تجاوز إلى المحتوى

من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)

إبراهيم السفرجلاني

إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن عبد الكريم بن أبي بكر المعروف بالسفرجلاني الشافعي الدمشق الفاضل الأديب اللوذعي كان أتم أهل العصر ظرفاً وأشغهم رقة ولطفاً له طبع كما راق نسيم السحر وحسن منظر لا يقنع منه النظر وقد رقت باللطف شمائله وراقت لبصائر المجتلين خمائله شاعراً مفنناً عارفاً لطيفاً حسن المطارحة بارعاً ماهراً وله في المعميات اليد الطولى ولد بدمشق في سادس عشر صفر سنة خمس وخمسين وألف وبها نشأ وقرأ على علماء عصره منهم الشيخ نجم الدين الفرضي في العربية والشيخ إبراهيم الفتال في النحو والمعاني والبيان وقرأ بعض الرسائل على الشيخ عبد الحي العكري الصالحي وغيرهم وأخذ الحديث عن الشيخ محمد بن سليمان المغربي والسيد محمد عبد الرسول البرزنجي المدني وغيرهما من الواردين إلى دمشق وتنبل وأخذ شيئاً من العلوم الحرفية عن ابن سنسول وبرع في الرياضيات وأعمال الأوفاق والاستخدام وغير ذلك من متعلق هذه العلوم وتخرج في الأدب على يد الشيخ عبد الباقي بن أحمد السمان الدمشقي نزيل قسطنطينية وأحد المدرسين وبرع وظهر أدبه وفضله واخترع أبكار المعاني وصاغ قلائد النظام واشتهر بالأدب ونظم الشعر وديوانه مشهور وعلى كل حال فهو بكل لسان موصوف وبالفضائل معروف وعمه عمر صاحب خيرات ومبرات وله أثار منها المساجد الثلاث الذين عند دارهم بالقرب من الخراب وغير ذلك من الطرقات وغيرها وكان من أخيار التجار ورزق الخطوة التامة في المال والأولاد وغير ذلك وكان فريداً قرانه ووحيد زمانه توفي سنة اثنتي عشرة ومائة وألف ودفن بباب الصغير وترك من الأولاد الذكور كثرة وكل منهم سما قدره وعلا وحاز السمو

والذي نجب منهم واشتهر المولى عبد الرحمن والمولى عبد العزيز فقد بلغ كل منهما من الرفعة والعلا والسيادة والثروة ما طال وطاب واشتهر وشاع وصارت لهما رتبة السليمانية المتعارفة بين الموالي الرومية وانعقدت أمور دمشق على آرائهما وكل منهما في وقته تصدر للوافدين ملاذاً وعياذا مع الانعامات والمبرات وإكرام العلماء والغرباء وقد فاق المولى عبد الرحمن على المولى عبد العزيز بأشياء تفرد بها عنه منها مكانة من العم والفضل وسنأتي ترجمته وأما المولى عبد العزيز فقد توفى في سنة خمس وخمسين ومائة وألف واتصل والدي بابنتيهما وعلى كل حال فبنوا السفرجلاني ازدان بهم الدهر وسمت دواتهم وعلا صيتهم وعم فضلهم والمترجم ترجمه السيد محمد أمين المحبي في نفحته وأثنى عليه وكان حليف وداده وأليفه الذي ارتبطت عرى علائقه معه في وثيق صدق ومحبة ورفيقه أبان التحصيل وخليله الذي استخلصه لنفسه ولابدع فإبراهيم نعم الخليل كلمة الأدب جمعتهما ولحمة الفضل نظمتهما وذكر له هناك شيأ من شعره وها أنا أذكر من ذلك ما رق أديمه وراق اتساقه وطاب رونقه وازدان اشراقه فمن ذلك قوله مضمناً المصراع الأخير

لما غدت وجناته مرقومةبعذاره وازداد وجد محبه
نادى الشفيق بها زبرجد صدغهيا صاحبي هذا العقيق فقف به

قال الأمين وأنشدني قوله وهو معنى أبرزه ولم يسبق إليه فاستحق به التبريز وجاء به أنفس من الابريز وهي هذه

كفوا الملام ولا تعيبوا زهرةفي وجنتيه تلوح كالتطريز
فالحسن لما خط سطر عذارهألقى عليه قراضة الابريز

ثم قال وأنشدني هذه السينية السنية التي هي أشهى من الأمنية تفاتمت من المنية وهي قوله

خل طي الفلا لحادي العيسوانف همى بالقهوة الخندريس
طف بها كي ترى النواظر منهاعسجدا ذاب في لجين الكموس
وترنح عطفي برقة لفظمنه عودت لقط درنفيس
في رياض كأنما لبست منحوك صنعاء أفخر الملبوس
قد نحلت من طلها بعقودوتجلت في حلة الطأووس
وزكا عرف طيبها فحسبنانفحة قد سرت من الفردوس
وتغنى مبهرم الكف فيهابغنأ يسوق شجو النفوس
قد أتينا مسلمين فردتهيف باناتها بخفض الرؤس
قم نجدد عهودنا يا بن أنسفي رباها فأنت خير أنيس
فأنا في هواك محزون قلببين شوق مقلب ورسيس
وامخ العين أن ترى منك يوماحسن وجه يخفى ضياء الشموس
وسطور كالمسك فوق طروسمن شقيق أحبب بها من طروس
وامط لي عن سين تلك الثنايافعساها تكون للتنفيس

ومن شعره

أيها الخافق الفؤاد تعللمنه يوماً بلثم خدقاني
فياقوت وجنتيه خواصسيما في إزالة الخفقان

وله أيضاً

تجنب غمزة الحدقوحد عن لفتة العنق
فقد جلبا لطرفي مايعانيه من الأرق
وجرا للفؤاد هوىبوضاح الجبين لقى
وخوط لين الأعطاف من ماء النعيم سقى
تثنى في غلالتهتثنى الغصن في الورق
ولاح فخلته قراتبدى لي من الأفق
وقد وشى بنفسجهشقائق خده الشرق
تأمل عارضي خدياذبرزا على نسق
تجد سطر بن غسقعلى طرسين من شفق

وله قوله

بروحي ساق قد جلا تحت فرعهجبينا كبدر التم عند شروقه
سقاني بنجلأويه كأسا من الهوىفأسكرني أضعاف سكر رحيقه
وقال افترع بكر المعاني تغزلافلى منظر يهديك نحو طريقه
فوجهي مثل الروض إذ باكر الخياجنى أقاحيه وغض شقيقه
وإن أشبه التفاح خدي حمرةفلي نونة تحكي مناط عروقه

وله أيضاً

رشق الفؤاد بأسهم لم تخطهريم يشوق الريم مهوى قرطه
من ذا عذيري في هوى متلاعبقد راح بمزج لي رضاه بسخطه
أعطيته قلبي وقلت يصونهفأضاعه يا ليتني لم أعطه
وثناه عن محض المودة رهطهفعناء قلبي في الهوى من رهطه
وقد اشترطنا أن ندوم على الوفاما كنت أحسبه يخل بشرطه
كيف الخلاص ركبت بحراً من هوىشوق إليه فشط بي عن شطه
علقته ريان من ماء الصباكالروض أخضله الغمام بنقطه
غض الشباب فهذه وجناتهقد كاد يطقر ماؤها من فرطه
يجلو عليك صحائفا ورديةرقم الجمال بها بدائع خطه
وتريك هاتيك المعاطف بانةتهتز لينا في منمنم مرطه
وتخامر الألباب منه فكاهةتلهى حليف الكاس عن اسفنطه
لو بت تستجلي لطائفه التيضاهت برونقها جواهر سمطه
لدهشت اعجاباً بلؤلؤ لفظهومددت كفك طامعاً في لقطه

ومن شعره

لولا صباح الوجوه بيضماهز اعطا في القريض
ولا شجاني غناء شاديوماً ولو أنه الغريض
ولا أهاج الجوى لقلبيبرق له في الدجى وميض
أفدى غزالاً دعا فؤاديإلى الهوى جفنه الغضيض
وخوط بان على كثيبداعب أعطافه النهوض
ليلى في حبه طويلوفرط وجدي به عريض
دع عاذلي في حديث دمعبلومه دائماً يخوض
حديثه يا أخا الهوى فيإذاعة السر مستفيض
كأن ينبوعه لقلبيفهو بأسراره يفيض

وله

أرى العشق يغشى برهة ثم ينقضيوحبك في قلبي مدى الدهر لابث
ولا عقدة إلا لها من يحلهاسوى عقدة فيها العيون نوافث
يا طيب الهوى أعد جس نبضيفي هوى من هواه أصبح قوتي
وتأمل محاسن الغد منهثم صف لي مفرح الياقوت

وله

بالمولوية شادن يبدي لناعجباً عجيباً للقلوب مفرحا
ويريك عند الفتل من أذيالهفلكاً يدور ببدره دور الرحى

وله معمياً في حيدر

يا نسيم الصبا إذا جئت نجداوتيممت روضها المعطارا
حي دارا عنها تنآءت غصونقد عهدنا ثمارها الأقمارا

وله في عساف

طارحت في الدوح الحمام فقل لهأن النوى رشفت إلى سهامها
أبكي على عش نأت أفراخهوكؤس أفراح شربت مدامها

وله في دلأور

قد أبرزها من باطن الابريقصهبا تحاكي وجنة المعشوق
ما ضر شويدنا جلاء كؤسهالو دار بها ممزوجة بالريق

وله غير ذلك من بديع الشعر وأحاسنه وكأنت وفاته في سنة سبع عشرة ومائة وألف ودفن بتربة باب الصغير وكأنت جنازته حافلة وسيأتي ذكر قريبيه مصطفى وعبد الرحمن والسفرجلاني لا أدري نسبته لأي شيء والله أعلم

النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الهمزة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.