تجاوز إلى المحتوى

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)

موهوب بن أحمد بن محمد بن الحسن بن الجواليقى أبو منصور بن أبى طاهر

وقد تقدّمه مهدى ومهلّب وهما بعده. من ساكنى دار الخلافة، إمام فى اللغة والنحو والأدب، وهو من مفاخر بغداذ، قرأ الأدب على أبى زكريا يحيى بن على الخطيب التّبريزىّ، ولازمه وتلمذ له حتى برع فى فنه، وهو متدين ثقة، غزير الفضل، وافر العقل، مليح الخط، كثير الضبط، صنف التصانيف وانتشرت عنه؛ مثل: شرح أدب الكاتب، والمعرب، وتتمة درّة الغواص إلى مثل ذلك.

وخطّه مرغوب فيه، يتنافس الناس فى تحصيله والمغالاة له، وكان إماما للإمام المقتفى يصلّى به، وجرت له مع ابن التلميذ الطبيب حكاية عنده، وهو أنه لما حضر للإمامة بالمقتفى، ودخل عليه أوّل دخلة، فما زاده أن قال: السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال له ابن التلميذ- وكان قائما وله إدلال الصحبة والخدمة بالدار- ما هكذا يسلّم على أمير المؤمنين يا شيخ! فلم يقبل ابن الجواليقىّ عليه وقال للمقتفى: يا أمير المؤمنين، سلامى هذا هو ما جاءت به السنة النبوية، وأسند له خبرا فى صورة السّلام، ثم قال: يا أمير المؤمنين، لو حلف حالف أنّ نصرانيا أو يهوديا لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه لما لزمه كفارة الحنث، لأنّ الله ختم على قلوبهم، ولن يفكّ ختم الله إلا الإيمان؛ فقال له: صدقت وأحسنت فيما فعلت، وكأنما ألجم ابن التلميذ حجرا، مع أنه كان ذا فضل ومشاركة.

وسمع ابن الجواليقىّ من شيوخ زمانه وأكثر، وأخذ الناس عنه علما جما.

وكان مولده فى سنة ست وستين وأربعمائة، وتوفّى ﵀ يوم الأحد الخامس عشر من المحرّم سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، ودفن من يومه بباب حرب، وصلّى عليه قاضى القضاة الزينبى بجامع القصر.

قال أبو محمد إسماعيل بن موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقىّ،- وكان أنبه أولاد أبيه-: كنت فى حلقة والدى أبى منصور موهوب بن أحمد

يوم جمعة بعد الصلاة بجامع القصر الشريف، والناس يقرءون عليه، فوقف عليه شاب وقال: يا سيّدى، سمعت بيتين من الشعر، ولم أفهم معناهما، وأريد أن تسمعهما، وتعرّفنى معناهما، فقال: قل، فأنشد:

وصل الحبيب جنان الخلد أسكنهاوهجره النّار يصلينى به النار
فالشمس بالقوس أمست وهى نازلةإن لم يزرنى وبالجوزاء إن زارا

فلما سمعهما والدى قال: يا بنىّ، هذا شىء من معرفة تسيير الكواكب فى البروج؛ وذلك من صنعة من يعرف علم النجوم وتسييرها، لا من صنعة أهل الأدب.

فانصرف الشاب من غير أن يحصل له ما أراده، فاستحيا والدى من أن يسأل عن شىء ليس عنده منه علم، ونهض وآلى على نفسه ألّا يجلس فى موضعه ذاك حتى ينظر فى علم النجوم، ويعرف تسيير الشمس والقمر، ونظر فى ذلك وحصل معرفته بحيث إذا سئل عن شىء منه أجاب.

ومعنى البيت الثانى منهما الذى فيه السؤال أن الشمس إذا نزلت بالقوس يكون الليل فى غاية الطول، وإذا كانت بالجوزاء كان فى غاية القصر؛ فكأنه يقول: إن لم يزرنى فالليل عندى فى غاية الطول، وإن زارنى كان فى غاية القصر.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.