من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)
محمد بن أبى الحسن الأندلسى
رئيس جليل، عالم باللغة والأدب. كان فى أيام الحكم المستنصر أثيرا بالعلم عنده. وتقدّم إليه الحكم المستنصر بمقابلة كتاب العين للخليل بن أحمد مع أبى علىّ إسماعيل بن القاسم القالى وابنى سيّد فى دار الملك التى بقصر قرطبة، وأحضر من الكتاب نسخا كثيرة فى جملتها نسخة القاضى منذر بن سعيد البلّوطىّ التى رواها بمصر عن ابن ولّاد. وسألهم يوما الحكم عن النسخ فقالوا: [إن] نسخة القاضى أشدّ النسخ تصحيفا وخطأ وتبديلا، فسألنا تبيين ذلك له، فأنشدوه أبيانا مكسورة، وأسمعوه ألفاظا مصحّفة. فسأل أبا علىّ القالى عن حقيقتها، فأخبره على قول الجماعة. واتّصل المجلس بالقاضى منذر، فكتب إلى الحكم المستنصر رقعة، وفيها:
جزى الله الخليل الخير عنّابأفضل ما جزى فهو المجازى
وما خطأ الخليل سوى المغيلىّوعضروطين فى ربض الطّراز
فصار القوم زرية كلّ زاروسخريّا وهزأة كل هازى
فقال لهم المستنصر: إن القاضى قد هجاكم؛ فقلنا: نجلّ القاضى عن ذكره فى مجلس مولانا، فقال: قد بدأكم، والبادى أظلم. فقلنا: إن رام المحافقة بحضور الشيخ أبى على القالى حافقناه على وهمه، ومدّ محمد بن أبى الحسين يده إلى الدّواة وكتب:
هلمّ فقد دعوت إلى البرازوقد فاخرت قرنا ذا نجاز
ولا تمش الضّراء فقد أثرت الأسود الغلب تخطر باحتفاز
وأصحر للّقاء تكن صريعابماضى الحدّ مصقول الجراز
رويت عن الخليل الوهم جهلابجهلك بالكلام وبالمجاز
دعوت له بخير ثم أنحتيداك على مفاخر بالعزاز
تهدّمها وتجعل ما علاهاأسافلها، ستجزيك الجوازى
جزى الله الإمام العدل عنّاجزاء الخير فهو له مجازى
به وريت زناد العلم قدماوشرّف طالبيه باعتزاز
وجلّى عن كتاب العين دجناوإظلاما بنور ذى امتياز
بأستاذ اللغات أبى علىّوأحداث بناحية الطّراز
بهم صحّ الكتاب وصيّروهمن التصحيف فى ظلّ احتراز
وعرضت على المستنصر فرآها وضحك وقال: قد انتصرت، وأمر بها فختمت، ثم وجه بها إلى القاضى، فلم يسمع له بعد ذلك كلمة.
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع