من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
شاكر العمري
شاكر بن مصطفى بن عبد القادر بن بهاء الدين بن نبهان بن جلال الدين العمري المعروف بابن عبد الهادي الحنفي الدمشقي أحد الأفاضل البارعين بفنون الأدب كان أديباً أريباً عرافاً حاذقاً لطيفاً نبيهاً فاضلاً صاحب نكت ونوادر حسن المطارحة رقيق الطبع مع خط حسن وإنشاء بديع في اللغة العربية والتركية وكن له نظم رائق وحسن مذاكرة ولد بدمشق في ليلة الثلاثاء بعد العشاء بساعة ونصف السادس عشر من شوال سنة أربعين ومائة وألف وتفوي والده وهو صغير عمه ثلاث سنين وكذلك والده لما توفى والده الشيخ عبد القادر كان صغيراً عمره ثلاث سنوات وهذا من عجيب الاتفاق فنشأ المترجم يتيماً كما نشأ والده يتيماً وقرأ القرآن وأخذ الخط حتى أتقنه ومهر بصناعة الشعر ولازم الاستفادة والدروس ومن مشايخه الشيخ أحمد المنيني والشيخ محمد الغزي مفتي الشافعية ابن عبد الرحمن والشيخ محمد العبي والشيخ أبو الفتح العجلوني والشيخ أحمد التونسي المغربي نزيل دمشق وغيرهم وبرع وتفوق وحصل فضلاً مع أدب أينعت رياضه وراقت حياضه وكمالات ومعارف تفيأ في ظلها الوارف ثم ارتحل إلى اسلامبول واستقام بها مدة سبع سنين ينسخ ويقابل الكتب مع أركان الدولة الذين كان يتردد إليهم وأخذ
بها بعض العلوم وقرأ على بعض المحققين ثمة ولما توفي أحمد البقاعي نزيل اسلامبول أخذ وظائفه ووجهت عليه لموته عن غير ولد وكانت على البقاعي نصف قرية بسيما من نواحي دمشق بطريق المالكانة فوجهها الوزير محمد راغب باشا صدر الدولة إذ ذاك للمترجم أيضاً والسبب في إعطائها له إنشاء المترجم مكتوباً عن لسان الوزير المذكور إلى شريف مكة فوقع عند الوزير موقع الهيبة والقبول وقابله بالمالكانة المزبور وصارت له رتبة الخارج من شيخ الاسلام المولى فيض الله دامادزاده مفتي الدولة ثم لم يزل يتنقل إلى أن صارت له رتبة ابتداء التمشلي في دمشق وأعطى قضاء جبلة على طريق الاربلق بسعي وهمة من المولى إسحق منلاجق زاده قاضي العساكر في روم ايلي لكون المترجم من اخصائه ومنسوبيه وتولى بدمشق القسمة العسكرية ونيابة محكمة الباب مراراً وفي آخر أمره ترك ذلك ولازم العالم الشيخ عمر البغدادي نزيل دمشق وتلمذ له وأخذ عنه وقرأ عليه التصوف وحضره في التفسير وغيره إلى أن مات وكان ﵀ إذا حضر بمجلس يبدي الحكايات المستظرفة والنكات اللطيفة وبالجملة فقد كان من الأفاضل والأدباء وله شعر حسن فمن ذلك قوله مشطراً قصيدة العارف بالله محمد بن إسرائيل الدمشقي ومطلعها
غنها باسم من إليه سراهاكي تراها تطير في مسراها
واذكر المنزل الشريف لديهاتغن عن حثها وجذب براها
ثم عدها عيون حمزة ورداتعد شوقاً إلى شفاء جواها
فلديها تلك المناهل تروىفهي تشفى لا ماء صدى صداها
طالعات من الثنايا سراعاتتهادى والشوق قد انضاها
ليس تثنى عن المنازل عزمالو تبدى لها الردى ما ثناها
ناجيات من المفاوز نصباناصبات آذانها لحداها
قد أماطت أزمة الصبر عنهاوالمطايا نجاتها في نجاها
جاعلات ريف الشآم وراءمنذ شامت من طيبة أضواها
وترامت تفلي الفيافي شوقاًحين أمت من الحجاز هواها
قد وصلن الهجير والآل قصداقاطعات من الغرام كراها
ثم واصلن يومها باللياليوهجرن الظلال والأمواها
كلما خفن في القفار ضلالاًحفها النور فاهتدت بسراها
ماذا ضلت المفاوز يوماًلاح برق من طيبة فهداها
حيث نور الهدى بلوح سناهورياح الندى يفوح شذاها
أيها الظاعنون دعوة صبصب دمعاً والعين قد أجراها
قد أضر البعاد فيه وهذينفسه كثر الخطايا خطاها
كم تمنت لقاء تلك المغانيفالأماني للنفس ما تهواها
ولكم حاولت وصالا لقربوتحول الأقدار دون مناها
وإذا ما دنت بنية صدق القلب قرت عيونها إذ نواها
ولئن جادها القبول بحسن القصد والشوق لم يضرها نواها
خفف الله عنكم ثقل السير حداة المطي في مغناها
ولقيتم في سعيكم وافر الخير ووطا سبيلكم وطواها
وسقاكم على الظما سبيل الغيم وروى ركابكم وشفاها
وحماكم في السير من عنا العيثوقوي ركابكم في قواها
إن رحلتم من بئر عثمان نيلاًقاصدين الخيام مع ما حواها
وطويتم تلك الفيافي سراعاًوالمطايا قد خف ثقل مطاها
ثم شارفتم النخيل صباحاًوشهدتم من المغاني علاها
وتراءت منارة المسجد الأشفي لقلب المشتاق نور علاها
ورأيتم أنوار ساكنه الأشرف والحجرة المنير سناها
حبذا ذاك من صباح سعيدقرت العين فيه في لقياها
ياله من لقاء فوز ونحجتحمد العيس عنده مسراها
عندما تهبطون خير بلادتر بها في العيون كحل جلاها
قد حوت أفضل البرايا جميعاًأرضها بالسمو تعلو سماها
بلدة حلها ضريح كريميخلى الجلال قد حلاها
فيه بدر الدجى وشمس المعاليصفوة الله قبل خلق براها
وهو هادي الورى ببعثة حقوالذي نوره جلا الاشتباها
سيد المرسلين أحمد خير الناس والمرتجى ليوم عناها
الرؤف الرحيم ذو الحمد أسمىالخلق طراً من كهلها وفتاها
فابلغوا ذلك الجناب سلاماًحين تاتوا الأعتاب منه شفاها
بلغوه كما يليق التحاياوصلاة بهولكم رباها
وهي طويلة تنوف على مائة وثلاثين بيتاً ومن شعره قوله من قصيدة امتدح بها شيخ الاسلام مفتي الدولة العثمانية المولى ولي الدين حين
ولي الافتاء في سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف المرة الأولى بقوله
زهر العلا من مطلع التمكينحلت بسعد في الهدى مقرون
أبدت لنا بالبشر أنوار الهنايجلي على الأفضال بالتبيين
يزهو بها برج الهنا وبصفوهاثغر المعالي مشرق الترصين
دانت بعليا من صفا بعلومهللخلق سبل الفرض والمسنون
كل الورى بالشكر تبدي مذ سماحمداً بأدعية مع التأمين
الله أسماه إلى شرف العلابالسعد والتوفيق والتزيين
لله ما أذكاه من متورعكالبدر بل كالليث وسط عرين
رد الضلال إلى مشارع شرع منجلت شعائره عن التوهين
حتى لقد أسدى فأحيى عافياًوأبان للسؤال طرق الدين
مهما يرم أحد لنائل جودهدهراً يصب من دره المكنون
نالت به الفتيا مفاخر إذ بداكالليث يحمي وردها عن دون
بالسدة العلياء من أعتابهممتاز حق عن هوى المفتون
أمته قاصدة على جنابهتعنو له إذ كان خير أمين
لما رأته بدر فلك سمائهاوجمالها وافته في تمتين
تدعو لسؤدده العباد وترتجيجود الآله لشخصه المأمون
وتقول هذا سيد العلماء منهبت خلائقه بحسن شؤون
فالبحر من أقلامه والدر منأفضاله قد جل عن ثمين
ومن شعره
قوله وامتدحني بها حين توليت الأفتاء بدمشق ومطلعها
هل لجفن أضحى حليف السهادغير طيف يجود غب البعاد
يا لقلبي من الغرام فوجديشب فيه مشيب الأفواد
طال شوقي إلى اللقاء ومن ليبالتداني لظل هذا النادي
يا رعى الله شملنا في رياضحيث ورق السرور في الأعواد
وغياض قد كللتها زهورمشرقات كالدرر في الأجياد
والهوى قد أمال منها غصوناًكقدود الحسان عند التهادي
وبها الماء والأزاهير راقتوتسامت بالورد والأوراد
حيث كنا ندير خمر المعانيبكؤوس الانشاء والانشاد
والأماني لنا سوانح فكرسطرتها الرواة في الايراد
وترانا نميد في سوح فضلبيان يشفي غليل الصوادي
يالها من رياض أنس حكاهاشعب بوان نزهة الوراد
فكان الزهور فيها استعارتعرف خيم الهمام نجل المرادي
وكأن الطيور تملي عليناوصف زاكي النجار سامي العماد
وكأن الأنهار تجري لتحكيغيث فضل من ذهنه الوقاد
عين شمس الفخار خدن المعاليوخليل الاسعاف والاسعاد
منها
يا هماماً سما بفضل وجودوكمال من ساعة الميلاد
فاعف واصفح عن القصور وسامحشاكراً قد أتى بنغبة صادي
وتهنا لدى المعالي بفتوىبل لها البشر بل لكل العباد
آل بيت المرادي دمتم ودامتفي حماكم مطامح القصاد
فلأنتم شموس جلق حيثالفضل فيكم من النبي الهادي
وأنشدني من لفظه لنفسه متوسلاً
يا نبياً له السنا والسناءأنت للخلق نعمة غراء
يا رسولاً إلى العوالم طراحيث من فضل نورك الابتداء
كن مغيثي يا سيدي ومعينيفي زمان عنى به الأكداء
فلقد أثقل الظهور ذنوبطال منها البلاء لي والعناء
ليس الا علاك أرجو مجيراًيا شفيع العصاة أنت الرجاء
وعليك الآله صلى دواماًمع سلام لا يقتفيه انتهاء
وعلى الآل والصحابة جمعاًما تغنت حمامة ورقاء
وله في أعرج ارتجالاً
قال العذول لقد شغفت بأعرجفي مشيه غمز حوى كل السرف
فأجبته ما ذاك من عيب بهذا غصن بان مال نحوي وانعطف
قد شام من شعاقه أيدي المنىلعبت بملعب خصره فلذا انحرف
ولما قدم دمشق من الروم أحد الموالي الرومية العالم الشاعر الأديب المولى السيد يحيى المعروف بتوفيق قاضياً لدمشق اصطحب معه المترجم واختص به وأقبل عليه بكليته وكان المترجم له اختلاط بأبناء الروم لمعرفته لأحوالهم في استقامته باسلامبول وهكذا عادته فلما انفصل من القضاء وعاد ثانياً قاضياً بمكة المكرمة أهدى للمترجم هدية فكتب إليه صاحب الترجمة
أهديتني فهديتني للحمد إذأوليتني رفعاً على التحقيق
وكسوتني ما لا أقوم بشكرهأنواع ألبسة العلا الموموق
فالعذر لي في كل حال اننيفي الوصف محتاج إلى التوفيق
وكتب إليه معمياً باسمه بقوله يحيى توفيق وهو
أيا من فاق احساناً وحسناًوقد أربى على البدر التمام
متى توفي بقصد دون صدترى بختي يعيش على الدوام
وأنشدني من لفظه لنفسه قوله
وعند ولي عن زيارته لناوقد زرته وقت المصيف وفي المشتى
فقلت له لا غرو في ذا لأنهمثالي من يأتي ومثلك من يؤتى
وأنشدني قوله في فوارة ماء بقربها الثريا المصنوعة من القناديل
انظر إلى فوارة قد أبدعترقصاً حلا بيد النسائم تهصر
فكأنما هي والثريا جنبهاتومي للثم خدودها اذ تخطر
حسناء تاهت بالدلال فكلماقربت من الصب المتيم تنفر
وله قوله
يا خير خلق الله يا من فضلهعم البرايا حيث كان لها شفا
أنت الذي داوى القلوب برحمةمن دائها ولها بحق قد شفى
أنت الذي نجى الورى من بعدماكانوا لدى زيغ الضلال على شفا
صلى عليك الله ما تليت لناأوصافك الغراء وما قرئ الشفا
وأنشدني معنى ابتكره فأجاد وهو قوله
قد قال لي الظبي مذ تبدينمام وشي العذار عارض
من دولة الحسن قد أتانيخط شريف بذي العوارض
ومن شعره قوله مشطراً
وزارني طيف من أهوى على حذرمناد ما بعتاب لذاذ لطفا
يبدي الرضى باسماً عن ثغري جزعمن الوشاة وداعي الصبح قد هتفا
فكدت أوقط من حولي به فرحاًلما أتى في برود الحسن ملتحفا
والقلب في عشقه زادت بلابلهوكاد يهتك ستر الحب لي شغفا
ثم انتبهت وآمالي تحتيل ليوصلا فما زار حتى مر وانصرفا
يا للهوى ما أتى الا ليحكي لينيل المنى فاستحالت غبطتي أسفا
وكتب إلى بعض أصحابه مستنجزاً وعده بالبطيخ ومداعباً
حسبي من المولى مقالة موجزوالوعد أكرم شيمة للمنجز
مولاي يا من فضله جادلناوسما بعز للقريض معجز
قد بت ليلي أشتكي حر الظمالا أرتوي الا بطيب الخريز
ولقد نصبت الأذن نحو الباب مرتقباً لآت حالة المستوفز
من بعدما مهدت في بيتي لهكنا حصيناً مانعاً بتحرز
ومنعت نفسي من دخولي سوقهوانفت من سومي به وتجوزي
وشرعت اأخذ أهبتي للقائهوجعلت عند الباب يوماً مركزي
حاشى وعودك سيدي من أن ترىالا على الاسعاف للمستنجز
فابعث بها كبد ورتم أشرقتتروى الأوام بجوفها المتحزز
حمر وصفر عن بياض نزهتوزهت بخضرة جلدها المتطرز
وأسلم وسدولك البقا تختال فياسمي محل بالسعود معزز
وله غير ذلك من النظم والنثر وكانت وفاته في ظهر يوم الاثنين السادس والعشرين من ربيع الثاني سنة أربع وتسعين ومائة وألف ودفن بعد عصر اليوم في تربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى وأموات المسلمين.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع