من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
عبد الوهاب الدمشقي
عبد الوهاب بن مصطفى بن إبراهيم بن محمد الحنفي الدمشقي نزيل قسطنطينية الشيخ الفاضل الماهر الأديب البارع كان له مهارة بالعلوم وألف رسائل كثيرة وكانت له مداعبة ومجون مع حدة اللسان وهو من تلاميذ وأتباع الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي فلذلك كان مشتهراً بتلميذ الشيخ عبد الغني وكانت استقامته في اسلامبول في مدرسة الوزير علي باشا المعروف بالجورلي وكانت أبناء دمشق وغيرها تجتمع عنده على مذاكرة ومداعبة ورأيت له من النظم أبياتاً أجاب بها الفاضل الأديب السيد محمد العطار الدمشقي عن لغز نظمه وأرسله إلى العلامة الشيخ إبراهيم الحلبي والأبيات قوله
أيا فاضلاً حاز البراعة بالقلبوصاغ فنوناً في البلاغة كالقلب
وفاق بنظم الشعر سحبان وائلوقس أياد في القريض على القرب
نظمت عقود الدر في سمط رقةوقلدتها جيد الخرائد من عرب
ولا عجب إذ أنت في الفضل سيدكجدك ذي التحقيق في الشرق والغرب
أتيت بلاد الروم ضيفاً وطارقاًمن الشام من أرض مقدسة الترب
تروم لنيل العز من دولة علتبرفع منار العلم والشرع كالشهب
أدام لها المولى نظام كمالهاوأيد سلطاناً بها مصطفى ربي
سألت عن اسم قد لغزت حروفهثلاثاً تروم الجبر للكسر في القلب
وعن مشكل لا يهتدي لمثالهأولوا اللب في فن الحساب وفي الطب
ورابعها تربح بتصحيف ما بقيوصفها لباقيه تراح من الكرب
وأوله حرف بأحمد عدةوطه رسول الله في الحمد قد نبي
وثانيه باسم الله ﷻتقدس رحمانا تبارك من رب
وتصحيفه زاد الوحوش بحبهومطبوخه للناس في سورة اللهب
وأيضاً فمال في الوصية قد أتىبقرآننا السامي على سائر الكتب
ومعنى حديث للنبي كما بهسرور وبشرى إذ مضارعه ينبي
وأوله أخربه الشمس تنزويوخنسها أيضاً تسير كما السحب
فهذا جواب عن سؤالك ناطقاًبملغزك المرموز من غير ما عجب
أجابك شامي كمحتدك السنيثوى في بلاد الروم من سائر الحقب
أقام بها سبعاً وعشرين حجةفصار كأهليها يعد من العرب
ويدعى بعبد للآله الذي لهنهاية اكرام وذي الجود والوهب
لعبد الغني السامي لنسبة خدمةونابلسي الأصل ينعت في القطب
فما اسم ثلاثي تراه بما مضىوقلب له لا يستقر من الحب
يهيم به كل امرء لنوالهويكدح في مرآه في طلب الكسب
وأوله ذل الهوان وذيلهبجد وكد في لقاه وفي كرب
وتصحيفه عطر يفوح شميمهبمسك وطب يقتنيه ذوو الطب
وعين من الأعيان يرعاه طلسموجسم له عار يعار بلا ثوب
وتقميصه لا زال في كسوة لهوتلقاه في أعلى المنازل والترب
أجب عنه يا خلي لتحظى بنيلهمن الواهب الداني يزيد على السحب
ودونك أبياتاً تخجل ناظماًلتقصيرها عند الأديب ذوي اللب
فأسبل عليها ستر عفواً بيديفمثلي ذي التقصير والعي والعتب
فأجابه العطار بديهة مغيراً للوزن لا القافية
لله درك يا ذا العلم والأدبومن أقر له التحرير في الكتب
لأنت فهامة في كل مشكلةإذا حللت لها وفيت بالأدب
فإن كشفت قناعاً كان مستتراًمن تحته لغزي ما ذاك بالعجب
وقد أجبت بما يشفي الفؤاد بهمن فكرة في دجى الأشكال كالشهب
وجئت تسأل عن لغز عقدت بهعقداً من الدر في سلك من الذهب
لكن بأوله ذل الهوى وبههاء الهوية تغري الصب بالوصب
يهدي إلى طرق الفردوس صاحبهوطال ما جر أقواماً إلى اللهب
لا زلت خير رفيقيه وقد هطلتمنه عليك غيوث الفيض كالسحب
واللغز الذي نظمه العطار شرحه الحلبي المذكور في رسالة قليلة وهي عندي وهو لغز في جبر واللغز الثاني في ذهب وكانت وفاة المترجم في اسلامبول سنة تسع وثمانين ومائة وألف ودفن بتربة قاسم باشا رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع