من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْعين الْمُهْملَة (٢٦)
الصفحة ١ من ٢
وَألبسهُ الْخِرْقَة وَأخذ عَن جمَاعَة من الاعيان وَصَحب كثيرا فَمن مشايخه الشَّيْخ زين بن حُسَيْن وَالسَّيِّد الْجَلِيل عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عقيل وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن اسماعيل والاديب السَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن على با حسن صَاحب القارة والامام السَّيِّد عبد الله بن مُحَمَّد بروم وَغَيرهم وبرع وَمَا خطّ عذاره وتميز على مشايخه ثمَّ جلس للتدريس فدرس التَّفْسِير وحضره من اشياخه جمع كثير وانتفع بِهِ خلائق لَا يُحصونَ وَكَانَ شَيْخه السَّيِّد عبد الله بروم مَعَ جلالة قدره وَكبر سنه يَأْخُذ الْكتاب وَيقْرَأ عَلَيْهِ وَوَقع بَينه وَبَين أَخِيه الامام شيخ خصومه سَببهَا ان أباهما خص زين العابدين بِبَعْض الْعقار نذر لَهُ بِهِ دون أَخَوَيْهِ مُحَمَّد وَشَيخ فسعى السَّيِّد شيخ فى ابطال النّذر وساعده القاضى أَحْمد بن حُسَيْن بلفقيه وَقَالَ احكم بابطاله فسعى زين العابدين فى عَزله عَن الْقَضَاء فَعَزله السُّلْطَان وَولى تلميذ زين العابدين القاضى حُسَيْن بن عمر بافقيه وَحكم بِصِحَّة النّذر قَالَ الشلى والمسئلة ذَات خلاف فَمِمَّنْ أفتى بِعَدَمِ الصِّحَّة قاضى الْقُضَاة زَكَرِيَّا وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن ابْن زِيَاد وَآخَرُونَ وَمِمَّنْ قَالَ بِالصِّحَّةِ جمَاعَة مِنْهُم الشهَاب أَحْمد بن حجر فى تحفته واطال فى الِاسْتِدْلَال فى فَتَاوِيهِ بِمَا يعرف حسنه من وقف عَلَيْهِ قَالَ وَمحل الْخلاف حَيْثُ لم يسن ايثار بَعضهم أما اذا ندر للْفَقِير أَو الصَّالح أَو الْبَار مُهِمّ فَيصح اتِّفَاقًا وَقَالَ فى كتاب الْوَقْف وَقد اتّفق أَئِمَّتنَا كاكثر الْعلمَاء على ان تَخْصِيص بعض الاولاد بِمَالِه كُله أَو بعضه هبة أَو وَقفا أَو غَيرهمَا لَا حُرْمَة فِيهِ وَلَو لغير عذراها واشتغل فى آخر عمره بِعلم الطِّبّ حَتَّى تمهر فِيهِ وَكَانَ من اعرف النَّاس بِأُمُور الدُّنْيَا وَيعرف عيب كل صَنْعَة وحسنها وَاتفقَ فى عصره جمَاعَة من الْفُضَلَاء والادباء فَكَانُوا يَجْتَمعُونَ فى مَجْلِسه وَيَقَع لَهُ مَعَهم نكات رشيقة وَكَانَ فى استحضار مباجث التَّفْسِير والْحَدِيث والتصوف آيَة لَا تدْرك وَكَانَ حَافِظًا لشوارد اللُّغَة وشواهد النَّحْو مستحضرا لَهَا وَله نظم ونثر كثير واكثر شعره يُوجد مقاطيع وَله رسائل كَثِيرَة فى عُلُوم شَتَّى وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ صدر من صُدُور الزَّمَان وَكَانَت وِلَادَته فى ذى الْحجَّة سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة ثمَّ مرض اياما فغم النَّاس لَهُ ثمَّ برأَ فاظهر النَّاس الْفَرح بِصِحَّتِهِ وَقَالَ كانكم بى وَقد عملت لكم عمل ولد الزرافة ثمَّ أَصَابَهُ حصر الْبَوْل فَكَانَ سَبَب مَوته فتوفى فى يَوْم الاحد لخمس بَقينَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة احدى وَأَرْبَعين وَألف وَقَامَ عَلَيْهِ الصياح من كل جَانب وجهز فى يَوْمه بِوَصِيَّة مِنْهُ وأتى السُّلْطَان عبد الله
ابْن عمر من بَلَده سيوون وجد فى السّير فوصل تريم بعد الْعَصْر واسرع النَّاس من كل فج فضاقت بجنازته الطّرق وَأجْمع من شَاهد جنَازَته على انه لم ير اكثر جمعا مِنْهَا وَصلى عَلَيْهِ ابْن أَخِيه الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف وَدفن دَاخل قبَّة وَالِده بجنان بشار
على بن عبد الله بن المهلا بن سعيد بن على الميساى ثمَّ الشرفى قَالَ ابْن أَبى الرِّجَال فى تَارِيخه كَانَ من حَملَة الْآدَاب وكملة الْعلمَاء الاطياب مولده بكوكبان وَبِه نَشأ وَقَرَأَ بصعدة والشرف ثمَّ قَرَأَ بِصَنْعَاء مُدَّة وَعَاد الى كوكبان ثمَّ تزوج بِهِ وَحمل أَهله الى صنعاء تَرْجمهُ وَلَده فَخر الدّين عبد الله بن على فَقَالَ كَانَ عَالما فى الْفِقْه والنحو والمعانى وَالْبَيَان والمنطق والتاريخ أَخذ عَن جمَاعَة من الْمَشَايِخ مِنْهُم مُحَمَّد بن عبد الله المهلا والعلامة عبد الحفيظ بن عبد الله بن المهلا وعَلى بن مُحَمَّد الجملونى وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن عز الدّين الْمُفْتى وَالسَّيِّد عِيسَى بن لطف الله وَغَيرهم من الْعلمَاء قلت وَكَانَ محببا الى الْفُضَلَاء بمكارم اخلاقه طالما سَمِعت سيدنَا الْحسن بن أَحْمد الْحمى يحن اليه وينوح بعد فِرَاقه عَلَيْهِ وَيذكر من مَكَارِم اخلاقه مَا تتزين بِهِ الاوراق وَله شعر سيال قَلِيل النظير فى عصره أخبرنى السَّيِّد صَلَاح بن أَحْمد بن عز الدّين المؤيدى قَالَ قلت قصيدة فى السَّيِّد الْحسن بن الامام الْقَاسِم فَلَمَّا عرف انى اريد الْقِرَاءَة لقصيدتى قَالَ لى انه قد قَالَ فِينَا الْفَقِيه على بن عبد الله المهلا قصيدتين بليغتين تطلع عَلَيْهِمَا قَالَ السَّيِّد صَلَاح وَعرفت انه أَرَادَ ان يعرفنى انه يعرف جيد الشّعْر من زيفه فَقَرَأت القصيدتين فَرَأَيْت الْعجب وَكَانَ السَّيِّد الْحسن يذكرهما للادباء لهَذَا الْمَقْصد والقصيدتان الاولى مِنْهُمَا فى فتح ربيد وهى
لَا تحسبوه عَن هواكم سلاكلا وَلَا فارقكم عَن قلا
وَلَا ثنت وهنانة قلبههضيمة الكشح صموت الخلا
الوهنانة لينَة الْجِسْم ناعمة تكَاد تساقط من النعومة
تفضح بالقد غصون النقالينًا وتحكى الشادن الاكحلا
نشوانة مَا شربت قرقفاسحارة مَا عرفت بابلا
آهلة الدَّار بأترابهالَا عفت الرّيح لَهَا منزلا
نسيمها حدث عَن مسكهافخاله أهل الْهوى مُرْسلا
دع التصابى فى الْمقَام الذىفاق سناه واقصد الافضلا
وَقل باعلى الصَّوْت ان جِئْتهيَا ملكا حَاز جَمِيع الْعلَا
هنيت هَذَا الشّرف الا طولافالمفخر الباذج فَوق الملا
ادركت مجدا عشر معشارهقد اعجز الاخر والاولا
مَا أَنْت الا آيَة انزلتتقمع من حاف وَمن أبطلا
يشْهد مَا فى الارض من خلقهانك صرت الاوحد الاكملا
نور هدى يهدى بِهِ ذُو التقىنَار وغى حامية المصطلى
وبحر علم مَاله سَاحليذخر ان فصل أَو أجملا
دَقِيق فكر مَا رأى مُشكلاالاوحل الْمُشكل المعضلا
يَا ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ الذىمَا برح النَّصْر لَهُ مُقبلا
رمحك لَا يألف الا الحشىسَيْفك لَا يعشق الا الطلا
طرفك يختاض دِمَاء العدىكَأَنَّهَا كَانَت لَهُ منهلا
منتعلا فى الروع هاماتهممجللا أكبادهم والكلى
مهدت للترك وَقد حزبواأجنادهم تملأ عرض الفلا
تغص قيعان زبيد بهمتخال فرسانهم أَََجَلًا
فدارت الْحَرْب وَقد أملوارَأيا وَقد يعكس من أملا
وزاولوا مِنْك فَتى ماجدالَا يرهب الْمَوْت اذا أَقبلَا
يستحسن الدرْع على جِسْمهثوبا ويستخشن ثوب الملا
(سابغه تسخر بالبيض فى الهيجا وتستزرى القنا الذبلا ...)
فجرعوا من بأسه علقمامعتصرا من شجرات الملا
واستبدلوا عَن صهوات الذرىوالضمر الجرد بطُون البلا
فَمنهمْ من جَاءَ مستسلماوَمِنْهُم من طَار خوفًا الى
(فَهَكَذَا فلتكن الهمة القصعاء وَالْفَخْر والا فَلَا ...)
فانقشعت تِلْكَ الغيابات عَنمهذب كَالْقَمَرِ المجنلى
عَن فاطمى ذكر أَيَّامهيفعل فى السَّامع فعل الطلا
الْحسن بن الْقَاسِم النّدب منغَار على الاسلام أَن يهملا
وشادر كُنَّا لبنى هَاشمطاول من رفعته يذبلا
سَاس من الشحر الى مَكَّةالى الْحمى عمرانها والخلا
(ودوخ الارض فَلَو رام تخت الشَّام بله الرّوم والموصلا ...)
لأقبلت بالطوع منقادةلامره أسْرع من لَا وَلَا
ونال مِنْهَا كل مَا يبتغىوحازها بِالسَّيْفِ أَو بالجلا
وَمَا هى الارض وَمَا قدرهَاعنْدك يَا من قدره قد علا
لَو أَنَّهَا عنْدك مَجْمُوعَةوهبتها من قبل أَن تسألا
وَلَو أمرت الشهب اقبالهانَحْوك لَا تلبث أَن تنزلا
وضيغم الافلاك لَو رمتهجعلت من فروته أنعلا
وَلَو نهيت الدَّهْر عَن فعلهبِالْحرِّ لاستعبد واستمثلا
وان يرد مِنْهُ على بخلهيوليه برأَ كَاد أَن يفعلا
دمت لدين الْمُصْطَفى معقلاوللهيف المعتفى موئلا
وَالثَّانيَِة مِنْهُمَا قَوْله
هام وجدا بساكنى نعْمَانحَسبه من أحبة وَمَكَان
جيرة خيموا فخيم قلبىواستقلوا فهام فى الاظعان
ألفتهم روحى فهانت عَلَيْهِمقَلما يسلم الْهوى من هوان
الْهوى شَأْنه عَجِيب فكم منمُسبل مَاء شَأْنه اثر شان
علق الْقلب مِنْهُم بدرتمسَاحر اللحظ فاتر الاجفان
(وافر الردف كَامِل الطلعة الغراء مر الصدود حُلْو اللِّسَان)
(من لقلبى بعض تفاحه الغض وتقبيل خَدّه الارجوانى ...)
(فأداوى الْفُؤَاد من ألم الْحبّ ليشفى معذب الهجران ...)
(مالكى مَا تُرِيدُ أصلحك الله باتلاف مُطلق الدمع عان ...)
(نم هَنِيئًا ملْء الجفون فان عاود طرفى الْكرَى فَقل لَا هنانى ...)
يصطبينى هوى الحسان وَلَكِنمَا رآنى ربى بِحَيْثُ نهانى
(بل تحامى نفسى القريض فيدنيها اليه تشبيهها بالغوانى ...)
(أجماح مَعَ الصِّبَا بعد مَا لاحت ثَلَاث بيض ثنين عنانى ...)
فاتنى ريق الشَّبَاب وَأَرْجُوعوده من أكف فَرد الزَّمَان
(يَا أَبَا أَحْمد بقيت فَمَا غَيْرك يدعى اذا التقى الْجَمْعَانِ ...)
(ذدعن الدّين واحمه بالصفاح الْبيض والصافنات والمران ...)
(أَنْت مهدى هَذِه الامة المرجو احياؤه عقيب الزَّمَان ...)
(لَك من قَول جدك الصَّادِق الهادى وَمن قَول حيدر شَاهِدَانِ ...)
(زمن الدَّهْر عِنْدَمَا درس الْحق فمذ جِئْت عَاد فى العنفوان ...)
(غبن الْمُدعى علاك لقد مد يدا ويحه الى كيوان ...)
(يرتجى شأوك الرفيع لقد ضل وغرته نَفسه بالامانى ...)
رفع الله مِنْك راية حقيتقى بأسها أولو الطغيان
(سل زبيدا والنجد نجد المحيريب وقاع القياب من سنجان ...)
(لَو تصدى لَهَا سواك اذا آل كسير القنا قَتِيل طعان ...)
(طفق الرّوم تَحت سَيْفك أَفْوَاجًا يخرؤن مِنْهُ للاذقان)
(ان أعداءك الْبُغَاة لفى النَّار يطوفون فى حميم آن ...)
ألفت خيلك الوغى فهى منشوق اليهم تهم بالطيران
كم جيوش غادرتها للاعادىجزرا للنسور والعقبان
(من رأى بأسك الشَّديد واقدامك يَوْم الوغى على الاقران ...)
معلما يلتقى الْكَتَائِب فَرداحَيْثُ تنسى مَوَدَّة الاخوان
لَا يرى غيرهامة أَو نجيعأَو قتام أَو صارم أَو سِنَان
علم النَّاس أَن مَالك ثانىواستبانوا ان الفخار يمانى
(الْغنى والفنا بكفيك موجودان ذَا اللعافى وَذَا اللجانى ...)
(وَلَك المحتد الرفيع وعلياك على الْخلق مَا لَهَا من مدانى ...)
(راق مدحى فِيمَن حوى قصب السَّبق ودانت لامره الخافقان ...)
(الْهمام الذى لَهُ الوقعات السود فى أهل الزيغ والعدوان ...)
(ملك يقهر الْجَبَابِرَة الصَّيْد ويعنو لَهُ ذَوُو التيجان ...)
حسن بن الْمَنْصُور سبط السجايامربع الْفضل منبع الاحسان
(سنّ للنَّاس مَذْهَب الْجُود والبأس فَمَا زيد الْخَيل وَابْن سِنَان ...)
نشر الله عدله فى البراياليفوزوا بالامن والايمان
وَأعَاد الاعياد تترى عَلَيْهِأبدا مَا تعاقب الملوان
وَذكره بعض الافاضل فى بعض مجاميعه فَقَالَ فَاضل مبرز فى جَمِيع الْعُلُوم يهتدى بِهِ فى أَرض المكارم كَمَا يهتدى بالنجوم وبليغ ببلاغته أهل زَمَانه وَجَاء من
الْمعَانى المبتكرة بِمَا لَا يُوجد فى أَقْوَال الكملة من أَرْبَاب أَو أَنه مَعَ كرم وثروة وَفضل ومروة مَسْكَنه مَدِينَة شبام من أَعمال كوكبان وَسبب استيطانه اياها ان وَالِده أَقَامَ بالاهجر من أَعمال كوكبان فى ذَلِك الزَّمَان وقصده الطّلبَة وعلماء الارض من كل مَكَان وَأَحْيَا فِيهِ علوما أَيَّام الامير الْكَبِير الْعَظِيم الشان عبد الرب بن شمس الدّين بن الامام شرف الدّين انْتفع بهَا القاصى والدان وَلم يزل صَاحب التَّرْجَمَة منهمكا على افادة الْعُلُوم حَتَّى توفى فى أَيَّام الامام مُحَمَّد الْمُؤَيد بن الامام الْقَاسِم وَكَانَت وَفَاته بِصَنْعَاء فى سنة تسع وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بحزيبة
على بن عبد الله بن أَحْمد بن حُسَيْن بن الشَّيْخ عبد الله العيدروس سراج الاصفياء وَنور الْعَالم قَالَ الشلى فى تَرْجَمته ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ الْقُرْآن على معلمنا الشَّيْخ عبد الله بن عمر باغريب وَحفظ بعض الْمِنْهَاج وَغَيره واشتغل بِطَلَب الْفَضَائِل وتأثيل الفواضل فَقَرَأَ الْفِقْه والتصوف على شَيخنَا عبد الرَّحْمَن بن علوى بافقيه وَأخذ عَن غَيره من الْعلمَاء وَصَحب كثيرين من أكَابِر العارفين ثمَّ اشْتغل بِعبَادة مَوْلَاهُ وَمَا يَنْفَعهُ فى آخرته ودنياه وَسَار سيرة آبَائِهِ الاكرمين وَنصب نَفسه لنفع الانام وَكَانَ سالكا مَعَ النَّاس أحسن سلوك وانتشر صيته فى تِلْكَ الْبلدَانِ وَكَانَ مأوى للغريب وملاذا للبعيد والقريب وَظَهَرت مِنْهُ كرامات وخوارق عادات لَا سِيمَا لمن هفا هفوه أَو ندرت مِنْهُ نادرة أَو جفوه واقر بِذَنبِهِ واعترف وَنَدم على مَا صدر مِنْهُ وتأسف فَمثل هَذَا يقوم فى خلاصه بِالْحَال والقال وبالعناية والاحتفال وَكَانَ النَّاس يقصدونه بالنذور والهدايا ويجازى كلا بالاكرام والعطايا وَلم يزل على مَا يُحِبهُ الله ويرضاه الى أَن ناداه منادى الْمنون فلباه وَكَانَت وَفَاته فى سنة ثَمَان وَسبعين وَألف
على بن عبد الله باراس الدوعنى الحضرمى أحد مَشَايِخ الطَّرِيقَة الجامعين بَين الشَّرِيعَة والحقيقة انْفَرد فى ذَلِك الاقليم بالارشاد والامداد وَصَحب فى بدايته الشريف الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى عمر العطامى با علوى تلميذ الشَّيْخ حُسَيْن بن القطب الشَّيْخ أَبى بكر بن سَالم باعلوى صَاحب عينات واستفاد مِنْهُ وَكَانَ يُحِبهُ حبا شَدِيدا ويثنى عَلَيْهِ ولقى جمعا من أكَابِر السَّادة العلويين وانتفع بهم فَفتح الله تَعَالَى عَلَيْهِ بفتوحات كَثِيرَة وقصده النَّاس من نواحى شَتَّى وَتخرج بِهِ خلق كثير
مِنْهُم الشَّيْخ الولى الزَّاهِد مُحَمَّد بن أَحْمد بامشموس الدوعنى وَحكى السَّيِّد الْجَلِيل مُحَمَّد بن عبد الله خرد باعلوى ان الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى عبد الْقَادِر باعشر الدوعنى بشربه قبل وجوده فَكَانَ يَقُول سيخرج بعدى فى هَذَا الْبَلَد رجل اسْمه كَذَا وَصفته كَذَا بوصفه هُوَ شمس هَذَا الاقليم ونوره وَله نفع الله تَعَالَى بِهِ المصنفات النافعة الْكَثِيرَة الشهيرة الَّتِي تلقاها أهل ذَلِك الاقليم بِالْقبُولِ التَّام مِنْهَا شرحان على الحكم العطائية كَبِير وصغير وَشرح قصيدة القطب الشَّيْخ أَبى بكر بن عبد الله العيدروس الَّتِي أَولهَا
مَا حسن يعشق غير حسن لبنىمَا مثلهَا مَحْبُوب
وَلَا جمال يذكر بِكُل معنىالا لَهَا مَنْسُوب
وَغير ذَلِك مِمَّا يطول وَكَانَت وَفَاته بالحزيبة بِالتَّصْغِيرِ من أَعمال دوعن من حَضرمَوْت فى تَاسِع عشر شهر ربيع الاول سنة أَربع وَخمسين ألف
على بن عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الله بن يحيى بن أَبى يحيى بن أَحْمد ابْن السراج أَبُو الْحسن الانصارى السجلماسى الجزائرى قَالَ تِلْمِيذه الامام الْعَلامَة عِيسَى أَبُو مهدى بن مُحَمَّد الثعالبى نزيل مَكَّة رَأَيْت بِخَطِّهِ نسبه مَرْفُوعا إِلَى سعد بن عبَادَة سيد الْخَزْرَج وَكَانَ عَالما مُحدثا اخبارياً أديبا قَالَ الفيومى والشلى ولد بثافلات وَنَشَأ بسجلماسسة ثمَّ رَحل الى فاس وَأدْركَ بهَا جلة الْعلمَاء فَأخذ عَنْهُم بهَا عدَّة فنون وَكَانَ جلّ أَخذه عَن الاستاذ الْكَبِير نخبة الشّرف السَّيِّد أَبى مُحَمَّد عفيف الدّين عبد الله بن على بن طَاهِر الْحسنى السجلماسى والعالم الولى بَقِيَّة السّلف أَبى عبد الله مُحَمَّد أَبى بكر الدلائى الصنهاجى وحافظ الْعَصْر أَبى الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد المقرى التلمسانى وَبلغ الْغَايَة القصوى فى الرِّوَايَة والمحفوظات وَكَثْرَة الْقِرَاءَة وَحكى بعض تلامذته انه قَرَأَ السِّتَّة على مشايخه دراية وَقَرَأَ البخارى سبع عشرَة مرّة بالدرس قِرَاءَة بحث وتدقيق وَمر على الْكَشَّاف من أَوله الى آخِره ثَلَاثِينَ مرّة مِنْهَا قِرَاءَة وَمِنْهَا مطالعة ثمَّ رَحل بعد الاربعين من بِلَاده فحج وَدخل مصر فى سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَألف وَأخذ بهَا عَن الشهابين أَحْمد الغنيمى وَأحمد بن عبد الْوَارِث البكرى وَعَن النُّور على الاجهورى الْمَار ذكرهم وَغَيرهم ولقيه الشَّيْخ الامام عبد الْقَادِر بن مصطفى الصفورى الدمشقى فى مرتحله الى الْقَاهِرَة فَأخذ عَنهُ مَعَ جمع ثمَّ عَاد الى الْمغرب وَوصل الى فاس ثمَّ صَار مفتيا بِالْجَبَلِ الاخضر وبقى
هُنَاكَ وَكَانَ آيَة باهرة فى جَمِيع الْعُلُوم وَجَمِيع أجواله كلهَا مرضية وَله مؤلفات كَثِيرَة غالبها نظم مِنْهَا التَّفْسِير بلغ فِيهِ الى قَوْله تَعَالَى وَلَكِن الْبر من اتَّقى وَشرح النخبة لِابْنِ عَاصِم لم يخرج من المسودة وَتَقْيِيد على مُخْتَصر خَلِيل لم يكمل والمنح الاحسانية فى الاجوبة التلمسانية وَمِنْهَا نظم السِّيرَة النَّبَوِيَّة سَمَّاهُ الدرة المنيفة فى السِّيرَة الشَّرِيفَة افتتحها بقوله
قَالَ على حَامِل الاوزارهُوَ ابْن عبد الْوَاحِد الانصارى
ومنظومة جَامِعَة الاسرار فى قَوَاعِد الاسلام الْخمس واليواقيت الثمينة فى العقائد والاشباه والنظائر فى فقه عَالم الْمَدِينَة وَهُوَ نظم وَعقد الْجَوَاهِر فى نظم النَّظَائِر لم يتم والسيرة الصُّغْرَى نظم أَيْضا وَالنّظم الْمُسَمّى بمسالك الْوُصُول الى مدارك الاصول ونظم أصُول الشريف التلمسانى وَشَرحه ومنظومة فى وفيات الاعيان وَأُخْرَى فى التَّفْسِير وَأُخْرَى فى مصطلح الحَدِيث وَأُخْرَى فى الاصول غير مَا تقدم وَأُخْرَى فى النَّحْو وَأُخْرَى فى الصّرْف وَأُخْرَى فى الْمعَانى وَالْبَيَان وَأُخْرَى فى الجدل وَأُخْرَى فى الْمنطق وَأُخْرَى فى الْفَرَائِض وَأُخْرَى فى التصوف وَأُخْرَى فى الطِّبّ وَأُخْرَى فى التشريح وَشرح الاجرومية وَشرح الدُّرَر اللوامع لابى الْحسن بن بَرى وديوان خطب ونظم فى مسئلة الاوتاد والابدال وَغير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فى أَوَاخِر شعْبَان سنة سبع وَخمسين وَألف شَهِيدا بالطاعون فى الجزائر من الديار المغربية وسجلماسه تقدم الْكَلَام عَلَيْهَا فى تَرْجَمَة أَحْمد بن أَبى مران
على بن على أَبُو الضياء نور الدّين الشبراملسى الشافعى القاهرى خَاتِمَة الْمُحَقِّقين وَولى الله تَعَالَى مُحَرر الْعُلُوم النقلية وَأعلم أهل زَمَانه لم يَأْتِ مثله فى دقة النّظر وجودة الْفَهم وَسُرْعَة اسْتِخْرَاج الاحكام من عِبَارَات الْعلمَاء وَقُوَّة التأنى فى الْبَحْث واللطيف والحلم والانصاف بِحَيْثُ انه لم يعْهَد مِنْهُ انه أَسَاءَ الى أحد من الطّلبَة بِكَلِمَة حصل لَهُ مِنْهَا تَعب بل كَانَ غَايَة مَا يَقُول اذا تغير من أحد من تلامذته الله يصلح حالك يَا فلَان وَكَانَ شَيخا جَلِيلًا عَالما عَاملا لَهُ قُوَّة اقدام على تَفْرِيق كتائب المشكلات ورسوخ قدم فى حل اقفال المقفلات مهابا موقرا فى النُّفُوس بِحَيْثُ ان الانسان اذا تَأمل وَجهه النورانى ولحيتة الْبَيْضَاء الطاهرة وهيئته الْحَسَنَة يخشع لرُؤْيَته وَلَا يُرِيد مُفَارقَته وَكَانَ حسن المنادمة لطيف المداعبة لَا يتَكَلَّم الا فى مَا يعنيه وَكَانَ مَجْلِسه مصونا عَن الْغَيْبَة وَذكر النَّاس بِسوء وَجَمِيع أوقاته مصروفة فى المطالعة
وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَالصَّلَاة وَالْعِبَادَة وَكَانَ زاهدا فى الدُّنْيَا لَا يعرف أَحْوَال أَهلهَا وَلَا يتَرَدَّد الى أحد مِنْهُم الا فى شَفَاعَة خير وَكَانَ اذا مر فى السُّوق تتزاحم النَّاس مسلمها وكافرها على تَقْبِيل يَده وَلم يُنكر أحد من عُلَمَاء عصره وأقرانه فَضله بل جَمِيع الْعلمَاء اذا أشكلت عَلَيْهِم مسئلة يراجعونه فِيهَا فيبينها لَهُم على أحسن وَجه وأتمة وَقَالَ فِيهِ الْعَلامَة سرى الدّين الدرورى لَا يكلمهُ أحد الا علاهُ فى كل فن وَكَانَ يَقُول مَا فى الْجَامِع الا الاعمى وَيُشِير اليه وَكَانَ سرى الدّين هَذَا فريد عصره فى الْعُلُوم النظرية وَسُئِلَ البشبيشى عَن سرى الدّين وَعَن المترجم فَقَالَ ان سرى الدّين كَانَ اذا طالع الدَّرْس لَا يقدر عَلَيْهِ أحد فِيهِ واذا نقل الى غَيره وقف يُشِير إِلَى قلَّة استحضاره وَأما الشبر املسى فَكَانَ اذا نقل الى أى فن كَانَ لايختل وَلَا يتَوَقَّف لقُوَّة فهمه وَسُرْعَة استحضاره للقواعد من الْعُلُوم وَكَانَ جبلا من جبال الْعلم لَا يضجر من الْبَحْث فى الدَّرْس ويتعب ان لم يبْحَث مَعَه الطّلبَة وَيَقُول لَهُم مَا لنا الْيَوْم هَكَذَا واذا بحث مَعَ أحد من الْمُتَقَدِّمين يبْحَث بغاية الادب وَمن مقولاته قِيرَاط من الادب خير من أَرْبَعَة وَعشْرين قيراطا من الْعلم ولد بِبَلَدِهِ شبراملس وَحفظ بهَا الْقُرْآن وَكَانَ أَصَابَهُ الجدرى وَهُوَ ابْن ثَلَاث سِتِّينَ فَكف بَصَره وَكَانَ يَقُول لَا أعرف من الالوان الا الاحمر لانه كَانَ يَوْمئِذٍ لابسه ثمَّ قدم مصر صُحْبَة وَالِده فى سنة ثَمَان بعد الالف وَحفظ الشاطبية وَالْخُلَاصَة والبهجة الوردية والمنهاج ونظم التَّحْرِير للعمر يطى والغاية والجزرية والكفاية والرحبية وَغير ذَلِك وتلا جَمِيع الْقُرْآن للسبعة من طريقى التَّيْسِير والشاطبية وختمه فى سنة سِتّ عشرَة وَألف ثمَّ قَرَأَهُ كُله للعشرة من طَرِيق الشاطبية وختمه فى سنة خمس وَعشْرين وَألف على شيخ الْقُرَّاء فى زَمَانه الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الْيُمْنَى وَحضر دروس الشَّيْخ عبد الرؤف المناوى فى مُخْتَصر المزنى فى الْمدرسَة الصلاحية جوَار الامام الشافعى وَأخذ الْفِقْه والْحَدِيث عَن النُّور الزيادى وَسَالم الشبشيرى وانتفع بِهِ كثيرا وَكَانَ يحْكى عَنهُ كَرَامَة وَقعت لَهُ مَعَه تقدم ذكرهَا فى تَرْجَمَة الشبشيرى ولازم النُّور الحلبى صَاحب السِّيرَة الْمُلَازمَة الْكُلية وَالشَّمْس الشوبزى وَعبد الرَّحْمَن الخيارى ومحيى الدّين بن شيخ الاسلام وفخر الدّين وسراج الدّين الشنوانيين وَسليمَان البابلى وَلزِمَ فى العقليات الشهَاب الغنيمى وَكَانَ لَا يفتر عَن ذكره وَسمع الصَّحِيحَيْنِ والشفاء على الْمُحدث الْكَبِير الشهَاب أَحْمد السبكى شَارِح الشِّفَاء وَسمع أَيْضا صَحِيح البخارى والشمايل والمواهب
وَشرح عقائد النسفى وَشرح جمع الْجَوَامِع ومغنى اللبيب وَشرح ابْن ناظم الْخُلَاصَة وَشرح جَوْهَرَة التَّوْحِيد كل ذَلِك على الْبُرْهَان اللقانى وَحضر الاجهورى فى شرح نحبة الاثر وَشرح ألفية السِّيرَة وَالْجَامِع الصَّغِير وَشرح الشمسية وَشرح التَّهْذِيب والحفيد وَحضر عبد الله الدنوشرى فى جَمِيع شرح ابْن عقيل وَشرح الْبَهْجَة للولى العراقى فى مقدمتين فى الْعرُوض وتصدر للاقراء بِجَامِع الازهر فَانْفَرد فى عصره بِجَمِيعِ الْعُلُوم وانتهت اليه الرياسة وَكَانَ آخر أقرانه موتا ولازمه لاخذ الْعلم عَنهُ أكَابِر عُلَمَاء عصره كالشيخ شرف الدّين بن شيخ الاسلام وَالشَّيْخ زين العابدين وَمُحَمّد البهوتى الحنبلى وَيس الحمصى وَمَنْصُور الطوخى وَعبد الرَّحْمَن الْمحلى والشهاب البشيشى وَالسَّيِّد أَحْمد الحموى وَعبد الباقى الزرقانى وَغَيرهم مِمَّن لَا يُحْصى وَكَانَ يكْتب على جَمِيع مَا يَقْرَؤُهُ من الْكتب وَلَو جمع مَا كتبه لجاوز الْحَد وَلكنه تبدد بَين يدى طلبته فَمنهمْ من نسب مَا بِيَدِهِ لَهُ وَمِنْهُم من مَاتَ وَذهب مَا كتبه وَلم يشْتَهر من مؤلفاته الا حَاشِيَته على الْمَوَاهِب اللدنية فى خمس مجلدات ضخام وحاشية على شرح الشمايل لِابْنِ حجر وحاشية على شرح الورقات الصَّغِير لِابْنِ قَاسم وحاشية على شرح أَبى شُجَاع لِابْنِ قَاسم الغزى وحاشية على شرح الجزرية للقاضى زَكَرِيَّا وحاشية على شرح الْمِنْهَاج النِّهَايَة للشمس الرملى وَسبب كِتَابَته عَلَيْهِ انه كَانَ يطالع التُّحْفَة لِابْنِ حجر فَأَتَاهُ الشَّمْس الرملى فى الْمَنَام وَقَالَ لَهُ يَا شيخ على أحى كتابى النِّهَايَة يحى الله قَلْبك فاشتغل بمطالعتها من ذَلِك الْحِين وتقيد بِهِ وَكتب عَلَيْهِ هَذِه الْحَاشِيَة فى سِتّ مجلدات ضخام وَكَانَ اذا أَتَى الى الدَّرْس فى آخر عمره يجلس وَهُوَ فى غَايَة التَّعَب من الْكبر بِحَيْثُ انه لَا يَسْتَطِيع النُّطْق الا بِصَوْت خفى ثمَّ يقوى فى الدَّرْس شَيْئا فَشَيْئًا حَتَّى يصير كالشاب ويتجلد للبحث وَكَانَ كثير المطالعة واذا تَركهَا أَيَّامًا تَأتيه الْحمى وَالْحَاصِل انه مستحسن الْخِصَال كلهَا وَكَانَت وِلَادَته فى سنة سبع أَو ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَتوفى لَيْلَة الْخَمِيس ثامن عشر شَوَّال سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف وَتَوَلَّى غسله بِيَدِهِ تِلْمِيذه الْفَاضِل أَحْمد الْبناء الدمياطى فانه أَتَاهُ فى الْمَنَام قبل مَوته بأيام وَأمره أَن يتَوَلَّى غسله فَتوجه من دمياط الى مصر فَأصْبح بهَا يَوْم وَفَاته وباشر غسله وتكفينه بِيَدِهِ وَحكى انه لما وضأه ظهر مِنْهُ نور مَلأ الْبَيْت بِحَيْثُ انه لم يسْتَطع بعد النّظر اليه وَصلى عَلَيْهِ بِجَامِع الازهر يَوْم الْخَمِيس اماما بِالنَّاسِ الشَّيْخ شرف الدّين بن شيخ الاسلام زَكَرِيَّا وَكَانَ لَهُ مشْهد عَظِيم وَحصل للنَّاس عَلَيْهِ من الْجزع
مَا لم يعْهَد لمثله والشبراملسى بشين مُعْجمَة فموحدة فراء فألف مَقْصُورَة على وزن سكرى كَمَا فى الْقَامُوس مُضَافَة الى ملس بِفَتْح الْمِيم وَكسر اللَّام الْمُشَدّدَة وبالسين الْمُهْملَة أَو مركبة تركيب مزج وهى قَرْيَة بِمصْر
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع