تجاوز إلى المحتوى

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)

محمد بن عبد الله أبو عبد الله النحوى الكوفى المعروف بابن قادم

وقيل اسمه أحمد، وجدّه قادم. نحوى كوفىّ، وهو أستاذ ثعلب، قال أبو جعفر أحمد بن إسحاق البهلول القاضى الأنبارىّ: دخلت أنا وأخى البهلول مدينة السلام

سنة خمس وخمسين ومائتين، فدرنا على الحلق يوم الجمعة، فوقفنا على حلقة فيها رجل يتلهّب ذكاء، ويجيب عن كلّ ما يسأل عنه من مسائل القرآن والنحو والغريب وأبيات المعانى، فقلنا: من هذا؟ فقالوا: أحمد بن يحيى ثعلب؛ فبينا نحن كذلك إذ ورد شيخ يتوكّأ على عصا، فقال لأهل الحلقة: أفرجوا للشيخ، فأفرجوا له حتى جلس إلى جانبه، ثم سأله عن مسألة فقال: قال أبو جعفر الرؤاسىّ: فيها كذا، وقال الكسائىّ: فيها كذا، وقال هشام: فيها كذا، وقلت أنا: كذا. فقال له الشيخ: إن ترانى أعتقد فى هذه المسألة إلا جوابك، فالحمد لله الذى بلّغنى هذه المنزلة فيك. فقلنا: من هذا؟ فقالوا:

محمد بن قادم.

وكان مع إسحاق بن إبراهيم المصعبىّ؛ قال ثعلب: وكان ابن قادم يشبه الناس فى خلقه وعلمه. قال: وجّه إلىّ إسحاق يوما فأحضرنى فلم أدر ما السبب، فلما قربت من مجلسه تلقّانى ميمون بن إبراهيم كاتبه على الرسائل وهو على غاية الهلع والجزع، فقال لى بصوت خفىّ: إنه إسحاق، ومرّ غير متلبّث ولا متوقف حتى رجع إلى مجلس إسحاق، فراعنى ذلك، فلما مثلت بين يديه قال لى:

كيف يقال: «وهذا المال مالا» أو «هذا المال مال»؟ فعلمت ما أراد ميمون، فقلت له: الوجه «[وهذا] المال مال»، ويجوز «وهذا المال مالا»، فأقبل إسحاق على ميمون بغلظة وفظاظة، ثم قال: الزم الوجه فى كتبك، ودعنا من يجوز ويجوز.

ورمى بكتاب كان فى يده، فسألت عن الخبر فإذا ميمون قد كتب إلى المأمون وهو

ببلاد الروم عن إسحاق، وذكر مالا حمّله إليه، فكتب: «وهذا المال مالا»، فخط المأمون على الموضع من الكتاب، ووقع بخطه فى حاشيته: تخاطبنى بلحن! فقامت القيامة على إسحاق. فكان ميمون بعد ذلك يقول: ما أدرى كيف أشكر ابن قادم، أبقى علىّ روحى ونعمتى. قال ثعلب: فكان هذا مقدار العلم، وعلى حسب ذلك كانت الرغبة فى طلبه والحذر من الزلل. قال: وهذا [المال] مالا ليس بشىء، ولكن أحسن ابن قادم فى التأتّى لخلاص ميمون.

وكان ابن قادم يعلّم المعتز قبل الخلافة، فلما ولى الخلافة بعث إليه، فجاء الرسول وهو فى منزله شيخ كبير، فقيل له: رسول أمير المؤمنين، فقال: ليس أمير المؤمنين ببغداذ- يعنى المستعين.- قالوا: لا، قد ولى المعتزّ. وكان المعتزّ قد حقد عليه عقيب تأديبه، فخشى من تأديبه، وقال لعياله: عليكم السلام. وخرج فلم يرجع إليهم؛ وهذا فى سنة إحدى وخمسين ومائتين. وله من الكتب المصنفة من تصنيفه: كتاب غريب الحديث. كتاب الملوك فى النحو.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.