجَمِيل
يعْنى قبيحا قبله ثَالِثخِلَافه وَهُوَ جميل نبيل
خِلَافه الثانى قَبِيح ففىخِلَافه الاول مدح جميل
وَرَأَيْت لَهُ تَرْجَمَة بِخَط صاحبنا الْفَاضِل اللبيب مصطفى بن فتح الله قَالَ فِيهَا فرع نما من أَفْخَر نسب جَامع فضيلتى الْعلم والحسب
أَلا ان مخزوما لَهَا الشّرف الذىغَدا وَهُوَ مَا بَين الْبَريَّة وَاضح
لَهَا من رَسُول الله أقرب نِسْبَةفيا لَك عزا نَحوه الطّرف طامح
كَانَ من المشتغلين بِالْعلمِ فقها وأصولا وَمن أَعْيَان الادباء نثرا ونظما وَكَانَ خطه يضْرب بِهِ الْمثل فى الْحسن وَالصِّحَّة وَكتب بِخَطِّهِ من الْقَامُوس نسخا هى الْآن مرجع المصريين لتحرية فى تحريرها وَكَانَ كريم النَّفس حسن الْخلق والخلق من بَيت علم وَدين لَهُ شُيُوخ كَثِيرُونَ مِنْهُم الْعَلامَة أَبُو النَّصْر الطبلاوى وَالشَّمْس الرملى والشهاب أَحْمد بن قَاسم العبادى وَغَيرهم من أكَابِر الْمُحَقِّقين وَاسْتمرّ حسن السِّيرَة جميل الطريقه الى أَن نقل من مجَاز دَار الدُّنْيَا الى الْحَقِيقَة وشعره مَشْهُور ونثره منثور ولواء حَمده على كَاهِل الدَّهْر منشور وَله قصيدة مدح بهَا أستاذه الطبلاوى الْمَذْكُور وَالْتزم فى قوافيها تجنيس الْخَال وهى مَشْهُورَة ومطلعها يَا سلسلة الصدغ من لواك على الْخَال وَذكره الخفاجى وأخاه السَّيِّد مُحَمَّد وَأثْنى عَلَيْهِمَا كثيرا وَكَانَت وَفَاة السَّيِّد عبد الله فى صبح يَوْم الِاثْنَيْنِ مستهل ذى الْحجَّة سنة سبع وَعشْرين وَألف وَصلى عَلَيْهِ بالازهر وَدفن بِالْقربِ من الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى سيدى عمر بن الْعَارِف وَقد ناهز السّبْعين وَكَانَ مولده بقرية يُقَال لَهَا أَبُو الريش بِالْقربِ من دمنهور الْوَحْش بالبحيرة
عبد الله بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن حسن بروم ابْن مُحَمَّد بن علوى الشيبه ابْن عبد الله بن على بن الشَّيْخ عبد الله باعلوى الْمسند الاخبارى الْعلم الصوفى ولد بتريم وَحفظ
الْقُرْآن وَهُوَ ابْن سبع سِنِين وَقَرَأَ القراآت وَأَخذهَا عَن جمع ثمَّ اشْتغل بعلوم الدّين فَأخذ عَن الشَّيْخ عبد الله بن شيخ العيدروس ولازمه فى جَمِيع دروسه وتفقه على قاضى تريم وفقيهها القاضى عبد الرَّحْمَن بن شهَاب وعَلى الشَّيْخ الامام مُحَمَّد بن اسماعيل بَافضل وَسمع من كثيرين وَصَحب جمَاعَة من الاكابر واشتغل بعلوم الصُّوفِيَّة ثمَّ ارتحل الى الْيمن والحجاز وجاور بالحرمين سِنِين وَأخذ بهما عَن جمَاعَة وَكَانَ كثير الاعتمار وَالصَّلَاة وَالطّواف وتلاوة الْقُرْآن قَلِيل الِاجْتِمَاع بِالنَّاسِ ثمَّ رَجَعَ الى وَطنه تريم وَأخذ عَنهُ خلق كثير لَا سِيمَا الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَكَانَت تعتريه حِدة عِنْد المذاكرة وَكَانَ يحضر درس الشَّيْخ على زين العابدين وَيتَكَلَّم بِحَضْرَتِهِ فى الْمسَائِل المشكلة فينصت لما يَقُوله وَكَانَ زين العابدين يُحِبهُ ويثنى عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ كَانَ وَالِده عبد الله بن شيخ يعظمه ويكرمه وَكَانَ قَلِيل الغلال كثير العائلة وَكَانَ لَا يخَاف لومة لائم فى أَمر الدّين وَلَا يقبل من أَرْبَاب الدولة هَدِيَّة وَكَانَ سعى فى تَوْلِيَة أَمر أوقاف آل عبد الله با علوى فولاه السُّلْطَان أمرهَا وَأنْفق على الْفُقَرَاء مِنْهُم وَمن غَيرهم وَاسْتمرّ على ذَلِك مُدَّة يسيرَة ثمَّ سعى كل وَاحِد فى رد مَا كَانَ تَحت يَده من الْوَقْف وَرجع على مَا كَانَ عَلَيْهِ أَولا وَجَرت فى ذَلِك أُمُور ثمَّ سعى لَهُ الشَّيْخ زين العابدين فى امامة الْمَسْجِد الْجَامِع ورتب لَهُ مَا يَكْفِيهِ وَاسْتمرّ على حَاله حَتَّى مَاتَ فى سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف وَقد أناف على السّبْعين وَدفن بمقبرة زنبل
عبد الله بن مُحَمَّد قاضى الْقُضَاة بالشأم الْمَعْرُوف بالطويل الْفَقِيه المتشرع الدّين الْخَيْر المتقى ولى قَضَاء حلب ثمَّ دمشق وَورد اليها فى سنة سِتّ وَسبعين وَألف واجتهد فى اجراء الاحكام والتصلب فى أَمر الشَّرْع وَكَانَ يغلب عَلَيْهِ السّكُون وَهُوَ فى الْعِفَّة والاستقامة أعظم من رَأَيْنَاهُ وَسَمعنَا بِهِ وَكَانَ مثابرا على الْعِبَادَة كثير التَّرَدُّد الى الْمَسْجِد الْجَامِع مواظبا على فعل الْخَيْر وكل أَحْوَاله تدل على صَلَاح حَاله ثمَّ عزل عَن دمشق وَتوجه الى الرّوم فَلم تطل مدَّته حَتَّى توفى وَكَانَت وَفَاته فى حُدُود سنة ثَمَان وَسبعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد أَحْمد قسم ابْن علوى بن عبد الله بن على بن الشَّيْخ عبد الله با علوى امام أهل زَمَانه فى الزّهْد والورع ولد بِمَدِينَة قسم ونشأبها وَحفظ الْقُرْآن وَصَحب عُلَمَاء زَمَانه وَأخذ عَن جمع مِنْهُم الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الْمعلم وَجَمَاعَة من آل باقشير وَآل باشعيب ورحل الى تريم فَأخذ عَن الشَّيْخ أَبى بكر
الشلى وَعَن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف العيدروس وَالشَّيْخ الْجَلِيل الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى السَّيِّد حُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن الحبشى وَلَزِمَه وحذا حذوه فى الْعُزْلَة وَقِرَاءَة كتب الصُّوفِيَّة لَا سِيمَا كتب الشاذلية والكتب الغزالية وَغَيرهم ثمَّ رَحل الى الْحَرَمَيْنِ وَأخذ بِمَكَّة عَن غير وَاحِد ثمَّ رَحل إِلَى الْمَدِينَة وتوطنها واشتهر بهَا شَأْنه وَكَانَ كثير المطالعة لكتب الاولين لَا سِيمَا كتاب الاحياء فانه كَانَ ملازما لقرَاءَته وروى انه الْتزم بِالنذرِ كل يَوْم قِرَاءَة بعضه الا لعذر من سَفَره ومرضه وَأخذ عَنهُ جمَاعَة كَثِيرُونَ مِنْهُم الْجمال الشلى المؤرخ وَكَانَ عَارِفًا بِكَلَام الْقَوْم واصطلاحاتهم واذا تكلم فى مسئلة أفادوا وأجاد متقللا من الدُّنْيَا قانعا مِنْهَا بالكفاف سائراً على طَريقَة سلفه وَمِمَّا يدل على زِيَادَة فَضله ورفعة قدره انه لما طاح بعض قناديل الْحُجْرَة الشَّرِيفَة على الْقَبْر الشريف فتحير أهل الْمَدِينَة فى ذَلِك وَأَرْسلُوا الى الْخَلِيفَة السُّلْطَان مُحَمَّد بن ابراهيم يخبرونه بذلك فَاسْتَشَارَ أَعْيَان أَصْحَابه فى ذَلِك فاتفقوا على أَن لَا يتعاطى اخراجه الا أفضل أهل الْمَدِينَة فَأرْسل اليهم يَأْمُرهُم بذلك فَأَجْمعُوا على أَن الْمُسْتَحق لهَذَا الْوَصْف صَاحب التَّرْجَمَة فأخبروه بِأَمْر السُّلْطَان فامتثل الامر ورفعوه فى لوح وأنزلوه على الْقَبْر الشريف فَرفع الْقنْدِيل ثمَّ أرْسلُوا بِهِ الى السُّلْطَان فَوَضعه فى خزانته وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من أكَابِر عصره وَكَانَت وِلَادَته فى سنة خمس عشرَة وَألف وَتوفى بِالْمَدِينَةِ نَهَار الاربعاء أول شعْبَان سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بِالبَقِيعِ وقبره مَعْرُوف يزار
عبد الله بن مُحَمَّد بن قَاسم الْمَعْرُوف بقاسم زَاده الحلبى الاصل القسطنطينى المولد المنشأ والوفاة قاضى الْقُضَاة الْفَاضِل اللوذعى الحذق الباهر الطَّرِيقَة نَشأ وَقَرَأَ على وَالِده الْعَلامَة الشهير مُحَمَّد بن قَاسم المترجم فى الريحانة الآتى ذكره ان شَاءَ الله تَعَالَى وبرع وتفوق ثمَّ درس بمدارس الرّوم وَولى قَضَاء الْقُدس ثمَّ قَضَاء ازمير ثمَّ قَضَاء الشأم فى سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ والف وَكَانَ أحد أَعَاجِيب الزَّمَان فى فصل الاحكام واستحضار الْفُرُوع الْفِقْهِيَّة فَلَا يشذ عَن فكره مِنْهَا الا الْقَلِيل وَكَانَ مَعَ كَونه متكيفا مُسْتَغْرقا فى الكيف حَاضر الذِّهْن جدا واذا عرض عَلَيْهِ أطول حجَّة أوصك انساق فكره الى منَاط الحكم بِسُرْعَة وَأصَاب فِيهَا المحزو بِالْجُمْلَةِ فَلم ير مثله فى هَذَا الْبَاب ثمَّ عزل عَن قَضَاء الشأم وَورد الرّوم وأقرأ دروسا خَاصَّة فى أَنْوَاع الْفُنُون وَلم تطل مدَّته بعد ذَلِك حَتَّى توفى الى رَحْمَة الله تَعَالَى وَكَانَت وَفَاته فى الثَّامِن وَالْعِشْرين من
شهر رَمَضَان سنة احدى وَتِسْعين وَألف
عبد الله بن مُحَمَّد طَاهِر بن مُحَمَّد صفا التاشكندى الاصل المكى الشهير بعباسى لكَونه ولد فى الطَّائِف الْمَعْرُوف عِنْد بعض النَّاس بوادى الْعَبَّاس أحد صُدُور الشَّافِعِيَّة بالديار المكية وَمِمَّنْ برع فى فنون الْعَرَبيَّة كَانَ ذَا همة عالية واخلاق لَطِيفَة قطع ريعان عمره وشيخوخته بالاشتغال بِالْعلمِ والانهماك عَلَيْهِ وَكَانَ ذكى الْفَهم حسن الْعبارَة لطيف المحاضرة ويغلب عَلَيْهِ حِدة المزاج مَعَ سَلامَة الصَّدْر ولد بِمَكَّة فى سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف تَقْرِيبًا وَأخذ عَن السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم البصرى وَهُوَ آخر تلامذته موتا وَصَحب الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى سَالم بن أَحْمد شَيْخَانِ وَأخذ عَنهُ الطَّرِيق وتلقن مِنْهُ الذّكر وَلبس الْخِرْقَة وَأَجَازَهُ بمروياته ولازم خدمته سِنِين كَثِيرَة وَمَات وَهُوَ عَنهُ رَاض وَكَانَ يَقُول كل مَا أَنا فِيهِ من الْخَيْر وَالْبركَة فَهُوَ من سيدى سَالم وَلذَلِك كَانَ كثير الادب مَعَ أَوْلَاده ملازما لَهُم فى سَائِر أَحْوَاله وَأخذ الْفِقْه وَغَيره عَن الْعَلامَة على بن الْجمال وَعبد الله بن سعيد باقشير وَمُحَمّد بن عبد الْمُنعم الطائفى وَلما قدم الشَّمْس مُحَمَّد البابلى الى مَكَّة لَازمه كثيرا وَأخذ عَنهُ واختص بِهِ وَكَانَ يطالع لَهُ دروسه وَأخذ عَن الْعَلامَة عِيسَى المغربى وَمُحَمّد بن سُلَيْمَان وَحكى انه لما حج النَّجْم الغزى مُحدث الشأم ذهب مَعَ شَيْخه البابلى وَأخذ عَنهُ وَأَجَازَهُ بمروياته وَصَحب السَّيِّد الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى عبد الرَّحْمَن الادريسى وَتوجه صحبتة الى الْيمن وَدخل زبيد والمخا وموزع وغالب تهَامَة وَأخذ عَمَّن بهَا من أكَابِر الْعلمَاء وَأَجَازَهُ عَامَّة شُيُوخه وتصدر للتدريس بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام بِأَمْر من شُيُوخه وَأخذ عَنهُ فضلاء فخام مِنْهُم السَّيِّد أَحْمد بن أَبى بكر شَيْخَانِ وَأَخُوهُ سَالم وَابْن عَمهمَا السَّيِّد مُحَمَّد بن عمر وَعمر وَعبد الله بن سَالم البصرى والامام على بن فضل الطبرى وَأحمد ابْن أَبى الْقسم الخلى وَمُحَمّد بن أَحْمد الاسدى وَحضر دروسه الاخ الْفَاضِل مصطفى ابْن فتح الله وَأَجَازَهُ بمروياته وَكَانَت وَفَاته فى ثانى عشر شَوَّال سنة خمس وَتِسْعين وَألف بِمَكَّة وَدفن بحوطة السَّادة آل شَيْخَانِ قدس الله تَعَالَى أسرارهم بالمعلاة رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد عبد الله بن مُحَمَّد حجازى بن عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد أَبى الْفَيْض الشهير بِابْن قضيب البان الحلبى الحنفى الْفَاضِل الاديب الشَّاعِر المنشى البليغ كَانَ وَاحِد الزَّمن وغرة جبهة الدَّهْر وَله فى الْفضل شهرة طنانة وَحَدِيث لَا يمل وَكَانَ مَعَ علو
قدره وسمو شَأْنه لين قشرة الْعشْرَة ممتع المؤانسة حُلْو المذاكرة جَامعا آدَاب المنادمه عَارِفًا بِشُرُوط المعاقره وَكَانَ أحد المبرزين بِحسن الْخط مَعَ أَخذه من البلاغة بأوفر الْحَظ وَله تآليف سَائِغَة مِنْهَا نظمه للاشباه الْفِقْهِيَّة وَكتاب حل العقال وذيل على كتاب الريحانة وَلم يكمله وشعره وانشاؤه فى الالسنة الثَّلَاثَة حُلْو مطبوع وَكَانَ دأب فى طَلِيعَة عمره وَحصل وَأخذ عَن جملَة من الْعلمَاء مِنْهُم الْعَلامَة مُحَمَّد بن حسن الكواكبى مفتى حلب والمنلا مُحَمَّد امين اللارى قدم عَلَيْهِم حلب وَالسَّيِّد مُحَمَّد التَّقْوَى الْحَكِيم وَالشَّيْخ مصطفى الزيبارى وتفوق وتصدر للتدريس فى الْمدرسَة الحلاوية وَولى نقابة الاشراف وَأعْطى رُتْبَة قَضَاء ديار بكر ثمَّ استدعاه الْوَزير الْفَاضِل لما بلغه فَضله فانحاز اليه وَاشْتَدَّ اخْتِصَاصه بِهِ وَحل مِنْهُ مَحل الْوَاسِطَة من العقد فسير فِيهِ قصائد فائقة أنشدنى مِنْهَا جلها فَلم يعلق فى خاطرى مِنْهَا أَلا قَوْله من قصيدة حَسَنَة التَّرْكِيب وَذَلِكَ مَحل التَّخَلُّص مِنْهَا
ولرب يَوْم قد تلفعت الضُّحَىمِنْهُ بثوبى قسطل وغمام
حسرت فناع النَّقْع عَنهُ عصبَةغبر الْوُجُوه مضيئة الاحلام
متجردين الى النزال كَأَنَّمَايتجردون لواجب الا حرَام
لَا يأنسون بِغَيْر أَطْرَاف القناكالاسد تألف مربض الآجام
يسرى بهم نجمان فى ليل الوغىرأى الْوَزير وَرَايَة الاسلام
ثمَّ ترقى عِنْده فى الْمنزلَة حَتَّى استدعاه اليه وصيره نديم مَجْلِسه الْخَاص فحسده حواشى الْوَزير وَدخل اليه أحدهم فى زى نَاصح يَقُول لَهُ ان حَال الدولة فى تقلباتها لَيْسَ بالخفى وَقد امكنت الفرصة فاذا طلبت قَضَاء نلْت مَا طلبته على الْفَوْر فانساغ لهَذَا القَوْل وَوَقعت مِنْهُ هفوة الطّلب والالحاح فانحرف الْوَزير عَلَيْهِ وَظن أَنه سئم من مَجْلِسه فَوجه اليه قَضَاء ديار بكر اسْتِقْلَالا فَتوجه اليه وَكَانَ من خبرته وتجربته للامور سيء التَّدْبِير فانزوى عَن الِاجْتِمَاع بِأحد وفوض أَمر الْقَضَاء لرجل من أَتْبَاعه فَتَجَاوز الْحَد فى أَخذ مَال النَّاس والرشوة وَلم يُمكنهُم عرض ذَلِك على السَّيِّد صَاحب التَّرْجَمَة فشكوا أَمرهم الى جَانب السلطنة فعزلوه وانخفض قدره وَأقَام مُدَّة طامعا فى أَن يحصل على غَرَض من اغراضه فَمَا قدر لَهُ وَاسْتمرّ بالروم نَحْو خَمْسَة اعوام منزويا وَاجْتمعت بِهِ فى أَيَّام انزوائه بقسطنيطينية ومدحته بقصيدة طَوِيلَة مطْلعهَا
بدا فَأَرَاك الْغُصْن والشادن الخشفابديع جمال جَاوز النَّعْت والوصفا
أغن يكَاد الظبى يَحْكِي التفاتهوتختلس الصَّهْبَاء من جِسْمه لطفا
اذا طرفت مِنْهُ الْعُيُون بلمحةفأيسر شئ مِنْهُ مَا ينهب الطرفا
تروح بِهِ الالباب نهب هجيرهوَمَا عفرت خدا وَلَا انتشقت عرفا
سقى عَهده بالسفح حلَّة هاطلمن المزن لم يطو الزَّمَان لَهَا سجفا
أَوَان توافينا نشاوى من الصِّبَاوَلم يبْق منا الوجد الاهوى يخفى
تحجبنا الظلماء حَتَّى كأننارعينا لَهَا من كل مكرمَة صنفا
وَبَات يحيينى بممزوجة الطلافانى قد آلَيْت لاذقتها صرفا
الى أَن تولى اللَّيْل قَائِد جَيْشهوَرَاح سُهَيْل الافق يقدمهُ طرفا
وقفنا وأدمينا المحاجر بُرْهَةفسالت نفوس فى مهارقنا ذرفا
وَسَار مسير الْبَدْر يطوى منازلاعلى انه لَا محق فِيهِ وَلَا خسفا
فأودعني مِنْهُ تعلة وامقوزفرة وجد لم تكد أبدا تطفا
أسر بتجديد الْهوى ذكره عَهدهوان كنت لَا أقوى لاعبائه ضعفا
عدمت فؤاد الم تبت فِيهِ لوعةمن الْعِشْق تذكيه لواعجها لهفا
أَبيت ولى قلب يقلب فى الجوىفللشوق مَا أبدى وللوجد مَا أخْفى
ويذكرنى عهد التصابى مغردمن الشجو يَتْلُو فى أغاريده صحفا
كِلَانَا غَرِيب يشتكى فقد الفهفيبكى وَحقّ الالف أَن يبكى الالفا
تعللنا الآمال وهى كواذبوَمن دونهَا وعد نرى دونهَا خلفا
فليت الْهوى فِينَا رخاء صَنِيعهوَلم يبْق رحما من لدينا وَلَا عطفا
فنفرغ عَن كل الآمانى لمدح منبِهِ صَحَّ جسم الْفضل من بعد مَا أشفى
هُوَ ابْن الحجازى الرفيع جنابهأعز الورى جاها وَأَعْلَاهُمْ كهفا
فَتى طابت الدُّنْيَا بِحسن خصالهوَلم يبْق فِيهَا الدَّهْر خطبا وَلَا صرفا
تثقفت الآراء مِنْهُ بأروعيخيف الضوارى حَيْثُ مَا اقتحمت حرفا
ويفتر عَن لألاء بشركانهمقبل شاد لَا تمل بِهِ الرشفا
فَمَا رَوْضَة قد فاح نشر عبيرهابأطيب يَوْمًا من خلائقه عرفا
تحلت بِهِ الاعناق عقد مواهباذا مَا هطلن استحين المزنة الوطفا
فَمَا تنطق الافواه الا بمدحهوَلَا ترفع الآمال الا لَهُ كفا
فديتك يَا من لَو صرفت لمدحهجَمِيع وجودى رحت أَحْسبهُ قذفا
وأحقر فِيهِ الْمَدْح حَتَّى لَو انهتجَاوز ضعف الضعْف بل مثله ضعفا
فيأيها الْمولى الذى عَم جودهوَمن عِشْت دهر الم أُفَارِق لَهُ عطفا
لرحماك أَشْكُو من زمانى حوادثاأبادت بقايا الصَّبْر من جلدى عنفا
فَمَا كنت الا الشَّمْس فى فلك العلىتعدى عَلَيْهَا الْبَين فانمحقت كسفا
حنانك فالحظنى بنظرة مُشفقتنبه منى الْحَظ من بعد مَا أغفى
ودونكها وَرْقَاء فى روض محتدتقلد أذن الدَّهْر من درها شنفا
تود نُجُوم الافق لَو كن منطقالَهَا وكلا البدرين يشطرها وحفا
نثرت عَلَيْهَا من مديحك لؤلؤافأهوت أيادى الْمجد ترصفه رصفا
تمتّع بهَا واستر بعفوك هفوهافَمن دونهَا الحساد ترمقها طرفا
وَدم فى عرين الْعِزّ صدر ليوثهوكل البرايا مِنْك قد نكبت خلفا
مدى الدَّهْر مَا جَادَتْ قريحة شَاعِربِبَيْت فحاز الْفَخر دُنْيَاهُ واستكفى
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع