تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْمِيم (٤)

الصفحة ١ من ٢

(بحلة لفظ من نقوش فمنم)

لَهُ ترجمان الْقلب يرْوى مفصل)

وَلم تزل نفحات نسماته عاطرة الارج وزجاجات وارداته ظَاهِرَة الرهج الى أَن أحب الله لقاءه فَأجَاب داعيه ودرج وبروحه اللطيفة اليه عرج وَكَانَت وَفَاته ظهر يَوْم الْخَمِيس سَابِع عشر شهر ربيع الثانى سنة احدى عشرَة بعد الالف وَدفن بِبَيْت الْفَقِيه ابْن عجيل وَبنى عَلَيْهِ قبَّة عَظِيمَة بناها الْوَزير حسن باشا حَاكم الْيمن وَكَانَ ختم بنائها نَهَار الْخَمِيس رَابِع عشر شهر شَوَّال سنة اثنتى عشرَة وَألف وقبره درياق مجرب الْقَضَاء الْحَوَائِج رَحمَه الله تَعَالَى

السَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد المنعوت محب الدّين الحصنى الدمشقى الشافعى السَّيِّد الْعَالم الْعلم الْجواد المربى كَانَ غَايَة فى الْوَرع والتقشف والتصلب فى أَمر الدّين دينا

خيرا ناجحا ملازما للاعتكاف بِمَسْجِد الحصنية بمحلة المزاز من الشاغور البرانى بِدِمَشْق وَكَانَ محافظا على عمَارَة مطبخ آبَائِهِ بخان الكشك الْمُقَابل لخان ذى النُّون خَارج دمشق باصلاح الْحَلْوَى وَالطَّعَام والتفرقة على الْحجَّاج ذَهَابًا وايابا وَكَانَ سخيا لَا يمسك شَيْئا وَله حفدة ومريدون كلهم عائلة عَلَيْهِ وَكَانَت وَفَاته نَهَار السبت حادى عشر شهر رَمَضَان سنة احدى عشرَة بعد الالف وَقيل فى تَارِيخه

ان الشريف مُحَمَّد القطب الذىيدعى محب الدّين للاخرى انْتقل
ان تسألونى أَيْن حل فأرخوافى وسط جنَّات النَّعيم قد نزل

وَبَنُو الحصنى بِالشَّام أشهر من كل مَشْهُور وهم بَيت بَارك الله فيهم من قواد مُهِمّ الى خوافيهم وجدهم التقى شيخ شافعية الشَّام فى عصره وأوحد زهاد زَمَنه الْمَشْهُور بسمو قدره تميز بهم الْفَاضِل من الْمَفْضُول فالتعرض لشرح أَحْوَالهم ضرب من الفضول

مُحَمَّد بن أَحْمد بن على القاضى شمس الدّين الْمَعْرُوف بِابْن المغربى المالكى الدمشقى مفتى الْمَالِكِيَّة بِدِمَشْق وقاضى الْبَاب أحد الاذكياء الْفُضَلَاء حفظ الْقُرْآن فى ابْتِدَاء أمره وَصَارَ مُؤذنًا بالجامع الاموى وَكَانَ حسن الصَّوْت وَأخذ الْفِقْه عَن القاضى عَلَاء الدّين بن الْمرجل البعلى وسافر الى مصر وَأخذ عَن علمائها كالبنوفرى وَغَيره وَحج وجار وَأخذ عَن مَشَايِخ مَكَّة وَقَرَأَ بِدِمَشْق على مَشَايِخ الاسلام أَبى الْفِدَاء اسمعيل النابلسى والعماد الحنفى وَالْجد القاضى الْمُحب وَالشَّمْس ابْن المنقار وناب بمحكمة قناة العونى ثمَّ بِالْبَابِ بعد سفر شَيْخه القاضى عَلَاء الدّين الى الْحَج وَكَانَ يدرس بالجامع الاموى ويفتى واستقرت لَهُ الْفَتْوَى مُنْفَردا بهَا بعد شَيْخه وَكَانَت سيرته فى الْقَضَاء حَسَنَة وَكَانَ لطيف المعاشرة وَصَارَ اماما بالجامع الاموى وَكَانَ يتعاقب على الْقَضَاء هُوَ والقاضى كَمَال الدّين بن خطاب وَاسْتقر الامر آخرا لِابْنِ خطاب وَكَانَ اذا عزل يحصل لَهُ قهر عَظِيم وَلما طَال عَزله آخر الامر مرض وَطَالَ مَرضه وَلما دخل ابْن جانبولاذ دمشق وَمَعَهُ السكبانية والدروز دخلُوا عَلَيْهِ وَهُوَ فى بَيته بحارة قصر حجاج خَارج بَاب الْجَابِيَة وانتهبوه وأهانوه فَزَاد قهره وَاسْتمرّ متضعفا يشكو حَتَّى توفى يَوْم الْخَمِيس ثامن عشر ربيع الاول سنة سِتّ عشرَة وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير

مُحَمَّد بن أَحْمد أَبُو عبد الله الْمَعْرُوف بوحيى زَاده الرومى شَارِح مغنى اللبيب أَصله من

بَلْدَة ازنيق وجده على بيك مَذْكُور فى تذكرة الشُّعَرَاء وَقد أكمل صَاحب التَّرْجَمَة طَرِيق الصُّوفِيَّة على بعض الْمَشَايِخ وَجلسَ على سحاده الذّكر والوعظ الى أَن مَاتَ الشَّيْخ وَسنة فى سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَكَانَ مدرس دَار الحَدِيث المنسوبة لوالدة السُّلْطَان بِمَدِينَة اسكدار فوجهت اليه مَعَ وعظ الْجَامِع الْمَنْسُوب اليها وَكَانَ بَحر فياضاً فى الْعُلُوم خُصُوصا الْعَرَبيَّة متفننا فى غَيرهَا وَمن آثاره الجليلة شرح مغنى اللبيب فى مجلدين وَهُوَ شرح حافل مُفِيد يدل على سَعَة اطِّلَاعه وَله على التَّفْسِير تعليقات وَكَانَ وِلَادَته فى سنة أَرْبَعِينَ وَتِسْعمِائَة وَتوفى سنة ثَمَان عشرَة بعد الالف وَكَانَ عمره لما مَاتَ تسعا وَسبعين سنة كَذَا قَالَه ابْن نوعى

مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن اسمعيل بن مُحَمَّد المنعوت شمس الدّين بن الاكرم الْحَنَفِيّ وَيعرف بقطا الْبر كَمَا أَن أَبَاهُ كَانَ يعرف بقطا الْبَحْر أحد فضلاء دمشق وأصلائها وَكَانَ فَاضلا مخشوشنا متقشفا قَرَأَ فى أول أمره ثمَّ وصل الى خدمَة الْبَدْر الغزى فَقَرَأَ عَلَيْهِ فى الاحياء وَلما مَاتَ أَبوهُ فى سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة سَافر الى الرّوم وَولى تدريس الْمدرسَة المقدمية وَرجع من الرّوم فى شكل عَجِيب على أسلوب موالى الرّوم من الاثواب الطَّوِيلَة بالاكمام الواسعة ولقب نَفسه بشيخ الاسلام وَكَانَ يجمع الْفُقَرَاء على الذّكر عِنْده بِالْمَدْرَسَةِ ويتردد اليه بعض المنشدين وَرُبمَا يكسوهم وَيطْعم الْفُقَرَاء وَكَانَ يتظاهر بانكار بعض المناكر وَكَانَ يمر على تخت الْقمَار بمحلة تَحت القلعة فيأمر بتكسيره وَضرب المقامرين وَكَانَ قَلِيل الْحَظ من الدُّنْيَا مَعَ السخاء الزَّائِد وَكَانَت وَفَاته بداء الْبَطن فى وَقت الْغَدَاء من يَوْم الثلاثا ثَالِث عشر ذى الْحجَّة سنة عشرَة بعد الالف عَن خمس وَخمسين سنة وَدفن عِنْد أَبِيه بمقبرة الفراديس وَبَنُو الاكرم بِدِمَشْق طَائِفَة كَبِيرَة مِنْهُم مُحَمَّد وَهُوَ جد مُحَمَّد هَذَا وَالِد وَالِده كَانَ فى آخر دولة الجراكسة أَمِيرا من أمرائهم فَلَمَّا ذهبت دولة الجراكسة وَجَاءَت دولة آل عُثْمَان أعطَاهُ السُّلْطَان سليم الفاتح زعامة دولة الجراكسة وَجَاءَت دولة آل عُثْمَان أعطَاهُ السُّلْطَان سليم المفاتح زعامة بِأَرْبَعِينَ ألف عثمانى فاستمر مبَاشر الزعامة الى أَن عينوه خَادِمًا للسلطنة فى جمع أَمْوَال الْعَرَب فَكتب الى الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الشَّيْخ علوان الحموى كتابا ولوح فِيهِ الى مَا هُوَ مبتلى بِهِ من خدمَة السلطنة وَأَشَارَ الى استفهامه عَن هَذِه الاحوال هَل تخلص صَاحبهَا عِنْد الله تَعَالَى فَكتب اليه الشَّيْخ علوان كتاب يَقُول فِيهِ وَلَا بَأْس بِخِدْمَة السُّلْطَان اذا كَانَت على طَرِيق الاسْتقَامَة وَأَيْضًا فان الرأى أَن تكون

حَيْثُ أنزلك حَتَّى يكون الله عَنهُ نقلك وَأَيْضًا فان الله لَو لم يرد لَك هَذَا الامر الذى أَنْت فِيهِ مَا سهله لَك وسَاق من ذَلِك فَصَارَ وَكتب بعده فى حَاشِيَة الْمَكْتُوب وَمَعَ ذَلِك أَقُول

سجنو الطّيب لغاتهميَا ليتهم كَانُوا صموت
موت النُّفُوس حَيَاتهَامن رام أَن يحيا يَمُوت

فَلَمَّا وقف على هذَيْن الْبَيْتَيْنِ علم الاشارة فَنزع ثِيَابه كلهَا وَعتق مماليكه وَدخل فى عدل ثخين وَجلسَ فى محلّة العنابة فى مَسْجِد الْعين ثَلَاثَة أَيَّام لَا يكلم أحدا وَلَا يَأْكُل وَلَا يشرب وَترك الزعامة والدولة وَاسْتمرّ فى بَيته بمحلة العنابة جَالِسا متفردا عَن النَّاس لابسا ثِيَاب الصُّوفِيَّة الى أَن مَاتَ فانتقل وَلَده أَحْمد الى محلّة القيمرية وَسكن فى بيُوت ابْن الحارة ثمَّ أثبت الْمدرسَة المقدمية وانه من ذُرِّيَّة واقفها وَأظْهر على مَا ادَّعَاهُ عدَّة تمسكات وانتقل اليها وسكنها ثمَّ سكنها بعده ابْنه صَاحب التَّرْجَمَة كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا وَاسْتمرّ بِيَدِهِ تدريسها وتوليتها وَهَذِه الْمدرسَة منسوبة الى من هم منتسبون اليه وَهُوَ أَمِير الامراء شمس الدّين الْمُقدم الذى كَانَ من كبار الامراء فى زمن الْملك الْعَادِل نور الدّين الشَّهِيد ثمَّ صَار من كبار الامراء الصلاحية وَحج فَوَقع بَينه وَبَين أَمِير الْحَاج العراقى طاشتكين فَضرب ابْن الْمُقدم بِسَهْم وَقع فى عينه فَمَاتَ من غده ذكره ذَلِك ابْن خلكان فى تَارِيخه وَغَيره من المؤرخين

مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن ادريس المنعوت بشمس الدّين الحلبى ثمَّ الدمشقى الْمَعْرُوف بِابْن قولا قسز وَقد تقدم ابْنه أَحْمد وَكَانَ مُحَمَّد هَذَا فَاضلا بارعا فَقِيها لَهُ اطلَاع على مسَائِل فقه الامام الاعظم أَبى حنيفَة قَرَأَ بحلب على عالمها الامام النَّجْم بن الحنبلى الاصول وَالْفِقْه والْحَدِيث وَأخذ عَن منلا أَحْمد القزوينى الْمعَانى وَالْبَيَان وَالتَّفْسِير ثمَّ رَحل الى دمشق وَأخذ بهَا الْفِقْه عَن خطيب الشَّام وفقيهها النَّجْم والبهنسى والْحَدِيث عَن شيخ الاسلام الْبَدْر الغزى وَقَرَأَ البخارى عَن النُّور النسفى وَأخذ الْفَرَائِض عَن الشَّيْخ عبد الْوَهَّاب الحنفى والقراآت عَن الطيبى والمنطق عَن منلا ابراهيم الكردى القزوينى الحلبى وَبِه تفقه وَلَده أَحْمد وَكَانَ يحب الْعُزْلَة والانجماع عَن النَّاس وَلم يكن لَهُ وَظِيفَة وَلَا مدرسة وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ من خِيَار الافاضل وَكَانَت وِلَادَته فى خَامِس عشرى شهر ربيع الاول سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَتوفى نَهَار الاحد رَابِع عشرى شهر ربيع الاول سنة احدى وَعشْرين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى

مُحَمَّد بن أَحْمد الدجانى القدسى الشَّيْخ المعمر الْبركَة الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى مفتى الشَّافِعِيَّة بالقدس الشريف رَحل الى مصر واشتغل بهَا وبرع ثمَّ رَجَعَ الى وَطنه وَشرح ألفية ابْن مَالك والرحيبة وَأفْتى على مَذْهَب الشافعى وَصَامَ الدَّهْر أَزِيد من خمسين عَاما وَكَانَ منزويا عَن النَّاس قَلِيل الِاجْتِمَاع بهم غير متصنع فى هَيئته وَلَا مباهيا بملبسة قَلِيل الْكَلَام مجذوبا وَكَانَ للنَّاس فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَكَانَت وَفَاته صَبِيحَة نَهَار الاربعاء سَابِع عشرى ذى الْحجَّة سنة سِتّ وَعشْرين وَألف بدير صهيون وَصلى عَلَيْهِ بِالْمَسْجِدِ الاقصى بعد الْعَصْر وَدفن فى فسقية أَبِيه وَحضر جنَازَته الْخَاص والعالم وتبرك النَّاس بِحمْل جنَازَته وَقد تجَاوز الثَّمَانِينَ رَحمَه الله تَعَالَى

مُحَمَّد بن أَحْمد المرداوى الحنبلى نزيل مصر وَشَيخ الْحَنَابِلَة فى عصره بهَا أَخذ على التقى الفتوحى وَعَن عبد الله الشنشورى الفرضى وَعنهُ أَخذ مرعى القدسى وَمَنْصُور البهوتيان وَعُثْمَان الفتوحى الحنبليون وَالشَّمْس مُحَمَّد الشوبرى وَأَخُوهُ الشهَاب أَحْمد وَالشَّيْخ سُلْطَان المزاحى وَكثير وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فى سنة سِتّ وَعشْرين وَألف وَدفن بتربة المجاورين بِالْقربِ من السراج الْهِنْدِيّ رَحمَه الله تَعَالَى

مُحَمَّد بن أَحْمد بن مصطفى بن خَلِيل الْمولى كَمَال الدّين بن عِصَام الدّين المشتهر بطاشكبرى زَاده قاضى العساكر فَرد الدَّهْر الْمجمع على فَضله وبراعته وَكَانَ فى الْعلم طوداشا مخالم ير نَظِيره فِي طَلَاقه الْعبارَة والتضلع من الْعَرَبيَّة قَالَ النَّجْم الغزى فى تَرْجَمته لم أر روميا أفْصح مِنْهُ بِاللِّسَانِ العربى وَكتب اليه شيخ الاسلام أسعد بن سعد الدّين يمدحه بقوله

الْعِزّ من الْمجد هما نَحْوك مَالايَا مفخرنا كاسمك لَا زلت كمالا
ان كَانَ على حبك لى معذرةكم من ألف مالى الى اللَّام كمالا

أَخذه عَن وَالِده الْعَالم الْمَشْهُور صَاحب الشقائق النعمانية فى عُلَمَاء الدولة العثمانية وَعَن شيخ الاسلام أَبى السُّعُود العمادى ودرس بمدارس قسطنطينية ثمَّ صَار قَاضِيا بحلب وَنقل مِنْهَا الى دمشق فَدَخلَهَا فى أَوَائِل الْمحرم سنة خمس بعد الالف وَأَقْبل على أَهلهَا وعاملهم بالاكرام التَّام حَتَّى سحر عقول علمائها برعايته واقباله ثمَّ طلب مِنْهُم محضرا فى الثَّنَاء عَلَيْهِ بعد شهر فَكَتَبُوا لَهُ محضراً أثنوا عَلَيْهِ بِمَا شاهدوه مِنْهُ ثمَّ لم تتمّ كِتَابَة الْمحْضر حَتَّى انْقَلب عَن أخلاقه وتظاهر بطمع لم ير نَظِيره وَأكْثر

من الرِّشْوَة وَاتفقَ انه جَاءَ فى زَمَنه أَمر الْعَوَارِض بثلثمائة عثمانى فنفذه وَكَانَ قبل ذَلِك لم تكلّف النَّاس فى الْعَوَارِض مِقْدَار ذَلِك فَحَضَرَ الى الْجَامِع يَوْم الِاثْنَيْنِ ثامن عشرى شهر رَمَضَان من سنة خمس صَبِيحَة الى الشَّيْخ الْعَارِف أَحْمد بن سُلَيْمَان الصوفى فَلَمَّا فرغت الصبيحة دَعَا الشَّيْخ مُحَمَّد بن سعد الدّين وأخاه الشَّيْخ ابراهيم وأراهما الامر فَذكر لَهُ الشَّيْخ مُحَمَّد فقر النَّاس وعجزهم عَنْهَا فَلم يقبل فَضَجَّ النَّاس واجتمعوا عَلَيْهِ وَأخذُوا فى شَتمه واظهار الشكاية مِنْهُ وَمن طلمه وتتابع النَّاس من أرجاء الْجَامِع وَأَكْثرُوا من سبه وأطلقوا الالسنة فِيهِ وفى الشَّيْخ مُحَمَّد بن سعد الدّين وأخيه ونسبوهما الى التَّقْصِير فى ذَلِك ثمَّ خرج القاضى هَارِبا من بَاب العنبرانيين وَتَبعهُ أَكثر النَّاس بَعضهم يَرْجُمهُ بِلِسَانِهِ وَبَعْضهمْ بِيَدِهِ حَتَّى ان بَعضهم ضربه ببيضة فَانْكَسَرت على ثَوْبه فالتجأ الى بعض الدّور حَتَّى رَجَعَ النَّاس عَنهُ وَأما الشَّيْخ مُحَمَّد بن سعد الدّين وَأَخُوهُ فانهما خرجا من بَاب جيرون وتبعهما جمَاعَة يصيحون فردهم النُّقَبَاء والفقراء عَنْهُمَا وَقَالُوا لَهُم الحقوا القاضى ثمَّ لما أصبح القاضى أَمر بِكِتَابَة عرض ومحضر فى تَخْفيف الْعَوَارِض وَجَمعهَا دِينَارا وَاحِدًا وَأظْهر ارادة الْعدْل وَفِيه عمل أَبُو المعالى درويش مُحَمَّد الطالوى قصيدته السائرة يُشِير فِيهَا الى حادثته هَذِه ومطلعها

ان الْكَمَال على زِيَادَة نَقصهمولى يجود بِنَفسِهِ للمجتدى
فاذا أَتَاكُم فَاسق فَتَبَيَّنُوامن حَاله وَالله يجزى المعتدى
يقعى جُلُوسًا وسط مجْلِس حكمهكَيْمَا يسكن حكة فى المقعد
واذا مَشى أدلى بواسير استهمن خَلفه تحكى أفاعى مربد
مثل الرشاء طَوِيلَة أذنابهامَا بَين ذى ذَنْب أحد وَأورد
تنساب فَوق نقى يُبَاح صريمهسيان فِيهِ رائح أَو مغتد
مكمدة ألوانها مسودةحمر الرؤس لَهَا لِسَان مبرد
قد أثخنت فِيهِ الْجراح وجرحتمِنْهُ الفقاح فسبرها بالمرود
تلتف فى شعر تدَاخل بعصهفى بعضه جَعدًا وَغير مجعد
فَكَانَ عر فجة هُنَاكَ تفرعتوأصولها ساخت بِأَرْض قردد
نسقى بِمَاء آسن فَكَأَنَّهَامطروقة عين ببرقة ثهمد
وعَلى الْمحيا اذ يحيى مسحةمن سَام أبرص خَافَ لسع الاسود
فاصفر بل قَالُوا دَنَانِير الرشامن أكلهَا صبغته لون العسجد
من أجل ذَا حكوه وَهُوَ نبهرجبمحك أَحْجَار كوقع مهند
بَينا تدار عَلَيْهِ كاسا الرشاوَقد انتشى مِنْهَا براحات الدَّد
فى مجْلِس حاشاه من قَول العدامَا فِيهِ غير مجسم أَو ملحد
فاجاه عزل فاغتدى عَن جلقعجلَان ذَا زَاد وَغير مزود
من بَعْدَمَا عرضت أُمُور أوجبتمَا أوجبت وسل الْعَوَارِض تشهد
اذ رَاح يمشى الخيز لى من عجبهللجامع الاموى مَشى الخرد
وَالنَّاس مستنون يتبع بَعضهمبَعْضًا وَقد قعد الْحمام بِمَرْصَد
مَا بَين منتعل وحاف خَلفهيعد ويمرو كالسهام محدد
حَتَّى رمى فى دَار قوم نَفسهوَأقَام فِيهَا خَائِف الضُّحَى الْغَد
للباب مستبقا وَقد قَمِيصهيَا صَاح من دبر فج بالمقصد
وهلاك رب الْعَرْش من ظلم الورىان لما يفاج الْيَوْم فاجا فى غَد
هَا قد كشفت لكم حَقِيقَة حَالهيَا قوم فَاسْتَمعُوا مقَالَة مرشد
مذ ذاق طعم الْعَزْل رَاح بحسرةرطب العجان وكفه كالجلد
كالاقحوانة بعد فعلى ناجرجَفتْ أعاليها واسفلها ند
لَا زَالَ حادى النَّجْم يهوى خَلفهوسقاه نوء الرَّجْم مَوْصُول الْيَد
مَا فرخت يَوْمًا عوارض خانةوأهين قَاض خَان شرع مُحَمَّد

ثمَّ ورد عَزله فى أواسط ذى الْقعدَة وَأعْطى قَضَاء حلب فَسَار اليها ثمَّ ترقى بعْدهَا فى المناصب حَتَّى ولى قَضَاء العسكرين وَكَانَ كثير الْآثَار وَله نظم ونثر فَمن نظمه مَا كتبه لشيخ الاسلام مُحَمَّد بن سعد الدّين من أَبْيَات

عاصف الحادثات أفنانىصَرْصَر الدَّهْر بُد أفنانى
كمدى آدنى وأعيانىارحوا سادتى أعيانى

قَالَ البورينى فى تَرْجَمته وَكَانَ وَهُوَ قاضى بِدِمَشْق وَجه الى بقْعَة تدريس عَن الشَّمْس ابْن المنقار وَلما عزل عَن دمشق وَتوجه الى حلب بلغنى انه أعْطى يحيى بن الشَّمْس الْمَذْكُور عرضا فى الْبقْعَة الْمَذْكُورَة فَكتب اليه كتابا عتب عَلَيْهِ فِيهِ بِسَبَب ذَلِك وَكَانَ مَا بلغنى بَاطِلا كذبا فَكتب الى من انشائه وَذكر رِسَالَة طولة استحسنت مِنْهَا هَذَا الْمحل فَذَكرته هُنَا وَهُوَ وَالْعجب مِنْكُم انكم صَدقْتُمْ مثل هَذَا الْخَبَر

وادعيتم فِيهِ التَّوَاتُر كَأَنَّهُ حَدِيث أَو أثر وَمَا تقرر عنْدكُمْ مَا شاهدتم من محبتنا الراسخة الْبُنيان وَقد قيل فى الامثال لَيْسَ الْخَبَر كالعيان وَكَانَ الْوَاجِب أَن لَا تلتفتوا الى مثل هَذِه الخرافات

وشاهدى فى ادِّعَاء الْحبّ خاطركموَهُوَ المزكى فقولى لَا تردوه
كفى بقلبى مَا يلقى ببعدكملَا تحرقُوهُ بِنَار الهجر خلوه

وَكتب أَيْضا فى غُضُون رسَالَته

وَمَا أَنا حفظ الوفا متصنعاوَلَا أَنا للزور الْقَبِيح منمق
وَأَنت فتدرى مَا اقتضته جبلتىفَمَا أدعى الا وَأَنت مُصدق
وَلَكِن دهرا قد بلينا بأَهْلهأَبَا حوابه ثوب النِّفَاق ونفقوا

فو الذى يعلم سرى وعلن فى جَمِيع حالى لم يصدر عَنى ذَلِك الامر وَلَا خطر ببالى وَهل يَلِيق بى ان أدنس الْعرض بِمثل ذَلِك الْعرض وأحشر فى زمرة الْكَاذِبين بَين يَوْم الْعرض

وودى أَنْت تعلمه يَقِيناصَحِيحا لَا يكدر بالجفاء
فَلَا تسمع لما نقل الاعادىوَمَا قد نمقوه من افتراء

وَله غير ذَلِك مِمَّا يعذب وَبِالْجُمْلَةِ فقد وصفناه من الْكَمَال بِمَا فِيهِ مقنع وَلم يكن فِيهِ مِمَّا يشينه الا الطمع وَكَانَت وَفَاته فى سنة ثَلَاثِينَ وَألف وَقَالَ الْفَاضِل الاديب ابراهيم بن عبد الرَّحْمَن العمادى الدمشقى فى تَارِيخ وَفَاته

أَلا انما الدُّنْيَا غرور نعيمهاينغصه أكدارها وزوالها
قضى الله للْمولى الْكَمَال بِأَن قضىفأرخ ديار الرّوم مَاتَ كمالها

مُحَمَّد بن أَحْمد المنوفى المصرى الشافعى نزيل مَكَّة أحد الْفُضَلَاء الاعيان كَانَ فَاضلا أديبا صَاحب ثروة وَكَانَ لَهُ ايثار وبسطة يَد وَلم يزل يعانى التِّجَارَة ثمَّ لحقه ضيق يَد فسافر الى الرّوم وَصَحب مَعَه مِفْتَاح الْكَعْبَة الشَّرِيفَة قَاصِدا اعطاءه للسُّلْطَان مُرَاد وَورد دمشق وَعقد حَلقَة تدريس فى جَامعهَا الاموى بعد صَلَاة صبح الحنفى من أول رَجَب وأقرأ صَحِيح مُسلم فَاجْتمع عَلَيْهِ خلق كثير حَتَّى رفع كرسى الْوَعْظ أَيَّامًا قَليلَة وضجت الْعَالم من احداث مَا لم يكن وَمِمَّا اتّفق لَهُ انه سُئِلَ هَل كَانَ النبى

يعلم السحر ويعرفه على التَّعْمِيم فَأجَاب عَنهُ انه كَانَ يعلم كل شئ مِنْهُ وَمن غَيره من غير شكّ فَنقل جَوَابه الى النَّجْم الغزى فَغَضب غَايَة الْغَضَب وَكذبه وَقَالَ انه افتراها وَأخذ النَّجْم يُقيم عَلَيْهِ الْحُدُود فى درسه كل لَيْلَة وَيَقُول انه ان أصر

على ذَلِك كفر وتطلب من أقرانه عمل رِسَالَة على وفْق مُرَاده فامتنعوا من ذَلِك وَقَالُوا انه أَخطَأ حَيْثُ قَالَهَا للعوام وَمِنْهُم من أحجم وَلم يتَكَلَّم وَقَالَ قد وَقع فِيهَا خلاف وَمَا رجحوا مِنْهَا قولا لَا ينْقل وَطَالَ التنقيب على هَذِه المسئلة حَتَّى ألف الشَّيْخ أَيُّوب الخلوتى الْمُقدم ذكره فى ذَلِك رِسَالَة سَمَّاهَا السك الموفى على رَقَبَة المنوفى وهى رِسَالَة جَامِعَة لكل منثور ومنظوم فَكف بعد المنوفى عَن الدَّرْس وَأقَام الى عيد الْفطر ثمَّ رَحل الى نَاحيَة الرّوم وَالسُّلْطَان مُرَاد فى نواحى حلب قَاصد الْمسير الى روان فصحب الْعَسْكَر الى بَغْدَاد وأنجحت سفرته ونال أمانيه ثمَّ بعد فتح روان رَجَعَ الى دمشق فَابْتلى بِمَرَض الامعاء وقاسى آلاما شديده وَكَانَ سَبَب مَوته هَذَا خُلَاصَة مَا نقلته من ثَبت الشَّيْخ مُحَمَّد بن على المكتبى الدمشقى وَرَأَيْت للمترجم تَرْجَمَة فى السلافة وَصَاحب السلافة سبطه قَالَ فى تَرْجَمته هُوَ جدى لامى وَمن مَلَأت بِهِ من عريق النّسَب كمى امام الائمة الشَّافِعِيَّة وَرب الفطنة الالمعية ملك الْعُلُوم زماما وَتقدم فى مقَام الْفضل اماما فصلت الافاضل خَلفه وظلت الْفَضَائِل حلفه لَا يشق لَهُ غُبَار فى مضمار سباق وَلَا يباريه مبار فى اصطباح واغتباق وَلَا سوى الْفضل والادب صبوح وغبوق وَهُوَ السَّابِق فيهمَا وَمن عداهُ مَسْبُوق وَكَانَ قد شدّ لرحلة الرّوم ركابه وابله

يُرِيد بسطة كف يَسْتَعِين بهَاعلى قَضَاء حُقُوق للعلى قبله

فأسفرت سفرته عَن وُجُوه آماله وَأهب عَلَيْهِ الاقبال نسائم قبُوله وشماله فَتَلقاهُ ملكهَا بِأَهْل ومرحب وأنزله من ألطافه واسعافه أفسح منزل وأرحب ونفحه بنفحات عنايته المسكية حَتَّى قَلّدهُ أَكثر المناصب المكية فَلَمَّا عَاد الى وَطنه بِقَضَاء أمله ووطره نصبت لَهُ الْمنون أشراكها فى طَرِيقه وأغصته اذ ساغت لَهُ أمانيه بريقه ثمَّ قَالَ وَلَا يحضرنى الْآن من شعره غير مَا رَأَيْته مَنْسُوبا اليه بِخَط سيدى الْوَالِد وَهُوَ

عتبت على دهرى بأفعاله الَّتِيأضاق بهَا صدرى وأضنى بهَا جسمى
فَقَالَ ألم تعلم بِأَن حوادثىاذا أشكلت ردَّتْ لمن كَانَ ذَا علم

قَالَ وَهَذَانِ بيتان لَا يشيد مثلهمَا الا من شاد ربوع الادب وسارع لاقتناص شوارد القريض وانتدب وهما أنموذج براعته وبلاغته واقتداره على سبك ابريز الْكَلَام وصياغته وَقد صدرتهما وعجزتهما فَقلت

عتبت على دهرى بأفعاله الَّتِيبرانى بهَا بَرى السِّهَام من الْهم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «عتبت على دهري بأفعاله التي»
ليصرف عَنى فادحات نوائبىأضاق بهَا صدرى وأضنى بهَا جسمى
فَقَالَ ألم تعلم بِأَن حوادثىوأخطارها اللاتى تلم بذى فهم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «عتبت على دهري بأفعاله التي»
يضيق بهَا ذُو الْجَهْل ذرعا وانمااذا أشكلت ردَّتْ لمن كَانَ ذَا علم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «عتبت على دهري بأفعاله التي»

وَكَانَت وَفَاته فى سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى

مُحَمَّد بن أَحْمد حَكِيم الْملك بِضَم الْمِيم وَسُكُون اللَّام الفارسى أصلا ومحتدا والمكى منشأ ومولدا أديب الْحجاز وشاعره وبليغه ذكره السَّيِّد مَعْصُوم فَقَالَ فى وَصفه فَاضل تأزر بِالْفَضْلِ وارتدى وسلك سَبِيل المكرمات واهتدى سَام فى فنون الْعلم وَصرح وأوضح متون الادب وَشرح وَهُوَ من بَيت رياسة وجلاله وَقوم لم يرثوا الْمجد عَن كلاله وَكَانَ لسلفه عِنْد مُلُوك الْهِنْد التيموريه مَحل تتضوع الْمَرَاتِب ريه وتستسقى المناصب ريه وَلما وَفد جده على السَّادة الاشراف الْمُلُوك من بنى حسن قابلوه مُقَابلَة الجفن للوسن فاكرموا نزله وقلدوا بأيادى منتهم بزله وَولد صَاحب التَّرْجَمَة بِمَكَّة فَنَشَأَ فى حجر الْفضل وَالْمجد وانتشق عرف خزامى تهَامَة وشميم عرار نجد فَجمع بَين تليد الْمجد وطارفه ورفل فى فضفاض الادب فى أبهى مطارفه وَلم يزل مُتبعا تِلْكَ الدَّار مَحْمُود الايراد والاصدار مَعَ تمسكه من سلطانها الشريف محسن بالعروة الوثقى الَّتِي لَا تنفصم وحلوله لَدَيْهِ بالمكانة الَّتِي مَا حلهَا ابْن أَبى دؤاد عِنْد المعتصم حَتَّى حصل عَلَيْهِ من الشريف أَحْمد بن عبد الْمطلب مَا حصل لما انحل عقد ولَايَة الشريف محسن مِنْهَا وانفصل فَكَانَ مِمَّن نهب الشريف دَاره وَمَاله وَقطع من الامان أمانيه وآماله فالتجأ مستأمنا الى بعض الاشراف فَأَمنهُ على نَفسه بعد مُشَاهدَة الْوُقُوف على الْهَلَاك والاشراف ثمَّ سَار مختفيا الى الْيمن وَاسْتمرّ حَتَّى قتل الشريف أَحْمد فَلم ير من شرِيف مَكَّة الشريف مَسْعُود مَا كَانَ يؤمله قبل فَتوجه الى الْهِنْد فى سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف فَألْقى بهَا عَصَاهُ الى أَن بلغ من الْعُمر أقصاه ثمَّ ذكر لَهُ قصيدته الدالية الَّتِي عَارض بهَا قصيدة أَحْمد الرشدى الْمُقدم ذكرهَا ومطلع قصيدته

صوادح البان وَهنا شجوها بادىفَمن معِين فَتى فى فت أكباد
صب اذا غنت الورقاء أرقهتذكيرها نغمات الشادن الشادى
فَبَاتَ يرعف من جفنيه تحسبهيرجرج المدمع الوكاف بالجادى
جافى الْمضَاجِع الف السهد ساورهسم الاساود أَو أَنْيَاب آساد
لَهُ اذا اللَّيْل واراه نشيج شجوجذوة فى حشاه ذَات ايقاد
سماره حِين يضنيه توحشهفيستريب الى تأسيس عواد
وجدوهم وأشجان وبرح جوىولوعة تتلظى والاسى سادى
أضناه تَفْرِيق شَمل ظلّ مجتمعاوضن بِالْعودِ دهر خطبه عادى
فالعمر مَا بَين ضن ينقضى وضنىوالدهر مَا بَين ايعاد وابعاد
لَا وصل سلمى وَذَات الْخَال يرقبهوَلَا يؤمل من سعدى لَا سعاد
أضنى فؤادى واستوهى قوى جلدىاقوا ملاعب بَين الهضب والوادى
عفت محاسنها الايام فاندرستواستبدلت وَحْشَة من أُنْسُهَا البادى
وعطلتها الرزايا وهى حَاليةبساكنيها ورواد ووراد
وعاث صرف الليالى فى معالمهافَمَا يُجيب الصدا فِيهَا سوى الصادى
دوارج المورمارت فى معاهدهافغادرتها عَفا الساحات والنادى
وناعب الْمَوْت نَادَى بالشتات بهَافأهلها بَين أغوار وأنجاد
وصوحت بالبلى أطلالها وخلترحابها الفسيح من هيد وَمن هاد
أضحت قفارا تجر الرامسات بهَاريحًا جنوب وَشَمل رِيحهَا الجادى
كَأَنَّهَا لم تكن يَوْمًا لبيض مهىمرا تعاقد خلت فِيهِنَّ من هاد
وَلم تحل مغانيها بغانيةتغنى اذا ماردى من بدرها رادى
وَلَا عطا نبتها ريح وَلَا طلعتبهَا بَدو ردجى فى برج مصطاد
وَلَا تثنت بهَا لمياء ساحبةذيل النَّعيم دلالا بَين انداد
فارقتها وكأنى لم أظل بهَافى ظلّ عَيْش يجلى عذر حساد
أجنى قطوف فكاهات محاضرةطورا وطورا أناغى ربة الهادى
هيفاء يزرى اذا ماست تمايلهابأملد من غصون البان مياد
بِجَانِب الْجيد يهوى القرط مرتعدامهواه جد سحيق فَوق أكتاد
شفاهها بَين حق الدّرّ قد خزنتذخيرة الْفَحْل ممزوجا بهَا الجادى
اذا نضت عَن محياها النقاب صبامستهترا كل سجاد وَعباد
وان تجلت فَفِيمَا قد جلته دجىلنابه فى الدآدى أَيّمَا هادى
وميض برق ثناياها اذا ابتسمتيُعَارض الدمع من مهجورها حادى
وناظران لَهَا يرْتَد طرفهمامهما رنت عَن قَتِيل مَا لَهُ وادى
وصبح غرتها فى ليل طرتهايوماى من وَصلهَا أَو هجرها العادى
تِلْكَ الربوع الَّتِي كَانَت ملاعبهاأخنى عَلَيْهَا الذى أخنى على عَاد
الى ملاعب غزلان الصريم بهَايحن قلب الْمَعْنى مَا شدا شاد
بعد الدَّهْر رمانى بالفراق بهَاوَلَا سقى كنفيه الرَّائِح الغادى
عمرى لَئِن عظمت تِلْكَ القوادح منخطوبه وتعدت حد تعدادى
لقد نسيت وأنستنى يواثقهتِلْكَ الَّتِي دهدهت أصلاد أطواد
مصَارِع لبنى الزهرا وَأحمد قدأذكرن فخا وَمن أردى بِهِ الهادى
لفقدهم وعَلى المطلول من دمهمتبكى السَّمَاء بمزن رائح غادى
وشق جيب الْغَمَام الْبَرْق من حزنعَلَيْهِم لَا على أَبنَاء عباد
كَانُوا كعقد بجيد الدَّهْر قد قرظتمن ذَاك وَاسِطَة أودى بتبدادى
وَهُوَ المليك الذى للْملك كَانَ حمىمذماس من برده فى خزأ براد
كَانَت لجيران بَيت الله دولتهمهاد أَمن بسرح الحيف ذواد
وَكَانَ طود الدست الْملك مُحْتَبِيًاولاقتناص المعالى أى نهاد
ثوى بصنعا فيا الله مَا اشْتَمَلتعَلَيْهِ من مجده فى ضيق ألحادى
فقد حويت بِهِ صنعاء من شرفكَمَا حوت صعدة بالسيد الهادى
فحبذا أَنْت يَا صنعاء من بلدوَلَا تغشى زيادا وكف رعاد
مصابه كَانَ رزأ لَا يوازنهرزء ومفتاح ارزاء واسآد
وَكَانَ رَأْسا على الاشراف مُنْذُ هوىتتابعوا اثره عَن شبه ميعاد
لهف الْمُضَاف اذا مَا أزمة أويتمن قطب نائبة للمتن هداد
لهف الْمُضَاف اذا مَا أقلحت سنةيضن فى محلهَا الطائى بالزاد
لهف الْمُضَاف اذ كرّ الْجِيَاد لَدَىحر الجلاد أثار النَّقْع بالوادى
لهف الْمُضَاف اذا مَا يستباح حمىلفقد حام بورد الْكر عواد
لهف الْمُضَاف اذا جلى بِهِ نزلتوَلم يجد كاشفا مِنْهَا بمرصاد
لهف الْمُضَاف اذا حمل المغارم فىنيل العلى أثقل الاعناق كالطاد
لهف الْمُضَاف اذا نَادَى الصَّرِيخ وَلميجد لَهُ مصرخا كالليث للصادى
لهف الْمُضَاف اذا الدَّهْر العصوف سَطَابضيم جَار لنزل الْعِزّ مقداد
بل لهف كل ذوى الآمال قاطبةعَلَيْهِم خير مرتاد لمرتاد
كَانَت بهم تزدهى فى السّلم انديةوفى الوغى كل قداد وهناد
على الارائك أقمار تضئ وَمنتَحت الترائك آساد لمساد
تَشكوا عداهم اذا شاكى السِّلَاح بداشكّ القناما ضفا من نسج ابراد
الى النحور وَمَا تحوى الصُّدُور وَمَاوارته فى جنحها ظلمات أجساد
بادوا فباد من الدُّنْيَا بأجمعهامن كَانَ فكاك أصفاد باصفاد
وَقد ذوت زهرَة الدُّنْيَا لفقدهموألبست بعدهمْ أَثوَاب احداد
واجتث غرس الامانى من فجيعتهموَأنْشد الدَّهْر تقنيطا لرواد
يَا ضيف أقفر بَيت المكرمات فَخذفى جمع رحلك واجمع فضلَة الزَّاد
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
يَا قلب لَا تبتئس من هول مصرعهموَعز نَفسك فى بوس وانكاد
بِمن غَدا خلفا يَا حبذا خلففى الْملك عَن خير آبَاء واجداد
بحائز ارثهم حاو مغافرهمكَمَا حوى الالف من آحَاد أعداد
وَذَاكَ زيد أدام الله دولتهوزاده مِنْهُ تأييدا بامداد
سمابه النّسَب الوضاح حَيْثُ غَداطريفه جَامعا أشتات أتلاد
لقد حوى من رفيعات المكارم مَايكفى المثخن أحداد وأحفاد
أَلَيْسَ قد نَالَ ملكا فى شبيبتهمَا ناله من سعى أَعمار آباد
أَلَيْسَ فى وهج الهيجا مواقفهمشكورة بَين أَعدَاء واضداد
أَلَيْسَ أسج بِالتَّنْعِيمِ سابحهلج المنايا ليحيا قبل أجناد
أَلَيْسَ يثبت يَوْم اللَّيْث أَن لَهُوثبات لَيْث يزجى ذود نقاد
أَلَيْسَ يَوْم العطا تحكى أناملهخلجان بَحر بفيض التبر مداد
أَلَيْسَ قد لَاحَ فى تأسيس دولتهمن جده الْمُصْطَفى رمز بارشاد
دَامَت معاليه والنعمى بِذَاكَ لَهُمصونها وَهُوَ ملحوظ باسعاد
مَا لَاحَ برق وَمَا غنت على فننصوادح البان وَهنا شجوها بادى

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع