تجاوز إلى المحتوى

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)

الحسن بن بشر الآمدى ﵀

هو أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدىّ الأصل، البصرىّ المنشأ. إمام فى الأدب، وله شعر حسن، واتساع تام فى علم الشعر ومعانيه [رواية] ودراية وحفظا، وصنّف كتبا فى ذلك حسانا.

وكان فى البصرة كاتبا للقضاة من بنى عبد الواحد، صحب المشايخ والجلّة، مثل أبى إسحاق الزجّاج وطبقته.

قال: حدّثنى أبو إسحاق الزجّاج قال: كنا ليلة بحضرة القاسم بن عبيد الله نشرب- وهو وزير- فغنّت بدعة جارية عريب:

أدلّ فأكرم به من مدلّومن ظالم لدمى مستحلّ
إذا ما تعزّز قابلتهبذلّ وذلك جهد المقلّ
للشاعر أبو الفرج الأصبهاني، من قصيدة «أذل فيا حبذا من مدل»

فأدّت فيه صنعة حسنة، فطرب القاسم عليه طربا شديدا، واستحسن فيه الصنعة جدا والشعر، فأفرط. فقالت له بدعة: يا مولاى، إن لهذا الشعر خبرا حسنا أحسن منه. قال: وما هو؟ قالت: هو لأبى خازم القاضى.

قال: فعجبنا من ذلك مع شدّة تقشّف أبى خازم وورعه وتقبّضه. فقال له الوزير: بالله يا أبا إسحاق! اركب إلى أبى خازم، واسأله عن هذا الشعر وسببه.

فباكرته، وجلست حتى خلا وجهه، ولم يبق إلا رجل بزىّ القضاة، عليه قلنسوة، فقلت له: بيننا شىء أقوله على خلوة، فقال: فليس هذا ممّن أكتمه شيئا. فقصصت عليه الخبر، وسألته عن الشعر والسبب، فتبسّم، وقال: هذا شىء قلته فى الحداثة، كنت قلته فى والدة هذا- وأومى إلى القاضى الجالس، فإذا هو ابنه- وكنت إليها مائلا، وكانت لى مملوكة، ولقلبى مالكة، فأما الآن فلا عهد لى بمثله منذ سنين، ولا عملت شعرا منذ دهر طويل، وأنا أستغفر الله مما مضى. فوجم الفتى حتى ارفضّ عرقا، وعدت إلى القاسم، فأخبرته، فضحك من خجل الابن.

وكنّا نتعاود ذلك زمانا.

كان قد ولى القضاء بالبصرة فى سنة نيّف وخمسين وثلاثمائة رجل لم يكن عندهم بمنزلة من صرف به، لأنه قد ولّى صارفا لأبى الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمىّ، فقال فيه أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدىّ هذا- كاتب القاضيين أبى القاسم جعفر وأبى الحسن محمد بن عبد الواحد:

رأيت قلنسية تستغيث من فوق رأس تنادى: خذونى
وقد قلقت فهى طورا تميل من عن يسار ومن عن يمين
فطورا تراها دوين القفاوطورا تراها فويق الجبين
فقلت لها: أىّ شىء دهاك؟فردّت بقول كئيب حزين
للشاعر الحسن بن بشر بن الآمدي، من قصيدة «فقلت لها أي شيء دهاك؟»
دهانى أن لست فى قالبىوأخشى من الناس أن يبصرونى
للشاعر الحسن بن بشر بن الآمدي، من قصيدة «فقلت لها أي شيء دهاك؟»
وأن يعبثوا بمزاح معىوإن فعلوا ذاك بى قطّعونى
للشاعر الحسن بن بشر بن الآمدي، من قصيدة «فقلت لها أي شيء دهاك؟»
فقلت لها: مرّ من تعرفينمن المنكرين لهذى الشؤون
للشاعر الحسن بن بشر بن الآمدي، من قصيدة «فقلت لها أي شيء دهاك؟»
ومن كان يشهق إمّا رآكويخرج من جوفه كالرنين
ومن كان يصفع فى الله لايملّ ويشتدّ فى غير لين
ويسلح ملأك كيل التمام إمّا على صحة أم جنون
ففارقها ذلك الإنزعاجوعادت إلى حالها فى السكون
للشاعر الحسن بن بشر بن الآمدي، من قصيدة «فقلت لها أي شيء دهاك؟»

وكان الآمدىّ يكتب خطا حسنا من خطوط الأوائل، وهو أقرب خط إلى الصحة. وكتب الكثير.

وصنف كتبا حسانا، منها كتاب الموازنة بين أبى تمام والبحترىّ، وهو كتاب كبير حسن فى فنه، وكتاب المختلف والمؤتلف فى أسماء الشعراء، وهو كتاب جليل، وكتاب الردّ على قدامة فى نقد الشعر، وهو كتاب جليل ظريف، وكتاب الحروف فى اللغة.

ورأيت فى بعض المجاميع ما صورته: الحسن بن بشر بن يحيى أبو القاسم الآمدىّ الكاتب النحوىّ؛ من أهل البصرة، وهو صاحب كتاب الموازنة بين الطائيين.

كان حسن الفهم جيد الدّراية والرواية، سريع الإدراك، وصنّف كتبا كثيرة؛ منها كتاب المؤتلف والمختلف فى أسماء الشعراء، وكتاب نثر المنظوم، وكتاب فى أن الشاعرين لا تتفق خواطرهما، وكتاب [ما] فى عيار الشعر [من الخطأ]، ردّ فيه على ابن طباطبا، وكتاب فرق ما بين الخاص والمشترك من معانى الشعراء، وكتاب تفضيل امرئ القيس على الجاهليين، وكتاب فى شدة حاجة الإنسان إلى أن يعرف قدر نفسه، وكتاب تبيين غلط قدامة بن جعفر فى كتاب نقد الشعر، وكتاب معانى شعر البحترىّ، وكتاب الرّد على ابن عمار فيما خطّأ فيه أبا تمام، وكتاب ديوان شعره، وغير ذلك.

وكان مولده بالبصرة، وقدم بغداذ، وأخذ عن الحسن بن على بن سليمان الأخفش وأبى إسحاق الزجاج وأبى بكر بن دريد وأبى بكر بن السراج اللغة والأخبار.

واتسع فى الآداب وبرّز فيها، وانتهت رواية الشعر القديم والأخبار فى آخر عمره بالبصرة إليه.

وكان يكتب بمدينة السلام لأبى جعفر بن هارون بن محمد الضبىّ خليفة أحمد ابن هلال صاحب عمان بحضرة المقتدر بالله، وكانت وفاته سنة سبعين وثلاثمائة، وكان يتعاطى مذهب الجاحظ فيما يعمله من الكتب.

ومن شعره يستدعى صديقا له:

عندى أخى وأخوك فى الأدبنسب له فضل على النسب
فى ساحة للهو نعمرهابالجدّ أحيانا وباللعب
ولنا حديث بيننا حسنكالنّور بين منابت العشب
وكأنما كاساتنا شهبتهوى إلى الأحزان والكرب
وبدالنا المنثور فى حلليدعو إلى اللّذات والطرب
كم منظر للعين فيه وكمفيه لذى الآراب من أرب
يحكى قشور الدرّ أبيضهوالصّفر منه قراضة الذهب
وله ضروب أشبهت فلق الياقوت حين هوت من السّخب
يوم يطيب إذا حضرت وإنغيّبت عنا فيه لم يطب
فاجمع بوجهك شمل لذّتنايا قدوة فى العلم والأدب
واعلم بأنك إن أجبت ولمتكن الجواب لنا فلم تجب

وقوله أيضا:

يا واحدا بان فى الزمانممّن يجاريه أو يدانى
دعنى من نائل وبرّيعجز عن شكره لسانى
ولست والله مستميحاولا أخا مطمع ترانى
وهب إذا كنت لى وهوبامن بعض أخلاقك الحسان
للشاعر الحسن بن بشر بن الآمدي، من قصيدة «يا واحداً كان في الزمان»

وقال يرثى المعمرىّ:

يا عين أذرى الدموع وانسكبىأصبح ترب العلوم فى التّرب
لقيت بالمعمرىّ يوم ثوىأوّل رزء بآخر الأدب
كان على أعجمىّ نسبتهفضيلة من فضائل العرب

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.