تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْمِيم

الصفحة ٢ من ٢

وَكَانَت وَفَاته فى سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة المجاورين رَحمَه الله تَعَالَى

السَّيِّد مُحَمَّد بن ابراهيم بن الْمفضل بن ابراهيم بن على بن الامام يحيى شرف الدّين قَالَ ابْن أَبى الرِّجَال هُوَ بَحر الْعلم الخافق فى الْخَافِقين وَبدر الدّين الذى أنار فى المشرقين امام المعقولات والمنقولات والمبرهن على حُدُودهَا وبراهينها والمقولات صدر السَّادة وَبدر القادة كَانَ قدس الله تَعَالَى سره نَسِيج وَحده وفريد وقته وانسان زَمَانه الْكَامِل القاضى فى الْعُلُوم على كل فَاضل وَالْحَاكِم الذى لبه رزين والواسطة الَّتِي بجواهر العقد تزين وَكَانَ ربانى عصره معمور الْبَاطِن وَالظّهْر مسعودا فى حالاته ملحوظا اليه بِعَين التكريم أَيْنَمَا توجه مَعَ كَمَال فى سمته وجلالة باهرة حَتَّى قَالَ بعض الْفُضَلَاء أَحسب أَنه لَو اجْتمع الْخلق فى الْحَشْر

وَخرج السَّيِّد مُحَمَّد بَينهم علم كل أحد انه عَالم وَكَانَ مَعَ تِلْكَ الْخلال وَذَلِكَ الْجلَال سهل الاخلاق غير مترفع وَلَا ينقص ذَلِك من مِقْدَار شَيْئا وَكَانَت لَهُ فكرة سليمَة كَمَا قَالَ شَيْخه الْوَجِيه عبد الرَّحْمَن الحيمى فى صفته انه مُسْتَغْرق الفكرة بِاللَّه تَعَالَى وَهُوَ مَعَ النَّاس ظَاهرا هَكَذَا ذكره لى شَيخنَا مشافهة أَيَّام قِرَاءَته عَلَيْهِ فى الْكَشَّاف وَكَانَت أَحْوَاله أَحْوَال الامراء وَصيته أَعلَى من ذَلِك لما حواه من هَذِه الكمالات وَلما لَهُ من النّسَب الشريف الذى لَا يسامى وَكَانَ فى أهل بَيته الْكِرَام كالبدر بَين النُّجُوم ولد سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف وَلم يزل مواظبا على الْعلم من صغره الى كبره يَسْتَفِيد مِنْهُ الطالبون ويراجعه الْفُضَلَاء بالكتب من الْآفَاق ويستمطرون دِيمَة آدابه ويفجرون معِين علمه فيأتيهم من قبله كل عَجِيب غَرِيب وَقَرَأَ فى الْفُنُون بِمَدِينَة صنعاء وبلدة كوكبان وشيام ورحل الى الطَّوِيلَة لقِرَاءَة شئ من كتب أصُول الْفِقْه على السَّيِّد الْعَلامَة عز الدّين بن ذريب وَأكْثر مَا تعلق بِهِ فى صنعاء علم الادوات وَالتَّفْسِير وَأما الحَدِيث فَأكْثر قِرَاءَته على شُيُوخ وردوا اليه الى مَحَله الْمُبَارك فَقَرَأَ من كل فن وُجُوه كتبه وهيمن على غرائبها وَكَانَ وَاسع الْحِفْظ نادرة فى ذَلِك سيال الذِّهْن وَلَا يلقى الْمسَائِل الا على جِهَة الاجابة واستوطن فى آخر أَيَّامه وادى ظهر وَأنس بِهِ النَّاس هُنَالك وازداد الوادى بِهِ بهجة وعلق بِهِ من لَا علاقَة لَهُ بِهِ وَكَانَ استشارنى لمَكَان الْمَوَدَّة فى انزال أَهله الى الوادى فَمَا رجح لى وَظهر لَهُ الرجحان فَكَانَ الصَّوَاب رَأْيه والحرى بذلك وَله من التآليف نظم الورقات لامام الْحَرَمَيْنِ الجوينى فى غَايَة الْحسن وَكَانَ شَيخنَا الْوَجِيه يتعجب من حسنه وَيسر الله تَعَالَى فى أَيَّام الْقِرَاءَة شرحها بشرح مُفِيد وَلكنه لم يظْهر وَغَابَ بَين كتبه وَشَرحهَا رجل من بنى النزيلى وَكَانَت وَفَاته نَهَار الِاثْنَيْنِ غرَّة رَجَب سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف بِمَنْزِلَة شيام وَكَانَ لمَوْته موقع عَظِيم عِنْد الْعلمَاء وَغَيرهم وَمَا أحقه بقول الزمخشرى فى الامام ابْن سمْعَان

مَاتَ الامام ابْن سمْعَان فَلَا نظرتعين الْبَصِير اذا ضنت بأدمعها
وأى حوباء لَا صمت وَلَا عميتوَلَا استفادت بمرآها ومسمعها
أَيْن الذى ان شريناه لما أخذتبِبَعْضِه هَذِه الدُّنْيَا بأجمعها
أَيْن الذى الْفِقْه والآداب ان ذكرتفَهُوَ ابْن ادريسها وَهُوَ ابْن أصمعها
من للامامة ضَاعَت عِنْد قيمتهَامن للبلاغة غيث عِنْد مصقعها
من للاحاديث يُمْلِيهَا ويسمعهابعد ابْن سمْعَان ممليها ومسمعها
سرد الاسانيد كَانَت فِيهِ لهجتهككف دَاوُد فى تسريد أدرعها
خلى الائمة خيرا فقد أعلمهاعلى اتِّفَاق وأوذكاها وأورعها

وَعمر عَلَيْهِ تربة ورثاه من يعرفهُ وَمن لَا يعرفهُ وَمن جملَة من رثاه القاضى مُحَمَّد بن الْحسن الحيمى وَجَمَاعَة من بِلَاد كوكبان أَجَاد وَالشَّيْخ البليغ ابراهيم الهندى والقاضى على بن صَالح بن أَبى الرِّجَال وَلم يحضرنى من هَذِه المراثى غير مَا يسره الله تَعَالَى لى وَلست بكامل الصَّنْعَة فى الشّعْر وهى قولى

الله أكبر فلك الصَّالِحَات رساالله أكبر راد الافق عَاد مَا
وَالْمجد هدت على رغم قَوَاعِدهكم معلم بعد عز الْملَّة اندرسا
ومسمع الْمجد والعليا بِهِ صممونطقه عَن فصيحات اللغى خرسا
هى الْمُصِيبَة عَمت كل نَاحيَةيَا أَيهَا النَّاس هَذَا الْبَدْر قد طمسا
فابكوا جَمِيعًا فَهَذَا الهول عمكمهد القوى من رجال مِنْكُم ونسا
من ذَا لعلم رَسُول الله ينشرهيحييه يمليه يبدى مِنْهُ مَا التبسا
من للاصولين من ذَا للفروع وَمنبالْمَنْطق الْفَصْل يُمْلِيهَا لمن درسا
لهفى عَلَيْهَا وَمَا لهفى شفا كمدشوى فؤادى وأورى فى الحشا قبسا

( ... آه وَمَا هى فى خطبى بنافعة ... وان رثى لى مِنْهَا الضِّدّ والجلسا)

مُصِيبَة قد دهت من قد قصاودناوَأعظم النَّاس خطبا معشر الرؤسا
قد كَانَ فِينَا كشمس الرَّاد مشرقةمَا ان نَخَاف ظلا مَا أَو نرى غلسا
وَكَانَ فِينَا كثهلان نلوذ بِهِاذا الزَّمَان علينا بالخطوب أسا
وَكَانَ فِينَا فراتا مرويا فاذايدنس الدّين أَمر طهر الدنسا
مَاذَا أَقُول وقولى فِيهِ ذُو قصرومنطقى بعد افصاحى قد انحبسا

الى أَن يَقُول

مالى سولى الصَّبْر فى خطبى ألوذ بِهِعَسى يُخَفف من قلبى الهموم عَسى
يَا من نأى عَن فؤادى وَهُوَ موطنهوفى سويداه حب مِنْهُ قد غرسا
نأيت عَنَّا الى الجنات منتعمامَعَ الاحبة من آل وَأهل كسا
وَنحن نبكى كَمَا تبكى مولعةبنجلها اذ رَأَتْهُ صَار مفترسا
لكننا قد رَضِينَا حكم خالقناوان يجرع كل من نواك حسا
وسوف نفزع فى ذَا الْخطب نحواساكم بردت من حرارات الْقُلُوب أسى

مُحَمَّد بن ابراهيم الملقب شمس الدّين الحمصى الشافعى الْمَعْرُوف بِابْن الْقصير بِالتَّصْغِيرِ وَاحِد قطره فى الْفُنُون وَكَانَ فَاضلا حسن التَّحْرِير ندى الْقَلَم أفتى بحمص على مَذْهَب الشافعى نَحْو سَبْعَة وَأَرْبَعين سنة وَله تآليف حَسَنَة مِنْهَا شرح على منظومة الشَّيْخ أَبى بكر القارى فى العقائد وَشرح الْغَايَة فى الْفِقْه وَله أجوبة عَن أسئلة سُئِلَ عَنْهَا فى التَّفْسِير وَالْفِقْه بحلب ودمشق رَأَيْتهَا وانتخبت مِنْهَا أَشْيَاء نفيسة وَكَانَت وِلَادَته فى شهر ربيع الآخر سنة احدى عشرَة بعد الالف وَتوفى بِدِمَشْق نَهَار الثلاثا ثَالِث عشر شهر ربيع الآخر سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف وَدفن بمقبرة الشَّيْخ أرسلان

مُحَمَّد بن أَبى بكر الشَّيْخ الْعَارِف الْمَعْرُوف باليتيم الدمشقى العاتكى الصوفى كَانَ أحد الرِّجَال الاتقياء أَرْبَاب المكاشفات كَانَ فى أول أمره يتكسب بِبيع القهوة بالسويقة المحروقة وَكَانَت قهوته مجمع الصَّالِحين وَكَانَ الى جَانِبه حوش يجمع بَنَات الخطا فاستأجره وأخرجهن مِنْهُ وَاتخذ فِيهِ مَسْجِدا وَكَانَ اذا أذن الْمُؤَذّن دَعَا النَّاس الى صَلَاة الْجَمَاعَة فِيهِ وَهَذَا هُوَ الْمَكَان الذى بنيت فِيهِ المرادية وَيُقَال انه دَاخل حرمهَا بناها مرا د باشا نَائِب الشَّام فى سنة سِتّ وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَكَانَ الشَّيْخ الْيَتِيم يتَرَدَّد الى مَسْجِد المرادية وَيُحِبهُ الى الْمَمَات وَكَانَ أَخذ الطَّرِيق عَن الشَّيْخ مُوسَى الكناوى وَعَن الشَّيْخ سعد الدّين الجباوى وَأخذ علم التَّوْحِيد والتصوف عَن سيدى أَحْمد الميناوى المغربى وَاجْتمعَ بالاستاذ مُحَمَّد البكرى بالقدس وَأخذ عَنهُ وَصَحب الشَّيْخ مَنْصُور السقيفى وَالشَّيْخ محيى الدّين الذهبى وَكَانَ الذهبى يتهم بِعلم الكيميا وَحكى عَنهُ بعض الاخيار أَنه قَالَ خطر لى أَن أذهب اليه وأسأله أَن يعلنى اياها قَالَ ثمَّ قلت فى نفسى رُبمَا لَا يعلمك فَلَو تَوَجَّهت الى روحانية النبى

وَطلبت ذَلِك مِنْهُ قَالَ وَكَانَ من عادتى اذا ذهبت الى زِيَارَة الشَّيْخ محيى الدّين بدكانه الَّتِي يدق فِيهَا الذَّهَب بسوق القيمرية تجاه الْمدرسَة القيمرية فبمجرد مَا أشرف على دكانه من بعيد يفتح لى بَاب طَاقَة الدّكان قَالَ فَلَمَّا أَصبَحت من تِلْكَ اللَّيْلَة ذهبت اليه فَلَمَّا أشرفت عَلَيْهِ لم يفتح بَاب الطَّاقَة على عَادَته وَلما دخلت عَلَيْهِ وَجَلَست عِنْده قَالَ لى يَا مُحَمَّد النبى

يمد الْكَوْن بأنواع السعادات ويليق مِنْك أَن تطلب مِنْهُ الا مداد بالدنيا الفانية هلا طلبت مِنْهُ أَن يمدك بالعارف ثمَّ

انْقَطع فى بَيته بمحلة قبر عَاتِكَة وَكَانَ يتَرَدَّد اليه الزوار وَكَانَ مَجْلِسه غاصا باللطائف والمعارف وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ آيَة من آيَات الله تعلى قَالَ الغزى فى تَرْجَمته صحبته نَحْو خمس سِنِين وَكنت أَقُول مَا على من صحب هَذَا الشَّيْخ اذا فَاتَتْهُ الصُّحْبَة مَعَ الْمُتَقَدِّمين وَكَانَت وَفَاته فى نَهَار السبت السَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس بعد الالف وَكَانَت جنَازَته حافلة وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير بِالْقربِ من سيدى نصر المقدسى رَحمَه الله تَعَالَى

مُحَمَّد بن أَبى بكر بن دَاوُد بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الْخَالِق بن عبد الرَّحْمَن الملقب محب الدّين بن تقى الدّين أَبُو الْفضل العلوانى الحموى الدمشقى الحنفى جد أَبى شامة الشَّام وفرد الزَّمَان وانسان حدقة الْعلم وروح جسم الْفضل وفريدة عقد الادب ودرة تَاج الشّعْر وَكَانَ مِمَّن توَحد فى عصره بِمَعْرِِفَة الْفُنُون خُصُوصا التَّفْسِير وَالْفِقْه والنحو والمعانى والفرائض والحساب والمنطق وَالْحكمَة والفنون الغريبة كالزايرجا والرمل وَغير ذَلِك وفَاق من عداهُ فى لطف النثر وعذوبة اللَّفْظ وجودة الْمَعْنى وغرابة الْمَقْصد وانسجام التراكيب وَأما خطه فاليه النِّهَايَة فى الْحسن والضبط وَكتب الْكثير بِخَطِّهِ بِحَيْثُ لَو حسب عمره والذى كتبه لبلغ كل يَوْم كراسا بالكامل هَذَا مَعَ كَثْرَة الاسفار وتزاحم الاشغال والارتباط للْقَضَاء وَالْفَتْوَى والتأليف وَألف المؤلفات العجيبة السائغة مِنْهَا حَوَاشِيه على التَّفْسِير وَالْهِدَايَة والدرر وَالْغرر ومنظومته فى الْفِقْه الَّتِي سَارَتْ مسير الشَّمْس سَمَّاهَا عُمْدَة الْحُكَّام وَقد احتوت على غرائب الْمسَائِل واعتنى بشرحها أجلاء الْفُضَلَاء مِنْهُم الامام يُوسُف بن أَبى الْفَتْح امام السُّلْطَان وَالشَّيْخ اسماعيل النابلسى وَابْنه شَيخنَا الشَّيْخ عبد الْغنى وَله شرح شَوَاهِد الْكَشَّاف سَمَّاهُ تَنْزِيل الْآيَات على الشواهد من الابيات وَشرح منظومة القاضى محب الدّين بن الشّحْنَة فى الْمعَانى وَالْبَيَان وَكَانَ سنه اذ ذَاك سِتّ عشرَة سنة وَله الرحلة المصرية والرومية والتبريزية والسهم الْمُعْتَرض وَالرَّدّ على من فجر وَله عشرُون رِسَالَة مَجْمُوعَة فى دفتر وترسلاته كَثِيرَة جدا جمع والدى مِنْهَا حصتة فَجَاءَت فى مِقْدَار أَرْبَعِينَ كراسا وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ أَكثر أَبنَاء عصره احاطة وأجلهم فَائِدَة وَقد ولد بحماة وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ على وَالِده الى أَن تنبل وَكَانَ أَبوهُ قد بلغت بِهِ السن الى الْعَجز عَن الاقراء فَبَعثه الى الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَبى الوفا ابْن ولى الله الشَّيْخ علوان وَكتب اليه مَعَه هَذِه الابيات من نظمه

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.