من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)
إسماعيل بن حماد الجوهرى
ماذا روى «إنباه الرواة على أنباه النحاة» عن إسماعيل بن حماد الجوهري؟
من أعاجيب الدنيا؛ وذلك أنه من الفاراب، إحدى بلاد الترك، وهو إمام فى علم اللغة؛ وخطّه يضرب به المثل فى الحسن، ويذكر فى الخطوط المنسوبة كخطّ ابن مقلة، ومهلهل، واليزيدىّ، ثم هو من فرسان الكلام، وممّن آتاه الله قوّة بصيرة، وحسن سريرة وسيرة، وكان يؤثر السفر على الوطن، والغربة على السّكن والمسكن، ويخترق البدو والحضر، ودخل ديار ربيعة ومضر، فى طلب الأدب، وإتقان لغة العرب؛ وحين قضى وطره من قطع الآفاق، والاقتباس من علماء الشام والعراق، عاود خراسان، وتطرّق الدّامغان، فأنزله أبو الحسين بن على- وهو من أعيان الكتّاب وأفراد الفضلاء- عنده، وبذل فى إكرام مثواه وإحسان قراه جهده، وأخذ من آدابه وخطّه حظّه، ثم سرّحه بإحسان إلى نيسابور، فلم
يزل مقيما بها على التدريس والتأليف، وتعليم الخط الأنيق وكتابة المصاحف والدفاتر اللطائف، حتى مضى لسبيله، عن آثار جميلة، وأخبار حميدة.
وله كتاب الصّحاح فى اللغة، أكبر وأقرب متناولا من مجمل اللّغة؛ وفيه يقول أبو محمد إسماعيل بن محمد النيسابورىّ - وكان عنده الكتاب بخط مؤلّفه:
هذا كتاب الصّحاح سيّد ماصنّف قبل الصّحاح فى الأدب
يشمل أنواعه ويجمع مافرّق فى غيره من الكتب
وهذا كتاب الصّحاح قد سار فى الآفاق، وبلغ مبلغ الرّفاق، ولمّا دخلت منه نسخة إلى مصر نظرها العلماء، فاستجودوا مأخذها وقربه، ولمحوا فيها أوهاما
كثيرة انتدبوا لإصلاحها، وزادوا فيها بعض ما لعلّه أخلّ به من ألفاظ لغوية، الحاجة داعية إليها، فلا شبهة فى أنه نقلها من صحف فصحّف، وانفرد فى تصريف الكلم برأيه فحرّف.
وقيل إنه اختلط فى آخر عمره، ومات متردّيا من سطح داره بنيسابور فى شهور سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة. ورأيت فيما رأيت أنه مات فى حدود سنة أربعمائة.
وله شعر أنشد له أبو منصور الفرّاء فى كتابه:
لو كان لى بدّ من الناسقطعت حبل الناس بالياس
العزّ فى العزلة لكنّهلابدّ للنّاس من النّاس
وله أيضا:
فها أنا يونس فى بطن حوتبنيسابور فى ظلم الغمام
فبيتى والفؤاد ويوم دجنظلام فى ظلام فى ظلام
وله أيضا:
رأيت فتى أشقرا أحمراقليل الدّماغ كثير الفضول
يفضّل من حمقه دائمايزيد بن هند على ابن البتول
وله أيضا:
يا صاحب الدّعوة لا تجزعنفكلّنا أزهد من كرز
والماء كالعنبر فى قومسمن عزّه يجعل فى الحرز
فسقّنا ماء بلا منّةوأنت فى حلّ من الخبز
ومن العجيب أن أهل مصر يروون كتاب الصّحاح عن ابن القطّاع الصّقلىّ متصل الطريق إلى الجوهرىّ، ولا يرويه أحد من أهل خراسان. وقد قيل:
إن ابن القطّاع لما دخل إلى مصر سئل عن الكتاب فقال: ما وصل إلينا إلى العرب. ولما رأى رغبة المصريين فيه، وكثرة اشتغالهم له، ركّب عليه طريقا ورواه لهم، فنسأل الله السّتر والسلامة بمنّه وطوله.
وذكره الباخرزىّ فى كتابه فى فصل الأدباء من أهل العربية، وسجع له، فقال:
«أبو نصر إسماعيل بن حمّاد الجوهرىّ، صاحب صحاح اللغة، لم يتأخر فيها عن شرط أقرانه، ولا انحدر عن درجة أبناء زمانه. أنشدنى الأديب يعقوب بن أحمد، قال: أنشدنى الشيخ أبو إسحاق بن صالح الورّاق الجوهرىّ تلميذ الجوهرىّ له:
يا ضائع العمر بالأمانىأما ترى بهجة الزّمان
فقم بنا يا أخا همومنخرج إلى نهر بشتقان
لعلّنا نجتنى سروراحيث جنى الجنّتين دان
كأننا والقصور فيهابحافتى كوثر الجنان
والطير فوق الغصون تحكىبطيب أصواتها الأغانى
وراسل الورق عندليبكالزّير والبمّ والمثانى
وبركة حولها تآختعشر من الدّلب واثنتان
وعمرك اليوم فاغتنمهفكلّ يوم سواه فان
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع