تجاوز إلى المحتوى

من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)

السيد فضل الله البهنسي

ابن أحمد بن عثمان بن محمد المعروف بالبهنسي الحنفي الشريف لأمه الدمشقي كان له اطلاع في الأدب ومعرفة بالأمور الشرعية مجاناً حسن الأخلاق طارح التكلف حمولاً له نكت ونوادر ولد في دمشق كما أخبرني في غرة شوال سنة سبع وعشرين ومائة وألف ونشأ بها وقرأ الفقه على الشيخ صالح الجنيني ثم على الشيخ موسى المحاسني وقرأ على الشيخ أحمد التدمري الطرابلسي نزيل دمشق وكذلك قرأ على الشيخ محمد بن حمدان الدمشقي وصار يتولى نيابات الحكم في دمشق ويعامل أهالي قرى الغوطة ويتصدى للوكالات في المخاصمات ووقع في أمور بسبب ذلك وكان صاحب ثروة ومال لكنه يغلب على نفسه الشيخ والبخل وبالجملة فقد عارك الدهر وصبر على الكدر والصفا ولم يزل يتقلب بالأحوال متكدراً بين قيل وقال إلى أن مات وكنت أميل إلى نوادره وهزلياته المضحكة وكان بينه وبين قريبه ونسيبه الشيخ عبد الرزاق البهنسي مواحشة باطنية وكل منهما

يقول إن الآخر ليس من بني البهنسي ولم يزالا بين يخاصم وقيل وقال إلى أن ماتا ومما اتفق إن السيد عبد الرزاق المذكور صنع أبياتاً ذكر فيها اسم صاحب الترجمة وكان المترجم قد اشتهر اسمه بين الناس بالسيد فضلي فذكره السيد عبد الرزاق في أبياته بهذا الاسم لكن لم يصرح بهذا الاسم وانما ذكره بطريق الألغاز والرمز ثم شيع الأبيات إلى مجلس كان يحضره الأديب الفاضل السيد عبد الحليم اللوجي الدمشقي فلما وقف على الأبيات لم يظهر له في بادي الرأي مراد السيد عبد الرزاق في ألغازه اسم المترجم لبعد قرائن الكلام عن الدلالة على المراد فبلغ الناظم ذلك فقال ما معناه إن رمزه يدق عن فهم اللوجي وأمثاله فلما بلغ اللوجي ذلك كتب للناظم أبياتاً جرت فيها تورية لطيفة في اسم السيد فضلي المترجم مع التنويه بقدره والتبكيت على الناظم السيد عبد الرزاق فقال أعني اللوجي من جملة أبيات يخاطب بها السيد عبد الرزاق

زعمت إني لحل الرموز لست بأهلوإن مرماك شيء

يدق عن فهم مثليما كان ذاك ولكنحجدت مقدار فضلي

فلما وقف السيد عبد الرزاق على الأبيات استلطف هذه التورية التي وقعت في اسم فضلي واعتذر إلى اللوجي عما كان منه وبالجملة فإن المترجم كان سليم الباطن والسيد عبد الرزاق كان بخلافه وقد أطلعني المترجم على ديوان له يحتوي على نظمه وغالبه هجو وهزل ولا بأس أن نورد له هنا شيئاً من ذلك فمنه قوله وكان يكتب في امضائه أحمد فضل الله فاعترض عليه بعض الناس فقال

ومعترض جهلاً بغير تأمّلمسئ علينا قد حوى غاية الجهل
يقول لماذا قد سميت بأحمدواسمك فضل الله قل لي عن الأصل
فقلت له قد خصني بعض فضلهفقابلته بالحمد شكراً على الفضل

وله من أبيات مطلعها

إن حبي طول المدى لا يزولوسهادي ذاك السهاد الطويل
وغرامي يزداد في كل يوملست عنه طول الزمان أحول
قد سقاني الزمان كأس صدودزاد جسمي الضناء وهو نحول
يا أهيل الغرام إن هيامييومه بالفراق يوم جليل
كلما عنّ ذكرهم في ضميريسال طرفي بالدمع وهو همول
كم لنا وقفة بقرب حماهاحيث عنها في الدهر عز الوصول
إن عقلي مذ سار عيس المطاياضاع مني وتاه عنه الدليل
وتصابي بعد الكمال وأضحىفي انتقاص وقد براه النجول
يا زمان السرور هل من رجوععلّ منا في الدهر يشفي الغليل
أو خيال يزور مقلة صبقد جفاها المنام وهو ملول

وكتب على باب قاعة في داره

ألا إنما قد شاد من فضل ربهوأنعاسه هذا المكان وقد أنشأ
بعون إله الخلق قام بناؤهوذلك فضل الله يؤتيه من يشأ

ومن هجوه في رئيس كتاب القسمة العسكرية بدمشق السيد يحيى الجالقي

حسب امرئ عمره تسعون ماضيةأتت عليه بأسقام وأمراض
لو يشتري الموت في دنياه من أحدلكان بالغبن يشريه بأقراض
كمثل يحيى الذي أضحى له مائةمن السنين ومنها لم يكن راضي
تراه يمشي حبوا وهو ذو ولعفي أخذه قسمة الأيتام للقاضي
كأنه ظل شمس عند ناظرهأو شبه طيف خيال في الكري ماضي
أو صورة طبعت في حائط رسمتلا نطق فيها ولا تهنا بأغماض
وما يرى فيه من نطق يحركهفهو التباس بشيطان دعى جاضي

وله غير ذلك من الأشعار والنظام والنثار وبالجملة فقد كان من نوادر عصره وكانت وفاته في يوم الثلاثاء السادس والشعرين من رمضان سنة احدى وتسعين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح ورؤيت له وصية بخطه فنفذت بعد موته رحمه الله تعالى.

النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.