من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْغَيْن الْمُعْجَمَة
غازى باشا ابْن شاهسوار الجركسى الاصل أحد وزراء الدولة العثمانية كَانَ من مشاهير فضلاء الوزراء مطلعا على كثير من الْمسَائِل والنكات عَارِفًا باللغات الْعَرَبيَّة والفارسية والتركية حَافِظًا لكثير من أشعارها كَانَ وَالِده من الامراء واقتفى هُوَ اثره فى طَلِيعَة عمره ثمَّ صَار أَمِير الامراء بِمَدِينَة قونية وَلما ولى الْوَزير البشير الوزارة الْعُظْمَى توجه من حلب قَاصِدا بِلَاد الرّوم وَمر على قونية فاستبدعاه وَوجه اليه نَبَات الشَّام فَقدم اليها فى نَهَار الْخَمِيس خَامِس جُمَادَى الاولى سنة خمس وَسِتِّينَ وَألف وَكَانَ شَابًّا خَفِيف اللِّحْيَة جميل المنظر وَكَانَ مَعَ حَدَاثَة سنه ورقة طبعه معرضًا
عَمَّا يَقْتَضِيهِ الشَّبَاب من غلوائه مُقبلا على محبَّة الْعلمَاء لَا يعرف لَهُ صبوة وَرُبمَا انه مَا نظر الى وَجه أَمْرَد وَحكى عَنهُ انه طلع يَوْمًا للتنزه فى الوادى التحتانى فَالتقى مَعَ جمَاعَة من أَرْبَاب الصَّنَائِع خَرجُوا للسير فأرسلوا لَهُ قهوة مَعَ شَاب مِنْهُم خالى العذار فَلم يَتَنَاوَلهَا مِنْهُ وَأمر بعض أَتْبَاعه من الكهول بمناولتها ثمَّ صرف عَن دمشق فى ثَالِث ذى الْقعدَة سنة خمس وَسِتِّينَ وجاءته رُتْبَة الوزارة وَهُوَ مُقيم بهَا ثمَّ رَحل الى الرّوم وَولى بعد مُدَّة مُحَافظَة مصر وَورد دمشق وَهُوَ مُتَوَجّه اليها وَذَلِكَ نَهَار الاربعاء عشرى ذى الْقعدَة سنة سبع وَسِتِّينَ وَاسْتمرّ بهَا حَاكما ثَلَاث سِنِين وَسيرَته فِيهَا الى الْآن مَذْكُورَة مشكورة ثمَّ عزل عَنْهَا وَأسْندَ اليه بعض أُمُور هُوَ برِئ مِنْهَا فحبس أَيَّامًا ثمَّ قتل وَدفن بالقرافة تجاه شباك الامام الشافعى رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ قَتله فى سنة احدى وَسبعين وَألف وَمن لطائفه انه كتب اليه الاستاذ مُحَمَّد بن زين العابدين البكرى وَهُوَ فى السجْن رِسَالَة فى شَأْن مَال أَخذه مِنْهُ تَعَديا فى زمن تَوليته من جُمْلَتهَا ان كَانَ الذى أَخذ منا من المَال عَاد عَلَيْكُم فَأنْتم فِي حل مِنْهُ وان كَانَ عَاد الى الْغَيْر فَلَا بَأْس بالاعلام بِهِ لنسترجعه فَكتب اليه الْجَواب بَيْتا وَلم يزدْ عَلَيْهِ وَهُوَ
شربنا وأهرقنا على الارض فضلَةوللارض من كأس الْكِرَام نصيب
وَحكى انه لما قتل وجد فى جيبه كاغد مَكْتُوب عَلَيْهِ هَذِه الابيات وَكَانَ فى السجْن كثيرا مَا ينشدها وهى
تجنوا لى ذنوبا مَا جنتهايداى وَلَا أمرن وَلَا نهيت
وَلَا وَالله مَا أضمرت غدراكَمَا قد أظهروه وَلَا نَوَيْت
وَيَوْم الْحَشْر موقفنا وتبدوصحيفَة مَا جنوه وَمَا جنيت
وَيحكم بَيْننَا الْمولى بِعدْلفويل للخصوم اذا ادعيت
قلت وَقد تداولت النَّاس هَذِه الابيات كثيرا وخمسوها وأغلبهم يظنّ انها من نظمه وَلَيْسَ كَذَلِك فانها للامير اسامة بن منقذ ذكرهَا فى تَرْجَمته ابْن خلكان وَلها أَبْيَات أخر فى أَولهَا مثبتة فى ديوانه وَكَانَ كتبهَا لابيه جَوَابا عَن أَبْيَات كتبهَا أَبوهُ اليه وهى
وَمَا أَشْكُو تلون أهل ودىوَلَو أَجدت شكيتهم شَكَوْت
مللت عتابهم ويئست مِنْهُمفَمَا أرجوهمو فِيمَن رَجَوْت
اذا أدمت قوارصهم فؤادىكظمت على أذاهم وانطويت
ورحت عليهمو طلق الْمحياكانى مَا سَمِعت وَلَا رَأَيْت
تجنوا الى آخر الابيات
غرس الدّين بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن غرس الدّين بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن غرس بن مُحَمَّد بن ابراهيم بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الله بن عبد الله بن عبد الْوَهَّاب ابْن عبد الفتاح بن عبد الرَّحِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الرَّحْمَن بن ابى سعيد سعد بن مَالك بن سِنَان بن ثَعْلَبَة بن عبيد بن الابجر خدرة بن عَوْف بن الْحَرْث بن الْخَزْرَج ابْن حَارِثَة بن ثَعْلَبَة بن عَامر بن امْرِئ الْقَيْس بن ثَعْلَبَة بن مَازِن بن الازد الخليلى ثمَّ المدنى الانصارى الشافعى الْمُحدث الْفَقِيه الاديب الْمَشْهُور صَاحب كتاب كشف الالتباس فِيمَا خفى على كثير من النَّاس أَلفه فى الاحاديث الْمَوْضُوعَة وَهُوَ كتاب جم الْفَائِدَة رَأَيْته ونقلت مِنْهُ أَشْيَاء من جُمْلَتهَا انه كَانَ
يَأْمر الاغنياء باتخاذ الْغنم وَيَأْمُر الْفُقَرَاء باتخاذ الدَّجَاج فَقَالَ // (لَا أصل لَهُ) // وَقد سبقه الى هَذَا الْوَضع جمَاعَة مِنْهُم الزركشى والسيوطى وَألف فِيهِ النَّجْم الغزى الدمشقى كِتَابه اتقان مَا يحسن فى الاحاديث الْجَارِيَة على الالسن لَكِن تأليف صَاحب التَّرْجَمَة أسهل مأخذا من الْجَمِيع وَله من التآليف أَيْضا نظم الْكَنْز ونظم مَرَاتِب الوحود للامام عبد الْقَادِر الجيلى فى رجز فى غَايَة الرقة والانسجام وَقد تولى شَرحه الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى عبد الله البوسنوى الرومى شَارِح الفصوص الْمَار ذكره لما كَانَ بَينهمَا من الْمَوَدَّة أَخذ بالقدس عَن الشَّيْخ مُحَمَّد الدجانى وَالشَّيْخ يحبى بن قاضى الصَّلْت امام الْمَسْجِد الاقصى وقارىء الْحَدث بِهِ ثمَّ رَحل الى الْقَاهِرَة فى سنة سبع بعد الالف وَحضر بهَا دروس أَبى النجاسالم السنهورى فى البخارى والشفاء وَأخذ عَن الاستاذ زين العابدين البكرى والحافظ مُحَمَّد حجازى الْوَاعِظ وَرَأى فى مَنَامه وَهُوَ بِمصْر كَانَ النبى
أعطَاهُ رغيفا فَقص الرُّؤْيَا على سيدى ابى الاسعاد يُوسُف الوفائى فَأَشَارَ اليه بالذهاب الى الرّوم فَذهب اليها اذ ذَاك وَاجْتمعَ بالوزير الاعظم بِوَاسِطَة كتاب سيدى أَبى الاسعاد وَكَانَ تقدم لَهُ ولَايَة بِمصْر وَأَظنهُ بيرام باشا فَوجه لَهُ خطابة الْمَدِينَة وَعين لَهُ مَا يَكْفِيهِ فَهَاجَرَ الى الْمَدِينَة وسكنها وَتزَوج بهَا وَصَارَ بهَا منهلا للواردين لَا سِيمَا أهالى الْقُدس والخليل وأحبه أهل الْمَدِينَة وَعظم شَأْنه فِيمَا بَينهم وَوَقع لَهُم أَمر خطير فى سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف احتاجوا الى عرضه للسلطنة فَأَرْسلُوهُ الى السُّلْطَان وَمَعَهُ الشَّيْخ الْفَاضِل مُحَمَّد ميرزا السروجى الدمشقى نزيل الْمَدِينَة فوصلا الى دمشق صُحْبَة الركب الشامى وَكَانَ
السُّلْطَان اذ ذَاك قد رَجَعَ من فتح بَغْدَاد وَوصل الى حلب فَخَرَجَا من دمشق ووصلا اليه وتمت الامور الَّتِي أرسلا لاجلها وَاجْتمعَ صَاحب التَّرْجَمَة بوزير السُّلْطَان الْمَذْكُور مصطفى باشا وَكتب اليه قصيدة يحثه فِيهَا على ازالة العبيد الخصيان من الْمَسْجِد النبوى وَالْقَصِيدَة هَذِه
يَا مصطفى بالمصطفى العدنانوبآى قُرْآن عَظِيم الشان
لَا تجعلن على الْمَدِينَة أسوداشَيخا على حرم النبى العدنان
وَكَذَلِكَ الحبشان أَيْضا منهموفهمو همو لَا خير فى الحبشان
بل جَاءَ فى خبر رَوَاهُ بَعضهمهَا لَفظه لَا خير فى الحبشان
قوم لَهُم طمع شَدِيد زَائِدلَا يشبعون من الحطام الفانى
لَوْلَا المخافة مِنْهُم لاتاكمشاكون من هم وَمن أحزان
واذا أردتم أَنكُمْ تتيقنواأَحْوَالهم من غير مَا بهتان
فلتسألوا حنفى أفندى عَنْهُميُخْبِركُمْ عَن خلسة الْغرْبَان
مَا كل مَا يدرى يُقَال وَأَنْتُمأدرى بطيش السَّادة الخصيان
يستنزلون لاخذ مَا قد جَاءَ منصدقَات خير للْفَقِير العانى
فَيُصِيب أهل الْفضل من صَدقَاتكُمْمَا سَاءَ هم من أسْهم الحرمان
فَانْظُر لنا شَيخا تقيا صَالحامستنزها عَن ذَا الحطام الفانى
ان لم يجز الاخصيا اسودافاخصوا لنا شَيخا من البيضان
يَا وَيحكم ان لم تراعوا حَقنايَوْم الْحساب بِحَضْرَة الديَّان
يَوْمًا تَكُونُوا مثلنَا مَا ان لكمفى النَّاس من أَمر وَمن سُلْطَان
(هدى نصيحة غرسكم فى رَوْضَة الهادى الى الاسلام والايمان ...)
يَدْعُو لسلطان الورى ولمصطفىسيف الاله وعاضد السُّلْطَان
وَلما عَاد صَاحب التَّرْجَمَة أنزلهُ الْفَاضِل أَحْمد بن شاهين عِنْده وَأَقْبَلت عَلَيْهِ عُلَمَاء دمشق وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من أَهلهَا مِنْهُم الشَّيْخ مُحَمَّد بن على المكتبى وَذكره فى ثبته وَأثْنى عَلَيْهِ قَالَ وَمِمَّا اتّفق لَهُ انه نظم لنا الشمايل فى لَيْلَة وَاحِدَة فِيمَا بَين الْمغرب وَالْعشَاء وَكتب عَنهُ أناشيد وأمالى لنَفسِهِ وَلغيره فَمن ذَلِك قَوْله
انى لَا عجب مِمَّاصَار الزَّمَان اليه
اذا مَا بَكَيْت لدهرالا بَكَيْت عَلَيْهِ
وَقَوله
اذا رَأَيْت وليامغرى بحرص وبخل
فَلَيْسَ ذَاك ولياللرب بل عبد جهل
وَقَوله فى العقد
لقد قَالَ النبى مقَال صدقيرَاهُ بالبصيرة كل رائى
أَتَى مَعْنَاهُ منظوما بِشَطْروَشطر مِنْهُ بالنظم السوَاء
وبعدى مَا تركت هُنَاكَ فتْنَةأضرّ على الرِّجَال من النِّسَاء
وَكتب على كتاب من شعره
هَذَا كتاب حَقه يشترىبِالذَّهَب المحبوب بَين الورى
تقدم الْعَالم اخبارهان أخر الْجَاهِل خلف الورى
وَكتب الى بعض تلامذته من أهالى الْقُدس وَهُوَ الشَّيْخ يُوسُف العسيلى
يَا من اليه تشوقى وتشوفىقلبى يحدثنى بأنك متلفى
هَل قد عرفت باننى لَك مصطفىروحى فدَاك عرفت ام لم تعرف
وَلَقَد أَقُول للائمى فى حبكمأيلام من يهوى الْجمال اليوسفى
ان جئتنى مصرا فقد أسعفتنىيَا خيبة الْمَسْعَى اذا لم تسعف
مَا حبنى بِالصّدقِ شخص غَيْركُمْحَقًا وَكَيف يحب من لم يعرف
أَوْفوا لما واعدتمونى سرعَةكرما فانى ذَلِك الْخلّ الوفى
لَو قد وهبت مبشرى بقدومكمروحى وَحقّ جمالكم لم أنصف
وَلَقَد كلفت بحب أصلكم لذاكلفى بكم خلق بِغَيْر تكلّف
وَله قصائد فى مدح الشريف زيد بن محسن شرِيف مَكَّة نظمها على حُرُوف المعجم من الالف الى الْيَاء كل قصيدة عشرَة أَبْيَات وقفت عَلَيْهَا وانتقيت مِنْهَا قصيدتين فَالْأولى مِنْهُمَا مطْلعهَا
خليلى ان الْحبّ بالصب عابثفَكيف التسلى وَهُوَ فى الْقلب لابث
رَأَيْت ظباء قد تراءين فى الضُّحَىلعينى عني بالعيوب عوابث
وَلَو كَانَ رمحا وَاحِدًا لاتقيتهوَلكنه رمح وثان وثالث
فَمن منقذى من وقذهن فاننىوقيذ فَهَل لى من وقيذيما غث
تطلبت غطريفاً عطوفا يجيرنىيكون لَهُ فى الْملك قدما توارث
فنوديت هَذَا وصف زيد بن محسنقمين بِهِ فَهُوَ الشجاع الشنابث
فطرت سُرُورًا وامتطيت طمرةتبارى هبوب الرّيح وَالرِّيح عابث
فَجئْت الى الْمولى الشريف أَبى الضَّعِيف لبّى ضَعِيفا وَهُوَ فى الْملك ماكث
غَدَوْت عَلَيْهِ فاغتدوت بروحةورحت وروح الْقُدس فى الروع نافث
وَالثَّانيَِة أَولهَا
وادى الاباطح بالعبير تأرجاأم عطر عزة فى الصَّباح توهجا
أم أشرقت شمس الْجَلالَة ضحيةأم وَجه عزة بالجمال تبلجا
(أم زيد الْمولى الشريف أَتَى الى الْحرم الشريف فَمن سناه أبلجا ...)
لَا تعجبوا مِمَّا رَأَيْتُمْ انمانور النُّبُوَّة فى الْبُنُوَّة أبهجا
أَو مَا علمْتُم أَن نور مُحَمَّدفى نسل فَاطِمَة بدا متبلجا
(فهم شموس للهدى وهم بحور للندى وهم بدور للدجا ...)
وهم اذا كشف الغطاء رَأَيْتهمْللْمُؤْمِنين بغبر مين زبرجا
مَاذَا يَقُول المادحون وربهمأثنى عَلَيْهِم فى الْكتاب المرتجى
أبقاهم الْمولى وَأبقى زيدهمفى ملكة كَيْمَا يؤم ويرتجى
مُتَمَتِّعا بمقامه ومقامهوذمامه اذبابه مَا أرتجا
وَمن شعره قَوْله فى القهوة
دع الصَّهْبَاء واشرب صرف قشرمشعشعة تَدور بكف بدر
وان شِئْت الشفا بَادر سَرِيعاالى حَان لَهَا قد حَان بدرى
فَمَا الْيَاقُوت فى لون نضيروَمَا لون النضار ولون تبر
دع الْفَارُوق ان رمت التداوىوخذها فهى للاسقام تبرى
كَانَ حبابها المنظوم عقدمن الْيَاقُوت يجلى فَوق نحر
سأسعى نَحْو مروتها ألبىليصفو بالصفا صدرى ونحرى
نَدِمت ندامة الكسعى عَلَيْهَالما قد فَاتَ من أَيَّام عمرى
سأدمن شربهَا مَا دمت حَياوَلَا أصغي إِلَى زيد وَعَمْرو
وأجلو عين أغيارى وهمىبصافيها سحيرا قبل فجر
فرأيى الْآن يَا من رام نصحىاذا شاهدتها فى الحان فَاجر
وَلم لَا وهى مشروب العوالىمن السادات فى بَحر وبر
هى الراح المريح لكل روحوَلم تمزج وَلم تُوجد بعصر
وكل مُخَالف فِيهَا فانىأسفه قَوْله من أهل عصرى
فَقل ان قَالَ سَاقيهَا المفدىجبا يَا مرْحَبًا واشكر بشكرى
وخذها من يَدَيْهِ فى حُضُورمَعَ الساقى الْمليح بِغَيْر سكر
فَلَا غول وَلَا تأثيم فِيهَاوَلَيْسَت مرّة بل طعم تمر
وان غالى الْمُحب وَقَالَ شهدأُجِيب نعم اذا مَا كَانَ تمرى
وَلَوْلَا مد حَتَّى للبن قبلالعدت لَهُ بهجو ثمَّ هجر
لبئس طباعه وَسَوَاد قلبلَهُ فَهُوَ الحرى بِكُل هجر
ونقلت من تذكرة القاضى أَحْمد بن عِيسَى المرشدى قَالَ ورد علينا فى أثْنَاء عَام خمس وَأَرْبَعين وَألف الشَّيْخ الاوحد الاكمل غرس الدّين الازهرى المقدسى الْخَطِيب والامام بالروضة المشرفة على صَاحبهَا أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلم يؤانسه أهل مَكَّة فَقَالَ معرضًا
عُلَمَاء مَكَّة جاوزوا الافلاكاعزا وَحقّ لَهُم لعمرى ذَا كَا
لَوْلَا الرياسة فى رُؤْس نُفُوسهمكَانُوا وحقك كلهم أملاكا
وَقَالَ أَيْضا
جيران مَكَّة جيران الاله لذالَا يعبأون بِمن قد غَابَ أَو حضرا
لَوْلَا الطبيعة عاقدتهم لَكَانَ لَهُماسراء روح بسر السِّرّ قد ظفرا
فَقَالَ بعض السَّادة الاشراف الْمُتَّصِل محتدهم الزاكى بالمغيرة بن عبد منَاف فَخر الشَّجَرَة الَّتِي أَصْلهَا ثَابت وفرعها فى السما أكْرم بِهِ نسبا ومنتمى على طَرِيق الْجَواب عَن المكيين
لله دَرك من أديب بارعبذكائه مَا يعجزا الادراكا
أَحْسَنت اذ أتحفتنا ببدائعبهرت وان جَادَتْ فدون نداكا
فجها بذا الْبَيْت الْحَرَام مذيعةبأريج مدح من بديع ثناكا
وهم الحجاحج وَالَّذين سموا بِمنخرم السما واستخدام الاملاكا
لَا غروان جازوا الاثير بفضلهموعلوا بِحَق جواره الافلاكا
وَعَن الثانيين
يَا مفلقا لم يزل فى كل غامضةيبدى بهَا فلقا بِالْحَقِّ قد ظهرا
وبحر علم تحلى من فرائدهجيد البلاغة عقدا يفضح الدررا
أثنيت حَقًا وَعين الْفضل شاهدةوَأَنت انسانها الرائى بِغَيْر مرا
(لَكِن اليك اعتذار مِنْهُم فذوو الافضال يعْذر من قد جَاءَ معتذرا ...)
لم يتركوك لاهمال ومنقصةلَكِن حجبتهم فالذنب مِنْك يرى
وأجابه أَيْضا القاضى الْفَاضِل تَاج الدّين المالكى
جيران مَكَّة غرس الدّين أينع فىقُلُوبهم باسقا يهدى الْهدى ثمرا
سقوه من أنهر الاخلاص صافيهافاخضل يطلع من أكمامها زهرا
وَمن يكن روض غرس الدّين مهجتهأسرى وفاز بسر السرحين سرا
بِهِ قد اتحدوا اذ كَانَ بَينهمتواصل معنوى من أَلَسْت جرى
(فَحَيْثُ دارت كؤس الِاتِّحَاد على الارواح مَا اعْتبر والاشباح والصورا ...)
فَأجَاب الشَّيْخ غرس الدّين معتذرا
يَا شهم مَكَّة يَا تَاج الرؤس بهَايَا شهم مَكَّة قد بَكت من عذرا
يَا حبر علم يُفِيد الطالبين بهَايَا بَحر فهم بِهِ نستخرج الدررا
يَا رب حذق غَدا رب الْبَيَان لَهُعبدا وَألقى عَصا التَّسْلِيم مفتقرا
يَا ألمعيا أَضَاءَت من لوامعهمَشَارِق الذِّهْن بالذوق الذى بهرا
يَا لوذعيا بلاعى يمازجهأعيا وأضخم كلا قَالَ أَو شعرًا
يَا رب ظرف ولطف كسرا خطأأَغْصَان غرسى على بعد وَمَا شعرًا
هَل ترفين الذى أخلقت من حللىأَو تقبلن الذى يَأْتِيك معتذرا
فَأَجَابَهُ القاضى بقوله
كللت اكليل تاجى بالثنا دررالما بعثت بِعقد الْمَدْح معتذرا
مضمخا طيب شكر عرف نفحتهكروض غرسك حيته الصِّبَا سحرًا
غرس روى حِين روى الْفضل منبتهللسمع نواره عَن طيبه خَبرا
غرس من المبدأ الْفَيَّاض قد سقيتأعراقه فسما يهدى الْهدى ثمرا
انى عقدت وَقد عرضت مُعْتَرضًالعرض قوم ثناهم لم يزل عطرا
هَذَا الى مَا هُوَ الاحرى بناوبهاذا اقتفينا طَرِيق الْقَوْم والاثرا
فخرقة الْفقر ان لم يوف لَابسهَابشرطها نَبَذته كاسيا بعرا
عودا لبدء فمم الِاعْتِذَار وَلمتقر اذ قلت بَكت الذى عذرا
وَقلت فى حق من جازى وَعرض لميشْعر وأغصان غرسى مخطئا كسرا
قد حصحص الْحق فَاعْلَم أَنما كسرتأَغْصَان غرس الذى أخطا وَمَا شعرًا
أقرر بذنبك ثمَّ اطلب تجاوزهمعَنهُ فجحدك ذَنْب غير مَا غبرا
قضى بِمَا جرت الاقلام مِنْك بِمَاجرى بِهِ الْقَلَم المحتوم حِين جرى
يكبوا الْجواد وَمن يعثر يقل كرمافنسأل الله غفرانا لمن عثرا
ونقلت أَيْضا من التَّذْكِرَة الْمَذْكُورَة قَالَ القاضى أَحْمد كَانَ الشَّيْخ غرس الدّين كتب الى مَوْلَانَا القاضى تَاج الدّين أبياتا ذكرنى فِيهَا مُجَرّد داعن الناصب والجازم بِأَن قَالَ
(وَأحمد المرشدى فى ذَاك قد حضرا ...)
ثمَّ اعتذر منى فَكتبت اليه سِتَّة أَبْيَات وَأَرَدْت أكملها فأكمل عَلَيْهَا مَوْلَانَا السَّيِّد أَحْمد بن مَسْعُود سِتَّة أُخْرَى وبعثتها اليه وهى
غرسنا لغرس الدّين فى قلبنا الودافَأطلع من أكمام أفواهنا الوردا
فعطر لما أَن جنته يَد الوفاوَضاع فأذكى عرفه العنبر الوردا
سقيناه من عذب التصافى زلالهوَمَا كدرت منا لَهُ جفوة ودا
رعى الله من يرْعَى أَخَاهُ اذا هفاويوسعه عَن أَن يُقَابله حمدا
وَذَلِكَ غرس الدّين لَا زَالَ باسقابروضة من يسقى غرائسه المبدا
وبذكر عهدا أحكمت فى قُلُوبنَاأَو اخيه ايدى الود أكْرم بِهِ عهدا
امام سما فَوق السماك بأخمصوجاوزه حَتَّى سما الابْن والحدا
وناظم أشتات الْعُلُوم بنثرهفينظمه فى جيد أهل الحجا عقدا
وَكَاشف ليل الْجَهْل من صبح علمهبشمس فتكسوه أشعتها بردا
أتيت بِفضل فاستحقيت شَاهدالاحمد فاستوليت عَنى بن مجدا
وأظهرت بالافضال مَا كنت مضمرافَكنت بِهِ أَحْرَى وَكنت بِهِ أجدى
وَلَا عجب سبق الْجِيَاد لانهامعودة بِالسَّبقِ ان كلفت شدا
فأجابهما بقوله
أَقُول وَقد غلبت خير كَمَا جداوَقَاعِدَة التغليب مَعْرُوفَة جدا
حمدت الهى أَن غرست لنا الوداأيا أَحْمد السامى سماك السما حمدا
فأينع غرسى بَعْدَمَا كَانَ ذاوياوأطلع عَن أكمامه الزهر والوردا
وان دَامَت السقيا لَهُ من وصالكمسيثمر فى روض الرَّسُول لكم ودا
هَنِيئًا لغرس صَار أَحْمد ساقيالَهُ من عُيُون الود كأس الصَّفَا وردا
فظل يُرَاعى عَهده فى مغيبهويبنى لَهُ فى بَيت مدحته عقدا
وَذكره عهدا أَو اخيه أحكمتيَد الود فى أَرْوَاحنَا العقد والشدا
وعذرا لانى قادم وتراهميَقُولُونَ فى الامثال وَالْحق لَا يعدى
لكل غَرِيب قادم دهشة اللقابهَا يدأ الحذاق عَن رَبهَا الحدا
وهبنا تجاوزنا الْحُدُود ألستمتقيلون من أخطا وَمن قد جنى عمدا
اذا لم تَكُونُوا هَكَذَا فتخلقوابأخلاق مولى يملك الغى والرشدا
لعمرى لَو كنت البليغ خطابةوأخطبت من قس الايادى من عدا
ورمت بِأَن أحصى فَضَائِل أَحْمدلما استوعبت نفسى فضائله عدا
هُوَ ابْن الرَّسُول الْمُصْطَفى وذوى الصَّفَابنى حسن الْحسنى الَّذين سموا مجدا
مُلُوك مُلُوك الارض رق ولائهموحبهم أنجى وبغضهم أردى
لَهُم حُرْمَة يعنوا لَهَا كل مُسلمبهَا أخذا الْمولى علينا لَهُم عهدا
فَللَّه آدَاب بِغَيْر تطبعوَلَكِن من سر الرَّسُول بهَا مدا
وأد بنى ربى لَهُ مِنْهُ قسْمَةبِفَرْض وبالعصيب من ارثه مدا
وَللَّه شعر جَاوز الشّعْر رقةوَجَاوَزَ للشعرى العبور بِمَا أبدى
وَلَا عجب من ذَاك عندى وربهبعزته قد جَاوز الاين والحدا
وناظم عقد المكرمات بكفهوينثره جودا فيحيى بِهِ فقدا
وَكَاشف ليل الكرب عَن عرش عزمهبعزم كَانَ الْكَوْن من أيده مدا
وَقد كَانَ مِنْك الْفضل قدما مقدمابسابقة تستوجب السعى والعودا
فأظهرت بالابيات مَا كَانَ مدغماويممت بالاخفاء بَيْتا حوى عودا
فشمت بِهِ تاجا على الرَّأْس مشرقافعانقته حبا وهمت بِهِ وجدا
وداخلنى مِنْهُ حَيَاء ودهشةلما كَانَ من وهم فأورثنا حقدا
وقابلته بالرحب والبشر فرحةوَلم نر مِنْهُ حِين حَان اللقا صدا
وَلَا عجب سبق الْجِيَاد فانهامعودة بِالسَّبقِ مَا كلفت شدا
وَلست بحمصى كَمَا قَالَ باهتوَلَكِن خليلى تميمى استهدى
وجدى من الْآبَاء فِيمَا روى أَبُوسعيد هُوَ الخدرى وَأكْرم بِهِ جدا
وَذَاكَ من الانصار أنصار جدكمرَسُول بِهِ نلنا علا الْجد والجدا
عَلَيْهِ صَلَاة الله ثمَّ سَلَامهوَآل وَصَحب والمحب لَهُم جدا
أجدك هَذَا الْقدح فِيمَن يحبكمويحمدكم مدحا ويمدحكم حمدا
(وَمَا أصلتت كَفاك يَا مُطلقًا على الاعادى سَيْفا باترا مَاضِيا حدا ...)
فحسبى علم الله وَالله عدتىوَذمَّة خير الرُّسُل تكفى من استعدى
وَقد ذكره الفيومى فى المنتزه والدى رَحمَه الله تَعَالَى فى تَارِيخه بِالْجُمْلَةِ ففضائله وآثاره كَثِيرَة معجبة وَكَانَت وَفَاته فى سنة سبع وَخمسين والف وَدفن الى جَانب
الخيارى والى جانبهما الشَّيْخ مَنْصُور السطوحى الْمحلى نزيل دمشق
غياث السَّيِّد الشريف الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَبُو الْغَيْث الشجرى الْيُمْنَى نزيل مَكَّة كَانَ من خير خلق الله ﷿ وَله فى الْكَشْف وَالْولَايَة قدم راسخة وَلِلنَّاسِ فِيهِ اعتقادا زَائِد ذكره النَّجْم الغزى فى الذيل وَقَالَ فى تَرْجَمته رَأَيْته بِمَكَّة وَوجدت مِنْهُ كشفا عَظِيما وَكَانَ يحب الطّيب وَيحيى بِهِ زوار فَكَانَ يتَصَرَّف فى سلاطين مَكَّة وَيَأْخُذ مِنْهُم مَا شَاءَ ثمَّ يصل بِمَا أَخذه الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وَكَانَ تَارَة يلبس لِبَاس الْمُلُوك وَتارَة يَنْزعهُ ويبيعه ويطعمه للْفُقَرَاء ويلبس لِبَاس الْفُقَرَاء وَكَانَت تِجَارَة الْيمن وَغَيرهم يستغيثون بِهِ فى شَدَائِد الْبَحْر ومضايق الْبر فيجدون بركَة الاستغاثة بِهِ وينذرون لَهُ أَشْيَاء يرسلون بهَا اليه اذا تمّ غرضهم وَكَانَ يعْمل الموالد بِالْحرم أَيَّام الْمَوْسِم وَغَيرهَا على طَريقَة اليمنيين ويلحن الحانهم بِنَفسِهِ وَكَانَ لَهُ رياضة واجتهاد فى الْعِبَادَة وَكَانَت آثَار الصّلاح فِيهِ ظَاهِرَة وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة فى الْمحرم سنة أَربع عشرَة بعد الالف وَدفن بِالشعبِ الا علا من بَاب المعلاة بِالْقربِ من ضريح أم الْمُؤمنِينَ خَدِيجَة الْكُبْرَى رضى الله تَعَالَى عَنْهَا
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع