من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
السيد عبد اللطيف القدسي
السيد عبد اللطيف بن عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد القادر الحنفي القدسي نقيب القدس وشيخ الحرم بها ورئيسها وعين أعيانها السيد الشريف الجواد الممدوح الكامل السخي المعتبر الشهير اللطيف صاحب الفخر الأثيل والمجد العريق الجميل كان أحد من تفرد بوقته بالجود والكرم حسن الأخلاق مهاباً رفيع القدر سليم النفس طيب الأعراق زاكي الخصال ذا بشاشة وفيه محباً للفقراء والضيفان مسدي المعروف لأهله والاحسان ولد في سنة خمس عشرة ومائة وألف ونشأ في السيادة رافلاً وفي السعادة راتعاً وأسفر صبح معاليه وطابت أيامه ولياليه وتولى منصب نقابة الأشراف ومشيخة الحرم الشريف واستبد مشيداً أركانه ومؤطراً للواردين من الاكرام بنيانه واشتهر وذاع وملأ صيته الأفواه والأسماع وأقبلت عليه من كل ناحية الوراد ووفدت إليه من كل بقعة غرائب العباد وهو يوسعهم اقبالاً وتبجيلاً ويزيدهم مكرمة وتفضيلاً وكان يتقدم لخدمة الضيوف بنفسه وأولاده ويقابلهم بوجه ضحوك ويعظم الضعيف قبل الشريف ولما قدر الله تعالى على الحجاج ما قدر من نهبهم وما جرى عليهم في زمن الوزير حسين باشا بن مكي الغزي وردت الحجاج من كل فج إليه مشلحين بلا زاد ولا رداء أفواجاً وأفراداً فكان يتلقاهم بصدر
رحيب ويوسع لهم الحباء ويمنحهم التقريب وهو يكسو العاري ويطعم الجائع وأرفدهم بذلك بمزيد الاجتهاد من الاكرام وكان نزيل ساحته ومسافره إذ ذاك الفاضل الأديب الشيخ محمداً أبا النصر الطرابلسي فقال يمدحه حاكياً هذه القضية بقوله
بشراك بالاسعاف والاسعادوالعز والاقبال والامداد
يا سيداً قد حاز كل فضيلةيا كوكباً لذوي الحوائج هادي
مولاي بل مولى الأنام لطائفاًأحرزتها من غير ما ميعاد
قد قمت لله العليّ جلالهحق القيام على مدى الآماد
ومنحت وفد الله خير منائحوحبوتهم وشفيت غلة صادي
ورحمت رغبتهم بأنس زائدوأزلت عنهم وحشة الأبعاد
وأنلتهم لأجل ما قد أملوافأغثتهم يا مأمل القصاد
فغدوا وكل شاكر لك حامدمثن عليك وقد منحت أيادي
لكم لقد رفعوا أكفاً بالدعايا ربنا كن عونه يا هادي
وأعذه يا رباه من شر العداوأكفه شرار الخلق والحساد
فأشكر على ما قد رزقت من العطافالشكر للنعماء أفضل زاد
وأعلم بأنك قد بلغت مطالباًمن غير ما عزم ولا استعداد
فأبشر وطب واهنأ بعز شامخلا زلت تمنح غادياً مع بادي
وأرق العلى أبدا على رغم العدامع سائر الأحباب والأولاد
ما غرّدت قمرية في دوحهاتشدو فتطرب رائحاً مع غادي
وامتدح بقصائد وأبيات كثيرة وممن امتدحه الشيخ سعيد بن محمد السمان الدمشقي فقال من قصيدة يهنئه فيها بزفاف ولديه ومطلعها
إن المعالي والسيادة والمننوالمجد والاجلال والخلق الحسن
نيطت بآل البيت من سادوا الورىشرفاً وشادوا في العلى أقوى سنن
وتملكوا الأعناق بالجود الذييزري بودق الساريات إذ أهتن
وسموا السماك بلا مدان وارتدواأزر التقى وتقلدوا سيف الفطن
وتمنعوا عما يشين وأوسعوابشرى لمن في ظل جاههم قطن
وبجدهم نالوا الفخار وما ارتضوازهر النجوم بأن تكون لهم سكن
فهم الأولى لا شك نستسقي بهمغيث الغمام إذا بنا ضاق العطن
وبحبهم نرجو مقامات العلاوبجاههم نبغي الخلاص من الأحن
قوم نراهم ما جرى ذكراهمفي محفل الا به افتخر الزمن
فهم النجوم المهتدي بضيائهاإن عمت البلوى وأزعجت الفتن
لا سيما رب المكارم والندىورئيسهم من قد حوى الأجلال عن
من حاتم عند انسياب أكفههو ما در بل بالندى هيهات أن
فرد الزمان وتاج مفرق عزهوالدافع الجلاء والمولى المنن
ومن استعار الغيث فضل نوالهإذ رام يهمي والسحاب إذا أرحجن
وحوى المحامد واستبدّ بجمعهاوعن العيون بكسبها زاوي الوسن
ورقى معاريج الكمالات التيمن رامها قالوا له أنت ابن من
لا عيب فيه غير أن نزيلهينسى به ذكر الأحبة والوطن
فكأنما كفاه لم تخلق سوىلصنائع المعروف سراً أو علن
فهو الهمام ابن الهمام المرتجيوهو الشريف ابن الامام المؤتمن
وامتدحه غيره من دمشق وغالب الأطراف وورد دمشق وتكرر منه الورود وأقبلت عليه أهاليها ورؤساؤها وصدورها وعلماؤها سيما والدي فإنه كان يجله ويحترمه ويوده ويعظمه وبينهما مودة ومصافاة وارتحل للديار الرومية ولم يزل في القدس صدرها الذي عليه مدار رحاها والمطمح الذي لذوي الحاجات والوراد نيل رجاها إلى زمن الوزير عثمان باشا والي دمشق وأمير الحاج فلعدم امتزاج أهالي تلك النواحي مع الوزير المذكور حصل له من طرفه صدع اضمحل به عزه وأراد هتكه وإهانته وأوقع أهل الفساد بينهما من المشاحنات ما أدى إلى البغض والعداوة حتى إنه نبه عليه أن يلزم داره ولا يتعاطى سوى أمور النقابة ولم يزل على ذلك حتى عرض بالنقابة لولده السيد عبد الله واستقام على حالته الحسنة ولم يتغير عن كرمه وترجيه وإسعافه الوراد والقصاد وعن طريقته في ذلك ولم يزل رئيساً معتبراً إلى أن مات وكانت وفاته في يوم الأربعاء ثاني شهر ذي القعدة سنة ثمان وثمانين ومائة وألف وسيأتي ذكر والده رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع