من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
عبد الغني الياغوشي
عبد الغني بن محمد بن إبراهيم بن صالح بن عمر باشا بن حسن باشا صاحب الخان والوقف المعروفين بدمشق الشريف لأمه الدمشقي الحنفي الكاتب البارع النبيه الفطن الذكي ولد بدمشق ليلة السبت خامس شعبان سنة تسع وأربعين ومائة وألف ونشأ بكنف والده وأخذ الخط عن خاتمة الأدباء أحمد بن حسين الكيواني وبرع بصناعة الانشاء وتعلق على مطالعة كتب الأدب والمحاضرات ولازم الأدباء وجالسهم وفي سنة تسع وثمانين ومائة وألف رحل لقسطنطينية صحبة قاضي مكة المولى أحمد عطاء الله عرب زاده الذي هو الآن قاضي العساكر ورئيس العلماء واجتمع بصدور الدولة ورؤسائها ولما تولى الصدارة الكبرى الوزير محمد باشا السلحدار صار يتفحص عن أمور الدولة فأخبر عن المترجم بأشياء ذميمة فصدر الأمر بنفيه إلى جزيرة لمنى فبعد وصوله فر منها وقدم بروسه ولما أعطى الوزارة الكبرى الوزير محمد عزت باشا أطلق المترجم وأدخله في سلك الكتاب كتاب الوزير وعين له بعض التعيينات السلطانية وفي سنة سبع وتسعين وجهت وزارة دمشق للوزير درويش باشا ابن عثمان باشا فرغب صاحب الترجمة في الانتماء والانتساب إليه فترجى من الدولة أن ينعموا عليه بأمر سلطاني يصير سبباً لمجيئه لدمشق فأنعموا عليه بأمرين أحدهما خطاب لوالي حلب والثاني للوزير المذكور مع بعض أوامر فقدم حلب ودمشق وصدرت منه زلة أيضاً صارت سبباً لنفيه مرة ثانية فنفي بالأمر السلطاني إلى جزيرة عورت تجاه بلدة طرابلس الشام ثم جاءه العفو فرجع إلى دمشق وله شعر لطيف ينبئ عن قدر في الأدب منيف فمنه قوله ممتدحاً الوالد المرحوم
ريم رشيق القد مائسقد بات لي سحراً موانس
نشوان من خمر الشباب مهفهف الأعطاف مائس
حلو الحديث وبارد الأنفاسساجي الطرف ناخس
وافى وقد هدأت عيون الدار من واش وحارس
فجلوت منه الشمس فيغسق وجنح الليل دامس
وأخذت منه طائعاًما كنت آخذ منه ناعس
ولمست من أعطافهما لم يلامسه ملامس
أفديه من متوحشقد صار لي في الوصل آنس
لم أنس ليلة بات ليذاك الغزال بها مجالس
حتى شهدت بحسنهحرب البسوس وحرب داحس
أشبهت يا ريم الكناسمحاسناً صنم الكنائس
ألبستني حلل الضناوشغلت قلبي بالهواجس
عجبي لطرفك كيف أسهرنيبحبك وهو ناعس
وضعيف خصرك كيفصلت به على الشوس المعاوس
إن لم تتب عما جنيتوترتدع عن ذي الوساوس
أشكو فعالك للهمامالندب معدوم المجانس
بدر المساجد والمدارس والمنابر والمجالس
نبراس آل محمد الغرالميامين النبارس
سيف السيادة من بهرغمت من الأعدا معاطس
نعمان أرباب الدروسفقيه أصحاب الطيالس
مخدوم سلطان الورىمولى الجميع بلا مجانس
قطب له الفضلاء فيوقت الدروس غدت فرائس
نعس الذي أضحى لهفي الجود والاقدام قانس
هذا الذي واسى وقدعز المواسي والموانس
بحر السماح ومن تهللوجهه والجو عابس
نطق إذا ازدحم الندىبكل مرؤس ورائس
تجثو الرؤس للثم أخمصهوتزدحم القلانس
فاهنأ بشهر الصوم ياشمس المكارم والنبارس
شهر عظيم قدرهولنا به الحنان حارس
مولاي دعوة آملمن عطف قلبك غير آبس
فأزح بصبح رضاك عنقلبي من الكرب الحنادس
وألن لي الزمن الذيما زال قاصي العطف شابس
واليكها عذراء ترفل من مديحك في ملابس
عربية لم يأت قطبمثلها في الحسن فارس
كلا ولا عبرت علىفكر الفحول بني مكانس
فانحر لها بدر النضار وزفها زف العرائس
وبقيت ما بقيت تناشدها الأكارم في المجالس
وله غير ذلك من الأشعار والنظام والنثار وكانت وفاته بدمشق مطعوناً شهيداً في منتصف رجب الأصم سنة مائتين وألف ودفن عند سلفه بتربة الباب الصغير رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع