تجاوز إلى المحتوى

من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)

يوسف النقيب الحلبي

ابن حسين بن السيد الشريف الحنفي الدمشقي نزيل حلب المفتي والنقيب بها الامام العالم العلامة الفقيه الأديب الفاضل المتفوق المحدث البارع المسند الناظم الناثر أبو المحاسن جمال الدين ولد بدمشق سنة ثلاث وسبعين وألف ونشأ بها وقرأ على جماعة من أفاضلها وأخذ عنهم كالشهاب أحمد بن محمد الصفدي امام جامع درويش باشا والشيخ عبد القادر العمري وأبي المواهب الحنبلي وإبراهيم بن منصور الفتال وعبد الرحيم الكابلي والشيخ إسمعيل الحائك والأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي والشهاب أحمد المهمنداري والشيخ عثمان بن محمود القطان وعبد الجليل العمري وغيرهم وارتحل للروم وإلى حلب مرات وأخذ بها عن الشيخ موسى الرامحداني وعن زين الدين بن عبد اللطيف أمين الفتوي وغيرهما وترجمه الأمين المحبي في ذيل نفحته فقال في وصفه نبيه فاق من مهده وأعهده يتزايد نبلاً وأنا الآن على عهده فحبى جميعه على حسن أدبه مقصور وبقلبي منه شغل شاغل عن قاصرات القصور وهو أخ جمعت فيه المروءة والنخوه وأراه أحسن من آخيت ولا بع فيوسف أحسن الأخوه وقد مضت لي معه أوقات وقيت كل صرف وكأنها خطوة طيف أو لمحة طرف وقد أمتعني من بنات فكره بذخائر توجب في الطروس تخليد ذكره أتيتك منها بما يقضي له بلطف البداهة ويحكم له بالبراعة المتمكنة من مفاصل النباهة فمن ذلك قوله في العذار

كأنما نار خدّ زان رونقهلا ما عاد أرجنيّ قد جنى حيني
لاحت فأنسها في ليل عارضهموسى فخط بماء المسك خطين
وحين ظن أبو العباس مبسمهماء الحياة أتى يسعى بلامين

وقوله مخاطباً بعض الموالي في مجلسه

بابي من ضمنا مجلسهفاجتنينا منه أنواع التحف
فاضل صيغ من التوفيق إذصيغت الناس جميعاً من نطف

وقوله في تشبيه الجلنار

باكر لروضة أنسمن حولها الماء يجري
والجلنار تبدّيعلى معاصم خضر
كأكؤس من عقيقفيها قراضة تبر

وقوله

وحديقة ينساب فيها جدولمن حوله تختال غزلان النقا
من كل أهيف إن رمتك لحاظهبسهامها إياك تطمع في البقا
ومعذر ما أظلمت في وجههشعرات ذاك الصدغ إلا أشراق
خالسته نظراً فقطب مغضباًوغدا يرنح منه عطفاً مورقا
فكان نبت عذاره في خدّهشحرور ورد في الرياض إذا رقا

وقوله في فوارة

لله ما أبصرت فوّارةأعيذها من نظرة صائبه
كأنها في الروض لما جرتسبيكة من فضة ذائبه

وقوله من نبوية مطلعها

جاء فصل الربيع والصيف دانيحيث بتنا من الجفا في أمان
في رياض إذا بكى الغيث فيهاقهقهت بالمدام منه القناني
وثغور الأقاح تبسم عجباًحيث يشدو في الروض عزف القيان
حيث سجع الطيور سجع خطيبقد رقى معلناً على الأغصان
وكأن الغصون قامات غيدحين ماست حور لدى الولدان
فأدرها في جامد من لجينحيث أضحت كذائب العقيان
من يدي شادن أغن ربيبناعس الطرف فاتر الأجفان
ناعم الخدّ أهيف القدّ أحوىذي قوام كأنه غصن بان
نرجسي اللحاظ وردي خدّجوهري الألفاظ ذي تبيان
فتمتع من حسنه بمعانمطربات تنسيك جور الزمان
وتأمل إلى صحيفة خدّيهـ بعين الانصاف والعرفان

منها

يا شفيع الأنام كن لي شفيعاًيوم نصب الصراط والميزان
إنني أشتكي إليك ذنوباًمثقلات وحملها قد دهاني
من لمثلي عاص كثير الخطايازاده الفقر عاجز متواني
فعليك الصلاة في كل وقتمع سلام يفوق عرف الجنان

وقوله من قصيدة

لي فؤاد في الحب أمسى مشوقاًلم يزل في هوى الحسان ملوقا
خافق تستفزه لحظاتمزقته بسحرها تمزيقا
راشقات من هدبها بسهامصائبات لم تخط قلباً حريقا
لست أنسى حين الوداع عناءحيث جدّ الرحيل والركب سيقا
إذ بكى للفراق خلى فأضحىناظر اللحظ بالدموع غريقا
ورمى لؤلؤاً على الخدّ رطباًفاستحال الياقوت منه عقيقا
وانثنى للعناق يعطف قدّاًهل رأيتم غصن الرياض عنيقا
رشق القلب وانثنى بقواملا عدمنا ذاك القوام الرشيقا
بابي ثم بي غزالاً ربيباًفوّق اللحظ للحشا تفويقا
ماس غصناً لدناً وهز قواماًوتبدّى ظبياً وأسكر ريقا
ورنا ساحراً وصال مليكاًوحوى مبسماً يقل بريقا
يالقومي ويالقومي أما آن صريع اللحاظ أن يستفيقا
صاح شمر عن ساعد الجدّ واسمعوأدر منكؤس نصحي رحيقا
واطرح ذكر زينب وربابواخلعن للوقار ثوباً خليقا
لا تؤمل من جاله بك نفعاًتلق ضدّ الذي تروم حقيقا
قد خبرنا الجهول فيما علمنافرأيناه قد أضل الطريقا
رام نفعاً فضر من غير قصدومن البر ما يكون عقوقا
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «رام نفعا فضر من غير قصد»

وله من أخرى مستهلها

أقضيب بان حركته شمولأم قدّك المعشوق راح يميل
وشقيق روض قد علاه سوسنأم خدك المتورد المصقول
ودخان ند قد أحاط بوجنةأم ذاك مسك في الخدود يسيل
وشبا سيوف أم عيون جآذررمقت تحاول فتكنا وتصول
وعبير طيب فاح ينفح طيبهأم ثغرك المتبلج المعسول
وسقيط طل أم لآل نظمتفتخاله عرق الجبين يجول
وعقارب بزبانها تومي لناأم ذاك خال الخدّ أم تخييل
وظلام ليل ما ترى أم طرّةهل لي إلى إدراك ذاك سبيل
قد خلت مذ ليل الغدائر قد بداأن ليس للصبح المنير وصول
لكن بلال الخال أشعر أنهضوء الجبين على الصباح دليل
فانهض إلى حثو الكؤس أخا الهوىفي روض أنس والنسيم عليل
وافتض بكر مدامة واستجلهافلها إذا افتضت دم مطلول
كمذاب ياقوت بجامد فضةفي لحظ ساقيها الصبيح ذبول
حمراً إذا ما قام يترع كأسهاعنج اللواحظ طرفه مكحول
خلت المدام ووجهه لما بداشمساً وبدراً ما اعتراه أفول
وظننت كأس الراح في يده غداكهلال يوم الشك وهو ضئيل
لم أدر هل خضبت بأحمر خدّهأم خدّه من كأسها مطلول
فاشربهما صرفاً فذلك شربهرشف وهذا شربه التقبيل
واغنم فدتك الروح أيام الضباواللهو إنّ زمانهن قليل
وتلاف أيام الربيع ووردهفعليه من در الندى اكليل
فالروض معطار الأزاهر يانعوالغصن يرقص والهزار يقول
والدف يعزف والنسيم مشببوالعود يشدو والسحاب مطول

وله غير ذلك من الأشعار والنظام والنثار وألف ثبتاً حافلاً جامعاً لشيوخه واجازاته وصار له جاه واشتهار ودلة وصار نقيباً ومفتياً بحلب ودرس بالحجازية والأسدية بها واشتهر بالفضل والذكاء والنبل وأخذ عنه جماعة من الفضلاء وكانت وفاته بحلب سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف ودفن بها عن ثمانين سنة رحمه الله تعالى.

النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الياء التحتية

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.