تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْمِيم (١١)

الصفحة ١ من ٢

من تتويجهما بجواهر المعارف وتسميطهما باليواقيت من بَحر كل عَارِف تلهج مِنْهُمَا اذ تحلى بهما بعد الآذان السطور والطروس وتتملى بهما الاعيان والقلوب والنفوس وَقد أصبحا بَيت القصيد المشيد العالى ويتيمة سلك الْخَلَاص المنضد بفرائد اللآلى فتخلب الافئدة وَتَشَوُّقِ وَتَدْعُو اليهما الالباب وتسوق وَقد جاوزا الْحَد كَثْرَة وبلاغة وتفننا فى طرق الصِّنَاعَة والصياغه وأفردا بِالْجمعِ فَكَانَا دواوين وحليا كل سمع فَمَا العقد الثمين وانتشرا فى مَشَارِق الارض وَمَغَارِبهَا وَعَما جَمِيع مسالكها ومذاهبها أردْت أَن أسطر شطر مِنْهُمَا فى هَذِه الوريقات ثمَّ أحجمت لَان ذكر الْبَعْض وَحذف الْبَعْض تَقْصِير فى حقوقهما الْوَاجِبَات وَالنَّفس مولعة بالانتقاء والانتقاد وَكلهَا أَفْرَاد جِيَاد وَاسْتِيفَاء الْمَوْجُود كُله لَا ينوء الْمَتْن بِحمْلِهِ فليحج كعبة ديوانه من أَرَادَ أبياته وليسلك فى سَعْيه بالصفا اليه مِيقَاته ليظفر بِالْحجرِ المكرم من ذَلِك الْبَيْت ويفوز بكيمياء السَّعَادَة الَّتِي لَا تفْتَقر الى لَو وَلَا لَيْت ومدحه بقصيدة مطْلعهَا

لَيْسَ يهدا تشوقى والحريقوفؤادى أودى بِهِ التَّفْرِيق
وضلوع من الجوى خافقاتحِين عز اللقا وَبَان الْفَرِيق
معشر أصبح الْفُؤَاد لديهمفى أسار والدمع فيهم طليق
معشر بالنقاو بَان الْمصلىبرتاهم قلبى الْمَعْنى رَشِيق
لست أنسى معاهدا لظباءلحن فِيهِ والخد مِنْهَا شريق
ان تبدوا فَكل ذاتى عُيُونأَو تناءوا فَكل نهج طَرِيق
من عذيرى فى حبهم من مجيرىمن ولوعى بهم وَكَيف أفِيق
غربتنى الحظوظ حَتَّى أطاحتبركابى النَّوَى ونهج سحيق

(غربَة الشكل وَاللِّسَان مَعَ الاهل وَمن ذَا لبَعض ذَاك يُطيق ...)

ثمَّ تخلص الى الْمَدْح قلت وَقد وقفت للاستاذ على ديوَان مَجْمُوع أوقفنى عَلَيْهِ غُصْن دوحته الاستاذ الاعظم زين العابدين فى قَدمته الَّتِي شرف بهَا الشَّام لَا برح واطئا فَوق السها بأقدام الاجلال والاعظام وَهَذَا الدِّيوَان قد اشْتَمَل على نفائس القصائد والموشحات والمقاطيع والالغاز وَرَأَيْت الامر فِيهِ كَمَا قَالَ شَيخنَا بَينا يراج انتخاب بعض شئ مِنْهُ يقف الرأى عِنْد جَمِيعه وَالْوَقْت يضيق عَن كِتَابَته فَلم أتشرف مِنْهُ الا بِهَذِهِ الابيات من جملَة قصيدة مدح بهَا شيخ الاسلام يحبى المنقارى

وأرسلها الى الرّوم ومطلعها

أمسكية الانفاس أم عبقة الندوناسمة الازهار أم نفحة الْورْد

مِنْهَا فى المديح

ومعتقل للعز صعدة عزمهأَنا بيبها رعافة بِدَم الاسد
ومرسل ارسال العطايا مباريابأيسرها وَطف الغمائم فى الرفد
فيا من لَهُ ودى من النَّاس كلهموَمن هولى من بَينهم غَايَة الْقَصْد
وَمن صرت فى مدحى علاهُ كأننىحمامة جرعا فَوق ميالة الملد
على اننى مَا فهت يَوْمًا لماجدسواهُ بِشعر لَا بِقرب وَلَا بعد
وَلَكِن دعانى الشوق لبيت مسرعاوَهَذَا وَمَا أخفيه بعض الذى أبدى
ألية محنى الضلوع على الاسىتحار الاسى مِمَّا براه من الوجد
لَهُ زفرات من فؤاد تضرمتبِهِ نَار شوق دونهَا النَّار فى الوقد
لأَنْت الذى مَا حل فى الْقلب غَيرهوَلَا حَال حالى فِيهِ من ذَلِك الْعَهْد
وَلم ترعينى مثله بعده وَهليمِيل الى غورفتى عَاشَ فى نجد

وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْجُمُعَة ثانى عشرى شهر ربيع الاول سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف وَصلى عَلَيْهِ اماما بِالنَّاسِ الشَّيْخ مَنْصُور الطوخى بالازهر فى مشْهد عَظِيم حافل وَدفن بالقرافة الْكُبْرَى فى قبَّة آبَائِهِ الْمَعْرُوفَة هُنَاكَ رَحمَه الله تَعَالَى

مُحَمَّد بن سعد الكلشنى نزيل دمشق كَانَ من أدباء الصُّوفِيَّة لَهُ محاضرة رائقه وأخبار عَجِيبَة وَكَانَ فضلاء دمشق يميلون اليه ويعاشرون مِنْهُ رحلا سهلا خلوقا متوددا طارحا للتكلف صَاحب نَوَادِر وآداب وَكَانَ ينظم الشّعْر وَله شعر مطبوع مِنْهُ قَوْله

وانى امْرُؤ فى طبعى الْعِزّ والغناومذ كنت طفْلا لَا أذلّ وأخضع
اذا انصرفت نفسى عَن الشئ لم تكناليه بِوَجْه مُدَّة الْعُمر ترجع

وَقَوله

يَا نَاظر الخيال الْفِكر مفتكراأَنْت الخيال وفيك السِّرّ فاعتبروا
أنظر مُصَور هَذَا الْكَوْن مِنْك ترىمُصَور الْكل فى الاشياء قد ظهرا

وَقَوله مضمنا

يَا وَاحِدًا عَم الْوُجُود وجودهوجماله فى الْكَوْن أضحى بَينا
أَنْت الذى ظَهرت حَقِيقَة ذَاتهفى كل شئ والحجاب تعينا
كَالشَّمْسِ يمنعك اجتلاء وَجههَافاذا اكتست برقيق غيم أمكنا

وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته بِدِمَشْق فى سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف

مُحَمَّد بن سعيد باقشير المكى الْفَاضِل الاديب الشَّاعِر من ألطف أدباء الْحجاز وَأَكْثَرهم نَوَادِر وتحفا وَقد ذكره ابْن مَعْصُوم فَقَالَ فى وَصفه أديب بارع وشاعر لَهُ فى مناهل الادب مشارع نظم فأجاد وأرزم سَحَاب فَضله فجاد فعلت رتبته فى القريض وسمت وافترت ثغور محاسنه وابتسمت كل ذَلِك عَن غير تكلّف نَحْو وعروض بل عَن قريحة تذلل لَهُ جوامح الْكَلَام وتروض فجَاء نظمه السهل الْمُمْتَنع ونزهة النَّاظر والمستمع ثمَّ ذكر لَهُ قَوْله من قصيدة يمدح بهَا السَّيِّد أَحْمد ابْن مَسْعُود

علقا أَظُنك بالكعاب الرودأم والها بهوى الظباء الغيد
أسبلن أَمْثِلَة الغداف غدائراسُودًا تطل على الليالى السود
وسفرن عَمَّا لَو لطمن بِمثلِهِخد الظلام لما بدا بالبيد
بيض يرنحهن ريعان ريعان الصِّبَاتيها كخوط البانة الا ملود
عذر العذول على الْهوى فِيهَا وَقدعنت لنا بَين اللوى وزرود
فطفقت أنْشدهُ على تأنيبهأَرَأَيْت أى سوالف وخدود
تربت يَد اللوام كم ألظت حَشادنف بألهوب من التفنيد
أَو مادروا أَن الْجمال حبائلمَا ان يصاد بِهن غير الصَّيْد

(ولرب مهضمة الحشا بهنانة المتنين منعمة الازار حرود)

(ترنو فتحسب أم خشف ثارها القناص عَن خضل الكلا مخضود ...)

لله أحداق الحسان وفعلهافى قلب كل متيم معمود
الحفننى البرحاء لكنى امْرُؤوزرى بِرُكْن فى الْمُلُوك شَدِيد

وَقَوله وَكتب بهَا اليه أَيْضا يصف أمة لَهُ سَوْدَاء مداعبًا

أَبَت صروف القضا المحتوم وَالْقدرالا اشابة صفو الْعَيْش بالكدر
وان من نكد الايام أَن قربتدَار الحبيب وَلَكِن شط عَن نظرى
بى من سَطَا الْبَين مَا لَو بالجبال غَدَتْعهنا وبالسبعة الافلاك لم تدر
نوى الاحبة والشوق الشَّديد ولىجوى تجدده مهما انْقَضى فكرى
وزادنى الدَّهْر هما لَا يعادلههم بسمراء ألهتنى عَن السمر
زنجية من بَنَات الزنج تحسبهاحظى تجسم جثمانا من الْبشر
كَأَن قامتها ليلى ومنخرهاذيلى فيالك من طول وَمن قصر
لَهَا يَد ألفت حطب الكسار وَلَوباتت تحوط بالهندية البتر
تسطو على الفرص سطوى غير ذى جبنلَو أَنه بَين نَاب اللَّيْث وَالظفر
كم غادرتنى من جوع وَمن سغبجزنا أعض بنان النادم الْحصْر
وَرب يَوْم غَدا موتى يجر عَنىكاساته فِيهِ حَتَّى عيل مصطبرى
أروضها تَارَة عتبا وأزجرهاطورا فَلم يجد تأنيبى ومزدجرى
وَرُبمَا أفحمتنى القَوْل قائلةوَلَيْسَ كل مقَال بِالْجَوَابِ حرى
تخشى الردى وبنود الْمجد خافقةعلى ابْن مَسْعُود فرع الْفَرْع من مُضر

وَقَالَ على مصطلح أَرْبَاب الْحَال وهى قصيدة غَرِيبَة

رُبمَا عاكف على الخندريسرافل فى ملابس التلبيس
جهبذ يمْلَأ الدفاتر علمالم يبل بالتقرير والتدريس
أَيّمَا خطة أردْت تَجدهُقهرمان الْمَعْقُول والمحسوس
يعلم السَّابِقين من عهد طسمويفيد الطلاب عصر جديس

(علم لم يكن على رَأسه نَار وَلَكِن كالنور فى الحندوس ...)

(مَاشِيا عمره على نهج الصدْق على مَا بِهِ من التَّدْلِيس ...)

دغة مرّة وآونة قسوطورا يمليك عَن ابليس

(وَعَلِيم بطب عِلّة بقراط ويهز وبجد جالينوس)

(ارمه حَيْثُ شِئْت تلق أَخا النجده من آدم وَمن ادريس ...)

(لعب الْجد مِنْهُ بِالْجَبَلِ الراسى وبالضيعم الهموس العبوس ...)

من هوى ربة الحجال وَمن قدلعبت من دلالها بالنفوس
والتى خيمت على كل قلبورمت كل مهجة برسيس
وأبت ان ترى بِعَين محبقطّ الا فى صُورَة ولبوس
لَاحَ من نورها الاغر سناءفترا آى فى ناره للمجوس
قد بَدَت للكليم نَارا وَلَكِنلَا بحصر ففاز بالتقديس

(وَغدا المانوى مِنْهَا على رأى صَحِيح لَكِن بِلَا تأسيس ...)

(وَالنَّصَارَى ظلت على صور شَتَّى فضلت برأيها المعكوس ...)

قيدوا مُطلق الْجمال فَبَاتُوافى قيود الشماس والقسيس

(كَيفَ من قيدت تقيد والاطلاق قيد والقيد غير مقيس ...)

(شَأْنهَا فى محبها فتها الاكباد من رائس وَمن مرؤس ...)

(رب قلب قد تاه فِيهَا فَلم يدر حسيسا وَلم يمل للمسيس ...)

ظلّ فِيهَا فى جحفل من سرُوروخميس يلقى الاسى بخميس
كلما أسفرت لَهُ عَن نقابوفنى فى فنائه المأنوس

(أشرقت من وَرَاء ذَاك لعينيه بمغنى حسن الْجمال النفيس ...)

(فطوى كشحه على غصص الوجد تقى بَين طامع ويؤوس ...)

قلت تذكرت بمطلع هَذِه القصيدة وصدرها مَا حَكَاهُ الْعَلامَة الْبَهَاء فى كشكوله وَهُوَ أَن تَاجِرًا من تجار نيسابور أودع جَارِيَة عِنْد الشَّيْخ أَبى عُثْمَان الحميرى فَوَقع نظر الشَّيْخ عَلَيْهَا فعشقها وشغف بهَا فَكتب الى شَيْخه أَبى حَفْص الْحداد بِالْحَال فَأَجَابَهُ بالامر بِالسَّفرِ الى الرى لصحبة الشَّيْخ يُوسُف فَلَمَّا وصل الى الرى وَسَأَلَ النَّاس عَن منزل الشَّيْخ يُوسُف أَكْثرُوا من ملامته وَقَالُوا كَيفَ يسْأَل تقى مثلك عَن بَيت شقى فَاسق مثله فَرجع الى نيسابور وقص على شَيْخه فَأمره بِالْعودِ الى الرى وملاقاة الشَّيْخ يُوسُف الْمَذْكُور فسافر مرّة ثَانِيَة الى الرى وَسَأَلَ عَن منزل الشَّيْخ يُوسُف وَلم يبال بذم النَّاس لَهُ وازدرائهم بِهِ فَقيل لَهُ انه فى محلّة الْخمار فَأتى اليه وَسلم عَلَيْهِ فَرد ﵇ وعظمه وَرَأى الى جَانِبه صَبيا بارع الْجمال والى جَانِبه الآخر زجاجة مَمْلُوءَة من شئ كَأَنَّهُ الْخمر بِعَيْنِه فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ أَبُو عُثْمَان مَا هَذَا الْمنزل فى هَذِه الْمحلة فَقَالَ ان ظَالِما شرى بيُوت أصحابى وصيرها خمارة وَلم يحْتَج الى بيتى فَقَالَ مَا هَذَا الْغُلَام وَمَا هَذِه الْخمْرَة فَقَالَ أما الْغُلَام فولدى من صلبى وَأما الزجاجة فَحل فَقَالَ وَلم توقع نَفسك فى مقَام التُّهْمَة بَين النَّاس فَقَالَ لِئَلَّا يعتقدوا انى ثِقَة أَمِين فيستودعونى جواريهم فأبتلى بحبهن فَبكى أَبُو عُثْمَان بكاء شَدِيدا وَعلم قصد شَيْخه انْتهى وبهذه الْحِكَايَة يظْهر معنى صدر هَذِه القصيدة وَيحصل الْجمع بَين مَا فى ظَاهرهَا من الْمَدْح والقدح رَجَعَ وَمن شعر صَاحب التَّرْجَمَة وَهُوَ مُخْتَار من قصيدة لَهُ

أتعذل فى لمياء والعذر أليقتعشقتها جهلا وَذُو اللب يعشق
وَلَا عَيْش الا مَا الصبابة شطرهوَصَوت المثانى والسلاف الْمُعْتق
وجوبك أجواز الموامى مشمراالى الْمجد يطويها عذافر معنق
وان تتهاداك النعائم معلماتضلك أَو تهديك بيداء سملق
وان ترد المَاء الذى شطره دمفتسعى برأى ابْن الْحُسَيْن وترزق
وأسوغ مَا بل النهى بعد عيمةوأروى من المَاء الشَّرَاب المروق
فدع لجج التعنيف وابك بذى اللوىديارًا كَأَنَّهَا للتقادم مهرق
أحالت مغانيها السنون فَأَصْبَحتقوى لهريق الودق وَالرِّيح مخرق
وقفت بهَا وَالْقلب بالوجد موثقكفيت الردى والجفن بالدمع مُطلق
أناشدها بينونة الحى عَن حوىبقلب اذا هَب النسائم يخْفق

(شح تتصاباه الصِّبَا وتلوعه الْجنُوب ويشجوه الْحمام المطوق ...)

الى الله أَفعَال الليالى بهَا وبىلقد كنت مِنْهَا دَائِم الدَّهْر أفرق
فسم سمة الصَّبْر الْجَمِيل لَعَلَّهَابديل فان لم تغن فالصبر أخلق
فَلَو سلمت من حَادث الدَّهْر دمنةتمطى على هام الدهور الخورنق

وَمن محاسنه قَوْله فى زيات بديع الْجمال وَقد أَجَاد فى التورية

أفديه زياتاً رنا وانثنىكالبدر كالشادن كالسمهرى
أحسن مَا تبصر بدر الدجىبلعب بالميزان والمشترى

وَله غير ذَلِك من غرر النَّوَادِر وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة فى سنة سبع وَسبعين وَألف

مُحَمَّد بن سعيد المريغتى السوسى الاصل والمنشا نزيل مراكش وامام مَسْجِد المواسين بهَا كَانَ اماما عَالما فى التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه وعلوم الْعَرَبيَّة وفى الاوفاق والتنجيم والفلك بحرا لَا سَاحل لَهُ قَرَأَ ببلاده على كثيرين ثمَّ بتافيلات على الشريف عبد الله بن طَاهِر وبمراكش على مفتيها عِيسَى السكتانى ثمَّ تصدر بهَا للتدريس وانتهت اليه بهَا الرياسة فى الْعُلُوم وَكَانَ مكثرا من اقراء الْكتب السِّتَّة والشفا واسماعها لطلبة الحَدِيث النبوى وَأَخذهَا عَنهُ عَالم لَا يُحصونَ وَتخرج بِهِ فى طَرِيق التَّصَرُّف كَثِيرُونَ ولازمه أفاضل عصره من الْمغرب الاقصى والادنى وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ وَتخرج بِهِ الْفَاضِل الْعَلامَة ابراهيم السوسى وَمُحَمّد البوفرانى وَكَانَا كثيرا مَا يديمان ذكره ويحاضران بِهِ فى مجالسهما ويذكران عَنهُ وقائع غَرِيبَة مِنْهَا أَن رجلا شكى اليه والى بَلَده وَذكر لَهُ مظلمته فَقَالَ لَهُ سر اليه وَقل لَهُ يَقُول لَك مُحَمَّد بن سعيد لَا تجْلِس فى الْبَلَد فَلم يبت بهَا وفارقها وَلم يرجع اليها وَبلغ السُّلْطَان خُرُوجه مِنْهَا بِغَيْر اذن مِنْهُ فَأرْسل يَطْلُبهُ فَسَأَلَهُ عَن سَبَب الْخُرُوج فَقَالَ لما أرسل الى لم يسْتَقرّ لى قَرَار بِالْجُلُوسِ وَخرجت بِغَيْر اخْتِيَار فَعَزله عَن عمله وَأرْسل لَهَا واليا آخر وَمِنْهَا أَن رجلا اجْتمع عَلَيْهِ دُيُون كَثِيرَة وَعجز عَن قَضَائهَا فَأتى اليه وَذكر لَهُ ذَلِك فَقَالَ لَهُ

اذْهَبْ الى الْمَكَان الفلانى واقرأ الاخلاص الى أَن يَأْتِيك رجل صفته كَذَا فَقل لَهُ يَقُول لَك مُحَمَّد بن سعيد أعطنى واطلب مِنْهُ مَا تُرِيدُ فَذهب وَأَتَاهُ الرجل فدكر لَهُ ذَلِك فَأعْطَاهُ مَا طلبه وَله مؤلفات كَثِيرَة مِنْهَا منظومة فى الوفق المخمس الخالى الْوسط ومنظومة فى علم الْحجر ومنظومة فى التنجيم ومنظومة فى التصوف ومنظومة فى الْفِقْه وَأُخْرَى فى النَّحْو وَله شعر وانشاء وَكَانَت وَفَاته شَهِيدا بالطاعون فى سنة تسعين وَألف بمراكش وَصلى عَلَيْهِ بالجامع الْمَذْكُور وَدفن بتربة بَاب أغمات وعمره خمس وَتسْعُونَ سنة

مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد الكيلانى القاضى الشَّاعِر الرومى الشهير بحكيمى ذكره ابْن نوعى وَقَالَ أَصله من لاهجان فى خطة كيلان وَقَالَ ابْن الحنائى فى تذكرة الشُّعَرَاء أَصله من أبهر من قصبات قزوين كَانَ فى ابْتِدَاء أمره صحب الْمولى اللارى وبسببه رَحل الى الْهِنْد واتصل بسلطانها هما يون شاه ثمَّ ورد الرّوم فى عصر السُّلْطَان سليم الثانى وَوصل الى معلم ابْنه السُّلْطَان مُرَاد الْمولى ابراهيم ولازمه وفى ذَلِك الاثناء صَار معلما لمُحَمد باشا الْمَعْرُوف ببكلر بَكَى نديم السُّلْطَان ثمَّ ولى التداريس فَصَارَ اولا مدرس الجانبازيه ثمَّ لما تمت مدرسة الْوَزير الاعظم عُثْمَان باشا فى سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة أَعْطَيْت لَهُ فَهُوَ أول مدرس بهَا ثمَّ أعْطى مدرسة فَاطِمَة سُلْطَان ثمَّ مدرسة مُحَمَّد باشا باسكدار ثمَّ أعْطى قَضَاء قيصرية وطرابلس الشَّام دفعات وَله شعر وانشاء ذكره مِنْهُ ابْن الحنائى أَشْيَاء نَوَادِر وَكَانَت وَفَاته فى أَوَاخِر الْمحرم سنة سِتّ وَعشْرين وَألف بِمَدِينَة قسطنيطينية

السَّيِّد مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن أَبى الْفَتْح بن تَاج الدّين بن أَحْمد بن اسمعيل بن مُوسَى بن يحيى بن مرعى بن اسمعيل بن سُلَيْمَان الميسونى الْمُقِيم ببلدة شبرى بميسون ابْن ابراهيم بن علوان بن بن أَبى بكر بن ادريس ابْن ادريس الاكبر ابْن عُثْمَان بن حُسَيْن بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن يحيى بن عِيسَى بن مُحَمَّد التقى عِيسَى أَبى الْحسن العسكرى بن على الهادى بن مُحَمَّد الْجواد بن على الرضاء بن مُوسَى الكاظم بن جَعْفَر الصَّادِق بن مُحَمَّد الباقر بن على زين العابدين بن الْحُسَيْن بن على بن أَبى طَالب رضى الله عَنهُ السَّيِّد الشريف المصرى نزيل الشَّام الْمَعْرُوف بالمسرابى قدم الشَّام وَسكن قَرْيَة مسرابا بِكَسْر الْمِيم ثمَّ سين مُهْملَة سَاكِنة وَرَاء بعْدهَا ألف ثمَّ بَاء مُوَحدَة وَألف مَقْصُورَة من قرى الغوطة وَكَانَ فَاضلا مُتَمَكنًا محققا ورعا زاهد القى من النَّاس

قبولا تَاما وَأَقْبَلت أهالى دمشق عَلَيْهِ وعظموه واعتقدوا فِيهِ وَلَزِمَه جمع من الْفُضَلَاء فَكَانُوا يقصدونه كل يَوْم فى موطنه للْقِرَاءَة مَعَ بعد الْمسَافَة وَبَعْضهمْ يذهب مَاشِيا لاجل التَّبَرُّك وبلغنى أَن بَعضهم الْتزم أَن يذهب اليه حافيا وَكَانَت لَهُ أَحْوَال تدل على صَلَاحه وَعلمه وَكَانَ فى التصوف مُفْرد زَمَانه وَيحل كتب ابْن عربى واضرابه أحسن حل وَلم أسمع أَنه ألف أَو قَالَ شعرًا وَغَايَة مَا يُقَال فِيهِ انه كَانَ من خِيَار خلق الله تَعَالَى وَكَانَت وَفَاته فى رَابِع شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف

مُحَمَّد بن سِنَان الْمَعْرُوف بشيخ زَاده أحد موالى الرّوم البارعين قدم أَبوهُ الى قسطنطينية من بَلَده كيبوزه وهى بليدَة صَغِيرَة على سَاحل الْبَحْر يتَوَصَّل مِنْهَا الى اسكدار على طَرِيق الذَّاهِب من قونية وَبَينهمَا مَسَافَة سبع سَاعَات وَكَانَ شَيخا مُعْتَقدًا واعظا ورزق أَوْلَادًا أكبرهم مُحَمَّد هَذَا فَنَشَأَ مشتغلا بِالْعلمِ حَتَّى عد من الْعلمَاء الْكِبَار وَكَانَ فَقِيها مطلعا على الْمسَائِل قوى الحافظة واشتهر بالفقه مَعَ أَنه فى غَيره أَيْضا من الفائقين ولازم من شيخ الاسلام أَبى الميامن ثمَّ اتَّصل بِخِدْمَة شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا فصيره أَمينا لفتواه وَمهر فى هَذِه الْخدمَة حَتَّى صَار فِيهَا مرجعا يعول عَلَيْهِ وَلما بنى الْمولى يحيى الْمَذْكُور مدرسته بقسطنطينية صيره مدرسها وَهُوَ أول من درس بهَا وَصَحبه مَعَه الى سفر روان وَلم يزل بعْدهَا يترقى فى الْمدَارِس الى أَن ولى السليمانية وَنقل مِنْهَا الى مدرسة أيا صوفيا بتربة دَار الحَدِيث ثمَّ ولى قَضَاء حلب فى سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَألف ثمَّ ولى قَضَاء الشَّام ودخلها فى سنة سبع وَخمسين ثمَّ عزل عَنْهَا وَولى بعْدهَا قَضَاء الغلطة ثمَّ أدرنه ثمَّ صَار امين الْفَتْوَى لشيخ الاسلام البهائى ثمَّ صَار قَاضِيا بقسطنطينية ثمَّ أعْطى رُتْبَة قَضَاء الْعَسْكَر بانا طولى وَقَضَاء أنقره على وَجه التَّأْبِيد وَلم تطل مُدَّة حَيَاته بعد ذَلِك فتوفى فى شَوَّال سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَألف وَدفن تجاه دَاره بقسطنطينية قريب الْمَكَان الْمَعْرُوف بقرمان

مُحَمَّد بن شعْبَان الطرابلسى الحنفى من أهل طرابلس الْمغرب ذكره ابْن نوعى وَوَصفه بِالْفَصْلِ الباهر وَقَالَ قدم قسطنطينية فى سنة سِتّ عشرَة وَألف وتناظر مَعَ علمائها فظهرت مزيته وروعى حَقه وَأَقْبل عَلَيْهِ شيخ الاسلام صنع الله بن جَعْفَر وَأَعْطَاهُ قَضَاء بَلْدَة بِاعْتِبَار المولوية وأضاف الى الْقَضَاء الْفَتْوَى والتدريس فَتوجه الى وَطنه وَله تآليف باهرة مِنْهَا شرح مجمع الْبَحْرين سَمَّاهُ تشنيف المسمع فى شرح الْمجمع وَجمع مَنَاقِب الشَّيْخ أَبى الْغَيْث القشاش الْمُقدم ذكره وَله غير ذَلِك من الْآثَار

مَا لَيْسَ لَهُ نِهَايَة وفتاويه كلهَا مسلمة وَكَانَت وَفَاته فى سنة عشْرين وَألف

مُحَمَّد بن صَالح بن مُحَمَّد بن عبد الله بن أَحْمد الغزى الثَّمر تاشى حفيد شيخ الاسلام الشَّمْس مُحَمَّد بن عبد الله صَاحب التَّنْوِير وَغَيره الآتى ذكره قَرِيبا ان شَاءَ الله تَعَالَى كَانَ مُحَمَّد هَذَا من فضلاء الْفُقَهَاء الْحَنَفِيَّة برع فى شبابه وَقد أَخذ بِبَلَدِهِ عَن وَالِده وَعَن ابْن الْمُحب ثمَّ رَحل الى الْقَاهِرَة وتفقه بهَا على الشهَاب أَحْمد الشوبرى وَالْحسن الشرنبملالى وَالشَّيْخ محيى الدّين الغزى الفاروقى وَالشَّيْخ أَبى بكر الجبرتى وَأخذ الحَدِيث عَن الشَّيْخ عَامر الشبراوى وَالشَّيْخ عبد الْجواد الجنبلاطى وَالشَّيْخ أَبى الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْخَطِيب الشربينى الشافعى وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الحموى وَالشَّمْس مُحَمَّد بن الْجلَال البكرى وأبى الْعَبَّاس أَحْمد المقرى المغربى وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن ابْن يُوسُف البهوتى الحنبلى وَرجع الى بَلَده وَقد بلغ الْغَايَة من الْفضل وَألف فى حَيَاة وَالِده تآليف مِنْهَا شرح الرحبية ونظم الفية فى النَّحْو شرحها أَبوهُ فى حَيَاته وأولها

قَالَ مُحَمَّد هُوَ ابْن صَالحأَحْمد ربى الله خير فاتح

وَله منظومة فى المناسخات ورسالة فى تَفْضِيل الانسان وَله شعر كثير وَكَانَت وَفَاته فى سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف ووالده مَوْجُود فى الاحياء رَحمَه الله تَعَالَى

مُحَمَّد بن صَالح بن مُحَمَّد بن أَحْمد أَبُو الْفَتْح شمس الدّين الدجانى القدسى الشافعى كَانَ من الْعلمَاء الراسخين ارتحل الى مصر وَأقَام بالازهر سِنِين عديدة واشتغل بالفقه على مَشَايِخ كثيرين مِنْهُم الشهَاب القليوبى وَالشَّيْخ سُلْطَان المزاحى وَالشَّيْخ على الحلبى صَاحب السِّيرَة وَأخذ عَن الْبُرْهَان اللقانى والشهاب أَحْمد بن عبد الْوَارِث الصديقى وَعبد الْجواد الجنبلاطى وَغَيرهم فى عُلُوم مُتَفَرِّقَة واخذ الحَدِيث عَن أَبى الْعَبَّاس المقرى واشتغل فى أواسط عمره بالتصوف أَخذه عَن جده لابيه وصنف رِسَالَة العقد الْمُفْرد فى حكم الامرد وَله غَيرهَا من التآليف وانتفع بِهِ خلق كثير وَكَانَ فى آخر أمره شرع فى قِرَاءَة الْجَامِع الصَّغِير للسيوطى فَوقف عِنْد حَدِيث أتتكم الْمنية وَتوفى وَكَانَت وَفَاته فى سنة احدى وَسبعين وَألف

مُحَمَّد الامين بن صدر الدّين الشروانى نزيل قسطنطينية أجل أَفْرَاد الدُّنْيَا فى التَّحْقِيق والتبحر من كل فن لم ترعين من وصل الى ثمَّة من ذكائه وتضلعه من الْعُلُوم فى عصره أَخذ عَن الملا حُسَيْن الخلخالى وَكَانَ يعرض عَلَيْهِ حَاشِيَته على شرح العقائد العضدية للملا جلال الدوانى فيزيفها لَهُ حَتَّى شهد لَهُ بِأَنَّهُ أفضل مِنْهُ وَمن

مؤلفاته تعليقات على أَمَاكِن من تَفْسِير البيضاوى وَكَلَامه فِيهَا يدل على انه جمع الْفُنُون كلهَا وَشرح على جِهَة الْوحدَة الَّتِي للفنرى فى أول شَرحه على ايساغوجى صَعب المسلك وَهُوَ يقْرَأ فى الرّوم واعتنى بِهِ جمَاعَة وَكَتَبُوا عَلَيْهِ حواشى وتحريرات مِنْهُم السَّيِّد الْمَعْرُوف بازميرى أَمِير واعظ جَامع السُّلْطَان بايزيد كَانَ وَقد قرأته بعون الله تَعَالَى مَعَ حَوَاشِيه بالروم وانتفعت بِهِ وَله كتاب سَمَّاهُ بالفوائد الخاقانية مُشْتَمل على ثَلَاثَة وَخمسين علما أَلفه باسم السُّلْطَان أَحْمد وَجعل الْعُلُوم الَّتِي فِيهِ عدد اسْمه وَكَانَ خرج من بِلَاده فوصل الى الْوَزير نصوح وَهُوَ معِين لقِتَال شاه الْعَجم فَعَظمهُ وَبَالغ فى احترامه ورتب لَهُ التعايين الوافرة ثمَّ صَحبه الى الرّوم فَأقبل عَلَيْهِ أَهلهَا ولزموه للاخذ عَنهُ واشتهر حد الاشتهار فولاه السُّلْطَان أَحْمد مدرسته برتبة قَضَاء قسطنطينية وانعكفت عَلَيْهِ الافاضل وَكَانَ يحضر درسه مَا يزِيد على ثلثمِائة تلميذ وحدثنى حفيده الْمولى الْفَاضِل صَادِق قاضى الْقُضَاة بِمصْر أَن جمَاعَة من قَضَاء العساكر كَانُوا يذهبون الى درسه ويستمعون من الشبابيك وَلَا يدْخلُونَ الى دَاخل الدَّرْس حذرا من هضم جانبهم وحضورهم فى زى مستفيد وَحكى لى من فطانته وتحقيقه واستحضاره للمسائل وأجوبتها مَا يبهر الْعقل قَالَ وَلما قدم الى قسطنطينية قاضى زَاده الرومى حضر الى مَجْلِسه فَقيل لَهُ ان قاضى زَاده يُرِيد الدُّخُول اليك فَلم يكترث حَتَّى وصل اليه فَنَهَضَ قَلِيلا ثمَّ جلس فَقَالَ لَهُ قاضى زَاده عندى ثَلَاثُونَ سؤالا فى أَنْوَاع من الْعُلُوم أُرِيد جوابها مِنْك قَالَ وَكَانَ مُضْطَجعا على الوسادة فَقَالَ وَالله لَا رفعت جنبى عَن الوسادة حَتَّى أجيبك عَنْهَا هَات مَا عنْدك فشرع قاضى زَاده يُورد لَهُ السُّؤَال فَقبل أَن يتمه يجِيبه عَنهُ من غير انفعال وَلَا ترو وكل مَا يجِيبه بِهِ يقبله ويكتبه عَنهُ وعَلى الْجُمْلَة فَهُوَ آخر الْمُحَقِّقين وَبِه ختم هَذَا الْبَاب وَسَأَلت حفيده الْمَذْكُور عَن وَفَاته فَقَالَ لى انه توفى فى سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف

السَّيِّد مُحَمَّد الامين بن صنع الله الحسينى القسطنطينى مفتى السلطنة الْمَعْرُوف بصنعى زَاده الْمُحَقق البارع الالمعى كَانَ عَالما فَاضلا كَامِل الْعيار أديبا أريبا عَاقِلا حسن الْخلق مَشْهُور بِالْفَضْلِ مشهودا لَهُ بِهِ وَفِيه يَقُول بعض الادباء مضمنا

ان ابْن صنعى الذى جلت فضائلهلم يلف فى عجم ثَانِيه أَو عرب
لَوْلَا عجائب صنع الله مَا نَبتَتتِلْكَ الْفَضَائِل فى لحم وَلَا عصب

وَلم يرم من المعائب قطّ الا بالشره لما فى ايدى النَّاس من قسم الملبس والامتعة

وَجمع من الْكتب والمتحف مَا لَا يدْخل تَحت حصر حاصر وَكَانَ اشْتغل بتحصيل الْعُلُوم على عُلَمَاء عصره حَتَّى سَاد وَقدم بِخِدْمَة وَالِده الى حلب لما ولى قضاءها فى سنة عشْرين بعد الالف وَهُوَ شَاب فَأخذ عَن بعض علمائها ثمَّ لَازم من الْمولى عمر معلم السُّلْطَان عُثْمَان وَلزِمَ بعد ذَلِك قاضى العساكر مصطفى بن عزمى وانتفع بِهِ وَعَلِيهِ تخرج فى كثير من الْفُنُون وَكَانَ عِنْده فى منزلَة وَلَده وصيره كَاتبا لرسائله وَهُوَ قاضى الْعَسْكَر ثمَّ درس بمدرسة شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا وَهُوَ ثانى مدرس بهَا واتصل ببانيها وَهُوَ مفت فَأَحبهُ وَأَدْنَاهُ مِنْهُ حَتَّى اشْتهر وَوصل خَبره الى السُّلْطَان مُرَاد وَحكى أَن السُّلْطَان مرَادا كَانَ يتفقده واذا صَارَت سلسلة المدرسين يستخبر هَل وَجه اليه مدرسة أَولا فَلم يزل يترقى فى الْمدَارِس حَتَّى وصل الى الْمدرسَة السليمانية وَولى مِنْهَا قَضَاء سلانيك فى سنة خمسين وَألف وَأَقْبل عَلَيْهِ الْوَزير الاعظم قُرَّة مصطفى باشا فَأعْطى بوسيلته رتبه أدرنه ثمَّ عزل عَنْهَا وَقدم الى دَار الْخلَافَة واقتنى دَارا بِالْقربِ من جَامع السُّلْطَان سليم لَطِيفَة غَايَة ثمَّ ولى قَضَاء حلب وَنقل مِنْهَا الى قَضَاء مصر وَحكى انه كَانَ فى ابْتِدَاء أمره مَعَ مصطفى باشا بن حيدر الْوَزير وَكَانَ من جملَة الْعَسْكَر اذ ذَاك فَقَالَ لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة ستصير ان شَاءَ الله تَعَالَى حَاكما بِمصْر فَقَالَ لَهُ وَعَسَى أَن تصير أَنْت قَاضِيا بهَا فى ذَلِك الزَّمَان ونجتمع مَعًا ثمَّ دعيا بذلك فاستجيب دعاؤهما واجتمعا بِمصْر على الحكومتين ثمَّ عزل صَاحب التَّرْجَمَة وَقرر بهَا قبل أَن يخرج مِنْهَا ثمَّ عزل وَولى قَضَاء قسطنطينية فى سنة تسع وَخمسين ثمَّ ولى قَضَاء الْعَسْكَر بانا طولى فى سنة خمس وَسِتِّينَ وَاتفقَ ان ابْن خَالَته السَّيِّد مُحَمَّد الْمَعْرُوف بقدسى زَاده صَار قاضى الْعَسْكَر بروم ايلى فتشرف صدر الدِّيوَان بِهَذَيْنِ الصدرين وهما ابْنا خَالَة ثمَّ عزل وَولى قَضَاء روم ايلى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَنقل مِنْهَا الى الْفَتْوَى فى أَوَاخِر السّنة وَكَانَ السُّلْطَان مُحَمَّد اذ ذَاك فى أدرنه وَقيل فى تَارِيخه أَرخُوا مفن كريم عَالم عَامل وَوَافَقَ تَارِيخ تَوليته امضاءه الذى يَكْتُبهُ على الْفَتَاوَى وَهُوَ لفظ كتبه مُحَمَّد الامين الْفَقِير وَهَذَا من أعجب مَا وَقع من التواريخ ثمَّ عزل فى نَهَار الثُّلَاثَاء تَاسِع شهر ربيع الثانى سنة ثَلَاث وَسبعين وَأمر بالاقامة فى حديقته ببشكطاش فَأَقَامَ بهَا مُدَّة الى أَن مَاتَ وَكَانَت وَفَاته فى رَابِع الْمحرم سنة أَربع وَسبعين وَألف وَدفن باسكدار بِالْقربِ من مرقد الشَّيْخ مَحْمُود الاسكدارى

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع