من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
السيد علي الكيلاني
السيد علي ابن يحيى بن أحمد بن علي بن أحمد بن قاسم الكيلاني القادري الحموي شيخ السجادة القادرية بحماة ومن تفيأ ظلال العلوم وقال في حماه الشيخ المرشد الفالح الصالح السيد الشريف الحسيب النسيب المسلك المربي الصوفي العالم العلامة
المحقق الفاضل الأديب اللوذعي الامام الجليل الأستاذ الكبير كان فطناً حميد الأفعال معظم القدر عند الناس كأسلافه حليف مجد وسيادة ولد بحماه في ليلة الجمعة بعد طلوع الفجر في أواسط رجب سنة أربعين وألف واتفق أن والده ليلة ولادته رأى في المنام جده الأستاذ الشيخ عبد القادر الكيلاني ﵁ وفي يده مصباح يضئ فقال له يا يحيى خذ علي وأعطاه المصباح فأستيقظ قريب الصباح فرأى زوجته جالسة وخادمتها يقظانة فقال لها يا أم مكي قد رأيت جدي في منامي فصدقي بما أقوله ولا تشكي رأيته وبيده مصباح يضئ وقال لي يا يحيى خذ علي إلى آخره فإن أتيت بمولود نسميه علي وأنت والجارية حوامل فعسى أن تسبقيها فأجابته الجارية بالأعتراض سيدي قد سبقت ستي إليه ومن أول الليل قد طرقها المخاض وهذا أوان الولادة ثم مكثت زوجته غير بعيد ووضعته في الوقت المذكور آنفاً فنشأ صالحاً متعبداً وقرأ القرآن العظيم وجوده واشتغل بقراءة العلوم وأخذها وتلقى الأدب فقرأ الفقه والعربية والمنطق واللغة والتصوف وأجازه جماعة من المشايخ الأجلاء في الحديث وغيره وكان مكباً على تحصيل العلوم والحقائق يجتهد في اقتناص شوارد الدقائق محباً لأرباب الكمال محبوباً لدى الخاص والعام وبالجملة فقد كان أوحد زمانه ذكاء وسناء وعقلاً وفضلاً وظرفاً ولطفاً وأدباً مع حسن ورع وعفة ونجابة وديانة واعتدال خلق وخلق ومما قيل فيه
لقد طالت خطاه إلى المعاليوسار لنيلها سير الجواد
فما للفخر غير علاه بابولا للمجد غير سناه هادي
محل ما ارتقى أحد إليهولا حظيته همة ذي ارتياد
ثم توجه للحج وهو مراهق دون البلوغ في صحبة والدته وابن عمه الشيخ عبد الرزاق في سنة اثنين وخمسين وألف واختتن في المدينة المنورة واتفق أنه رأى النبي ﷺ في المنام وهو في الحرم الشريف النبوي قبل أن يحج وحوله جماعة فقال له ﷺ يا علي نحج في تلك السنة تولى نقابة الأشراف بحماة وحمص وعمل له شيخه الشيخ يحيى الحوراني تاريخاً وقصيدة فالتاريخ قوله
لما تصدر في النقابة أرخواسعد النقابة في علي الكيلاني
وذلك في سنة سبعين وألف واستقام نقيباً في ذلك إلى أن توفي ابن عمه الشيخ إبراهيم ابن الشيخ شرف الدين وجلس على السجادة القادرية في البلاد الشامية وذلك سنة اثنين وثمانين وألف فأقام بها على أحسن قيام وأتم نظام وسلوك تام كأسلافه
الماضين وآبائه السراة الصالحين من اقامة الأذكار وقراءة الأوراد في العشي والأبكار والباس الحرقة وسلوك الطريق والدعا إلى الله على بصيرة وتحقيق وتربية المريدين وارشاد الطالبين واكرام الضيوف والواردين واطعام الطعام واكرام القصاد والزائرين وفي سنة تسعين وألف قدم دمشق حاجاً هو وعياله وأولاده وأتباعه وخدامه واستقبله أهالي دمشق وأعيانها بمزيد التوقير والاحترام وسعوا إليه وترددوا إلى منزله ولم يبق أحد من العلماء والأجناد والمشائخ الأواتي إليه وامتدحوه بالقصائد الغر وامتدحهم وعمل رحلة رأيتها وطالعتها ذكر فيها من اجتمع به منهم ووالي دمشق إذ ذاك الوزير عثمان باشا حصل له منه مزيد التبجيل والاكرام وكذلك قاضيها المولى الفاضل مصطفى الأنطاكي وحج في تلك السنة وكان أمير الحج خليل باشا ابن كيوان ورجع إلى وطنه حماة وسافر لطرابلس الشام وإلى حلب غير مرة وفي كل بلدة يحصل له مزيد الاكرام وكان أديباً ناظماً وله ديوان يجتمع على تغزلات ومدائح ومقاطيع وألغاز وقصائد مطولة ومعميات ودو بيت وبالجملة فقد كان شيخ الشيوخ وقد رأيت ديوانه وذكرت منه ما رق وطاب فمن ذلك قوله كتبه لأخيه الشيخ إبراهيم حين كان ببغداد وتولى النقابة بها ومطلعها
يا عربياً حلواً حمى الزوراءانتموا داء علتي ودوائي
قد فرقتم ما بين جسمي وقلبيحين فارقتكم وعز لقائي
من أقاصي الحشا سلبتم فؤاديورقادي من مقلة قرحاء
فأنعموا لي برد عيني لعليأن أرى طيفكم محل غفائي
إن نأيتم عن العيون دنيتممن ضلوعي وداخل الأحشاء
كان عهدي بالصبر حين رحلتمأحسن الله باصطباري عزائي
لا ويوم النوى وحال المعنىحاضر غائب عن الأحياء
هان بل أهون الهوان المناياعنده بعد فرقة الخلطاء
حين ساروا وخلفوه صريعاًويجيب السؤال بالايماء
ذكر كم قوته ووصف حلا كمشربه دائماً مكان الماء
ليس يدري بما به من بعادمن سمى الخليل رب الوفاء
الامام الهمام علماً وفضلاًومزاياه جاوزت احصائي
اسمه عم مغرب الشمس فانجاب مسماه مشرق الزوراء
وقال ممتدحاً الشريف سعد بن زيد شريف مكة ويهنيه برمضان والعيد حين كان حاكماً بحماة بقصيدة معارضاً بها فتح الله النحاس الحلبي التي أولها
عطف الغصن الرطيبوتلافانا الحبيب
ومطلع قصيدته
أنجز الوعد الحبيبوانجلت عنا الكروب
وتلافانا بوصلنقطة الهجر يذيب
وتلقانا بوجهفيه ماء ولهيب
حمد الضدين فيهإن هذا لعجيب
إن بدا تشرق منهالشمس أو ند تغيب
ورد خديه نصيبيهل لنا منه نصيب
دونه أسهم لحظحبه القلب يصيب
ذو قوام سمهريليس يحكيه قضيب
فإذا ما ماس تيهاًخجل الغصن الرطيب
وبلوح الصدر رمان وفي فيه الضريب
جاوز الحد بظلم الخصر ردف بل كثيب
حبذا ليلة ضمتناوقد غاب الرقيب
أنا والمحبوب والشمعوكاسات وكوب
ريقه راحي وكاسيثغره الألمى الشنيب
لي بدر اللفظ مع أنفاسه نقل وطيب
وبجيد جؤذريمنه يرتاح الكئيب
فإذا أمكنت الفرصة أجني وأتوب
بل عفاف وبمدحيسعد تنجاب الخطوب
الشريف الهاشمي الحسني الندب الأريب
سيد تمدحه اللسن وتهواه القلوب
شمس أفضال وفضلمالها قط غروب
غوث من نادي وغيثمنه نادينا خصيب
طبعه للمال بذال وللأعدا عطوب
كفه فاض عن القطروعن بحر ينوب
ولقد نال عطاياهـ بعيد وقريب
ملك تزهو به الدنياشمال وجنوب
وله من الدو بيت
الخد نقي الورد ما فيه نباتوالثغر شهي الورد ما فيه نبات
هل يسمح بالوصل لصب دنفبالرغم عن الحسود يوماً ونبات
وله
وقائلة تشعث حال بختكفقلت نعم تشعث مثل تختي
فاصلاحي لحال التخت سهلوإن الشأن في اصلاح بختي
وله من الدو بيت
القلب من الزفير من وجدي حاروالدمع من العيون أجريت بحار
والمغرم في عشق جمالك قد حارما حيلة من في شرك القانص حار
أقول والدو بيث أول من اخترعه الفرس ونظموه بلغتهم ومعناه بيتان ويقال له الرباعي لأربعة مصاريعه وقد اشتهر باعجام داله وهو تصحيف وهو ثلاثة أقسام يكون بأربع قواف كالمواليات وأعرج بثلاث قواف ومردوفاً بأربع أيضاً وكله على وزن واحد وقد نظم فيه الشعراء قديماً وحديثاً ومما يستجاد منه قول بعضهم
عيني نظرت لنحو شاطي برداظبياً نظم الحسن بفيه بردا
يا من بصدوده رماني بردىلو تسمح لي لهيب قلبي بردا
ومن شعره قوله في غلام قط الشمعة فانطفأت
دنا شادن من شمعة ليقطهاوأنوار خديه بدت صبغة الباري
أراد يقط الرأس منها فأخمدتومن عادة الأنوار تخمد للنار
وكتب إلى جدي الأستاذ العارف الشيخ مراد قدس سره بقوله
لما تركت له المرادغدوت محبوباً مراد
وفرغت منك وما تريدفصرت مخطوباً تراد
ورتعت فياح الرضىفي الكون رائد ما أراد
صرفت فيه خليفةعنه به فرداً أحاد
يا وارثاً هدى أحمدفي الفرق أوفى الاتحاد
يا عين هذا الوقت شيخالكل يا شيخي مراد
هذا على القادرييرجو الهدى من خير هاد
وأن يكون بخاطر المولى مقيم بلا ارتداد
حاشاك رد الطالبينالمقفرين من الرشاد
فاسلم لأرباب القلوب هنا وفي يوم المعاد
وقال متغزلاً بحماة ومعارضاً بها قصيدة ابن حجة الحموي بقصيدة وهي
سقاك حماة الشام مغدودق القطرعهاداً تلا الوسمى أحلى من القطر
وما حطها قولي حماة لأنهاعروستها في شاهد الحسن والعطر
أقول قوله وما حطها قولي حماة الخ هذا المعنى مسبوق في قول من قال ممتدحاً دمشق
قاسوا حماة بجلق فأجبتهمهذا قياس باطل وحياتكم
فعروسنا ما مثلها في شامناشتان بين عروسنا وحماتكم
ومراده بالعروس منارة الجامع الأموي بدمشق لشهرتها بهذا الاسم وفي ذلك قول ابن جبير وهو
معبد الشام يجمع الناس طراوإليه شوقاً تميل النفوس
كيف لا يجمع الورى وهو بيتفيه تجلي على الدوام العروس
وللشاب الظريف
فديت مؤذناً تصبو إليهبجامع جلق منا النفوس
يطير النسر من شوق إليهوتهوى أن تعانقه العروس
عود
هي الشامة الشماء في خد شامناهي الغرة الغراء في جبهة القطر
هي الحلة الفيحاء مخضرة الرباهي الروضة الغناء زاهية الزهر
أتيه بها فخراً على سائر الدنابأشياء لم توجد بشام ولا مصر
فغيضاتها جنات عدن تزخرفتألم تنظر الأنهار من حولها تجري
فما رأت الراؤون كالبركة التيتكنفها الجسران باليمن واليسر
كذا الجامع الغربي في غربها بدايقابل في إشراقه ساطع الفجر
بناظره من جانب الشرق بقعةوزاوية في الأوج عالية القدر
تفوق على ذات العماد برونقبإيوان كسرى والخورنق كم تزري
مراتع غزلان وخدر خرائدومطلع أنوار الغزالة والبدر
كذا الشرفة العلياء والخضرة التيلسالوسها تلقاك باليسر والبشر
ألا فأضرب الأسداس بالخمسة التيبها تضرب الأمثال مع بيدر العشر
ترى عجباً دان النهى لعجابهوعاد لطيش أشبه الناس بالعمر
جزيرة باب النهر والجسر لو رأىعلى لغي ذكر الرصافة والجسر
كأن عيون الزهر في جنباتهايواقيت دراودرار من الزهر
كان التفاف النهر لص مخاتليحاول اخذالهم من محرز الفكر
نواعيرها تشدو بكل غريبةفتغنى عن العيدان والناي والزمر
تجاوبها الأطيار من كل جانببتغريد تفريد بتلحينها الجهر
فترقص بانات الرياض وسروهابحسن قدود في غلائلها الخضر
يرنحها في ميلها واعتدالهاوتردادها فوج النسيم إذا يسري
ينقطها كف الغمام بلؤلؤيروقك حسناً في النظام وفي النثر
فلو كان جيش الهم والغم غائراًتبدل أفراحاً وصار إلى الصدر
رعى الله أياماً مضت في رباعهافما كان أهنأها ولو عن ما لقصر
أجربها ذيل الشبيبة ضافياًبخلع عذارى قبل نابتة العذر
وشرخ الصبا في عنفوان شبابهوريق وعيش المرء في صبوة العمر
مع الأهيف الفتان كالبدر طلعةوكالورد منه الخد والريق كالخمر
وكالأسمر الخطي قد أمهفهفاوكالحقف دعصاً موهناً دقة الخصر
يدير عن الأقداح أحداق جؤذربما وبما يلقيه من لفظه سكري
ويثنى بكاسات الثغور فتحتسيلراح اللما والقرقف العذب الخصر
بغفلة واش والرقيب وحاسديتواصلنا اللذات في هجعة الدهر
إلى أن بدا وخط المشيب بلمتيونبهني سراً وأنذر بالجهر
فلهفي على وقت تقضي بقربهموطيب زمان مرمع دمية القصر
واهاً وواهاً لو تفيد لقائللكررها لكن جمراً على جمر
أيا جبرتي يا أهل ودي وبغيتيفلا تجنحوا بعد التعاهد للغدر
ولا تنكروا ما بيننا من مودةفحبي لكم ما دمت حياً وفي القبر
مقيم على القادري على الوفافكونوا كما شئتم سوى الصد والهجر
ولما أخذت النصارى بنو الأصفر بلغراد واستردها مصطفى باشا الوزير الجليل الشهير بابن الكبريلي الصدر الأعظم كتب إليه المترجم بهذه القصيدة مهنياً له ومطلعها
تنفس الدهر والعيش الكدور صفاوالوقت طاب فاسدي للنفوس صفا
وأصبح الكون منه الثغر مبتسماًيجلي نضير عروس زانها صلفا
أضحى الزمان جديداً مثل عادتهفي أعصر الراشدين السادة الخلفا
قسط وعدل وانصاف وأمن علىدم ودين ومال لات حين جفا
من بعد هول وارجاف وبؤس لسيوالخطب عم عوام الناس والشرفا
وصال صائل أهل الشرك مشتملاًبلامة البغي والعدوان ملتحفا
غرورهم غرهم والغدر أو غلهمفجاوز الحد جيش الخزي مذ رجفا
عتوا عتواً شديداً في الديار وقدعاثوا فساداً ومالوا ميلة العرفا
نفوسهم حدثتهم بالمحال لماظنوا بقاء ظلام الفكر منعكفا
وإن ما اختلسوا بالغدر من نشبيبقى لهم خولاً هيهات بل أسفا
وما دروا إن شمس الدين أشرق منمطالع العز يمحو نوره السدفا
إذ جاؤا من فوقنا جهراً وأسفلناومن امام ومن ايماننا وقفا
وزاغت أبصار أهل الدين وارتبكواوزلزلوا جزعاً والشهم ما وقفا
قلوبهم بلغت أدنى محاجرهموالظن شاء وزال الصبر وانصرفا
وأكثر القول من أهل النفاق ومنوالاهم وإذا عوا العجز والضعفاء
فثبت الله منا عصبة صدقتبمصطفى الصدر محيي عدل من سلفا
مجدد الوقت حامي الدين من شعثمؤثل المجد شاد العز والشرفا
بالعلم والحلم والرأي السديد وبالتقوى وبالعزم في حزم وحسن وفا
أرخى العساكر تترى كالسحاب لهارعد وبرق لأبصار العد أخطفا
أبطال صبر وفي يوم الكفاح إذاما قابل الشخص نفس الموت ما انحرفا
لبوسهم نسج داود لبأسهممفاضة سابغات من دلاص ضفا
في البحر نون وهم في البر قسورةوفي الجبال نسور لا تخاف حفا
على سوابح تجري كالنسيخ ترىعين الحمية أقصى شاؤها أزفا
أو كالسهام إذا الراعي يفوقهابشدة العزم لما تقصد الهدفا
صوافن ضمر في الكر عادتهاتدك صم الرواسي دكها الحذفا
ألقى من الرعب في قلب العدا فغداأنكى من العسكر الجرار مرتجفا
رد النصارى على الأعقاب ناكصةومن توقف منهم هامه نقفا
وحكم البيض في أجسادهم فصلتحكم القضا فأبانوا الرأس والكتفا
حتى إذا أثخن الطاغين جملتهمشد الوثاق على الباقين وانعطفا
يقفو لآثار من فروا فيدركهمقتلى وأسرى إلى أن عمرهم كشفا
وله من بحر السلسلة
يا بدر سماء له الأزرة أفلاكخلجان دموعي غدت مشارع أفلاك
يا واحد حسن ويا فريد تثنتوحيد هوى الصب لا يشان باشراك
يا أحور لحظ سطا بأسمر قديا أحمر خد أما ترق لمضناك
غرار صباح الجبين غر محباًبالهجر وبالبعد والصدود من أغراك
من وجهك شكري ومن لحاظك سكرييا شغلة فكري جعلت قوتي ذكراك
يا بدر ففي القلب قد حللت مقيماًقل لي فلماذا حدت عن الطرف بمسراك
هل كان ملالاً لمن تركت خيالاًأم حسنك تيهاً بقتل صبك أفناك
عطفاً بمحب يفوق عامر قيسلولاك لما هام في المحبة لولاك
ضنيت بري وفقت حاتم طيرفقاً بعلي غدا يؤمل رحماك
إن أومض برق من الغوير ونجديرتاح فؤادي بشبه برق ثناياك
أو غر دورق على منا برأيكيزداد غرامي إلى لقاك ولقياك
وقال
ضحك الروض من بكاء الغماموعن النور فض ختم الكمام
والرياض اكتست مطارف وشينسجتها أكف سحب كرام
نثرت في الربا يواقيت زهرفاقت الزهر في اتساق النظام
من أقاح وأقحوان وبانبان عن جمعها بحسن القوام
شق قلب الشقيق حرقة غيظمذ رأى في الأقاح ثغر ابتسام
خضب الورد خده خجلاً منحدق النرجس الصحاح السقام
واستعار البهار لون محبوجلا من غيمة النمام
زاد حنق البنفسج أزرق إذ كان حسود النشر عرف الخزام
من أيادي المنثور يثني أياديزنبق الروض ناشر الأعلام
رقص الدوح صفق الماء لماشبب الريح أطيب الأنغام
رقى لورق منبر الأيك يتلووتخط الأغصان بالأقلام
فوق طرس النهر الصقيل سطوراًأعربت أعجمت بنقط الغمام
دولة العمر في أوان التصابيمثل فصل الربيع في الأعوام
فيك يا دار لذ خلع عذاريليس للعيش لذة باكتتام
نزه الطرف في بديع ربيعواعط للنفس حقها بالتمام
واختلس في الزمان صفو شبابقبل بدء المشيب والانهرام
وانتهز فرصة ليوم سرورفالليالي حوامل بالجسام
وألق سمعاً إلى سماع مناغعندليب وبلبل وحمام
والشحارير والقماري وسنحركت في الحشا سكون غرامي
روح الروح في الصبوح براحواغتبق في الغبوق بنت مدام
واجتلى الشمس في حلى حبابمن يد البدر في دياجي الظلام
بغية العاشقين روداً ومرداًذات حلي تحلو بزي غلام
من هوى الخرد الحسان هوانيوغريمي فيهن كان غرامي
وشجاني فواتر الأجفانورحيق بريقهن مرامي
وأغاني الغيد الغواني غوانيومعاني صوت المثاني زمامي
من صدا العود إن قضيت فبالنفخ بناي الرخيم كان قيامي
وإذا ما تعاظمت هفواتيحسن ظني المآل دار السلام
واعتمادي على شفيع البراياسيد العالمين ذخر الأنام
وقال في ليلة دعاه فيها الشريف الأجل الصنديد سعد عروض قصيدة المتنبي
أهلاً بدار دعاك سيدهاوساهمك بالنعيم أسعدها
بليلة لو تسام في عوضوكانت الروح كنت أنقدها
بات حبيبي بها ينادمنيغاب واش وبان حسدها
في روضة خلتها الجنان بدتولدانها واحتجبن خردها
وراء ستر يروق منظرهأمنع حجب الدنيا وأرصدها
غنى من الغيد كل غانيةتكاد شمس النهار تعبدها
إذا شدت قلت إن نغمتهامن ما رد أو دان تزودها
يلعبن بالدف والكمنج وبالطنبور والكل منها تخمدها
تألفت آلة السماع من الأصوات منهن لن تفردها
كأن ألبابنا لها لعبتعدمها تارة وتوجدها
ما صيخ سمع إلى السماع كمالنغمة غادة تغردها
لو كان إسحق حاضراً لزرىغناه قطعاً وهان معبدها
دارت بدور السقاة مطلعهاأطالس والقلوب مرصدها
مناطق الخصر إن شكت قلقاًرديف أرد أفهم يرفدها
وأعين كالمها إذا نظرتكلم قلب الشجي مهندها
هاروت من سحرها غدا وجلاينفث في عقدة يعقدها
تقوست فوقها حواجبهاأهدابها نبلها واعودها
ووجنات تظنها لهباًماء الصبا في الخدود يوقدها
من أشنب العس وريقتهأحلى سلاف صفا وأبردها
مبتسم الثغر عن سنا دررمن الثنايا زها تنضدها
وجؤذراً وطف حلا كحلاوجؤذر الانسان أجودها
تدير من قهوة يمانيةعرف شذاها زكا وموردها
على أساريع من نعومتهاولينة اللمس كدت أعقدها
وتنثني في كؤس أشربةفروعها نوعت ومحتدها
يفديهم الروح لا أمن فماطارف ما في يدي وتالدها
يا ليلة لن يشيبها كدرإلا بروق الصباح ترعدها
قد أذكرت حضرة مقدسةصحت أحاديثها ومسندها
تفدي ليالي الزمان ليلتناوتفد سيد الدنيا وسيدها
فخر ملوك الدنا وأشرفهاوعين أعيانها وأمجدها
به ليالي الدهور مشرقةتروق أيامها وأعيدها
دام بعز سعود طالعهإلى قران النحوس يسعدها
ومن شعره قوله
تأن ولا تعجل بما أنت باغياًوكن لازماً للعدل لا تك باغيا
وجازي لمن أسدى جميلاً بمثلهوسيئة فأجر الذي كان موسيا
ولن جانباً للخل وأرع ودادهووف بمكيال الذي كان وافيا
ورغ عند رواغ وزغ عند زائغمع المستقيم العذل كن متساويا
تحلى بحسن الخلق للخلق كلهموكن سهلاً صعباً نفوراً مواتيا
ودار جميع الناس ما دمت بينهموكن تابعاً حقاً بنياً مداريا
تحمل لجور الجار وارع جوارهوصل لذوي الأرحام واجف المجافيا
وكن باله الناس ظنك محسناًوبالناس سؤ الظن دوماً مراعيا
ولا تغترر بالهش والبش من فتىوحفظ ولين مثل مس الأفاعيا
لتعلم إن الناس لا خير فيهمولا بد منهم فألتبسهم مزاويا
متى ما صددت المرء عند هوائهجهاراً وسراً عد ذاك معاديا
وإن تبد يوماً بالنصيحة لأمرئبتهمته إياك كان مجازيا
وإن تتحلى بالسخا وسماحةيقولوا سفيه أخرق ليس واعيا
وإن أمسكت كفاك حال ضرورةيقولوا شحيح ممسك لا مواسيا
وإن ظهرت من فيك ينبوع حكمةيقولون مهذاراً بذياً مباهيا
وعن كل ما لا يعن إن تك تاركاًيقولون عن عي من العجز صاغيا
وإن كنت مقداماً لكل ملمةيقولوا عجول طائش العقل واهيا
وإن تتغاضى عن جهالة ناقصيعدوك خواراً جباناً ولاهيا
وإن تتقاضى عنهم نحو عزلةيعدوك من كبروتيه مجافيا
وإن تتدانى منهم لتالفيعدوك خداعاً دهاءً مرائيا
ترى الظلم فيهم كامناً في نفوسهمكذا غدرهم في طبعهم متواريا
ففي قوة الانسان يظهر ظلمهوفي عجزه يبقى كما كان خافيا
وهيهات تسلم من غوائل فعلهموأقوالهم مهما تكن متحاشيا
فمن رام يرضى الخلق في كل فعلهوفي قوله للمستحيل معانيا
فمن ذا الذي أرضى الأنام جميعهمرسولاً نبياً أم ولياً وواليا
وأعظم من ذا خالق الخلق هل ترىجميع الورى في قسمة منه راضيا
إذا كان رب الخلق لم يرض خلعةفكيف بمخلوق رضاهم مراجيا
فلازم رضى رب العباد إذاً ولاتبال بمخلوق إذا كنت زاكيا
وسدد وقارب ما استطعت فإنمايكلف عبد فعل ما كان قاويا
ولله فأضر بالدعا متوسلاًبخير الورى المبعوث للخلق هاديا
ينجيك من شر العباد وكيدهمومن مكرهم ما دمت حياً وباقيا
وأستغفر الرحمن لي عائذاً بهأكن من شرار الجن والأنس ناجيا
وله غير ذلك من الشعر المعجب وكانت وفاته بحماة في يوم الخميس ثامن ذي القعدة سنة ثلاث عشرة ومائة وألف رحمه الله تعالى ودفن في الزاوية الفوقانية بتربة مشايخ السجادة القادرية أسلافه في حماه ﵏ أجمعين.
السيد علي الأسكندري
السيد علي الأسكندري نزيل طرابلس الشام الشيخ الامام الفاضل كان ناظماً ناثراً له معرفة كاملة في وجوه القراآت مع فصاحة في اللسان وضبط في التأدية والقراءة وحفظ متين ولم يعهد له لحن في قراءته وخطأ في كتابته ونظم ونثر كثيراً ومع فضله الزائد كان في منزلة الخمول قاعد وفي آخر عمره قيده الكبر بقيد الفكر فلزم بالسكوت داره إلى أن توفي وكانت وفاته في طرابلس سنة تسع وستين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع