من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
يوسف الحفني
ابن سالم بن أحمد الشافعي القاهري الشهير بالحفني الشيخ الامام العالم العلامة الحبر البحر النحرير الفهامة الأديب الشاعر البارع المفنن أبو الفضل جمال الدين كان عديم النظير في الحفظ وحسن التقرير مع التحقيق الباهر للعقول والتدقيق المشتمل على أصول وفصول أخذ عن جماعة من العلماء وشارك أخاه في معظم شيوخه منهم أبو حامد محمد بن محمد البديري ومحمد بن عبد الله السجلماسي وعيد بن علي النمرسي ومصطفى بن أحمد العزيزي والشمس محمد بن إبراهيم الزيادي الحنفي وامام المعقولات علي بن مصطفى السيواسي والجمال عبد الله الشبراوي والشهابان أحمد الجوهري وأحمد الملوي والسيد محمد البليدي وأخو المترجم النجم محمد الحفني وأخذ الطريقة الخلوتية عن القطب مصطفى ابن كمال الدين البكري وعن غيرهم وبرع وفضل وسما قدره ونبل ودرس بالجامع الأزهر والمدرسة الطبرسية ولما توفي العلامة عبد الله الشبراوي شيخ الجامع الأزهر وصار أخو المترجم مكانه وكل صاحب الترجمة في التدريس عنه وكان الشبراوي قد وصل في تدريسه في تفسير البيضاوي إلى سورة عم فشرع المترجم من السورة المرقومة بتحقيق بهر العقول وأعجب الفحول مع القاء ما عليه من منقول ومعقول وألف مؤلفات دقيقة وتحريرات أنيقة منها الحاشية الحافلة على شرح الألفية للأشموني وحاشية على شرح الخزرجية لشيخ الاسلام زكريا وشرحان على شرح آداب البحث للمنلا حنفي وشرح على شرح العصام للاستعارات وشرح التحرير في الفقه وله رسالة في علم الآداب وشرحها ونظم البحور المهملة في العروض وشرحها وديوان شعر مشهور وغير ذلك وكان رحمه الله تعالى من الرقة واللطافة على جانب عظيم وسعة من الحفظ والتفهيم يقرئ
المتن والشرح والحاشية لا يخل بحرف من ذلك ويزيد عليه تحقيقات لطيفة ومن شعره اللطيف قوله
بابي أهيف المعاطف أغيدكاد من شدّة اللطافة يعقد
ماس بين الغصون يزهو بخدنقطته يد الشقائق بالند
وتهادت بلقيس زينتها حينرأت قدّه كصرح ممرّد
خرّجت وردة الخدود حديثاًوحديث الوردي أحسن مسند
بعث اللحظ مرسلاً ونذيراًوتلاه العذار وهو مزرّد
ودعانا لشرعة الحب جهراًفأتيناه راكعين وسجد
ضلت العاشقون إذ شبهوهبهلال أو غصن بان تأوّد
كفر الخال بالرسول فأمسىوهو في نار وجنتيه مخلد
ليت شعري من أين للبدر خدّإن جرت فوقه المياه توقد
أو لغصن الرياض جيد إذا لاح بليل الشعور خلناه فرقد
حسدتني الأيام فيه ولكنمثل هذا الجمال لا شك يحسد
وقوله
واحيرتي في رشا أكحلذي أعين فتاكة ذبل
ناصبة أهدابها للذيقد فرّ من أجفانها الغزل
سيوف لحظيه إذا جرّدتفي سلبها الألباب لم تمهل
سلطان أهل الحسن في عصرهوإن غدا في الحكم لم يعدل
إن ماس أو حرّك أعطافهأزرى بلين للقنا الأعدل
وإن رنا نحوك باللحظ لمينفعك من راق ولا مندل
إذ قال لي خدّاه يا سيديورد لذيذ القطف لم يذبل
ومال كالغصن إذا رنحتأعطافه ريح صبا شمأل
ومدّ جيداً قد حكى دميةلديه جيد الظبي لم يجمل
شممت من وجنته نفحةأزكى من العنبر والمندل
أودع في القلب بها حسرةلمهجة نيرانها تصطلي
كم مهجة أفنى وكم مقلةأدمى وكم قلب به قد بلي
ما لاح للأبصار إلا رأتسعودها في حظه المقبل
تركيّ لحظيه إذا ما رناسفك دماء الناس لم يمهل
يبخل بالوصل ولكنهبالفتك في العشاق لم يبخل
وقوله
أوّاه من شادن تعمدقتلي ونومي بالهجر شرد
طلق جفني كراه لماجفا وبالدمع صار يعتد
أباح سفك الدماء عمداًلما لسيف اللحاظ جرّد
إن أنكرت مقلتاه قتليدمي على وجنتيه يشهد
له قوام كغصن بانعليه طير الفؤاد غرّد
ونبل هدب للسحر عنههاروت لما روى تفرّد
وسيف لحظ له سنانأمضى من الصارم المهند
فذاك يحتاج لانتضاءوذا يذيب الفؤاد مغمد
وخمر ريق من ذاق منهقطرة راح بغى وعربد
أما ترى العاشقين سكرىحين رأوا ريقه المبرّد
وليل شعر من ضل عنهغدا بصبح الجبين يرشد
ناحل خصر له فؤادعلى محبيه شبه جلمد
قد أطلعت وجنتاه ورداًمن لون ورد الرياض أجود
وزانه حوله عذارأتى بثوب الدجى مزرّد
بعد اخضرار الشعور منهجنى من الذنب عاد أسود
ومنها
إن قلت صلني يزداد تيهاًأو ينثني مغضباً ويحتد
أو قلت زرني بجنح ليليقول في مذهبي قد ارتد
متى رأيت المحب يوماًنال المنى من وصال أغيد
يا واحداً لعصرته دلالاًعلى معنى في الحب مفرد
ما حيلتي من تلاف جسميوقد جفاين صحب وعود
وعاذلي مذ رأى هياميوفرط وجدي بكى وعدّد
وله
نبهت بالوعد قوماً بالوفا نبذواوقلت عودوا لوعدي عود منتبه
قالوا سلوناك خلى غيرنا بدلاًواحذر من الدهر في مرمى تقلبه
ما كان أحسنهم عندي وأحفظهملو إنهم فعلوا ما يوعظون به
وله مخمساً
حسبت الدهر لي خلا مطيعاًفراع حشاشتي روعاً شنيعا
بصحب خلتهم حصناً منيعاًواخوان تخذتهم دروعا
فكانوها ولكن للأعادي
رأيت لهم عهوداً صادقاتوأحوالاً لودّي مظهرات
ظننتهم قسياً مانعاتوخلتهم سهاماً صائبات
فكانوها ولكن في فؤادي
فكم ظهرت لنا منهم عيوبولاح لأعيني فجر كذوب
وكم حلفوا يميناً أن يتوبواوقالوا قد صفت منا قلوب
لقد صدقوا ولكن من ودادي
وله مضمناً
لما رأيت ملاح العصر ليس لهممن الجمال سوى التكحيل بالمقل
ناديت كفواً عن التدليس وارتدعواليس التكحل في العينين كالكحل
وله
أوّاه مما ألاقيمن لوعة وصدود
ومن ملام عذوليروم خلف وعودي
ومن دلال غزاليروم نقض عهودي
أو من سهام ووجدبه عدمت وجودي
ومن جوى وهياملبعد قلب شرود
مثقف القدّ أحوىلماه عذب الورود
مهفهف قد تعدّىبالفتك أقصى الحدود
بدر ظريف المحيالدن القوام فريد
ياليت شعري ألاقيوعدي به أم وعيدي
ويشتفي حرّ قلبيمنه بحل البنود
ورشف خمرة ريقوقطف ورد الخدود
وطيب عذب عناقمن قدّه الأملود
هناك أختال تيهاًوتستتم سعودي
وله غير ذلك من النظام والنثار وكانت وفاته في شعبان سنة ست وسبعين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع