تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْمِيم

الصفحة ١ من ٢

ماجد بن هَاشم بن على بن المرتضى بن على بن ماجد أَبُو على الحسينى البحرانى من أجل فضلاء الْبَحْرين وأدبائها ذكره السَّيِّد بن مَعْصُوم فى السلافة فَقَالَ فى وَصفه هُوَ أكبر من أَن يفى بوصفه قَول وَأعظم من أَن يُقَاس بفضله طول نسب يؤل الى النبى وَحسب يذل لَهُ الابى وَشرف يَنْطَح النُّجُوم وكرم يفضح الْغَيْث السجوم بِهِ أَحْيَا الله الْفضل بعد اندراسه ورد غَرِيبه الى مسْقط راسه شفع شرف الْعلم بِطرف الادب وبادر الى حوز الْكَمَال وانتدب فَملك للْبَيَان عنانا وهصر من فنونه أفنانا فنظمه منظوم الْعُقُود ونثره منثور الرَّوْض الْمَعْهُود وَمِمَّا يسطر من

مناقبه الفاخرة الشاهدة بفضله فى الدُّنْيَا وَالْآخِرَة أَنه كَانَ قد أَصَابَته فى صغره عين ذهبت من حواسه الشَّرِيفَة بِعَين فَرَأى وَالِده النبى

فى مَنَامه فَقَالَ ان أَخذ بَصَره فقد أعْطى بصيرته ولد وَنَشَأ بِالْبَحْرَيْنِ فَكَانَ لَهما ثَالِثا وَأصْبح للفضل وَالْعلم حارثا وَارِثا وَولى بهَا القضا فشرف الحكم وأمضى ثمَّ انْتقل مِنْهَا الى شيراز فطالت بِهِ على الْعرَاق والحجاز وتقلد بهَا الامامة والخطابة فشرفت بِهِ المنابر وَنشر حبر فضائله المستطابة فتاهت بِهِ المحابر ثمَّ أنْشد من شعره قَوْله

حسناء ساءت صنيعا فى متيمهايَا ليتها سفعت حسنا باحسان
دنت اليه وَمَا أدنت مودتهافَمَا انْتِفَاع امْرِئ بالباخل الدانى

وَقَوله فى مليح قَارِئ

وتال لآى الذّكر قد وقفت بِنَاتِلَاوَته بَين الضَّلَالَة والرشد
بِلَفْظ يَسُوق الزاهدين الى الْخَنَاوَمعنى يشوق العاشقين الى الزّهْد

وَقَوله

وذى هيف مَا الْورْد يَوْمًا ببالغصدى وجنتيه فى احمرار وَلَا نشر
يرينا من العلياء ان سيم وَصلهعلينا بِمَا فَوق النُّفُوس وَلَا نشرى

وَكَانَت وَفَاته بشيراز فى سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف

محب الله بن مُحَمَّد محب الدّين بن أَبى بكر تقى الدّين بن دَاوُد جدى وَالِد والدى صدر الشَّام فى زَمَنه ومرجع خاصتها وعامتها وَقد أوصله الله تَعَالَى بَين عُلَمَاء دمشق الى مرتبَة لم يصل اليها أحد فِيمَا تقدمه مِنْهُم وَأَقْبَلت عَلَيْهِ الدُّنْيَا اقبالا عَظِيما وتوفرت لَهُ دواعى المعالى وَملك فَمن الذَّخَائِر والتحف مَالا يضْبط بالاحصاء ورزق الابناء الْكثير مَاتَ مِنْهُم عَن ثَمَانِيَة وَولى المناصب الْعَالِيَة والمدارس السامية وَاتفقَ لَهُ أَنه تصرف فى نِيَابَة الشَّام وقسمتها العسكرية جمعا بَينهمَا سِتّ عشرَة سنة لم يعْزل فِيهَا الا ثَلَاث مَرَّات أَو أَربع مَرَّات وَلما حج قاضى الشَّام الْمولى شعْبَان بن ولى الدّين كَانَ أرسل الى طرف الدولة يسْتَأْذن بِالْحَجِّ فَأذن لَهُ وفوضت النِّيَابَة بِأَمْر سلطانى لجدى المترجم وَلما مَاتَ وَالِده كَانَ عمره سِتّ عشرَة سنة فوجهت اليه عَن وَالِده الْمدرسَة الناصرية البرانية واشتغل بِطَلَب الْعلم فَقَرَأَ على أَكثر تلامذة وَالِده مِنْهُم الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن العمادى وَغَيره وسما من ذَلِك الْعَهْد فَطلب معالى الامور وسافر الى الرّوم ولازم من شيخ الاسلام يحيى زَكَرِيَّا

وَهُوَ قاضى الْعَسْكَر بروم ايلى وبوسيلته والتقرب مِنْهُ نَالَ مَا نَالَ وَصَارَ قاضى الْحَج وقاضى الْعَسْكَر فى صُحْبَة أَحْمد باشا الْوَزير الْمَعْرُوف بالكوجك لما سَافر على بن معن ودرس بالدرويشية برتبة الدَّاخِل الْمَعْرُوفَة الْآن ثمَّ أعْطى رُتْبَة قَضَاء الْقُدس وَعظم قدره جدا وأثرى وَبِالْجُمْلَةِ فقد نَالَ أمانيه من الزَّمَان على وفْق المقترح وَلم يخدشه الدَّهْر بخدشة الا أَنه لم يعمر كثيرا وَكَانَت وِلَادَته فى سنة احدى وَألف وأرخ العمادى الْمُفْتى وِلَادَته بقوله على لِسَان وَالِده ذَا ولدى طالعه أسعد وَتوفى لَيْلَة الْجُمُعَة سلخ شعْبَان سنة سبع وَأَرْبَعين وَألف وَدفن على أَبِيه بالمدفن الْخَاص بِنَا قرب جَامع جراح

الشريف محسن بن الْحُسَيْن بن الْحسن بن أَبى نمى سُلْطَان الْحَرَمَيْنِ كَانَ من أمره أَنه نَشأ فى كَفَالَة أَبِيه وجده وَكَانَ جده يُنَوّه بِقَدرِهِ ويقدمه لنباهته ونجابته وَظُهُور آثَار الرياسة عَلَيْهِ فى صغره وَكَانَ يقدمهُ فى الحروب فَيرجع مظفرا منصورا وعدوه مخذولا مقهورا جبل على مَكَارِم الاخلاق وطار صيته فى الْآفَاق وَلما تولى عَمه أَبُو طَالب امارة مَكَّة أحله مَحل وَلَده الى أَن مَاتَ أَبُو طَالب فشارك عَمه الشريف ادريس فى امارة مَكَّة وَلبس الخلعة الثَّانِيَة ودعى لَهُ فى الْخطْبَة وَعقد لَهُ لِوَاء الامارة وَضربت لَهُ النّوبَة الرومية فى بَيته ووردت الاوامر السُّلْطَانِيَّة برسمه وَأَتَتْ المراسيم اليه مَعَ عَمه وَاسْتمرّ شريكان بِالربعِ الى أَن أذن الله لَهُ بالاستقلال بِولَايَة الْحجاز فَجرى بَينه وَبَين عَمه حَال أدّى الى قِيَامه عَلَيْهِ وَبَايَعَهُ جَمِيع الاشراف على ذَلِك فَخلع عَمه الشريف ادريس واستقل بالامر يَوْم الْجُمُعَة سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَألف وفى سادس شهور ربيع الاول من هَذِه السّنة وَردت اليه من صَاحب مصر الْخلْع وفى شعْبَان خرج الى الْمَبْعُوث وَأَقْبَلت اليه الْوُفُود من كل النواحى ثمَّ دخل مَكَّة فى شَوَّال فى موكب عَظِيم وَدخل الْمَسْجِد وَنصب لشيخ الاسلام عبد الرَّحْمَن بن عِيسَى المرشدى منبرا بِالْحَطِيمِ وَقَرَأَ المرسوم السلطانى وَبعد تَمام قِرَاءَته قلد الشريف محسن بِسيف مجوهر ثمَّ ألبس الخلعة السُّلْطَانِيَّة ثمَّ فتح لَهُ الْبَيْت الْعَتِيق فَطَافَ والخلعة عَلَيْهِ ثمَّ توجه الى منزله فجِئ لَهُ بخلعة صَاحب مصر فلبسها ثمَّ نشر الْعدْل وانتظم بِهِ الْحَال واطمأنت الرّعية وَكثر الدُّعَاء لَهُ وَدخل فى سلك طَاعَته سَائِر الْفرق العاصية ثمَّ توجه الى الْمَبْعُوث سائرا الى بجيلة ونواحيها وناصره فى جَيش جرار فَلَمَّا علمُوا بمجيئه جَاءَتْهُ مَشَايِخ بجيلة ووجوه أَهلهَا مُطِيعِينَ لامره

وطلبوا الْعَفو والمسامحة بِمَا صدر مِنْهُم من الْعِصْيَان فَعَفَا عَنْهُم ثمَّ توجه الى ناصرة وَنزل بمَكَان يُقَال لَهُ ميسَان من وادى مخرا وَأمر الْجند بخراب دِيَارهمْ لامتناعهم من الدُّخُول تَحت طَاعَته فأخربوا بعض الْقرى وَقتلُوا مِنْهُم نَحْو خَمْسَة وَأَرْبَعين رجلا ثمَّ رَجَعَ عَنْهُم وَلما فَارقه السَّيِّد مَسْعُود وَعبد الْكَرِيم ابْنا ادريس وَغَيرهمَا جمعُوا من أَعْرَاب نجد بعض الْقَبَائِل من سبيع ومطير وعدوان فَكَانَ سَبَب خُرُوج الشريف محسن اليهم فَالْتَقوا بِمحل مَعْرُوف فَطرح الشريف مَسْعُود ضربه الشريف محسن بِالسَّيْفِ فأطار السَّيْف من يَد مَسْعُود وَطَرحه فاستنخاه فَمن عَلَيْهِ الشريف محسن وَأطْلقهُ وَقيل ضرب مَسْعُود حَتَّى ملئ جِرَاحَة وتهبر وَلم يعرض عَنهُ الا بعد أَن لم يشك فى مَوته وَانْهَزَمَ من كَانَ مَعَه وبقى هُوَ وَتَفَرَّقَتْ جموعهم ثمَّ أَخذ الشريف مَسْعُود وعولج فقطبت جراحاته وجبر مَا تكسر مِنْهُ فعوفى وعاش الى أَن ولاه مَكَّة قانصوه باشا بعد قَتله للشريف أَحْمد بن عبد الْمطلب وَلما كَانَ فى آخر صفر سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف وصل الْوَزير أَحْمد باشا مُتَوَلِّيًا الْجِهَات اليمنية فَلَمَّا وصل الى محاذاة جدة بِحَيْثُ يَرَاهَا انْكَسَرت سفينته وغرقت أَمْوَاله فَنزل الى جدة وَأرْسل اليه الشريف محسن بهدية ثمَّ نزل اليه الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن المرشدى بمكاتيب مِنْهُ وَأقَام عِنْده أَيَّامًا ثمَّ طلب الاعانة من الشريف محسن فشرع فى تَدْبِير مَال لَهُ فَلَمَّا أَن كَانَ فى أثْنَاء ذَلِك وصل الْخَبَر الى مَكَّة أَن أَحْمد باشا الْمَذْكُور سجن الْقَائِد رَاجِح بن ملحم الدويدار حَاكم جدة وَمُحَمّد بن بهْرَام الشريفى أحد خدام الشريف محسن وَكَانَ أرْسلهُ الشريف الى جدة بمكاتيب اليه فَأرْسل الشريف حِينَئِذٍ الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن قره باش الْوَاعِظ الرومى الى جدة لينْظر فى هَذَا الامر فَلم ينْتج شَيْئا فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة غرَّة شهر ربيع الآخر من السّنة الْمَذْكُورَة وصل الْخَبَر بِأَنَّهُ صلب رَاجِح الْمَذْكُور وَأَنه ولى السَّيِّد أَحْمد بن عبد الْمطلب وَكَانَ فى هَذِه الْمدَّة يتَرَدَّد اليه فَحصل حِينَئِذٍ اضْطِرَاب وَقَالَ وَقيل فَبعد مُدَّة وصل خبر وَفَاة أَحْمد باشا وَأَنه نودى بجدة للشريف محسن ففرح النَّاس بذلك كثيرا ففى ثانى يَوْم ورد الْخَبَر بِأَن الامر عَاد الى مَا كَانَ وَأَنه نودى للشريف أَحْمد بجدة فَبعد مُدَّة برز الشريف محسن بعساكره وَجُنُوده وَنزل بومح اسْم مَاء بِقرب جدة وَوَقعت هُنَاكَ فتْنَة بِمُوجب أَن الاتراك خَرجُوا لاخذ غنم ترعى فى تِلْكَ الْجِهَات فوصل الْخَبَر للشريف محسن فَركب وَمَعَهُ الاشراف والاجناد فَوَقَعت ملحمة عَظِيمَة قتل

فِيهَا من الاتراك جَانب وَمن الاشراف السَّيِّد ظفر بن سرُور بن أَبى نمى وَالسَّيِّد أَبُو الْقَاسِم بن جازان وَغَيرهمَا ثمَّ بعد مُدَّة وصل الشريف محسن الى الْبَلَد وَأقَام بهَا وَجعل هُنَاكَ رُتْبَة وَأقَام عَلَيْهَا السيدة قايتباى بن سعيد بن بَرَكَات فَلَمَّا كَانَ آخر شعْبَان وصل الْخَبَر بِأَن الشريف أَحْمد برز هُوَ والعساكر الى جِهَة مَكَّة فَلم يزل يسير أَيَّام عديدة وَكَانَ وُصُوله على جِهَة وادى مر فَلَمَّا كَانَ يَوْم سادس عشر شهر رَمَضَان وصل الْخَبَر بِأَنَّهُم قاربوا مَكَّة فبرز الشريف محسن بِمن مَعَه من الاشراف والعساكر بعد صَلَاة عشَاء لَيْلَة السَّابِع عشر من شهر رَمَضَان فَالْتَقوا بِالْقربِ من التَّنْعِيم فى صبيحتها فَوَقَعت معركة وَأطلق المكاحل وَضربت البنادق فَتوجه الشريف محسن والاشراف الى جِهَة الحسينية وَدخل الشريف أَحْمد بن عبد الْمطلب الى مَكَّة ضحى ذَلِك الْيَوْم وَهُوَ السَّابِع عشر من شهر رَمَضَان والمنادى بَين يَدَيْهِ وَكَانَ دُخُوله من الْحجُون فاضطربت الافكار وتعب النَّاس فَأول مَا بَدَأَ بِهِ دُخُول الْمَسْجِد من بَاب السَّلَام وَفتحت لَهُ الْكَعْبَة المشرفة فَدَخلَهَا ثمَّ عزم الى الْمحل الذى أَرَادَ السُّكْنَى بِهِ فَوَقع الْهَرج والمرج وتسلط الْعَسْكَر على بيُوت النَّاس وَحصل الْخَوْف وَذهب صَاحب التَّرْجَمَة الى بيشه بِكَسْر الْبَاء وَأقَام بهَا وَنزل وَلَده زيد على القنفده وَنهب مِنْهَا أَمْوَالًا جمة وَكَاتب الامام مُحَمَّد بن الْقَاسِم فعضده بِابْن لُقْمَان فَجهز اليهم ابْن عبد الْمطلب جَيْشًا من جدة الى القنفده فَالتقى الْجَمْعَانِ هُنَاكَ فكسرهم وشتت جموعهم مَرَّات ثمَّ أَقَامَ ابْن لُقْمَان فى عنود هُوَ وَزيد وَأَصْحَاب ابْن عبد الْمطلب فى القنفده وَتوجه الشريف محسن الى الامام فَلَمَّا ورد اليه أكْرمه أحسن اليه وَأقَام عِنْده أَيَّامًا ثمَّ توجه الى صنعاء يُرِيد التَّنَزُّه بهَا فاخترمته الْمنية بِمحل يُسمى غربان وَحمل الى صنعاء وَدفن بهَا وَكَانَت وَفَاته فى خَامِس شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَألف وَيُقَال انه مَاتَ مسموما وَكَانَت مُدَّة ولَايَته ثَلَاث سِنِين وَثَمَانِية أشهر وَنصف ولعلماء عصره وشعرائه فِيهِ مدائح كَثِيرَة يتناقلها أدباء مَكَّة

مُحَمَّد بن ابراهيم الْمَدْعُو ببديع الزَّمَان الفاسى كَانَ فَاضلا لسنا فصيحا وشاعرا عَرَبيا لَهُ نظم رائق ونثر فائق مُشْتَمل على الْمعَانى الْحَسَنَة والنكات البديعة وَكَانَ حسن الايراد مَقْبُول الانشاد مَعَ مَا فِيهِ من رقة الحضارة ودقة البداوه رَحل من الْمغرب الى الْمشرق وجال فى الْبِلَاد وَدخل قسطنطينية الرّوم فى سنة احدى وَألف وَاجْتمعَ بعلمائها وَقد ذكره أَبُو المعالى الطالوى فى ساعاته وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا وَذكر

مراجعات وَقعت بَينه وَبَينه فَمن ذَلِك مَا كتبه اليه صَاحب التَّرْجَمَة

لدمعى بعد بَينهم انهمالفكم عَن حفظ عهد الصب مالوا
وحلوا الْقلب دَارا وَاسْتَحَلُّوادمى عمدا وَعَن ودى استحالوا
وَقَالَ الْقلب مَعَ صبرى وعقلىوأفراحى لنا عَنْك ارتحال
وحان الْحِين حِين البان بَانَتْمطاياهم وأعلاها الرّحال
وأبقت لى النَّوَى جسما كأنىلفرط السقم حَال أَو محَال
أفديهم بأموالى ونفسىوَهل لى فى الْهوى نفس وَمَال
أأسلوهم مدى الدُّنْيَا سلوهموَلَو أصلوا فؤادى ثمَّ صالوا
شعارى حبهم والمدح دينىلمولى الْفضل درويش بن طالو
هُوَ النحربر بَحر الْعلم مهماأهم الامر أَو أعيا السُّؤَال
ذكى ألمعى لوذعىسرى مَاله حَقًا مِثَال
لَهُ علم حنيفى مُحِيطوحلم أحنفى وَاحْتِمَال
وفكر عِنْد ذى التَّحْقِيق ذكربشكر الله مغرى لَا يزَال
حوى كل الْمعَانى والمعالىبعقل مَاله عَنهُ انعقال

(لَهُ نظم كدر فى نحور الغوانى دونه السحر الْحَلَال ...)

فريد فى العلى من غير ندفدع مَا قيل أَو مَا قد يُقَال
فيمم دَاره وَانْزِلْ حماهاذا جَار الاعادى واستطالوا
وَقل للْمُدَّعى هَل حزت أصلالَهُ بالطالويين اتِّصَال
لقيناه باسلا مبول لماعد منافيه حرا يستمال
فوالانا وأولانا بشاشاوبشرا دونه العذب الزلَال
وأنسانا بايناس أُنَاسًالَهُم فى الْقلب حل وارتحال
أَلا يَا ابْن الالى قد خرت فخرالَهُ فى وجنة الْبَدْر انتعال
وسدت الْيَوْم أهل الارض فاهنأبعز مَاله عَنْك انْتِقَال
فَخذهَا مثل خلق مِنْك سهلعلى الاعداء صَعب لَا ينَال
كساها مدحك الْمَحْمُود حسنالَهَا فِيهِ ازدهاء واختيال
فتبدى تَارَة دلا لديكمويعروها على الدُّنْيَا دلال
ترجى أَن تنيلوها قبولاعَسى يَبْدُو لَهَا مِنْك احتفال
فان أَحْسَنت كَانَ الامر بدعاوالا مِنْكُم يُرْجَى الْكَمَال

ثمَّ أعقب هَذَا النّظم بنثر وَهُوَ رضى الله عَنْك وأرضاك وأخصب فى مرابع المحامد مرعاك سَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله سَلاما يَتَّخِذهُ الْبَدْر برق محياه وَقَامَ لاجلاله سنا شمس الضُّحَى وحياه وافتك حَاسِرَة حسيره ونزهة يسيره يشرفها ذكرك ويكرمها شكرك والعذر وَاضح وتفسر الْوَاضِح فاضح فان لى خاطر امتى تفكر تفطر وان رَاجع وتدبر الْقدر تصبر وَالْحر خل عاذر واللئيم خب غادر وَمثلك يغض وَلَا يغضى وحلمك لاشك الى الرِّضَا يفضى وَكتب الْمُحب الاكبر وَالْفَقِير الاصغر النائى عَن الاخوان مُحَمَّد الْمَدْعُو ببديع بل بشنيع الزَّمَان وَحكى الطالوى انه حن يَوْمًا الى وَطنه حنين الْفَحْل الى عطنه والمهجور الى سكنه وَقد ذكر مسْقط راسه ومشتعل نبراسه وهى الْبَلدة الْبَيْضَاء أعنى فاس فتصاعدت مِنْهُ لغدقتها الانفاس حَتَّى ذرفت عَيناهُ بالدموع شوقا الى تِلْكَ الْمنَازل والربوع فَلَمَّا رأى الْحَاضِرُونَ حَاله رق كل لَهُ ورثى لَهُ قَالَ فَقلت على لِسَان حَاله وَقد توجه لمنزله ببلباله قِطْعَة سبقته الى النادى وَكَانَت عِنْده كبعض الايادي مَعَ لغز فى اسْم بَلْدَة مراكش وَكَانَ قد جرى شئ من ذكرهَا فنظم ذَلِك فى اثرها

ربعت على تِلْكَ الربوع هتونوطفاء فِيهَا للبروق حنين
مسفوحة العبرات سفح مدامعىنَحْو الديار كأنهن عُيُون
فسقى معالم فاس حَيْثُ صبابتىوصباى فِيهَا صَاحب وخدين
فارقتها وَأَنا الضنين وَرُبمَايسخو الْفَتى بِالروحِ وَهُوَ ضنين
فعلى معالمها تَحِيَّة مغرمفى قلبه لهوى الديار شجون

وَأما اللغز فَهُوَ

وَمَا اسْم خماسى مُسَمَّاهُ بَلْدَةتركب من شكين وَهُوَ يَقِين
فَشك ترَاهُ الْعين باد بِلَا مراوَشك بقلب لَا ترَاهُ عُيُون

فَكتب اليه بسرعه لما وصلت اليه الرقعة وَمَا زَالَ العَبْد من حِين مفارقتكم لَا يقر لَهُ قَرَار الى ان ورد شذا انظمكم المعطار فَقَالَ طَالبا للقبول على استعجال من الرَّسُول

مولاى لَا زلت فَردا فى المكارم يَاأَبَا المعالى فى أرفع الدرج
ألبست فاسا وأهليها ثِيَاب علىقد نمقتها يدا تقريظك البهج
لما جرى ذكرهَا فى رحب خاطركمأنشدتها قَول صب بالهوى لهج
لتهن يَا فاس واخلع مَا عَلَيْك فقدذكرت ثمَّ على مَا فِيك من عوج

وَأما لغزكم السهل الْمُمْتَنع فَهُوَ فى بَلْدَة هى لقلب الصب الحبيب الْمُمْتَنع وعاجلنى الرَّسُول على نظم بعض الفضول وَلَكِن ان شَاءَ الله فى غَد يَقع الاتمام عَالما ومقرا ان لى بِسَاحَة اقتداركم المام فَكتب اليه ثَانِيًا

مَا ذَات عود لَهَا لحن من الهزجباتت تغنى بِهِ فى روضها البهج
لَهَا بدعوة نوح طوق غانيةعلى وشاح من الازهار منتسج
مخضوبة الْكَفّ لَا من عندم خضبتذَاك البنان وَلَكِن من دم المهج
مدت قوادم ليل فِيهِ لَاحَ لنابيض الخوافى كصبح مِنْهُ منبلج
يَوْمًا بِأَحْسَن من مرأى نظام فَتىبِذكر فاس ومغنى ربعهَا لهج

ثمَّ انه سَافر الى مصر وَبهَا توفى وَكَانَت وَفَاته فى سنة سِتّ بعد الالف

مُحَمَّد بن ابراهيم الفرضى الميدانى المنعوت شمس الدّين التنورى الشافعى أحد مشاهير مَشَايِخ دمشق فى علم الْفَرَائِض والحساب وَكَانَ اليه النِّهَايَة فى هذَيْن العلمين مَعَ مُشَاركَة فى غَيرهمَا وَكَانَ صَالحا ورعا حسن الِاعْتِقَاد وَبِالْجُمْلَةِ فانه بركَة من بَرَكَات عصره أَخذ الْفَرَائِض عَن الشَّيْخ مُحَمَّد النجدى نزيل الْمدرسَة العمرية بصالحية دمشق وَكَانَ يسكن محلّة ميدان الْحَصَا فَيذْهب مِنْهَا فى كل يَوْم الى الصالحية وَيقْرَأ عَلَيْهِ وخدمه كثيرا حَتَّى مهر وقصده الطّلبَة من الاطراف وانتفعوا بِهِ وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ الْحسن البورينى وَالشَّيْخ عمر القارى والبدر الموصلى وَغَيرهم وَسكن مُدَّة دَاخل دمشق فى سوق البزوريين وَصَاحب آخرا رجلا مصريا يُقَال لَهُ الشَّيْخ يحيى وَكَانَ يعرف الْعُلُوم الغريبة كالزايرجا والسيميا والكيميا وَكَانَ الشَّيْخ يحيى قد رَحل الى الْبِقَاع العزيزى فَكَانَ التنورى يَأْخُذ مَعَه نفائس المأكولات ويسافر الى الْبِقَاع بِقصد الشَّيْخ يحيى وَيطْلب مِنْهُ التَّعْلِيم فَمَا سمح لَهُ بشئ سوى بعض مبادى الكيميا فأتلف مَا كَانَ يملكهُ وَلم يحصل مِنْهَا على شئ وَعمر كثيرا وَمَات بمحلة ميدان الْحَصَا فى أَوَائِل شهر ربيع الاول سنة سبع بعد الالف قَالَ البورينى فى تَرْجَمته وأخبرنى وَلَده الشَّيْخ مُحَمَّد أَنه عَاشَ سِتا وَسبعين سنة وَدفن بتربة الجوزة بمحلة الميدان

مُحَمَّد بن ابراهيم بن عمر بن ابراهيم بن مُحَمَّد الاكمل بن عبد الله بن مُحَمَّد بن مُفْلِح

القاضى أكمل الدّين بن برهَان الدّين بن قاضى الْقُضَاة نجم الدّين بن مُفْلِح الرامينى الْمُحدث الرحلة المورخ أَخذ عَن مَشَايِخ عصره واستجاز لَهُ أَبوهُ من شيخ الاسلام السَّيِّد كَمَال الدّين مُحَمَّد بن حَمْزَة مفتى دَار الْعدْل وتعانى فى مبدا أمره الشَّهَادَة بالمحكمة ثمَّ سَافر الى الرّوم وَأقَام بهَا مُدَّة وَقَرَأَ على الْعَلامَة عز الدّين خَلِيل الحلبى الْمَعْرُوف بِابْن النَّقِيب نزيل قسطنطينية وَولى قَضَاء بعلبك وصيدا ثمَّ اسْتَقر بِدِمَشْق وَكَانَ أَكثر مقَامه بقصره الشامخ بصالحية دمشق قبالة دَار الحَدِيث الاشرفية الْمَعْرُوف الْآن بقصر بنى كريم الدّين وبقاعته قرب الْمدرسَة المقدمية بَاطِن دمشق وَكَانَ لَهُ يَد طولى فى علم التَّارِيخ وَكتب تَارِيخا ترْجم فِيهِ معاصريه وَكَانَ يكْتب الْخط الْحسن الْمَنْسُوب وَفِيه يَقُول الْحسن البورينى

لَا كمل مَوْلَانَا خطوط كَأَنَّهَاخطوط عذار زينت صفحة الخد
اذا مَا امتطى مِنْهُ اليراع أناملاأَرَاك سطور الْمجد فى فلك السعد
فَهَذَا لعمرى مُفْلِح وَابْن مُفْلِحفناهيك مولى فاق بالجد وَالْجد

وَكَانَ مَعَ كَثْرَة أدبه واطلاعه لم ينظم شعرًا سوى مَا رَأَيْته فى بعض المجاميع انه روى لَهُ هَذَا الْبَيْت وَلم يتَّفق لَهُ غَيره وَهُوَ قَوْله

أَلَيْسَ عجيبا ان حظى نَاقصوغيرى لَهُ حَظّ وانى لَا كمل

وَكَانَ كثير الْفَوَائِد وَرَأَيْت بِخَطِّهِ مجاميع كَثِيرَة ونقلت مِنْهَا أَشْيَاء مستظرفة فَمن ذَلِك هَذِه الْفَائِدَة فِيمَا تَقوله الْعَرَب انه أحد الشَّيْئَيْنِ حسن شعر الْمَرْأَة أحد الْوَجْهَيْنِ والقلم أحد اللسانين وَحسن المرافقة أحد النفقتين ونشيد الهجاء أحد الهجاءين والعزل عَن الْمَرْأَة أحد الوأدين والادب أحد الحسبين والجنوب أحد المطرين وَحسن الْمَنْع أحد البذلين وَالسُّؤَال عَن الصّديق أحد اللقاءين والتثبت أحد العزمين وَالْقَرْض أحد الهبتين والتلطف فى الْحَاجة أحد الشافعين واللطافة أحد الحضتين وَحسن الْخط أحد البلاغتين واليأس أحد الراحتين والطمع أحد المعرتين وَسُوء الْخلق أحد المصيبتين وَمن ذَلِك هَذِه العجيبة قَالَ أخبرنى شَيخنَا شيخ الاسلام أَبُو الْفَتْح المالكى ابْن عبد السَّلَام أَنه لما توجه فى سنة ثَلَاث وَخمسين وَتِسْعمِائَة الى دَار السلطنة قسطنطينية نزل بِمَدِينَة قونيه فَرَأى بهَا رجلا بلحية كَبِيرَة سَائِلَة الى صَدره وَهُوَ يتعاطى المتجر فَتحَرَّر أمره أَنه امْرَأَة وَله فرج أُنْثَى وكشف عَلَيْهِ حَاكم تِلْكَ الْمَدِينَة فَوَجَدَهُ أُنْثَى بفرج فحلق لحيته وَأمره بالسترة

وبلغنى بعد ذَلِك انها تزوجت وَولدت من فرجهَا قلت وَمن هَذَا الْقَبِيل مَا نَقله المقريزى أَنه فى أول الْمحرم سنة سِتّ وَسبعين وَسَبْعمائة وَقع بِمصْر أَن الامير شرف الدّين بن عِيسَى بن بَاب جكر والى الاشمونين كَانَت لَهُ بنت فَلَمَّا بلغت من الْعُمر خمس عشرَة سنة استد فرجهَا وَنبت لَهَا ذكر وأنثيان واحتلمت كَمَا يَحْتَلِم الرِّجَال واشتهر ذَلِك بِالْقَاهِرَةِ حَتَّى بلغ الامير منجك فاستدعى بهَا ووقف على حَقِيقَة خَبَرهَا فَأمر بِنَزْع ثِيَاب النِّسَاء عَنْهَا وألبسها ثِيَاب الرِّجَال من الاجناد وسماها مُحَمَّدًا وَجعله فى جملَة خدمه وأنعم عَلَيْهِ باقطاع وَشَاهد ذَلِك كل أحد وَرَأَيْت فى الكشكول تأليف الْبَهَاء الحارثى نقلا عَن حَيَاة الْحَيَوَان عَن ابْن الاثير فى كَامِل التَّارِيخ فى حوادث سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة قَالَ كَانَ لنا جَار لَهُ بنت اسْمهَا صَفِيَّة فَلَمَّا صَار عمرها خمس عشرَة سنة نبت لَهَا ذكر وَخرج لَهَا لحية قَالَ الْبَهَاء وَنَظِير هَذَا مَا أوردهُ حمد الله الْمُسْتَوْفى فى كتاب نزهة الْقُلُوب وَأوردهُ بعض المؤرخين أَيْضا أَن بِنْتا كَانَت فى قميشة وهى من ولايات اصفهان فزوجت فَحصل لَهَا لَيْلَة الزفاف حكة فى عانتها ثمَّ خرج لَهَا تِلْكَ اللَّيْلَة ذكر وأنثيان وَصَارَت رجلا وَكَانَ ذَلِك فى زمَان السُّلْطَان الجانبولاذ خدا بنده وَذكر الاكمل أَنه يعرف قصَّة وَقعت بِدِمَشْق فى سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَهُوَ أَنه كَانَ بمحلة القيمرية شَاب أَمْرَد أسمر اللَّوْن يُسمى على بن الرفاعى وَكَانَ يجلد الْكتب ويهواه شخص يُسمى عبد الرَّحْمَن بن الظنى فَوَقع لَهُ مَعَه وَاقعَة أفْضى أمرهَا للوقوف بَين يدى القاضى كَمَال الدّين الْعَدْوى الشافعى البقاعى الْحَاكِم خلَافَة بمحكمة الميدان فترجح عِنْده أَن عليا الْمَذْكُور خُنْثَى وانه للانوثة أميل فَأمر الاطباء بالكشف عَلَيْهِ فوجدوا لَهُ فرجا لَهُ حلمة صَغِيرَة فَوْقهَا ثَلَاثَة أبخاش صغَار فأزالوا ذَلِك بِالْقطعِ فَظهر تَحت الْمحل الْمَذْكُور فرج أُنْثَى فَعِنْدَ ذَلِك حكم الْحَاكِم الشافعى بأنوثته وسموه عليا وزوجوها بعاشقها عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور فَدخل عَلَيْهَا فَوَجَدَهَا بكرا وأزال بَكَارَتهَا وحملت مِنْهُ وضعت أَوْلَادًا مُتعَدِّدَة شَاهد ذَلِك وتحققه غَالب أهل دمشق انْتهى وَكَانَت ولادَة الاكمل فى يَوْم الْجُمُعَة ثانى عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَتوفى نَهَار الاربعاء وَقت الضحوة الْكُبْرَى سَابِع عشر ذى الْحجَّة سنة احدى عشرَة بعد الالف وَدفن بمقبرة سفح قاسيون فى قبر وَالِده

مُحَمَّد بن ابراهيم الملقب بسرى الدّين الدرورى المصرى الحنفى الْمَعْرُوف بِابْن

الصَّائِغ السرى وَمَا أَدْرَاك مَا السرى أنموذج المعارف ونكتة مَسْأَلَة التَّحْقِيق كَانَ من الْفضل وَالتَّحْقِيق فى أسمى منزلَة وَأَعْلَى هضبة وَمَا رَأَيْت فِيمَن رَأَيْت الا من يصفه بِالْفَضْلِ الباهر ويبالغ فى الثَّنَاء عَلَيْهِ وَقَالَ والدى فى تَرْجَمته لم أر فى مصر أحسن من شكله وملبوسه وعمامته وَلَا ألطف من مصاحبته ومنادمته وَأما فَضله فاليه النِّهَايَة وَلَيْسَ وَرَاءه غَايَة وَلم يكن فِيهِ عيب سوى الشُّح وَكَانَ وَالِده من أكَابِر التُّجَّار المياسير خلف لَهُ أَمْوَالًا كَثِيرَة ثمَّ اشْتغل بِقِرَاءَة الْعُلُوم فَقَرَأَ على أَبى بكر الشنوانى ثمَّ لزم الْمولى حُسَيْن الْمَعْرُوف بباشا زَاده نزيل مصر واختص بِهِ وَبِه تفوق على نظرائه وَكَانَ يعرف اللُّغَة الفارسية والتركية حق الْمعرفَة بِحَيْثُ انه اذا تكلم بهما يظنّ أَنه من أهلهما ودرس بِمصْر فى الْمدرسَة السليمانية والمدرسة الصرغتمشية وَكَانَ يكْتب الْخط المدهش وَألف حَاشِيَة على شرح الْهِدَايَة للاكمل وحاشية على شرح الْمِفْتَاح الشريفى وحاشية على البيضاوى ورسالة فى المشاكلة وَكلهَا ممتعة نفيسة جَارِيَة على الدقة وَالنَّظَر الصَّحِيح وانتفع بِهِ جمَاعَة وسافر الى الرّوم بِطَلَب من شيخ الاسلام أَحْمد بن يُوسُف المعيد مفتى السلطنة ورزق مِنْهُ قبولا تَاما وَوجه اليه رُتْبَة قَضَاء الْقُدس وَدخل دمشق ذَهَابًا وايابا وَأخذ عَنهُ بهَا الشَّيْخ مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد العيثى ووالدى وَعرض عَلَيْهِ رحلته الرومية الاولى فَكتب عَلَيْهَا الْحَمد لله الذى تفضل على من شَاءَ من عباده فَكَانَ لَهُ محبا وشغفه بالكمال فَكَانَ بِهِ ولوعا وصبا وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على أشرف الانام الذى ترقى فى حضرات الْقُدس وَشَاهد الانس دنوا وقربا وعَلى آله وَأَصْحَابه الَّذين لم يَجْعَل لَهُم فى سوى اقتفاء آثاره حَاجَة وقربى وَبعد فقد بعث الى من وادى الادب الْمُقَدّس هَدِيَّة سنية وسفر أَسْفر عَن بَدَائِع عبقريه حيرتنى فلست أدرى أروض دبجته أيدى الْغَمَام أم عسجدية حسنتها فَارس بأنواع التصاوير والارقام بيد أَنَّهَا أعربت عَن سمو همة مبدعها بالاقتداء فى الْهِجْرَة بِالْآبَاءِ الْكِرَام فَسَار مسير الْهلَال فى منَازِل التَّحْصِيل ثمَّ الترقى الى أوج التَّمام فَالله تَعَالَى يكثر من أَمْثَاله اذ لم نر لَهُ مثلا فضلا عَن أَمْثَال ويبقيه صَدرا للافادة ومحتدا للفضل والافضال وَأورد لَهُ والدى ﵀ فى تَرْجَمته قصيدة من نظمه فى غَايَة السلاسة واللطافة وَذكر أَنه مدح بهَا قاضى مصر الْمولى عبد الْكَرِيم المنشى ومستهلها

رعى الله عصر بالغرام تقدماأرَاهُ بِثَوْب الدَّهْر وشيا منمما
وَحيا الحيا منى ديار أحبتىوان كَانَ ربع الود مِنْهُم تهدما
وان كَانَ ودا فى الْحَقِيقَة غير أَنعشقت وأوهمت الحجى فتوهما
الى كم أضيع الْعُمر فى أَيْن هم غدواوحتام يسلينى لَعَلَّ وأينما
أطالب دهرى أَن يجود بقربهمفَمَا زَاد بِالْبُطْلَانِ الا تبرما
وَنَاشَدْته الا مقاسمة الاذىوصفو الليالى فاستقال وأقسما
وَمَا ضرهم لَو أَن برق التقائهمأَضَاء اذا ليل الْحَقِيقَة أضرّ مَا
تبدت لى الايام فى زى بأسهموسلت بكف الْغدر للْقَتْل مخذما
وَضحك مشيبى أَن عصر شبيبتىيودع جسما مَا أرَاهُ مُسلما
هبطنا الى أَرض المذلة بالذىتخذت لصرح الْعِزّ مرقى وسلما
وَمِمَّا دهانى أَن بليت بأغيداذا شَاءَ اسكار الْعُقُول تبسما
وان مارنا واهتز غُصْن قوامهفويل المهى مِنْهُ وتعسا على الدما
تمايل وَسنَان الجفون وَمَا احتسىمداما وأصمانا وَمَا راش أسهما
وولاه سُلْطَان الْجمال نفوسناأَلَسْت ترى ديباج خديه معلما
وَمَا هُوَ الا ان تعطفه الحجىفيسمح لى فى زورة ثمَّ يندما
زرعت بلحظى الْورْد فى روض خَدّهأما آن أَن يجنى بفى أما أما
وهبه حمى ورديه بعذارهفَمنع فَم العشاق ذَاك اللمى لما
مللت البقا الا بِمن قد صحبتهأعانقه لَيْلًا اذا الطيف أحجما
وَذَاكَ لِقَاء المغرد الْكَامِل الَّذِيغَدا الدَّهْر فى ترتيل مدحته فَمَا

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع