من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)
على بن سعيد بن عثمان بن جار الخير بن دبابا السنجارى
بسم الله الرحمن الرحيم. كتبت فى هذه الكراسة ما وجدته من شعر الشيخ أبى الحسن علىّ بن سعيد بن عثمان بن جار الخير- رضى الله عنهم أجمعين- وحصل لى ذلك من أوراق من كتاب العين فى اللغة، وجدتها بخطه منذ زمان قديم.
فمن ذلك أبيات دالية، وهى:
لمن طلل أضحت قفارا معاهدهأكاتمه برح الهوى وأناشده
وقفت به صحبى طويلا أبثّهلفرط الأسى والشوق ما أنا واجده
فأعيا جوابا واحتملت وللهوىبقلبى ولوع ما يزال يعاوده
ولست بناس يا أميمة عهدكمولا خائنا إن خان عهدا معاهده
ولا هائبا صرف الزّمان إذا سطتبأحداثه أحداثه وشدائده
وكيف أخاف الدهر من بعد ما غداكفيلا بنجح السّعى والقصد ماجده
هو السّيّد المرجوّ والمورد الذىبوادره محمودة وموارده
جواد إذا حدّثت عنه بمدحةتضافرنى فيما أقول حواسده
سحاب على الأعداء فيه صواعقوبحر نوال ما تغبّ عوائده
فتى شرفت همّاته وسما بهإلى ذروة المجد الأصيل محامده
تعالى علوّا إن يساجل فما يرىله فى الّذى يأتيه ندّ يعانده
أنار سبيل العرف بعد ظلامهوقام به بعد التّثاقل قاعده
وأضحى به شمل الرّعية بعد ماتشعّب مجموعا وأرست قواعده
جرىء على الخصم الجرىء مساعدإذا قصرت عن نصرة الكفّ ساعده
بصير بوجه القصد والأمر مظلمإذا خفيت يوما عليك مقاصده
له شيمة تعلو على كلّ شيمةومورد جود لا يخيّب وارده
إليك ابن منصور زجرت ركائبىوقد شردت بى عن مسيرى شوارده
وما خاب مسعى من غدوت رجاءهولا ضلّ ركب أمّ بابك قاصده
وله رحمة الله عليه:
نمّت دموعى بما أكاتمهوعاد جسمى لبينهم سقم
وظلت فى الدّار بعد بعدهمذا لوعة فى الفؤاد تضطرم
وعاذل بات فيك يعذلنىوبى عن العذل فى الهوى صمم
أذقته حرّ لومه فغداذا كبد ما تكاد تلتئم
يا جائرا فى هواه محتكماأسرفت فى الحكم أيّها الحكم
أطعت قول الواشى ولم أك فىحبّك ممن يطيع قولهم
فلا سقوا حيث حلّ سربهمولا استهلّت عليهم الدّيم»
ولا غدا بالنجاح طائرهمولا سعى بالعلا لهم قدم
وله رضى الله عنه ورحمه:
أمغنى الهوى أصبحت مغنى النّوائبوقد كنت مغنى للحسان الكواعب
وأمسيت من بعد الأحبّة موحشاوكنت أنيسا فيك مسرى الحبائب
أبعد مشيب الرأس يعتادنى الصّباوأمسى زميلا للخليع المصاحب!
وبعد خليلىّ اللذين تحمّلاأبيت قرير العين عذب المشارب!
من مدحها:
وكنت قبيل الإلتقاء معظّمالما سار عنكم من جزيل المناقب
فلما تلاقينا رأيت مخبّرىلتقصيره فى الوصف فى زىّ كاذب
وله رحمة الله عليه:
روحى الفداء لزائر متفضّلشفعت مكارمه إليه فأنعما
سمحت به نفس الزّمان وطالمابخلت علىّ بأن أراه مسلّما
فطفقت أحمده وأشكر سعيهوأعدّ زورته الحميدة مغنما
وعلمت أن الدهر يعقب شهدهفى الكأس من بعد الحلاوة علقما
أين الّذين علوا على أحداثهوتوقّلوا خوف المنيّة سلّما
أخنى بكلكله فأفنى جمعهموغدا مشيد بنائهم متهدّما
فاعمل لنفسك إن قدرت ولا تكنفرقا وكن حيث الأمور مسلّما
سمعت من أخوال الشيخ أبى الحسن على بن سعيد بن دبابا- ﵀ أنه كان رجلا متدينا كثير العقل. فمن دينه أنه سمع إنسانا يفضله على بعض نحاة سنجار، وهو عبد الصمد بن عيسون، فلما حضر للقراءة عليه أقسم أنه لا يقرئه وهو على هذه الحالة فى تفضيله والمغالاة فيه.
وأيضا فإنه كان يتّجر ويختلف إلى دمشق، فباع فى بعض سفراته على نوّاب أسد الدين شيركوه متاعا، غلط أصحابه بمائتى دينار صوريّة. فعمل حسابه فوجد الغلط، فحمل الذهب إليهم، فجزوه خيرا وشكروه.
وطلبه عماد الدين صاحب سنجار- ﵀ وألحّ فى طلبه، فلم يمض إليه، وقال: هو يرانى بعين، وأخشى أن أنقص من عينه إذا اجتمعنا.
وتحيّل مجاهد الدين النائب بسنجار عليه فى الاجتماع به؛ حتى كان يقدم فى الوقت يوم الجمعة لأجل الاجتماع به.
وروى أنه اجتاز بسوق سنجار، فرآه بعض البغداذيين، وقال: من هذا الرجل؟ فقيل: هذا يقال له علىّ بن دبابا، فقال: يحتاج هذا الرجل إلى قلّة عقل.
وذكر أن رجلا من أهل سنجار يقال له ابن جبلة، خرج من مقصورة من مقاصير جامع سنجار يوم جمعة إلى صحن الجامع، فقال: سبحان الله! ما فى هذا الجمع مسلم! ثم نظر فإذا الشيخ أبو الحسن، فقال: ما كان لى أن أقول هذا والشيخ أبو الحسن حىّ.
وكان يناظر مع الفقهاء فيجيد بقوته فى علوم الفقه على وجه التسلّط. وكانت استراحته فى كلامه مثلا. وعلى الجملة، لأهل سنجار فيه من العقيدة ما لم يسمع لها مثال. وكان رجلا طويلا ضخما آدم اللون جهورىّ الصوت حسن التسميع، [ذا] نفس كبيرة- ﵀.
وحكى أنّ مماته كان بريح الخمرة، فقال يوما: اليوم أشتمّ شيئا وأموت، فجاء الطبيب فقال: قوّوه، فشويت عنده شريحة لحم، فشمّها. وتوفى- ﵀ فى حدود سنة ستين وخمسمائة تقريبا.
وكان يحضر مع جماعة من معتبرى سنجار فى وادى سنجار، على بيت بجانب بستان لرجل يقال له ابن الخردل، فاطلع عليه ابن الخردل يوما فقال: قد حضرنى شىء؛ أقوله أم لا؟ فقال له الشيخ: قل، فقال:
يا علىّ بن دباباليس ذا شيئا صوابا
تأخذ الدّر من البحر وتلقيه الخرابا
هذا الشيخ- ﵀ كان نحويا بمدينة سنجار، يفيد النّحو بغير أجر.
وكان نزه النفس، مشتغلا بأمره، يرتزق من صنعة يده، ويصبر على المأكل الخشن والملبس المتوسط. وكان يصنع الجفنات الحمر بيده ويرتزق بها. وكان ذا دين ومروءة.
قرأ النحو ببلده على البر النحوىّ القرقيسىّ نزيل سنجار، وعلى أبى جحش السنجارىّ النحوىّ. ولم يزل ببلده يفيدها إلى أن مات- ﵀.
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع