من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
علي العمادي
علي بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن عماد الدين الحنفي الدمشقي المعروف كأسلافه بالعمادي صدر صدور دمشق كان مهاباً محتشماً وقوراً عالماً علامة نحريراً فقيهاً أديباً ماهراً حاذقاً فائقاً ولد في دمشق ليلة الأثنين ثالث شعبان سنة ثمان وأربعين وألف ونشأ بها وقرأ على والده وعميه شهاب الدين وكمال الدين العالمين الفاضلين وعلى جماعة منهم الشيخ محمود الكردي والعالم الشيخ إبراهيم الفتال والفرضي الحيسوب الشيخ رجب القصيفي الميداني وغيرهم وتولى تدريس المدرسة السليمانية في الميدان الأخضر وافتاء الحنفية بدمشق وعزل عنها وسلك بها سلوك سلفه المتقدمين وبالجملة فقد كان من الأعيان الأفاضل مرجعاً في الأمور ومحترماً ترجمه السيد محمد الأمين المحبي في نفحته وذكر له من شعره وقال في وصفه هو الآن في الحضرة الخضرة متعين في نظرائه بالمعالي النضرة فيكاد يشير إليه من يغمض عينيه ومن أرد أن يكون السعد من خدمه فليضع قدمه مكان
قدمه فالاقبال كأنما خلق لأجله واليمن في مواطئه بخيله ورجله وهناك جد لو كان بظبة صارم ما تبدا غراره وبشر لو سال بصفحة البدر ما خيف سراره وأنا إذا جئت أصفه ولا أقدر أني أنصفه قلت أعلى الله مكانه وشيد في أفق النباهة أركانه فما زال إلا من يواصل هدوه والجذل بصاحب رواحه وغدوه وله السلامة التي يهنأ بها ويحيى والدنيا التي لم تزل غضة العهد طلقة المحيا وله عندي وراء ذلك وداد برى من الكلف وامتداح لوناً له البدر لأنجلى عنه الكلف وهو في الفضل كأبيه وجده وإذا قيس بهما فقد انتهى لأقصى حده وأما أدبه فقد حل من البراعة مكاناً علياً وهمي ودقه على ربا الاجادة وسمياً وولياً فإذا أجال يراعه ملأ القرطاس بلاغة وبراعه وإذا وشى الصحائف من حبائر بديهته واملأته فكأنما أفاض عليها من أنواره ولألأته وقد اثبت له ما يهيج الأدب ويزينه وإذا وزن به الشعر رجحت موازينه فمنه قوله فيما كتبه إلى الأستاذ الكبير زين العابدين الصديقي يستدعيه لدمشق
قد ألبس الروض أنواعاً من الحبروتوج الغصن اكليلاً من الزهر
ومدت الأرض وسط الروض جاشيةمن الزمرد في مستنزه نضر
وقام كل خطيب في الرياض شدابلحن معبد وقع الناي والوتر
وفاح نشر عبير في دمشق غدايغني بطيب شذا عن عنبر عطر
كأن عطر غوان قد ضمخن بهأتت به من بخور نسمة السحر
وراقبت فرصة الأخفاء فانغسلتكالسحر بين مقر الجن والشعر
فاستبضعت كل لطف مع لطافتهاواستصحبت كل عرف طيب الأثر
فقمت أنشق رياها وقلت لهاجودي علي فإني لأت مصطبري
وخبريني أهذا العرف منشأوهعن طيب مخبر أم أطيب الخبر
قالت أعيذك من هذا النباء أماكفاك رونق هذا العام من خير
فالشام سامية والأرض ناميةوالسحب هامية بالطل والمطر
من أجل أن امام الوقت أعنى بهزين الأنام وكهف البدو والحضر
ذاك الامام الذي بالمجد قد بهرتآيات محتده الزاهي على الزهر
وابن الامام الذي ما مثله أحدإذ كان في الغار ثاني سيد البشر
يروم جلق قصداً أن يشرفهابالبشر منه فتضحى نزهة البصر
فقلت أهلاً بما أديت من نبأأودعت في السمع منه أنضر الدرر
وصرت ألثم فاها فرحة وهوىومنطقاً ورده أحلى من الصدر
فأنجز الوعد لطفاً منك سيدنافالشام إن جزت صينت عن يد الغير
فأعين الزهر وسط الروض شاخصةلكي تراك فتحظى منك بالنظر
ومن شعره قوله مخمساً
إذا رأيت ليالي الوصل مقبلةمن الحبيب فأحسنها معاملة
وقل له إن ترم مني منادمةأصحب نديمك أقداحاً مسلسلة
من الرحيق وأتبعها بأقداح
وأسقه أنت بغياه وطلبتهلتجمع الراح والأفراح ليلته
ولا تلمه فإن الشرب نشأتهمن كف ريم مليح الدل ريقته
بعد الهجوع كمسك أو كتفاح
فالراح كالريح نعم القول من نبأوقد روته بنو العباس عن ملأ
وقال اسحقهم ناهيك من فتألا تشرب الراح إلا من يدي رشأ
تقبيل وجنته أشهى من الراح
قوله فالراح إلى آخره هو من قول بعضهم
الراح كالريح إن مرت عطرتذكو وتخبث إن مرت على الجيف
ومن بدائعه قوله
عز هذا العزيز في سلطانهومضى والمطال أكبر شأنه
وأرانا من سحر عينيه هاروت وماروت من شبا أجفانه
فاستمال القلوب نحو محياكان سلب العقول من برهانه
وحبانا من جل ما نتمنىغن شذا ورده ومن ريحانه
وأرانا برق الثنايا اختلاساًخوف واش وحاسد يريانه
ورأيت الغرام من فيه لمالاح فرق اللما وضؤ جمانه
فشهدت المدام في الكون طرامن لماه والسكر من لمعانه
وضروب الجمال قد جمعت فيهوفي شكله وفي ألوانه
قده كالقضيب من فوق ردفذي اهتزاز يميس في أعكانه
تحت وجه كالروض أودع فيهكل معنى يروق في ابانه
خده كالشقيق في اللون والصدع كأس الرياض في عنفوانه
تحت جيده الذي حل فيهخاله مخنف لجل مكانه
فافتتنا بقامة وبجيدوسبانا زمردي هميانه
وقوله
وكأنما المصباح وسط حديقةمحفوفة بالورد والنسرين
بدر بدا تحت السحاب أحاطهقزح بقوس محكم التكوين
أو غادة قد ألبست لبهائهاحلل الجمال بديعة التلوين
أو شادن قد خط تحت جبينهبالطرة العجماء تحت السين
وقوله
باكر صبوحك من فيه مشعشعةتضئ إن رشفت منه كمصباح
بيضاء مثل نهار الوصل رؤيتهاوحالة الرشف تكسي لون تفاح
لأن نسبت در الثغر حالتهاودنها من عقيق اللون وضاح
وعاذل قال ما في الراح معتبةفاستغن عنها بكاسات وأقداح
فقلت يا جاهلاً في الحب معرفتيإليك عني فلا أصغي إلى اللاحي
لا أشرب الراح إلا من مقبل منتقبيل راحته أشهى من الراح
وله في العذار
ما كنت أحتسب قبل نبت عذارهإن العذار لحسنه تأكيد
حتى بدا في خده متجعداًكفتيت مسك لا يلين جديد
فكان محمر الخدود شقائقعن لثم أفواه الأنام تحيد
وكان معوج العذار بصدغهشرك لحبات القلوب يصيد
وله في البيت الأخير الاستخدام
وعاذل قال عقرب لذغتأحمد نوع الجمال سيده
قلت عجيب لها أما رهبتعقرب صدغ رأت محدده
قالوا رأته وأنت تخبرهذاك للسع اللقلوب ترصده
فقلت إذ بان إن عقربكملما أتته رأت تأوده
خافت على قلبها يمزقهفزحزحته وقبلت يده
وكتب إليه الأمين المحبي المذكور يستأذنه في التنزه أياماً بقصره الذي أحاطت به السراء إحاطة النطاق بخصره سيدي وسندي أنقذ الله على يديك الخواطر من همومها وجلا عنها بحسن توجهك غياهب عمومها الزمن وما أدريك لم يبق لنا فيه إدراك من نكبات أولاً طيش وصالها لأتصلت اتصال الشؤبوب شؤبوب وذان اسلوب الدفعة من المطر وغيره وله معان أخر لسان العرب انتهى وصدمات لولا تكسر نصالها لكانت كالرمح انبوباً على انبوب
انبوب ما بين كل عقدتين من القصب وكعوب الرمح النواشز في أطراف الأنابيب الصحاح فلا يعتمد ما في المصباح والقاموس عن تفسير الكعب كما نبه عليه ناج العروس انتهى ولكن ثم نفوس من الفكر طائشة لا تحسبها إلا من ناهل الحمام عائشة فهي تستدعي بعض مألوفاتها لا عن رويه طامعة في حسوة من الأماني أما قذية أو روية وذلك لدفع صائل لا يتوقع طائل وإلا فكلنا يعرف زمانه ويعلم إن النهوض فيه زمانه وقد طلبنا فلم نجد غير قصرك البهي من النوازل مفراً ولا مثل ساحته للأمن من الغوائل مقراً إذ هو القصر الذي أقرت له القصور ولبست منه الشعري العبور ثوب الغيور فعسى ما عز على العيان من لقياك نستنشق فيه من مواطئك عرف رياك فإن أذنت فمثلك منزه عن التقاضي ومثلنا موله بالتقاضي ولك الفضل الذي إذا كشر الدهر عن نابه تكشف الجوادت عنابه والثناء على سجيتك ثناء الروض المونق على الغدير المغدق والسلام على خلقك العاطر سلام النسيم على الغصن الناضر
وبقيت في يوم أغر مبشربسعادة غراء تطلع في غد
لتقيم كل مأود وتنيم كلمسهد وتضم كل مبدد
وللمترجم
ومنذ حللنا مصبحين بروضتهوقابلنا سلسالها بصفائه
وهب نسيم الغرب يسحب ذيلهبنفحة طيب فاح عرف ذكائه
وقام للقيانا خطيب هزارهاعلى فنن يتلو ضروب غنائه
وأفرشنا فيها الربيع مطارفاًوجر علينا اللهو فضل ردائه
تراقصت الأغصان في جنباتهاوصفق فوق النهر راحة مائه
وأسكرنا من طيب راح حديثهنديم ندامى جملوه برائه
أكب إلى أن قلدته عقودهامدامة شمس أشرقت بسمائه
وجاء لنا يلقى نثير حبابهافشنف منا السمع عند لقائه
ورحت ومن أنفاسه بي نشوةكنشأته بالراح عند جلائه
وله
خلت سواداً في بياض خد منأربى على الشموس في إشراقه
حيرني ثم أضاء ثغرهرأيته الأهداب من عشاقه
وله في مقام السيدة زينب رضي الله عنها
جئت بالذل للزيارة يوماًراجياً محو زلتي وذنوبي
وتشفعت بابنة ابنة طهسيد الرسل ملجأ المكروب
جازماً أن أنال منه مراديآئياً من عطاه بالمطلوب
وله مشجراً
سلوه لماذا يستبيح دم الصبأيحسب إن الحب فيه من الذنب
يضل ويهدي من يشاء كما غدايميت ويحيى بالتباعد والقرب
دعا لهواه القلب مرسل صدغهفراح يلبيه الفؤاد من اللب
يبيت به جفني القريح مسهداًويصبح فيه الطرف أحير من ضب
بمن جعل الورد الجني مسيجاًبآس عذار طيب نفحه طبي
كفيت عناءي فيه داوي بلثمهحريق لظى وجد تسعر في القلب
ربيب فؤادي إن صبري خاننيوضاق لفرط الوجد فيك فضا رحبي
يقيك الهي لوعتي وتولهيبحبك فرج بالاجابة لي كربي
وللمترجم غير ذلك وكانت وفاته في ليلة الجمعة وقت السحر في منتصف ذي الحجة سنة سبع عشرة ومائة وألف ودفن بمقبرتهم بباب الصغير رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع