تجاوز إلى المحتوى

من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)

عبد الرحمن بن عبد الرزاق

عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد الشهير بابن عبد الرزاق الحنفي الدمشقي الشيخ العالم الفاضل الفقيه الأديب خطيب جامع السنانية ولد في سنة خمس وسبعين وألف ودأب في طلب العلم على مشايخ عديدة منهم الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي

والشيخ أبو المواهب الحنبلي والشيخ محمد الكاملي والشيخ عبد الله العجلوني نزيل دمشق وغيرهم حتى برع في جميع العلوم ودقق فيها وحررها لا سيما علم الفرائض والفقه والأدب ونظم في الفرائض منظومة نحو أربعمائة بيت سماها قلائد المنظوم في منتقي فرائض العلوم وشرحها شرحاً كشف عن وجوه معانيها لم ينسج على منواله سماه نثر لآلي المفهوم شرح قلائد المنظوم وله شرح على الدر المختار شرح تنوير الأبصار للعلامة الشيخ علاء الدين الحصكفي سماه مفاتح الأسرار ولوائح الأفكار وصل إلى آخر كتاب الصلاة ومن كتاب النكاح نبذة رائقة وتحريرات فائقه وله ديوان شعر وديوان خطب وغير ذلك من التعليقات وترجمه الأمين المحبي في ذيل نفحته وذكر له شيئاً من الشعر وقال في وصفه هو في النباهة متخلق وبالآداب الغضة متعلق لبس حبائر الحمد مفوفه واقتضى عدة الفضل لا ممطولة ولا مسوفه يغازل الألطاف غزل ابن اذينه ويكلف بها كلف جميل ببثينة بشباب له مجني رطب ومهتصر وعوده الطري لماء الحياة معتصر فعين الرجا شاخصة إليه وسمع الأنامل يطن بالثناء عليه بطبع ينير فيجلو الظلام المعتكر ويفيض فيخجل الوسمي المبتكر وله شعر حقيق بالاعتبار راجت بضاعته فنفق عند أهل الأختبار أرق من نسمات الأسحار وانضر من الروض المعطار فمما أهداه إلي وأرسلها بكراً تجلى لدي قوله

يا فريداً حوت بدائعه الغركما لا يرف لطفاً وحلما
لم تدع للأنام أبكار أفكارك معنى نصوغه فيك نظما
لا برحت الزمان تطلع في أفق المعالي فرائداً بك تسمى
فأعذر الفكر في القصور فإنييدرك الفكر بعض معناك فهما

سيدي وسندي الذي قلد أجياد البلاغة بغرر فكره وقسم السحر من بدائع نظمه ونثره وأدار على النهى سلافة ألفاظه وحكم كلماته وعطر الأرجاء بطيب نفحته وصيغ عباراته وأودعها عرائس أبكار ألذ من المنى عند النفوس يقول مقبل أردانها لا عطر بعد عروس وكيف لا وقد صير بديع الزمان من رواة أقلامه وصاحب قلائد العقيان من جملة خدامه وأوقف العيون والأسماع بفنون طرزها بتوشيح اليراع ورصعها بجوهر ايجازه فلولا الكتاب لتليت من سوره وعدت من أعجازه فهو لعمري آية لم يسمح بمثلها الدهر وحديقة كلل أغصانها الزهر فالله تعالى يحفظها على الدوام ويحرسها من غير الأوهام هذا والمتوقع من سحاب

نداه وبحر أفضاله الذي لا يدرك مداه إن يمن بكتاب القاموس المحيط والقابوس الوسيط فلا زالت أيامكم الزاهرة وأوقاتكم الزاكية العاطرة مواسم أعياد وأفراح تنشرح الصدور بها والأرواح والسلام على الدوام ومن شعره قوله من قصيدة مطلعها

بدر تم سما على أملودأم شموس علت قدود الخدود
أم مليح مقلد بالثرياحسن مرآه فتنة المعمود
ريم أنس دب الفتور بعينيهفأغنى عن ابنة العنقود
وثنى عطفه الدلال فخلناغصنا زانه رطيب النهود
ألف الصد والنفار فحسبيبالأماني أجنى ثمار الصدود
يا خليلي في الصبابة من ليوفؤادي يسيل فوق خدودي
حدثاني عن الحمى فعهوديفي هوى غيده الحسان عهودي

هو من قول ابن الفارض من قصيدة

فغرامي القديم فيكم غراميوودادي كما علمتم ودادي
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «خفف السير واتئد يا حادي»

عودا

زمن كنت أجتني ثمر القرب لدى ظل عيشها الممدود
حيث فيها غصن الشبيبة غضورباها مراتع للغيد
وبها كل مترف الجسم المىزان خديه رونق التوريد
شق عن زيقه الهلال وأمسىفرعه فوق بنده المعقود
يفقد القلب كل من رام أنيبصر هميان خصره المفقود
آه مما لقيته ثم آهمن دواعيه كاذبات الوعود
فلكم رحت من جفاه معنىفاقد الصبر زائد التسهيد
ملك القلب حسنه مثل من قدملك الدهر بالندى والجود

منها

يودع الطرس من بدائعه الغركرقم العذار فوق الخدود
لو رآه النظام عاين إنالجوهر الفرد ليس بالمفقود

وله من اخرى أولها

راق السرور ورق عودهوالسعد فيه أخضر عوده
والدهر وفى بالذيترجو وقد صدقت وعوده
والوقت طاب وجاد بالبدر الذي كالظبي جيده
ترف يكاد يسيل منلطف الصبا لولا بروده
يبدي الصدود وكلماأبداه يحلو لي وروده
سلطان حسن إن بداشخصت لطلعته جنوده
وإذا المتيم شامهبخياله احمرت خدوده
فكري لطائر وصلهنصبت حبائلها تصيده
فاصطاد قلبي صدغهالآسى وقيده زروده
قسما بطلعة وجههوبخده الزاكي وقوده
وبطرفه الساجي الذيجارت على المضني حدوده
وبسقم خصرنا حلأرواحنا راحت تعوده
ما خان قلبي ودهكلا ولا نسيت عهوده

وقوله أيضاً

أسروا الخواطر بالنواظروتقلدوا البيض البواتروتناهبوا الألباب ما

بين الحواجب والمحاجرفهم الأولى قادوا الأسود إلى الردى وهم الجآذر

هزوا القدود وأسبلوامن فوقها تلك الغدائرلي منهم الرشأ الذي

بالطرف أمسى ريم حاجرريان من ماء الدلال يميس في حلل نواضر

هاروت أحور طرفهالفتان للألباب ساحرخوط يريك إذا انثنى

في تيهه فعل السماهروإذا استبان جبينهضاءت لطلعته الدياجر

ما لاح بارق ثغرهالا وشمت الجفن ماطرأو خلت ورد خدوده

الا وفاح الخال عاطرملك رعيته القلوب وكل باهي الحسن باهر

حتى م يجفو بالصدود أما لهذا الصد آخروإلى م أرمي بالبعا

د وكم ترى فيه الخواطر

وقوله من اخرى

أشمس الضحى لاحت أم الأنجم الزهرأم الصبح أم وجه المليح أم البدر
أم أفتر ثغر السعد في مربع المنىفأشرقت الأكوان وابتهج الدهر
أم الروض أهداه الربيع قلائداًجواهر أزهار تكللها القطر
وهيهات بل هذا فريد بشامناأتاها فأحياها وعم بها البشر
وقلدها عقدي فخار وسؤددفذا سمطه علم وذا سلكه بر
فأصبحت الأفواه تشدو بمدحهفذا نثره زهر وذا نظمه در
واطلع في أفق المعاني دقائقاًيحار لديها الفهم بل يقف الفكر
همام له في كل علم فراسةومولى على أبوابه يسجد الفخر
حوى قصبات السبق في حلبة العلاونال فخاراً دون عليائه النسر

منها

وإن صاغ من عذب الحديث بدائعاًلمسن الغواني الجيد فانتثر الدر

هذا من قول المنازي

تروع حصاه حالية العذارىفتلمس جانب العقد النظيم
للشاعر المنازي، اقرأ القصيدة

ومثله قول المنجكي في وصف خط

لو شام ذو الخال نقط أحرفهلراح باليد لامس الخال

ويضارعه قول محمد ابن الدر امن قصيدة له

وحق هوى مصافحة المناياأخف علي منه باليدين
إذا فكرت فيه لمست رأسيكأني موقن بهجوم حيني

واصل هذا قول أبي نؤاس في الأمين ابن الرشيد

إني لصب ولا أقول بمنأخاف من لا يخاف من أحد
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «إني لصب ولا أقول بمن»
إذا تفكرت في هواي لهألمس رأسي هل طار عن جسدي
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «إني لصب ولا أقول بمن»

قال المصنف رحمه الله تعالى في نفحته وهذا النوع سماه المبرد في الكامل والتبريزي في شرح ديوان أبي تمام الايماء وهو اما ايماء في تشبيهه كقوله جاؤا بمذق هل رأيت الذئب قط أو إلى غيره قال الشهاب في كتاب الطراز وكنت قبل هذا اسميه طيف الخيال وهو إن ترسم في لوح فكرك معنى صورته يد الحيال فتصبه في قالب التحقيق وترمز إليه بجعل روادفه وآثاره محسوسة ادعاء كما إن ما يلقى إلى المتخيلة في المنام يرى كذلك ولا يلزم من ابتنائه على الكناية والتشبيه إن يعد منهما لأمر يدريه من له خبرة بالبديع ثم رأيت الخفاجي في آخر الريحانة بسط القول فيه وقال هذا لم أر من ذكره وهو مما استخرجته نطق الأفعال انتهى ملخصاً وللمترجم

طلعت فأشرقت المنازلحسناء ترفل في غلائل
وسرى بوجنتها الحيافأنهل ماء الحسن سائل
ورنت فخلت بجفنهابيض الظبي بل سحر بابل
ورمت بأسهم طرفهاعمداً فلم تخط المقاتل
نصبت لحبات القلوب سوالفاً هن الحبائل
وسبت بوسواس الحليذوي العقول وبالخلاخل
ومشت تهادي بالدلال وفرقها يبدي الدلائل
تخذت لصارم جفنهامن هديها تلك الحمائل

منها

فسألتها ماذا الذيبدر الدياجر منه آفل
هل ذاك نور جمالكالباهي أم الزهر الكوامل
بالله الا ما أجبتفإنني وافيت سائل
قالت وحقك إن هذاالأمر لم يحتج دلائل
هذا ضياء أماجدملكوا الفضائل والفواضل
من أشرقت بهم البلاد وشرفت بهم المنازل

وله من اخرى

يا رياضاً حكى شذاها العودكللتها من الزهور عقود
ورنت نحوها عيون مياهنبهتها الشمول وهي رقود
حبذا والمليح طاف بكأسمن رحيق عصيره العنقود
ونسيم الصبا أمال غصوناًحسدت عطفها الرطيب قدود
وزها الجلنار في الروض لماصفق النهر وانثنى الأملود

وقوله من اخرى

بسم الزهر وسط روض أريضعن ثنايا كما اللآلئ بيض
وزها الياسمين فيه وأضحىكمليح يرنو بطرف غضيض
ولطيف النسيم هب فأهدىمن شذاه الشفا لقلب المريض
وترى النهر فيه مد كجسرمن لجين صاف طويل عريض

وله أيضاً

نبهت مقلة الرياض نسائموأثارت عبير تلك الكمائم
وتثنت معاطف الدوح لماقلدتها عقد الزهور الغمائم
وشدت فوقها سواجع ورقفأهاجت بلحنها كل هائم
ونجوم الغصون تزهو إذا ماحركت عقدها أيادي النعائم
فوقها العندليب قام خطيباًيتهادى ما بين خضر العمائم
وثغور الأقاح قد بسمت مذأيقظ الطل جفنه وهو نائم
وبها الجلنار قام يريناأكؤساً زانها عقود التمائم
وخرير المياه غنى فخلناحوله طائر المسرة حائم
ونجوم الغصون تزهو إذا ماحركت عقدها أيادي النعائم
فسقى جلق الشآم سحابكلما سام نيرب السفح سائم
ورعى عهدنا بتلك الروابيما تغنت على الغصون حمائم

وقد عارض بها قصيدة استاذه وشيخه العارف الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي وهي

ذيل قاسون بللته النسائمبندى الورد والبخور الكمائم
لملاقاتنا ببستان أنسفوق أعواده تغنت حمائم
وجرت حولنا جداول ماءفكأن الربا لهن غمائم
وثغور الزهور تضحك زهواًوقدود الغصون خضر العمائم
عطس الفجر فانتهز يا نديميفرصة العيش في الزمان الملائم
وتأمل زهر الرياض إذا ماعقدت منه في الغصون تمائم
وانشق الطيب من مداهن وردنبهته يد الصبا وهو نائم
ومن الجلنار لاحت كؤوسمن عقيق بها المتيم هائم
أو هو النار حل فوق بساطأخضر لا يزال في الجو عائم
جمعتنا مع الصحاب رياضثم بالنير بين ذات النعائم
فابتهجنا بيومنا وشهدناموسم الأنس وهو في الروض قائم
وجلسنا من تحت ظل ظليلنتقي في الهجير حر السمائم
حي يا صاحبي على طيب عيشطير حظي على تلافيه حائم
واستمع بلبل الربا فهو شادوامتثل قولنا ودع كل لائم
إن هذا عيش ابن آدم اماما سواه فذاك عيش البهائم

وقد عارضها الأديب الحسيب السيد يوسف الحسيني الدمشقي مفتي حلب متخلصاً بها لمديح الاستاذ عبد الغني النابلسي المذكور ومطلعها

يا رياضاً زهت بلطف النسائموبها الورد شق جيب العمائم
وتغنت فيها البلابل لماساجلتها في الدوح ورق الحمائم

منها

فاعط للروض نظرة ثم نبهمنك طرف السرور إذ هو نائم
وأجل كأساً من الحديث علينايزدري نظمه بعقد التمائم
وممتع بما يفيدك شيخ الوقت عبد الغني حاوي المكارم

ومنها

كعبة للعلوم ليس له غيرصفات الكمال منه دعائم
كم جنينا ألفاظه بمعاناخجلت بالمقام عذب المباسم
وشفينا بها الفؤاد فكانتلجراح القلوب خير مراهم

وللمترجم مضمناً

فتكت فينا فمن بالفتك أفتاكاًيا مخجل البدر قلبي صار يهواكا
وتهت بالدل يا ذا الريم من هيفوفاق بدر السما نورا محياكا
وفقت غصن النقا بالعطف منك وقدأضحت ملاح الورى جمعا رعاياكا
وذاب جسم المعنى في هواك سدىمذ فوقت أسهماً للقلب عيناكا
لولاك ما عرفت نفسي الهوى أبداولم تنل شربة في الحب لولاكا
رميتني بالضنا والا سر يا أملىوسرت عني ولم تنظر لأسراكا
وقد أتى العيد يدعو الناس تهنيةوإنه بيننا أيام نلقاكا
عودتني باللقا والوصل تكرمةوبعد ذا سيدي أبعدت مرماكا
فصرت أندب أياماً لنا سلفتكان اكتحال عيوني حسن مرآكا
إنا عرفناك أياماً وداومناشجو فيا ليت إنا ما عرفناكا

وقوله

أخلصت فيه ولم أصبو لشراكومسكة الصدغ صادتني باشراك
ريم تحجب عني في محاسنهوصار يبصرني من طاق شباك
شاكي السلاح إذا ما مال من ترفيسبي العقول بروحي خصره الشاكي
ألحاظه فوقت سهم المنون لناوطرفه الناعس الفتان فتاكي
يا أحور الطرف ما قلب الشجي هدففأغمد جفونك واترك قول أفاك
وامنن على الصب في لقياك إن لهقلباً خفوقاً وطرفاً بالدما باكي
قد حكت فيك ثياب المدح فاصغ إلىقولي البديع وخلي نسج حياك
وجد بقربك يا سؤلي ويا أمليوهات حدث بثغر منك ضحاك

ومن مقطعاته

بخلت جفوني حين بان معذبيفقلت فلم لا تسمحين بدره
فقالت قذى الآمال بالوصل مربيفامسك دمعي أن يسح بقطره

وقوله

وأغيد سالت أدمعي لصدودهفمر بجفني للوصال قذا الرجا
فأمسكه كي لا يذوب من البكاويغرق طيف قر لي منه في الدجى

وله من الرباعيات قوله

قلبي اسروا وعقد صبري حلوامن قد هجروا وفي فؤادي حلوا
يا من سحروا عقولنا مذ ولواهلا نصروا وجدا علينا ولوا

ومثله قوله

يا بدر إلى م تطيل عمر الهجروالجفن إلى م يسح سح القطر
بالله عليك عد بوصل كرماوأطفي ظمائي يرشف ذاك الثغر

ومن معمياته قوله في عبد السلام

مليح يريك الشهد مبسم ثغرهإذا افتر عن برق الثنايا ووامضه
على خده خال من المسك ختمهبأخضر ذاك الصدغ حل وعارضه

وقوله في عثمان

رشأ تلاعب بالعقول ولم يزلبطلا الدلال وبالملاحة يسكر
لا غروان وافى الصيام وخدهكالجلنار يفوح منه العنبر

وله في حجازي

من بني الترك مترف الجسم المىخده قد أبان آسا ووردا
فتن العقل حين جاء بوجهذو حياء وأودع القلب بعدا

وفي عيسى وعلي

فم يا نديمي حث الكأس مصطبحاواشرب فديتك بين الروض والزهر
لعل بعد احتساء الراح يا أملييزول عني ما ألقى من الكدر

وفي جلنار وتمام

أفدي الذي صاد الفؤاد بحبةسوداء لاحت فوق أخضر شاربه
بدر أثار صبابتي من بعدماأرمي نبالاً من قسي حواجبه

وللمترجم غير ذلك من الشعر وكانت وفاته في سنة ثمان وثلاثين ومائة وألف رحمه الله تعالى.

النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين المهملة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.