تجاوز إلى المحتوى

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)

عيسى بن عمر البصرى الثقفى المقرئ النحوى

اختلف فى نسبه، فقيل هو مولى لبنى مخزوم، وهو من ولد الحكم بن عبد الله الأعرج الذى روى الحديث. وقيل كان من ثقيف، لخالد بن الوليد، وقيل هو مولى خالد بن الوليد المخزومىّ ونزل فى ثقيف.

وكان من قرّاء أهل البصرة ونحاتها. وكان عالما، أخذ عن ابن إسحاق.

وكان عيسى بن عمر فى طبقة أبى عمرو بن العلاء، وعنه أخذ الخليل بن أحمد.

وله فى النحو نيّف وسبعون تصنيفا، عدمت؛ ومنها تصنيفان كبيران؛ اسم أحدهما الإكمال والآخر الجامع. ويقال إن الجامع هو كتاب سيبويه، زاد فيه وحشاه. وسأل مشايخه عن مسائل منه أشكلت عليه فذكرت له فأضافها، وإنه لما أحضره إلى الخليل بن أحمد ليقرأه عليه عرفه الخليل، وأنشد:

بطل النحو جميعا كلّهغير ما أحدث عيسى بن عمر
ذاك (إكمال) وهذا (جامعفيهما للناس شمس وقمر
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

فأشار إلى الجامع بما يشار به إلى الحاضر، وهى لفظة هذا.

وقال أحد العلماء لعيسى بن عمر: أخبرنى عن هذا الذى وضعته فى كتابك؛ يدخل فيه كلام العرب كلّه؟ قال: لا، قلت: فمن تكلم خلافك واحتذى ما كانت العرب تتكلم به تراه مخطئا؟ قال: لا، قلت: فما ينفع كتابك! وقال محمد بن سلام الجمحىّ: «كان عيسى بن عمر ينزع إلى النصب إذا اختلفت العرب». ويقال: إنّ أبا الأسود لم يضع من النحو إلا باب الفاعل والمفعول فقط، وإن عيسى بن عمر وضع كتابه على الأكثر وبوّبه وهذّبه، وسمى ما شدّ عن الأكثر لغات. وكان يطعن على العرب، ويخطّئ المشاهير منهم؛ مثل النابغة فى بعض أشعاره وغيره.

وكان صاحب تقعير فى كلامه، واستعمال للغريب فيه. وكان بعض جلساء خالد بن عبد الله القسرىّ قد استودعه وديعة، فنمى ذلك إلى يوسف بن عمر، فكتب إلى واليه بالبصرة يأمره أن يحمله إليه مقيّدا، فدعى به، ودعى بالحداد وأمره بتقييده، فلما قيّد قال له الوالى: لا بأس عليك؛ إنما أرادك الأمير لتأديب ولده. قال: فما بال القيد إذن! فبقيت هذه الكلمة مثلا بالبصرة. فلما أتى به يوسف بن عمر سأله عن الوديعة فأنكر، فأمر به فضرب بالسياط؛ فلما أخذه السوط جزع، فقال: أيها الأمير؛ إنما كانت ثيابا فى أسيفاط؛ فتسلّمها عشّارك، فرفع السوط عنه، ووكل به حتى أخذت الوديعة منه. وأدركه بعد ذلك ضيق النفس؛ فكان يداويه بإجّاص يابس وسكّر يضعه فى فيه فيسكّن ما به، وكان دقيق الصوت.

قال يحيى بن معين: عيسى بن عمر بصرىّ ثقة. وجمع الحسن بن قحطبة عند مقدمه مدينة السلام الكسائىّ والأصمعىّ وعيسى بن عمر؛ فألقى عيسى بن عمر على

الكسائىّ مسألة، فذهب الكسائىّ يوجّه احتمالاتها، فقال له عيسى: عافاك الله! إنما أريد كلام العرب، وليس هذا الذى تأتى به بكلامها.

قال الأصمعىّ: وجاء عيسى بن عمر يوما إلى أبى عمرو بن العلاء فقال له:

مررت بقنطرة قرّة، فلقينى بعيران مقرونان فى قرن، فما شعرت شعرة حتى وقع قرانهما فى عنقى، فلبج بى، فافرنقع عنى والناس قيام ينظرون. قال: فكاد أبو عمرو ينشقّ غيظا من فصاحته.

وذكر عنه أن ضيق النفس الذى كان به أدركه يوما وهو فى السوق فوقع، ودار الناس حوله يقولون: مصروع، مصروع! فبين قارئ ومعوّذ من الجانّ. فلما أفاق من غشيته نظر إلى ازدحامهم فقال لهم: ما لى أراكم تتكأكئون علىّ تكأكؤكم على ذى جنّة! افرنقعوا. فسمع أحد الجمع وهو يقول: إن جنّيّه هذا يتكلم بالهندية.

توفى عيسى بن عمر سنة تسع وأربعين ومائة قبل أبى عمرو بن العلاء بخمس سنين أو ست.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.