من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
الشيخ إسماعيل العجلوني
إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي بن عبد الغني الشهير بالجراحي الشافعي العجلوني المولد الدمشقي المنشأ والوفاة الشيخ الامام العالم الهمام الحجة الرحلة العمدة الورع العلامة كان عالماً بارعاً صالحاً مفيداً محدثاً مبجلاً قدوة سنداً خاشعاً له يد في العلوم لا سيما الحديث والعربية وغير ذلك مما يطول شرحه ولا يسع في هذه الطروس وصفه له القدم الرأسخ في العلوم واليد الطولى في دقائق المنطوق والمفهوم كما قيل
حدث عن البحر لا عتب ولا حرجوما تشاء من الأجلال قل وقل
ولد بعجلون تقريباً في سنة سبع وثمانين بعد الألف وسماه والده أولاً باسم محمد مدة من الزمان لا تزيد على سنة ثم غير اسمه إلى مصطفى نحو ستة أشهر ثم غير اسمه بإسماعيل واستقر الأمر بهذا الاسم وقد أشار إلى ذلك العارف الاستاذ الشيخ مصطفى الصديقي من جملة أبيات قرض بها على كتابه كشف الخفا ومزيل الألباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس بقوله
حرس الآله بفضله مشيه منكل المضار وصيانه وله كفي
وهو الذي سمي محمد أولاًوبمدة اخرى تسمى مصطفى
من بعد ذا سمي بإسماعيل لابرحت له ترنو عيون الاصطفا
ثم لما بلغ سن التمييز شرع في قراءة القرآن العظيم حتى حفظه عن ظهر قلبه في مدة يسيرة ثم قدم إلى دمشق وعمره نحو ثلاثة عشر سنة تقريباً لطلب العلم وذلك في منتصف شوال سنة ألف ومائة واشتغل على جماعة أجلاء بالفقه والحديث والتفسير والعربية وغير ذلك إلى أن تميز على أقرانه بالطلب ومن أسباب توجهه إلى طلب العلم انه لما كان في بلاده وكان صغيراً يقرأ في المكتب رأى في عالم الرؤيا ان رجلاً ألبسه جوخة خضراء مركبة على فرو أبيض في غاية الجودة والبياض وقد غمرته لكونها سب على يديه ورجليه فأخبر والده بالمنام فحصن له بذلك السرور التام وقال له ان شاء الله يجعل لك يا ولدي من العلم الحظ الوافر ودعا له بذلك قلت ومشائخه كثيرون والكتب التي قراها لا تعد لكثرتها ما بين كلام وتفسير وحديث وفقه وأصول وقراآت وفرائض وحساب وعربية بأنواعها ومنطق وغير ذلك وقد ألف ثبتاً سماه حلية أهل الفضل والكمال باتصال الأسانيد بكمل الرجال وترجم مشائخه به فمن مشائخه الشيخ أبي المواهب مفتي الحنابلة بدمشق والشيخ محمد الكاملي الدمشقي والشيخ الياس الكردي نزيل دمشق والاستاذ
الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي والشيخ يونس المصري نزيل دمشق والشيخ عبد الرحمن المجلد الدمشقي والشيخ عبد الرحيم الكابلي الهندي نزيل دمشق والشيخ أحمد الغزي الدمشقي ومفتيها الشيخ إسماعيل الحائك والشيخ نور الدين الدسوقي الدمشقي والشيخ عثمان القطان الدمشقي والشيخ عثمان الشمعة الدمشقي والشيخ عبد القادر التغلبي الحنبلي والشيخ عبد الجليل أبي المواهب المذكور والشيخ عبد الله العجلوني نزيل دمشق ومن غير الدمشقيين الشيخ محمد الخليلي المقدسي والشيخ محمد شمس الدين الحنفي الرملي وأجازه الشيخ عبد الله بن سالم المكي البصري والشيخ تاج الدين القلعي مفتي مكة والشيخ محمد الشهيري بعقيلة المكي والشيخ محمد الوليدي والشيخ محمد الضرير الاسكندراني المكي والشيخ يونس الدمرداشي المصري ثم المكي والشيخ أبو طاهر الكوراني المدني والشيخ أبو الحسن السندي ثم المدني والشيخ محمد بن عبد الرسول البرزنجي الحسيني المدني والشيخ أحمد النجلي المكي والشيخ سليمان بن أحمد الرومي واعظ ايا صوفية وارتحل إلى الروم في سنة تسع عشرة ومائة وألف فلما كان بها اتحل تدريس قبة النسر بالجامع الأموي عن شيخه الشيخ يونس المصري بموته فأخذه صاحب الترجمة وجاء به إلى دمشق وكان والي دمشق اذ ذاك الوزير يوسف باشا القبطان عارضاً به إلى شيخه الشيخ محمد الكاملي وألزم القاضي بعرض على موجب عرضه وانه يعطي ما صرفه شيخه الشيخ أحمد الغزي مفتي الشافعية بدمشق للقاضي وكان مراد الغزي أولاً التدريس فحين وصول العروض إلى دار الخلافة قسطنطينية للدولة العلية ما وجهوا التدريس لشيخه الكاملي ووجهوه للمترجم واستقام بهذا التدريس إلى أن مات ومدة اقامته من سنة ابتداء عشرين إلى أن مات احدى وأربعون سنة وهو على طريقة واحدة مبجلاً بين العال والدون ودرس بالجامع الأموي وفي مسجد بني السفرجلاني ولزمه جماعة كثيرون لا يحصون عدداً وألف المؤلفات الباهرة المفيدة منها كشف الخفا ومزيل الالباس عما اشتهر من الأحاديث على السنة الناس ومنها الفوائد الدراري بترجمة الامام البخاري ومنها اضاءة البدرين في ترجمة الشيخين ومنها تحفة أهل الايمان فيما يتعلق برجب وشعبان ورمضان ومنها نصيحة الاخوان فيما يتعلق برجب وشعبان ورمضان ومنها عرف الزرنب بترجمة سيدي مدرك السيدة زينب ومنها الفوائد المجردة بشرح مصوغات الابتدا بالنكرة ومنها الأجوبة المحققة عن الأسئلة المفرقة ومنها الكواكب المنيرة المجتمعة في تراجم الأيمة المجتهدين الأربعة ولكل واحد منها اسم خاص يعلم من الوقوف عليها ومنها أربعون حديثاً كل حديث من كتاب ومنها عقد الجوهر
الثمين بشرح الحديث المسلسل بالدمشقيين وهذه الكتب كاملة وأقلها نحو الكراسين وأكثرها نحو المعشرين ومنها التي لم يكمل وهي كثيرة أيضاً منها أسنى الوسائل بشرح الشمائل ومنها استرشاد المسترشدين لفهم الفتح المبين على شرح الأربعين النووية لابن حجر المكي ومنها عقد اللآلي بشح منفرجة الغزالي ومنها اسعاف الطالبين بتفسير كتاب الله المبين ومنها فتح المولى الجليل على أنوار التنزير وأسرار التأويل للبيضأوي ومنها وهو أجلها شرحه علي البخاري المسمى
بالفيض والجاري بشرح صحيح البخاري وقد كتب من مسوداته مائتين واثنين وتسعين كراسة وصل فيها إلى قول البخاري باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته أياهم من المغازي ولو كمل هذا الشرح لكان من نتائج الدهر وكان صاحب الترجمة حليماً سليم الصدر سالماً من الغش والمقت صابراً على الفاقة والفقر وملازماً للعبادات والتهجد والاشتغال بالدروس العامة والخاصة كافاً لسانه عما لا يعنيه مع وجاهة نيرة ولم يزل مستقيماً على حالته الحسنة المرغوبة إلى أن مات قرأ عليه الوالد مدة ولازمه وأخذ عنه وأجازه ولما حج الوالد في سنة سبع وخمسين ومائة وألف كان هو أيضاً حاجاً في تلك السنة فاقرأ كتاب صحيح البخاري في الروضة المطهرة وأعاد له الدرس الوالد وقد أجاز الوالد نثراً ونظماً فالنظم قوله والجاري بشرح صحيح البخاري وقد كتب من مسوداته مائتين واثنين وتسعين كراسة وصل فيها إلى قول البخاري باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته أياهم من المغازي ولو كمل هذا الشرح لكان من نتائج الدهر وكان صاحب الترجمة حليماً سليم الصدر سالماً من الغش والمقت صابراً على الفاقة والفقر وملازماً للعبادات والتهجد والاشتغال بالدروس العامة والخاصة كافاً لسانه عما لا يعنيه مع وجاهة نيرة ولم يزل مستقيماً على حالته الحسنة المرغوبة إلى أن مات قرأ عليه الوالد مدة ولازمه وأخذ عنه وأجازه ولما حج الوالد في سنة سبع وخمسين ومائة وألف كان هو أيضاً حاجاً في تلك السنة فاقرأ كتاب صحيح البخاري في الروضة المطهرة وأعاد له الدرس الوالد وقد أجاز الوالد نثراً ونظماً فالنظم قوله
أجزت نجل العارف المراديأعنى علياً فاز بالمراد
وهو الشريف اللوذعي الكامل الأريب والمفضال ذو الأيادي
أجزته بكل ما أخذتهعن الشيوخ الفضلا الأطواد
أجزته بكل ما صنفتهكالفيض والكشف مع الأرشاد
أجزته بكل ما في ثبتناالجامع النوعين بالسداد
أجزته اجازة بشرطهاعند أولي التحديث والنقاد
أجزته في الروضة الفيحاءبطيبه المختار طه الهادي
صلى عليه ربنا وسلماوآله وصحبه الأمجاد
ما غردت قمريه فأطربتوأمطرت سحب وسال وادي
وكان ينظم الشعر وشعره شعر علماء لأنهم لا يشغلون أنفسهم به كما قال ابن بسام ان شعر العلماء ليس فيه بارقة تسام وجعل الشهاب أن أحسن بعض أشعارهم من قبيل دعوة البخيل وحملة الجبان وقال الأمين في نفحته قلت علة ذلك أنهم يشغلون أفكارهم بمعنى يعني والشعروان سموه ترويح الخاطر لكنه مما لا يثمر فائدة ولا يغني وشتان بين من تعاطاه في الشهر مرة وبين من أنفق في تعاطيه عمره أنتهى وقد ترجمه الشيخ
سعيد السمان في كتابه وقال في وصفه خاتمة أيمة الحديث ومن ألقت إليه مقاليدها بالقديم والحديث اقتدح زناده فيه فأضاء وشاع حتى ملأ الفضاء خذا بطرفي العلم والعمل متسنماً ذروة عن غيره بعيده الأمل يقطع اناء الليل تضرعاً وعبادة ويوسع أطراف النهار قراءة وافادة لا يشغله عن ترداده النظر في دفاتره مرام ولا عن نشر طيها نقض ولا ابرام مع ورع ليس للرياء عليه سبيل وغض بصر عما لا يعني من هذا القبيل وهو وان كأنت عجلون تربة ميلاده فان الشام تشرفت بطارف فضله وتلاده فقد طلع في جبهتها شامه وأرهف منصل فكرته بها وشامه حتى صار هلاله بدراً ومنازله طرفاً وقلباً وصدراً فاستحث عزمه نحو الروم وقصد بها انجاز ما يروم فأحلته بين السمع والبصر وجنى غصن أمانيه واهتصر وعلى ما به قوا معاشه اقتصر فآب ولم يخب مسعا وطرف الدهر بمقلة الارتقاء يرعاه فأظلته قبة النسر المنيفة وصار لمن سلفه خليفة وأي خليفة فتغص خلعته بالخاص والعام فيملي على فتح الباري ما يوضح خفايا البخاري بناطقة تسحر العقول بادائها وتسخر بالعقود ولألائها ووجاهة ملء البصيرة والبصر على مثلها الوقار اقتصر وخلق ما شابه انقباض وسجية لم تنقد باعراض ولم يزل نسيج وحدة تأليفاً وتقريراً وحديثاً حسناً تسطيراً وتحريراً حتى شرب الكاس المورود وذوت من روض محاسنه تلك الورود فتنفذ عليه البصر والدمع وعمي البصر والسمع بل الله بالرحمة ثراه فهو ممن أخذت عنه الاسناد وأمدني بقراءتي عليه بما ينفع ان شاء الله يوم التناد وله شعر موزون يتسلى به الواله المحزون أنتهى مقاله ومن شعر المترجم قوله من قصيدة ممتدحاً بها المولى عطاء الله قاضي العسكر في الدولة العلية مطلعها
أظبي الأنس عطفاً بالتدانيفقد أضرمت نيران الجنان
وقد عذبت بالألحاظ صباقتيلاً بالعيون وبالبنان
وبالثغر الذي قد صار كاساًلمختوم الرحيق وقد سباني
وبالجيد الذي كلجين ماءوكالشمس المنيرة في البيان
وبالقد الذي كالسهم فعلاًويشبه في التثني غصن بان
ترفق يا فريداً في جمالفان الرفق جلاب الأماني
وزل هجري وتعذيبي وصديوقتلي بالجفا في كل آن
ومالي منقذ من ضير هذاسوى حبر خبير بالزمان
همام متقن للعلم طراوفي التحقيق لا يشبهه ثاني
امام فاق في التقسير فخراًوفي علم الحديث مع المعاني
وفي علم الكمال وعلم أصلوعلم الفقه مع نحو اللسان
وباقي العلم صار له جواداًفيلوي رأسه لي العنان
وله من قصيدة امتدح بها شيخ الاسلام المولى عبد الله مطلعها
أعبق المسك ذاع من الخزامأمن ثغر حوى مثل الملاام
أمن وجه يفوق البدر نوراًويبهر من رآه من الأنام
أمن جيداً عار الظبي حسناًأمن قد قويم كالسهام
فيا من لا يضاهي في جمالدع الأعراض وادفع للملام
وصل يا ظبي قد عذبت قلبيبألحاظ تفتك كالحسام
ودع قتلي فان القتل ظلماًحرام مقنض نيل الاثام
نعم في شرع عشاق أباحوالهذا لقتل صبر للحمامفان رمت السلامة منه يوماً
فلذ بالعالم الشهم الهمامأمام منقذ من كل سواءشفاء للنفوس من السقام
هو الخبر الخبير بكل علميفوق الناس طرا في المقام
وقوله
باعد عن اللذات واجتنب الهوىفاخو الشقاء قبيحة حالاته
واعمل من الخيرات بشرى لامرءغلبت على آحاده عشراته
هو من قول الايب إبراهيم السفرجلاني
جد عن طريق اللهو واطرح الهوىفاخو الذنوب طويلة حسراته
واجنح إلى التقوى فطوبى لامرءغلبت على أحاده عشراته
وللمترجم
قيامي على الأقدام حق وسعيهالرؤياك يا فرد الزمان أكيد
فقد أمر المختار أنصاره بهلسعد الذي قد مات وهو شهيد
وله
يا بدر واعدتني والوصل يحسن لياتجزه لي يا حماك الله من زلل
فالوعد دين وخير الناس أحسنهمله قضاء أتى عن سيد الرسل
وله مضمناً
ان جزت ربع الحي حبي حيهموأرعاهم ان اعرضوا أو أكرموا
واعلم عذولي ان حبي فيهمولأجل عين ألف عين تكرم
وله مقرضاً على سؤال رفعه الأديب مصطفى الترزي للمولى العالم حامد بن علي العمادي مفتي الحنفية بدمشق وهو قوله
أنور صبح بدا في غرة الدينأم عرف نور لأزهار البساتين
أم النجوم الدراري أشرقت سحراًأم اللآلي على تاج السلاطين
أم البدور التي لم تنكسف أبداًأم ضوء مبسم حوراء من العين
أم تلك خود جرى من طيب مبسمهاما أسكر الحي في تلك الأحايين
بل ذاك وشي العمادي الذي بهرتأقلامه بالفتأوي والبراهين
مفتي الأنام ومن في كل معضلةيرجى لكشف مخباها بتمكين
أجاب بالنظم بعض السائلين لهيستظهر الحكم عن تعداد زوجين
من النساء اللواتي حض شارعناعلى النكاح لنسل أو لتحصين
يا أوحد الدهر يا من طاب مغرسهبالعلم والحلم يا نجل الأساطين
هم الرجال ومن كأنت مآثرهملم يحصها العد في نشر الدوأوين
وجاء منهم فتى أحيى محامدهمهو حامد صانه ربي بياسين
فالله يبقيه بدراً يستضاء بهونور صبح بدا في غرة الدين
والسؤال الذي أرسله الايب المذكور هو قوله
ما قول سيدنا مفتي الانام ومنسمت فضائله فوق السماكين
علامة الدهر والمحمود سيرتهابن العمادي كنز العلم والدين
العالم العامل الفرد الذي ورث العلوم والمجد عن غر ميامين
من سادة كل شهم قام منتصراًمنهم لذا الدين معلوم السلاطين
كفى دمشق فخاراً بل ومنقبةبحامد دام في وعن تمكين
فيمن له زوجتا سوء يبرهماويبغضاه بلا ذنب ولامين
وطال مكثهما دهر الدية وقدغدا من الهم في أسر وفي هون
والآن يبغي فتاة السن ناضرةتجلو صدى قلبه باللطف واللين
يروم تزويجها بالشرع متبعاًنهج الهدى غير مأثوم ومأفون
والزوجتان مع الأولاد أجمعهمقاموا علي كاغوال الشياطين
قالوا بأني ارتكبت الآن معصيةلم يرتكبها طريد في الملاعين
ابن لعبدك هل في ذاك مثلبةعنها نهى الشرع أم في ذاك من شين
أم هل يذل محب أنت ناصرهحاشاك حاشاك يا ذخر المساكين
أجبه من غير أمر دمت توضح منمسائل الشرع مخفياً بمكنون
لا زلت ترقى ذرى العلياء مبتهجاًوترشد الخلق للتقوى وللدين
ما غردت ساجعات الورق في فننفأطربت في سجاها كل مشجون
فأجابه المولى العمادي بقوله
لله حمدي وشكري دائماً دينيثم الصلاة على من جاء بالدين
محمد عين انسل الوجود ومنلشرعه تابع للحشر والدين
اعنبر اشحرذا أم مسك دارينوافى يطيبنا بالطف واللين
يا أعرف الناس بالآداب مفترقاًمن بحره رشفات منه تكفين
كأن تلك الدراري الغر في يدكمدر تنظمها من غير تثمين
تغوص أفهامكم فيه فتبرزهكلؤلؤ في حشا الاصداف مكنون
لقد رقيت مراقي المفخر منفرداًفأنت في أفقه فوق السماكين
نظمت عقداً كروض فيه صادقةورقاء يطرب منها حسن تلحين
نور طلائعه نور حدائقهحور كواعبه تزهو على العين
منك استفدنا لباقي وصف رونقهلما حسبناه في أكواب زرجون
إذا سرى في دياجي الليل تحسبهفخر الصباح تبدي غر مسجون
بل الهلال ترأى في غلائلهبل الغزالة بالأشراق تشجين
ما مثله من خبايا الفكر رائقةوافت بل اشتهرت الهند والصين
قد جاء يسألني عن حكم مسئلةهاك الجواب بايضاح وتبين
تروم ثالثة حتى تعود إلىعصر الشباب بعيد الشيب والحين
والزوجتان مع الأولاد أجمعهمقاموا عليك كأغوال الشياطين
لهم زئير أسود الغاب ضاريةمن شدة الحزم مع عزم وتمكين
يقلن معهدنا كم قد قطفت بهزهر الرياض وكنا كالرياحين
وكم رفت بأثواب السرور علىبسط وبسط وأفراح وتلوين
وكم ركبت لأفراس الهنا مرحاًتلهو بصفو بطيب الرفق مقرون
وكم سترنا أمور أعنك خافيةوساقهن بدا والكشف للسين
فاخفض لهن جناح المحتسبالما أصابك من صفع ومن هون
وصم اذنيك عن قول يفهن بهغمسن من تاره الحرا بسجين
وتلك شنشة قدماً لهن جرتعلى الملوك جميعاً والسلاطين
وأقدم على كل كلم اصائلات ولاتحجم لقول اللواتي فوق ستين
هذا وشعركم المرضي يقول لناهل أخذ ثلثة ذنب فأتوني
منى ثلاث رباع ليس معصيةان يأخذ المرء في عرف وفي دين
فما نهى الشرع عما أنت طالبهوليس مثلبة فيه لمفتون
لكن ذا بشروط أنت تعرفهااياك اياك من خلق الملاعين
وخير مأوى لشخص يطمئن بهحسناء كاملة في العقل والدين
لله درك من شهم حصلت علىنيل المنى والأماني غير مفتون
والله ننصركم في كل معضلةودام نصر من الرحمن ياتيني
وابن العمادي أجاب السؤال حامدكممفتي دمشق وربي الله يهديني
ثم أتبعه بنثر وهو قوله
الحمد لله الذي حمد نفسه بنفسه فهو الحامد المحمود فسواه عابد متعبد وهو المستعبد المعبود سبحانه لا اله الا هو حياً أزلياً قيوماً أحداً دائماً ديموماً خلق فاحكم وقضى فأبرم وعلم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم ثم الصلاة على من أرسل إليه الروح الأمين وأنزل عليه الكتاب المحكم المبين سيدنا محمد سيد الولين والآخرين والسابقين واللاحقين المخصوص بأمة جعلها الله خير الأمم وبسط لهم ببركته موائد الفضل والكرم واصطفاهم بمصطفاه واجتباهم بمجتباه وأحل لهم من النساء ما لم يحل لغيره وأباح لهم أربعاً من واسع خيره وجعلهن زهرة الحياة الدنيا وثمرتها وقوام قيامها وقيمتها يطأول إلى نكاحهن همم الرجال العوالي ويتضاءل دونهن من المهور الغوالي لأنهن نزهة الأنفس والأرواح ورياض الأجساد والأشباح أصلاً لنا من أصل لم يكن من نكاح أصلاً كرمه الله ما أكثره أهلاً ونسلاً سنة الله التي قد خلت وفي القلوب قد حلت فهو من أقوى الأسباب في ارتفاع الأحساب واتصال الأنساب وحصول الولد الذي هو قرة عين وعمل صالح لوالده وأثر بعد عين وأمتن الله تعالى بهن على البرية فقال الله تعالى وجعلناهم أزواجاً وذرية وهي تجارة رابحة قال ﵇ الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة وقال من والى الله عليه صلات الصلاة حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وقرة عين في الصلاة فهو من سنة المصطفى اعلاناً فمن رغب عنها فليس منه وكفى بذلك خسراناً وهن أمانات الرجال مستودعات عندهم إلى ما شاء الله من الآجال يجب حفظهن خوفاً عليهن من الضياع ومراعاة لما لهن وعليهن من الأنتفاع والاستمتاع اذ كن ريحانات لا قهرمانات فإذا تهن عليك وملن بأواصر الأدلال وعرفن فتونك وأخذن ينتفن عثنونك فلا يضيق صدرك فتدله ويختل أمرك فرد ثورة عجبهن بخلق كريم واسع وخيم عن كل خلق وخيم شاسع وغط عيب شيبك بسبب طولك واحسانك لا بمعرة قصر يدك وطول لسانك فتفكر في ذلك
فأنت دليل محيرك ورسول سيرك ولن أبدين اليك نفاراً وقد عنك جهاراً أو رأيتك بصورة منكوسة ولحية بالفم فاعذرهن في ذلك واقطع من وصالهن أطماع آمالك فان فيك من الذبول وتكرج الجلد والنحول وأبيضاض المفارق والحواجب ما ينفر رازنات الكواعب
رأين الغواني الشيب لاح بعارضيفاعرضن عني بالخدود النواضر
وكن إذا أبصرنني أو سمعن بيبدرن فرفعن الكرى بالمحاجر
فأنخ لهن كاهل الذل ومد عنان عنقك للعقد والحل وصعد أنفاسك في أكسير شمس الطاعه مغترفاً من بحر القناعة ويالها من صناعة وذلك أعذب من الماء على الظما وألطف من سقوط الأنداه على الروضة الخضراء فحينئذ تعلو عليهن كالقمر وهو أمر اشتهر وتكون حكيماً قوياً وشهماً شهياً فيخضعن لديك ويضعن خدودهن تحت قدميك ولا تكون غاية سعيهن الا اليك لأن من كرمت خصاله وجب وصاله وهو أمر معروق قال تعالى وعاشروهن بالمعروف ومن ركب مركب الخلاف ومال إلى الأنحراف فليستعد إلى الأدبار وليتبوأ قعده من النار وعليهن ان لا يشقن العصا ولا يحرقن أنفسهن بنار الغضا فان فعلن ولحقك من الامتحان والتنكيل والاذلال والتذليل ما يريك الكواكب ظهراً فلا يجدن لأنفسهن وزراً ولا ظهراً فان كن كما وصفت الآن نعوذ بالله من شر النساء اذ هن حبائل الشيطان ولا جرم أنهن فاجرات قاهرات صائلات عاديات فلا تتخذهن أسوة فتعد من النسوة وألف قلوبهن بالود والوصال وأصبر على كل حال وانظر لما قيل
إذا شاب رأس المراء وقل مالهفليس له من ودهن نصيب
وقال امرؤ القيس
أراهن لا يحببن من قل مالهولا من رأين الشيب فيه وقوساً
وقال آخر
والشيب أعظم جرم عند غانيةفان خفت ان لا نعدلفعد عن الثالثة وأعدل وألا تكسر وتنكسر
هي الضلع العوجاء لبست تقيمهاالا أن تقويم الضلوع انكسارها
فان علمت من نفسك العدل في القسم طالباً الاستمتاع فأنكح ما طاب لك من النساء مثنى وثلاث ورباع ومن لامك واعترض لما أباح الله وافترض خيف عليه أن يكون كفر لأنه عن محجة الحق نفر قال الله تعالى في كتابه المبين
الأعلى أزواجهم أو ما سكت ايمانهم فانهم غير ملومين وهذه حجة عامة على قول العامة ودع عنك غيرة النساء فداء ليس له دواء قد أعجز الطباء وأعي ذوي العقول والآراء كما قيل
شيئان يعجز ذو الرياضة عنهماأمر النساء وأمرة الصبيان
ولا تذهب نفسك عليهم حسرات فان الضرورات وأنت القوام عليهن المتبوع وما ارتكبت بهذا التثليت الا المشروع لكن ان شفقت وتركت تنأوله فضله لقوله ﵊ من رق لأمتي رق الله له هذا وكم قول آذى فاصبر لهن أن يتبع ملاذاً ولا تمل كل الميل فتقع في الشؤم والويل وحذار من العول عن منهج الصواب ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ان الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا بو الحساب
واياك والأمر الذي ان توسعتموارده ضاقت عليك مصادره
وهنيت بما منحته ولا سد عليك الباب الذي فتحته فلقد سلكت في طريق البلاغة مسلكاً عريباً وأخذت من مذاهب البراعة مذهباً عجيباً فلا مؤاخذة بهذه لأبيات الغريبات والفقرات ذوات المعاني الشاسعات فإذا ثبتت المصادقة تطلب المطابقة وأنت تعلم أن هذا طريق رفضناه وغبار نفضناه من مدة وافية والآن لا أزن بميزان العروض ولا القافية لكن لما جاءتنا قصيدتك السالفة في البلاغة مسلكي لاطناب والايجاز حركت مناظر فامن الآداب لما رأيت بواد بها مطابقة الأعجوز مع نظم الدرر الحسان التي لم يطمثهن أنس قبلكم ولا جان فاصخ لما قلنا ورتله ترتيلاً ولا تحد عن منهج الصواب تلا ان كنت تبغي للعلاء سبيلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً نساله سبحانه التوفيق إلى لزوم الطاعة والدخول فيها مع الجماعة والله سبحانه الهادي وعليه اعتمادي أنتهى فلما وصل إليه الجواب أجابه من غير ارتياب.
بقوله
اللؤلؤ فوق تيجان السلاطينأم اليواقيت قد لاحت على العين
أم الدراري على الزرقاء مشرفةبها أهتدي كل حيران ومشجون
أم البدور أنارت في دجنتهاأم ذي شموس زهت فوق السماكين
أم ذي جباه حسان أم مباسمهاأم ذي نطاق نضار فوق سطرين
أم ذاك نبت عذار أم لمى شفةأم أعين العيد أم ذا مسك دارين
أم ذي زهور ربيع في مواسمهاأم ناضر النبت بزهو في البساتين
أم ذي قدود ملاح حين رنحهاشرخ الصبا اذ تحست بنت زرجون
أم عطر غائبة أم نشر نسرينأم الصبا حملت عرف الرياحين
أم ذاك عطر شباب من مهفهفةتجلو هموم فتى بالعشق مفتون
أم بغية بعد يأس نالها دنفودت له العز بعد الذل والهون
أم برء مضي سقيم الجسم ذي شجنوافى أحباه أم اطلاق مسجون
أم كل ما يفرح الأنسان رونقهأم غائب آب أم أنفاس مسكين
أم ذا جواب سؤال خطه قلمقد نظم الدر من بحر بسمطين
نظماً ونثراً فنون الشعر قد جمعافاعجز أكل ذي نطق وتبيين
قد قاله حامد مفتي الورى وبهإلى سواء طريق الحق يهديني
أجابني بجواب منه قد طفحتبحاره مدد للنهر والعين
أثابني الدر عن مثل الحصا وأنيبكل معنى رقيق فائق زين
أحلني فوق مقداري وشرفنياذ قد غدا فرد حرف منه يكفيني
أمده الله بالعمر الطويل مع العز المديد باقبال وتمكين
والعبد يطلب عفواً عن تطأولهاذ قابل الدر شعراً غير موزون
سيدنا المولى العلامة الألمعي والنقاد الأفضل اللوذعي الذي ورث العلوم كأبراعن كابر وشهدت بفضائله الطروس وأقرت الأقلام والمحابر وافتخرت دمشق بأبائه الأعاظم الأكابر وأنا ربهم شهاب الدين وقام عماده وأشرقت في الخافقين مآثرهم وظهر في الكون رشاده بدر سماء علماء الأعصار وغرة سماء بلغاء الأمصار وأيم الله انما سرحت حديد نظري في رياض قصيدتك الغرا ورويت رائدي فكري في حياض خريدتك العذارء زاد بها ولوعي وغرامي واشتد بها ولهي وهيامي وكلما وجهت قاصر نظري في ألفاظها ومعانيها وأجلت صاعد الفكر في مبانيا وجدتها قرة في عين الأبداع ومسرة في قالب الاختراع والحق أحق بالأتباع فالمتابعة على رفعة معالم العلم والأدب بعد اندراسها وتقوم راية البلاغة بتعديل أساسها ورد غريب الفضائل إلى مسقط رأسها وإزالة وحشتها بايناسها فكأنما عناها من قال
قصيدتك الغراء يا فخر دهرهالذ من الماء لزلال لمن يظمى
فنروي متى نروي بدائع نثركمونظماً إذا لم نرو يوماً لكم نظما
ولعمري لم أر سيدي الا أخذاً بأوابد اللسن تقودها حيث وردت وتوردها اني شئت وأردت حتى كادت الألفاظ تتسابق إلى سلك لمعاني وتغار
في الانثيال لأجفان المباني فالله يحرس ذاتكم المقدسة الكريمة ويمد في أنفاسكم العاطرة السليمة فقد شفيت بهذا الجواب من المسائل مريضاً عليلاً وأثلجت بسلسال درر ألفاظها من الفؤاد غليلاً والمسؤول من المولى أدام الله حراسته اكمال ما من به من تأهيد داعيه برفع مقامه وأنتصاره لأدبه بين أقرانه وأقوامه بأن يعطف عليه قلوب ساداته وأحبابه حتى يرجع زكاة أدبه إلى نصابه والدعاء وعلى هذا السؤال والجوال قرض أهل الفضل والآداب وأطالو في ذلك المقال فلا حاجة لذكره هنا لئلا يطول المجال وقد جمع لذلك العلامة الهمام حامد العمادي مفتي الشام في رسالة سماها عقيلة المغاني في تعدد الغواني ثم نعود إلى المترجم فنقول ومن شعره قوله
لئن قالوا قبضت يديك بخلاًولم تنفق كالفلق الرجال
أقول لهم اخلائي ذرونيفانفاقي على مقدار حالي
وقوله
طول الحياة حميدةان راقب الرحمن عبده
وبضدها فالموت خيروالسعيد أتاه رشده
وقوله سابكاً الحديث وهو خيار الناس أحسنهم قضاء وكتب به إلى مفتي دمشق المولى حامد العمادي المذكور
أيا شمس المعالي نلت خطاًمن الله المهيمن والرضاء
ويا نحل العمادي من تباهىبك الاسلام فازددنا ضياء
عمادي أنتم والشكر دأبيوحمدي قد ملأت به الفضاء
أتاني منكم ما نلت فخراًبه بالمدح منكم قد أضاء
وحليتم حديثاً قد عقدتمخيار الناس أحسنهم قضاء
فأجابه العمادي بقوله
أيا شيخاً لنا عزاً وفخراًومنك العلم في الدنيا أضاء
حديثكم الصحيح النقل أحيىدمشق الشام فابتسمت ضياء
ودادي ثابت فيه عماديواني حامد أبدي ثناء
واني قد سمعت الآن منكمخيار الناس أحسنهم قضاء
وللشيخ أحمد بن علي المنيني مخاطباً المولى حامد المذكور
أيا بدر المعارف والمعاليومن في أفق جلق قد أضاء
بمجدك هذه الأيام تزهوويكسي الكون والدنيا ضياء
رعاك الله من حبر همامبه نلنا الأماني والهناء
لقد أوسعتنا حلماً وعلماًوأفضالاً غدا يقفوا لحياء
لعمري ان درس الفقه أضحتبه الأيام تفتخر ازدهاء
تشدا لي استفادته رحلبها تستعذب النجب النجاء
ودادي يا همام لديك دينبه أرجو من الكرم الوفاء
فقد جاء الحديث بذا صريحاًخيار الناس أحسنهم قضاء
ومن ذلك قول السيد حسين السرميني كألبابه إلى العمادي المذكور طالباً منه كتاباً
ثناكم قد علا ولنا أضاءومجدكم تزايد واستضاء
وكم لبني عماد الدين فضلعلى أهل الفضائل قد أضاء
عمادي أنتم ولكم أباديغدت تملي عطاياها الفضاء
فجودوا بالكتاب فقد وعدتمفان بعهدكم أرجو الوفاء
فذا دين وعن خير البراياخيار الناس أحسنهم قضاء
ومن ذلك قول الشيخ سعيد الجعفري
يا مقاماً سما بقطب جليلشمس فضل به الوجود أضاء
ان لي عندك اللبانة دينوخيار الأنام أهنئ قضاء
ومن ذلك ما رأيته منسوباً لمحدث دمشق الشيخ محمد نجم الدين الغزي وهو قوله
أعاطيه كؤساً من لجينفيجعل لي من الذهب الأداء
ولست مرأبياً في ذوا ولكنخيار الناس أحسنهم قضاء
ورأيت أيضاً منسوباً إلى الحافظ ابن حجر سبك ذلك وانه كتب به إلى العلامة الدماميني وذلك قوله
أيا بدر اسما فضلاء أرضارعيته وفي الظلماء أضاء
ويا أقضى القضاة ومرتضاهاوأحسنها لما يقضي أداء
تهني العام أقبل في سروروأبدى للهنا بكم هناء
روى وأشار مقتبساً لديكمخيار الناس أحسنهم قضاء
ولصاحب الترجمة أشعار غير الذي ذكرناها وبالجملة فهو أحد الشيوخ الذي لهم القدم العالي في العلوم والرسوخ وكأنت وفاته بدمشق في محرم الحرام افتتاح سنة اثنين وستين ومائة وألف ودفن بتربة الشيخ أرسلان رضي الله
عنه والجراحي نسبة إلى أبي عبيدة الجراح أحد الصحابة العشرة المبشرين بالجنة ﵃ أجمعين.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع