من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْعين الْمُهْملَة (١٩)
الصفحة ٢ من ٢
فَمَا أنشدتها بَين يَدَيْهِ نشط لَهَا وتبجح بهَا وَتحفظ أغلبها وأجزل صلتى عَلَيْهَا وَمن عهدها لَزِمته لُزُوما لَا انفكاك مَعَه وَوَقع لى مَعَه محاورات عَجِيبَة من جُمْلَتهَا انى دخلت عَلَيْهِ يَوْمًا فى وَقت الصبوح فرأيته نَائِما فَكتبت هَذِه الابيات بديهة ووضعتها على وسادته وهى
أَيهَا الراقد طَابَ الْعَيْشفاستحكم فَلَا حك
قُم نبا كرها شمولاتبْعَث الْيَوْم انشراحك
واصطبح كأس الحمياأسعد الله صباحك
فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ دعانى اليه وَجَلَسْنَا نتفاوض المطارحة والمساجلة ثمَّ استغرق بِنَا الْوَقْت ثَلَاثَة أَيَّام فَكَانَ يَقُول لى كل بَيت بِيَوْم وَدخلت عَلَيْهِ يَوْمًا فَوَجَدته منقبضا والفكرة قد استوعبه وَكَانَ اذ ذَاك فى غَايَة الانحطاط فَأَنْشَدته
وَلَو كَانَ عقل النَّفس فى الْمَرْء كَامِلالما أضمرت فِيمَا يلم بهَا هما
فأنشدنى على الْفَوْر
وَمَا ذَنْب الضراغم حَيْثُ كَانَتوصير زَادهَا فِيمَا يذم
وَوَقع حريق فى دَاره فَاحْتَرَقَ لَهُ شئ من الملبوس والكتب فَكتبت اليه مسليا
فدى لَك مَا على الدُّنْيَا جَمِيعًافعش فى صِحَة وابل الربوعا
لَئِن جزع الانام لفقد شئفلست لفقدك الدُّنْيَا جزوعا
تعلمنا الاناءة مِنْك حَتَّىتوطنا بهَا الشّرف الرفيعا
أَفَاضَ الله جودك فى البراياوَأنْبت من أياديك الربيعا
وصورك الْمُهَيْمِن من كَمَاللتعلم صنع خالقك البديعا
فمرواحكم بِمَا تخْتَار فِينَاتَجِد كلا كَمَا تهوى مُطيعًا
فَلَو كلفت يَوْم الامس عودالخاض اللَّيْل وَاخْتَارَ الرجوعا
وَلَو ناديت سَهْما فى هَوَاءلعاد الْقَهْقَرَى وأتى سَرِيعا
يضم الْبرد مِنْك أَخا فخاريبيت اللَّيْل لَا يدرى الهجوعا
وانى من بجودك قد ترقىوَحل من العلى حصنا منيعا
خلقت على الْوَفَاء لكم مُقيماوأوفى النَّاس من حفظ الصنيعا
وَمِمَّا طارحنى بِهِ فى جملَة مطارحاته انه لما كَانَ مر بِدِمَشْق قَاصِدا الْحَج شغف بِأحد أَبنَاء سراتها وَكَانَ من الاشراف قَالَ ثمَّ فارقته وتباكينا عِنْد التوديع فَكتبت اليه من الطَّرِيق مضمنا بَيت البحترى فَقلت
يَا آل بَيت الْمُصْطَفى هَل رَحْمَةلفؤاد مشبوب الجوانح ثَائِر
ضلت نواظره الرقاد وَمَا اهتدتببياض دمع من سَواد ضمائر
دمع تعلق بالشؤون فساقهزفرات برح من جوى متخامر
لَو تنْظرُون الى الشتيت وسربهيقفو سروب زواخر زوافر
لعذرتموه وَمَاله من عاذلوعذلتموه وَمَاله من عاذر
واها لايام تقضت خلسةفى ظلّ دوح بالسيادة ناضر
دوح عَلَيْهِ من النبى مُحَمَّدوضح الصَّباح ونفح روض باكر
لم أنسه يَوْم الْوَدَاع وطرفهيرنوا لى شعث النجيب الضامر
وفعاله تبدى نفاسة عرفهفى فضل وَجه بالسماحة زَاهِر
حَتَّى اذا جدت بِنَا ذلل النَّوَىوَالْعين تسفح بالنجيع المائر
سرنا وعاود كالمقيم وَرُبمَاكَانَ الْمُقِيم علاقَة للسائر
وَمَا زَالَ مُدَّة اقامته يعْمل حِيلَة ويصطنع خدعة ليحصل على أرب فَمَا نَهَضَ بِهِ حَظّ وَاسْتمرّ الى أَن سَافر السُّلْطَان مُحَمَّد الى جِهَة أدرنه فى سنة تسع وَثَمَانِينَ وَألف وَتَبعهُ الْوَزير فلحقهم وَاسْتمرّ مَعَهم مُدَّة خمس وَعشْرين يَوْمًا ثمَّ قدم الى استانبول وأشاع
انه أعْطى قَضَاء الْقُدس والتفتيش على الاشراف بِبِلَاد الْعَرَب وَأقَام أَيَّامًا قَليلَة ثمَّ سَافر وَالْتزم التفتيش من حِين دُخُوله الى بَلَده حلب الى أَن دخل الْقَاهِرَة من طَرِيق السَّاحِل وَأَرَادَ أَن يفعل ذَلِك فى الْقَاهِرَة فَلم يمكنوه وَرُبمَا أَرَادوا ايقاع مَكْرُوه بِهِ فَخرج حَاجا ثمَّ بعد ان حج رَجَعَ من طَرِيق الشَّام وَتوجه الى حلب وَأقَام بهَا فى رفْعَة وصولة وَالنَّاس يعظمونه ويحترمون ساحته واشتغل مُدَّة بالاقراء فأقرأ التَّلْوِيح وانكف عَن أُمُور مَحْذُورَة كَانَ يرتكبها وَكنت اذ ذَاك قدمت الشَّام فبلغنى حسن مُعَامَلَته للنَّاس وانقياده للزمن فَكتبت اليه قصيدة أَولهَا
أرى النّدب من صافى الزَّمَان المحارباوأغبى الورى من بَات للدهر عاتبا
أتعتب من لَا يعقل العتب والوفاوَلَا همه شئ فيخشى العواقبا
وان ضن لم يسمح بمثقال ذرةوَلم يبْق موهوبا وَلم يبْق واهبا
وَلَا جنَّة تغنيك ان كَانَ مَانِعاوَلَا منزل يؤويك ان كَانَ طَالبا
أحاول شكواه فَألْقى نوائباتهون عندى مِنْهُ تِلْكَ النوائبا
ولين يسْبق الاقدار من كَانَ سَابِقًاوَلَا يغلب الايام من كَانَ غَالِبا
وَمن صحب الدُّنْيَا وَلَو عمر سَاعَةرأى من صروف الدَّهْر فِيهَا عجائبا
وقفر كَيَوْم الْحَشْر أَو شقة النَّوَىيضل القطا أعملت فِيهِ النجائبا
وليل كقلب السامرى قطعتهالى أَن حكى بِالْفَجْرِ أسود شائبا
وَمَا كنت أرْضى بالنوى غير أننىجدير بَان لَا ارتضى الذل صاحبا
فنظمت من در الْمعَانى قلائداجعلت قوافيها النُّجُوم الثواقبا
ويممت أقْصَى الارض فى طلب العلىوَلم أصطحب الا القنا والقواضبا
فلاقيت فى الاسفار كل غَرِيبَةوَمن يغترب يلق الامور الغرائبا
وخلفت من يَرْجُو من الاهل أَو بتىكَمَا انْتظر الْقَوْم العطاش السحائبا
وَكم قَائِل لاقرب الله دَارهوَمن يتَمَنَّى لَو بلغت المطالبا
فعدت على رغم الْفَرِيقَيْنِ سالماوَلم أقض من حق الْفَضَائِل وَاجِبا
وحسبى وجود ابْن الحجازى نائلابِهِ لم أزل ألْقى المنا والمآربا
فَتى قد جهلت الْعسر مُنْذُ عَلمتهولانت لى الايام عطفا وجانبا
وَأصْبح يلقانى الْعَدو مسالماوَقد كَانَ يلقانى الصّديق مُحَاربًا
تخيم فَوق الفرقدين مقَامهوَمد على أفق السَّمَاء مضاربا
بعزم يرد الْخطب والخطب مقبلوَرَأى وتدبير يرد الكتائبا
وحزم يُمَيّز الْحق من غير رِيبَةوَحكم يديب الشامخات الرواسبا
فراسته تغنيك عَن ألف شَاهدتريه من الاشياء مَا كَانَ غَائِبا
لقد نسخت أنواره كل ظلمَةكَمَا نسخت شمس النَّهَار الغياهبا
وقور كَانَ الطير فَوق جليسهترى الدَّهْر مِنْهُ خَائِف الدَّهْر رَاهِبًا
أَخَاف سِبَاع الطير من سَوط رَأْيهفَكَادَتْ لفرط الْخَوْف تلقى المخالبا
وَلَو أدْرك الْمَجْنُون أَيَّام حكمهلَا عرض عَن ليلى وَأصْبح تَائِبًا
جواد بِمَا يحويه فى كل حَالَةاذا مل قوم لم يمل المواهبا
نقى عَن الْفِعْل الْقَبِيح منزهكلا حافظين يكتبان الرغائبا
خَبِير بتحقيق الْعُلُوم مدققاذا جال فى بحث أَرَاك العجائبا
وان نثرت يمناه فى الطرس لؤلؤاكتبنَا على تِلْكَ اللآلى مطالبا
فَتى لَا يحب الْهزْل والهزل بَاطِلوَمَا خلق الله السَّمَوَات لاعبا
يبيت بحب المكرمات متيمااذا عشق النَّاس الحسان الكواعبا
اذا رمت أَن تحصى فضائله وَلمتدع قَلما فى الارض لم تقض وَاجِبا
فانى رَأَيْته الْمَدْح دون مقَامهفَلَا أيتم الرَّحْمَن مِنْهُ المراتبا
وذيلتها برسالة وهى أقسم بِمن جلت عَظمته وعلت كَلمته وسخر الْقُلُوب للمودة المؤبدة وَجعل الارواح جُنُودا مجندة اننى أشوق الى لثم يَد مولاى من الرَّوْض الى الْغَمَام وَمن السارى الى ببلج الْقَمَر فى الظلام وَقد كَانَت حالتى هَذِه وَأَنا جَاره فَكيف الْآن وَقد بَعدت عَنى دَاره وَلَيْسَت غيبته عَنى الا غيبَة الرّوح عَن الْجَسَد الباقى الْمَطْرُوح وَلَا العيشة بعد فِرَاقه الجانى الا كَمَا قَالَ البديع الهمدانى عيشة الْحُوت فى الْبر والثلج فى الْحر وَلَيْسَ الشوق اليه بشوق وانما هُوَ الْعظم الكسير والنزع العسير والسم يسرى ويسير وَالنَّار تشوى وَتَطير وَلَا الصَّبْر عَنهُ بصبر وانما هُوَ الصاب والمصاب والكبد فى يَد القصاب وَالنَّفس رهينة الاوصاب والحين الحائن وَأَيْنَ يصاب وَقد كتبت الى مولاى هَذِه القصيدة وانا لَا أحسبها من الاحسان بعيده وَهَذَا الْكتاب وَقد أنفقت عَلَيْهِ مُدَّة من الْعُمر وصرفت على تحريره حينا من الدَّهْر وحررته وَأَنا مشغوف بذكرك مَشْغُول بحَمْدك وشكرك وعينى تود لَو كَانَت مَكَانَهُ وأمكنت من قطع الْمسَافَة
امكانه كل ذَلِك لتذكرى عَهْدك ومقامى عنْدك فى أَوْقَات ألذ من شفَاه الغيد وأشهى من قبل الخدود ذَات التوريد حَيْثُمَا الْعَيْش آخذ فى طلقه وَاسْتوْفى من الامانى حَقه وَأَنت تقرط سمعى بفرائدك وتملأ صدفة أدنى بلآلى فوائدك من أدب أغزر مَادَّة من الديم وَأنْشط للقلب من بَوَادِر النعم وَلَقَد يعز على أَن ألفى بَعيدا عَنْك مَتْرُوك الذّكر مِنْك وَلَكِن هُوَ الدَّهْر وعلاجه الصَّبْر
فصبرا على الازمان فى كل حَالَةفكم فى ضمير الْغَيْب سر محجب
وَرُبمَا تَخَالَجَ فى صدرى لرعونة أوجبهَا طلب ازدياد قدرى أَن يشرفنى بمكاتبه ويؤهلنى الى مخاطبه جَريا على معروفه الْمَعْرُوف وَطَمَعًا فى اغتنام كرمه الْمَوْصُوف حَتَّى أباهى بِكَلِمَة الزَّمَان وأجعلها حرز الامانى والامان وَأَظنهُ يفعل ذَلِك متفضلا لابرح لكل احسان مؤملا فَكتب الى فى الْجَواب
نَحن عفنا الشَّهْبَاء شوقا اليكمهَل لديكم بِالشَّام شوقا الينا
قد عجزتم عَن أَن ترونا لديكموعجزنا عَن أَن نَرَاكُمْ لدينا
حفظ الله عهد من حفظ الْعَهْدووفى بِهِ كَمَا وَفينَا
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع