تجاوز إلى المحتوى

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)

ياقوت بن عبد الله الحموى

مولى، الرّومى نسبا. كان ﵀ وعفا عنه رومىّ الجنس، أسر صغيرا، وابتاعه ببغداد رجل تاجر يعرف بعسكر الحموىّ، وجعله في الكتاب لينتفع به

في ضبط تجائره، وكان عسكر هذا لا يحسن الخطّ، ولا يعلم شيئا غير التجارة، وقد سكن بغداد وقطنها، وتزوّج بها إحدى بنات رئيس من الرؤساء، وولد أولادا، هم موجودون الآن ببغداد.

ولمّا كبر ياقوت هذا، قرأ شيئا يسيرا من النّحو واللغة، وشغله مولاه بالأسفار في متاجره، فكان يتكرّر إلى كيش والشّام، ثم جرت بينهما نبوة اقتضتها الحال، فعتقه وأبعده عنه، فاشتغل بالنّسخ بالأجرة، وحصّل بالمطالعة فوائد اقتضاها فهمه، على عسر كان في فهمه، ومكابرة كانت في خلقه. ثم إنّ سيّده بعد مدّة مديدة ألوى عليه، وسفّره إلى كيش، ولمّا عاد كان سيّده قد مات فحصّل شيئا مما كان في يده، وأعطى أولاد مولاه وزوجته شيئا راضاهم عليه، وجعل مما حصّل له رأس مال كان يسافر به إلى الشام، وربّما جعل بعض تجارته كتبا، وكان ذلك سبب اجتماعى به، فإنّه قصدنى بالكتب إلى حلب لمّا شاع غرامى بها بين المتّجرين فيها، فكان اجتماعى به في شهور سنة تسع وستمائة، أحضره لى أبو علىّ القيلوىّ بحلب، ورأيت ما جلبه من الكتب على قلّتها، فلم يكن فيها ما أرغب إليه سوى كتابين ابتعتهما منه. وتأمّلته في منظره ومخبره، فتوسّمت

فيه أمورا لم يخلّ حدسى فيها، وعلمت أنّه لا يصلح للعشرة. وسافر عن حلب، وعاد إليها دفعة أخرى في شهور سنة ثلاث عشرة وستمائة، وأحضر معه كتبا ذكر أنها وديعة لغيره، كان في بعضها الجيّد، وتوجّه إلى دمشق.

وكان شديد الانحراف عن علىّ بن أبى طالب ﵇، يرتكب في أمره ما لا يرتكبه أحد من مصنّفي الفرق، حتى كأنّه قد طالع شيئا من مذهب الخوارج، فاشتبك في رأسه منه ما لم يزل، ولمّا دخل دمشق قعد في بعض أسواقها يناظر بعض من يتعصّب لعلىّ بن أبى طالب ﵇، وجرى بينهما كلام أدّى إلى ذكره عليّا بما لم يسغ، جاريا على عادته في ذلك؛ فثار النّاس عليه ثورة كادوا أن يقتلوه لما سمعوه منه، وقدّر الله له السّلامة، فخرج عن دمشق منهزما، بعد طلب واليها المعتمد الموصلىّ. وجاء إلى حلب خائفا يترقّب، وخرج عن حلب في العشر الأوّل أو الثانى من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وستمائة، ووصل إلى الموصل متخفّيا من قوله، وتوجّه إلى إربل، وسلك منها إلى بلاد خراسان، وتحامى دخول بغداد، لأنّ المناظر له كان بغداديّا، وخشى أن ينقل قوله فيطيح دمه، وأقام بخراسان يتّجر في بلادها. واستوطن مرو مدّة، وخرج عنها إلى نسا،

وسلك إلى خوارزم في جيحون، وصادفه وهو في خوارزم خروج التّتر، فانهزم بنفسه، كبعثه يوم الحشر من رمسه، وقاسى من القلة والتعب وتشعب الحال ما كان يكلّ عن وصفه، ووصل إلى الموصل، وقد تقطّعت به الأسباب، وأعوزه دنىء المآكل وخشن الثّياب، وتلزّم بالموصل مدّة، ثم رحل إلى سنجار، ومن سنجار إلى حلب.

ولمّا وصل دخل علىّ في حالة يسوء منظرها، ووصف من أمره أمورا لا يسرّ مخبرها. وقال: قد ألقيت عصاى ببابك، وخيّم أملى بجانب جنابك، فقلت في جوابه: أقاسمك العيش، وسألت الله أن يرزقنى الثبات على خلقه لا الطّيش، فإنّ أخلاقه خلقة، ومخاريقه منخرقة، ولا أقع من دينه من حيث القاذورات، وإنما من حيث تصرّفه الموجب له التفرّق والشّتات، فأقام مشاركا [فى] المعلوم، باذلا له كتب العلوم، فلفّق منها مجموعات لم يكّملها، ونسخ وباع في عدّة سنين أقامها عندى، محمول الكلفة، بحكمة اقتضاها حاله، وسافر ببضاعة من الخام إلى مصر، فأربحته ربحا قريبا، وعاد بمعمول مصر، فأربح فيه، وأقام بالخان ظاهر حلب، فمرض ومات به في العشرين من شهر رمضان سنة ست وعشرين وستمائة ﵀.

وقبل موته أوصى بأوراقه ومجموعاته إلى العزّ ابن الأثير الموصلىّ، وكان مقيما بحلب، وعهد إليه أن يسيّرها إلى وقف الزيدىّ ببغداد، ويسلّمها إلى الناظر فيه الشيخ عبد العزيز بن دلف. واحتاط نواب الأيتام على ماله، إلى أن حضر ولد سيّده من بغداد، بكتاب حكمىّ وتسلّم ما خلّفه.

وأما ابن الأثير فإنّه تصرف في الكتيبات التى له، والأوراق المجمّعة التى بخطّه تصّرفا غير مرضىّ ولم يوصّلها بعد أن حصل بالموصل إلى الجهة المعيّنة برسمها، بل فرّقها على جماعة، أراد انتفاعه بهم وبها عندهم، ولم ينفعه الله بشىء من ذلك، ولم يتملّ منها بأمل ولا مال، وقطع الله أجله، بعد أن قطع من الانتفاع بتفرقتها أمله، فاكتسب خزى الدّنيا وعذاب الآخرة. وبلغنى أنّ خبرها وصل إلى بغداد، وأنّهم طالبوه من هناك بتسييرها إلى محلّ وقفها، فسيّر بعضها وأعرض عن بعض، فنعوذ بالله من سوء القضاء والقدر! وقد كان عند مقامه بالموصل عائدا من بلاد العجم، كتب إلىّ رسالة يذكر فيها حاله، ويصف ضمنها اختلاله، ووجدتها عندى بخطّه، فألحقتها تلو هذه الوجهة، لينسخها من يروم نقل هذا الكتاب.

وإنما حملنى على ذكره في هذا المصنّف، لأنّه لفق مما استعار منّى كتابين:

أحدهما في «الردّ على ابن جنّى» عند كلامه في الهمزة والألف من كتاب «سر الصناعة» فلم يأت فيه بشى، وصنّف كتابا في «أوزان الأسماء والأفعال الحاصرة لكلام العرب»، فخلط الغثّ بالثمين، وقرن الفروع بالأصول، غير فارق في التّبيين، لقلّة أنسته بالعربيّة وأصولها، وعاتبته فيهما فما رجع، وعرّفته مواضع الخطأ ومقاصده فما ارعوى ولا سمع، وإذا عزيت بعده إليه، كانت عارا عليه.

تغمدنا الله وإيّاه برحمته، وستره ووسّع على كلّ منّا عفوه، إذا حصل بمضيق قبره، إنّك جواد كريم، وموجود عظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وهذه الرسالة التى كتبها:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

والحمد الله ربّ العالمين، وصلاته على نبيه [محمد] وآله أجمعين.

كان المملوك ياقوت بن عبد الله الحموى الأكرمىّ، قد كتب هذه الرسالة من الموصل في سنة سبع عشرة وستمائة، حين وصوله من خوارزم طريد التتر -

أبادهم الله- إلى حضرة ما لك رقّه، مولانا ولىّ النّعم، الصاحب الكبير، العالم العامل، المؤيّد المظفّر، العادل العزيز، جمال الدين القاضي الأكرم أبى الحسن علىّ بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد الشّيبانىّ ثم التّيمى، تيم بنى شيبان ابن ثعلبة بن عكابة، أسبغ الله [عليه] ظلّه، وأعلى في درج السيادة محلّه، وهو يومئذ وزير صاحب حلب والعواصم، شرحا لأحوال خراسان وأحواله، وإيماء إلى بدء أمره بعد ما فارقه ومآله، وأحجم عن عرضها على رأيه الشريف إعظاما وتهيّبا، وفرارا من قصورها عن طوله وتجنّبا؛ إلى أن وقف عليها جماعة من منتحلى صناعة النّظم والنثر، فوجدهم مسارعين إلى كتبها، متهافتين على نقلها، وما يشكّ أن محاسن مالك الرّق حلّتها، وفي أعلى درج الإحسان أحلّتها، فشجّعه ذلك على عرضها على مالك الرّق وللآراء علوّها في تصفّحها، والصفح عن زللها، فليس كلّ من لمس درهما صيرفيّا، ولا كلّ من اقتنى درّا جوهريا، وهاهى ذى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

أدام الله على العلم وأهليه، والإسلام وبنيه، ما سوّغهم وحباهم، ومنحهم وأعطاهم، من سبوغ ظلّ مولانا مالك الرّق، ولىّ النعم، الوزير الصاحب الكبير، العالم العادل، المؤيّد المظفّر، المنصور جمال الدّنيا والدّين، عزّ الإسلام والمسلمين. سيّد العلماء، مالك الفضلاء، ناصر الأمّة، قامع البدعة، تاج الملوك والسلاطين، محيى الملّة في العالمين، مولانا الوزير الأعظم، والقاضي الأجلّ

الأكرم، أعزّ الله أنصاره، وضاعف مجده واقتداره، ونصر ألويته وأعلامه، وأجرى بإجراء الأرزاق في الآفاق أقلامه، وأطال بقاه، ورفع إلى علّيّين علاه، في نعمة لا يبلى جديدها، ولا يحصى عدّها ولا عديدها، ولا ينتهى إلى غاية مديدها، ولا يفلّ حدّها ولا حديدها، ولا يقلّ وادّها ولا وديدها. أدام دولته للدنيا والدين، يرمّ شعثة، ويهزم كرثه، ويرفع مناره، ويحسّن بحسن أثره آثاره، ويفتق نوره وأزهاره، وينير نوّاره، ويضاعف أنواره. وأسبغ ظلّه للعلوم وأهليها، والآداب ومنتحليها، والفضائل وحامليها، يشيّد بمشيد فضله بنيانها، ويرصّع بناصع مجده تيجانها، ويروّض بيافع علائه زمانها، ويعظّم بعلوّ همّته الشريفة بين البرية شانها، ويمكّن في أعلى درج الاستحقاق إمكانها ومكانها. ويرفع بنفاذ الأمر قدره للدّول الإسلاميّة والقواعد الدينية، يسوس قواعدها، ويعزّ ساعدها، ويهين معاندها، ويعضّد بحسن الإيالة معاضدها، وينهج بجميل القصد مقاصدها، حتى تعود بحسن تدبيره غرّة في جبهة الزمان، وسنّة يقتدى بها من طبع على العدل والإحسان، يكون له أجرها ما دار الملوان، وكرّ الجديدان، [و] ما أشرقت من المشرق شمس، وارتاحت إلى مناجاة حضرته الباهرة نفس.

وبعد، فالمملوك ينهى إلى المقرّ العالى المولوىّ، والمحلّ الأكرم العلىّ، أدام الله سعادته مشرقة النّور، مبلغة السّول، واضحة الغرر بادية الحجول، ما هو مكتف بالأريحيّة المولويّة عن تبيانه، مستغن بما منحتها من صفاء الآراء عن إنضاء قلمه لإيضاحه وبيانه، قد أحسبه ما وصف به ﵇ المؤمنين، «وإنّ من أمّتى لمكلّمين»، وهو شرح ما يعتقده من الولاء، ويفتخر به من التعبّد للحضرة الشريفة والاعتزاء. وقد كفته تلك الألمعيّة، عن إظهار المشتبه بالملق مما تجنّه الطويّة، لأنّ دلائل غلوّ المملوك في دين ولائه في الآفاق واضحة، وطبيعه سكة إخلاص الوداد باسمه الكريم على صفحات الدهر لائحة، وإيمانه بشرائع الفضل الّذى طبّق الآفاق حتى أصبح بها نبىّ المكارم مبين، وتلاوته لأحاديث المجد الغريبة الأسانيد بالمشاهدة لديه متين، ودعاء أهل الآفاق إلى المغالاة في الإيمان بإمامة فضله الّذى تلقّاه باليمين معروف، وتصديقه بملّة سؤدده الّذى تفرّد بالتوخّى لنظم شارده وضمّ متبدّده بعرق الجبين مألوف، حتى لقد أصبح للفضل كعبة لم يفترض حجّها على من استطاع إليها السبيل، ويقتصر بقصدها على ذوى القدرة دون المعترّ وابن السبيل، فإن لكلّ منهم حظّا يستمده، ونصيبا يستعدّ به ويعتدّه، فللعظماء الشّرف الضخم من معينه، وللعلماء اقتناء الفضائل من قطينه، وللفقراء توقيع الأمان من نوائب الدهر وغضّ جفونه، وفرضوا من مناسكه للبهجة الشريفة السلام والتبجيل، وللكفّ البسيطة الاستلام والتقبيل.

وقد شهد الله تعالى للمملوك أنه في سفره وحضره، وسرّه وعلنه، وخبره ومخبره، شعاره تعطير مجالس الفضلاء ومحافل العلماء بفوائد حضرته، والفضائل المستفادة من فضلته، افتخارا بذلك بين الأنام، وتطريزا لما يأتى به في أثناء الكلام.

إذا أنا شرّفت الورى بقصائدىعلى طمع شرّفت شعرى بذكره

(يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)

. لا حرمنا الله معاشر أوليائه موادّ فضائله المتتالية، ولا أخلانا كافّة عبيده من أياديه المتوالية. اللهمّ رب الأرض المدحيّة، والسّماوات العليّة، والبحار المسجّرة، والرياح المسخرة، استمع ندائى، واستجب دعائى، وبلّغنّى في معاليه ما نؤمّله ونرتجيه، بمحمد النبى وصحبه وذويه! وقد كان المملوك لمّا فارق ذلك الجناب الشّريف، وانفصل عن مقرّ العزّ اللباب والفضل المنيف، أراد استعتاب الدّهر الكالح، واستدرار خلف الزّمن الغشوم الجامح، اغترارا بأنّ في الحركة بركة، والاغتراب داعية الاكتساب، والمقام على الإقتار ذلّ وانتقام، وحلس البيت، في المحافل سكيت:

وقفت وقوف الشّكّ ثم استمرّ بىيقينى بأنّ الموت خير من الفقر
فودّعت من أهوى وبالقلب ما بهوسرت عن الأوطان في طلب اليسر
وباكية للبين قلت لها اصبرىفللموت خير من حياة على عسر
سأكسب مالا أو أموت ببلدةيقلّ بها فيض الدّموع على قبرى

فامتطى غارب الأمل إلى الغربة، وركب ركب التّطواف مع كلّ صحبة، قاطع الأغوار والأنجاد، حتى بلغ السدّ أوكاد، فلم يصحب له دهره الحرون، ولا رقّ له زمانه المفتون.

إنّ الليالى والأيام لو سئلتعن عيب أنفسها لم تكتم الخبرا

فكأنه في جفن الدهر قذى، أو فى حلقه شجا، يدافعه بنيل الأمنيّة، حتى أسلمه إلى ربقة المنية.

لا يستقرّ بأرض أو يسير إلىأخرى بشخص قريب عزمه ناءى
يوما بحزوى، ويوما بالعقيق، ويوما بالعذيب، ويوما بالخليصاء
وتارة ينتحى نجدا، وآونةشعب الحزون، وحينا قصر تيّماء

وهيهات مع حرفة الأدب، بلوغ وطر أو إدراك أرب. ومع عبوس الحظّ، ابتسام الدهر الفظّ.

ولم أزل مع الزّمان في تفنيد وعتاب، حتى رضيت من الغنيمة بالإياب، والمملوك مع ذاك يدافع الأيام ويزجيها، ويعلّل العيشة ويرجّيها، متلفّعا بالقناعة

والعفاف، مشتملا بالنّزاهة والكفاف، غير راض بذلك السّمل، لكن مكره أخوك لا بطل، متسّليا بإخوان قد ارتضى خلائقهم، وأمن بوائقهم، عاشرهم بالألطاف، ورضى منهم بالكفاف، لا خيرهم يرتجى، ولا شرهم يتّقى.

إن كان لا بدّ من أهل ومن وطنفحيث آمن من ألقى ويأمننى

قد زمّ نفسه عن أن يستعمل طرفا طمّاحا، وأن يركب طرفا جمّاحا، أو أن يلحف بيض طمع جناحا، أو أن يستقدح زندا واريا أو شحاحا.

وأدّبنى الزّمان فما أبالىهجرت فلا أزار ولا أزور
ولست بقائل ما عشت يوماأسار الجند أم رحل الأمير

وكان المقام بمرو الشاهجان، المفسّر عندهم بنفس السّلطان، فوجد بها من كتب العلوم والآداب، وصحائف أولى الأفهام والألباب، ما شغله عن الأهل والوطن، وألهاه عن كلّ خلّ صفىّ وسكن؛ فظفر منها بضالّته المنشودة، وبغية نفسه

المفقودة، فأقبل عليها إقبال النّهم الحريص، وقابلها بمقام لا يزمع عنها معه محيص، فجعل يرتع في حدائقها، ويستمتع بحسن خلقها وخلائفها، ويسرّح طرفه فى طرفها، ويتلذّذ بمبسوطها ونتفها، واعتقد المقام بذلك الجناب، إلى أن يجاور التّراب:

إذا ما الدهر بيّتنى بجيشطليعته اغتمام واكتئاب
شننت عليه من جهتى كميناأميراه الذّبالة والكتاب
وبتّ أنصّ من شيم اللّيالىعجائب في حقائقها ارتياب
بها أجلى همومى مستريحاإذا جلّى همومهم الشّراب

إلى أن حدث بخراسان ما حدث من الخراب، والويل المبير والتّباب. وكانت لعمر الله بلادا مونقة الأرجاء، رائقة الأنحاء، ذات رياض أريضة، وأهوية صحيحة مريضة، قد تغنّت أطيارها، فتمايلت طرّبا أشجارها، وبكت أنهارها، فتضاحكت أزهارها، وطاب روح نسيمها، فصحّ مزاج إقليمها، فلعهدى بتلك الرّياض الأنيقة، والأشجار المتهدّلة الوريقة، وقد ساقت إليها أرواح الجنائب، زقاق خمر السّحائب، قسقت مروجها مدام الطّلّ، فنشأ عن أزهارها حباب كاللؤلؤ المنحلّ، فلما رويت من تلك الصّهباء أشجاره، رنّحها النّسيم وخماره، فتدانت ولا تدانى المحبّين، وتعانقت ولا عناق العاشقين،

يلوح من خلالها شقائق قد شابها اشتقاق الهواء العليل، فشابّه شفتى غادتين دنتا.

للتقبيل، وربّما اشتبه على النّحرير بائتلاق الجمر، وقد انتابه رشاش من القطر، ويريك من بهار يبهر ناضره، فيرتاح إليه ناظره، كأنّه صنوج العسجد تصفّق، أو دنانير من الإبريز تبرق، ويتخلّل ذلك أقحوان، تخاله ثغرا لمعشوق إذا عضّ خدّ عاشق، فلله درّها من نزهة وامق، ولون رائق! وجملة أمرها أنّها كانت أنموذج الجنّة بلامين، فيها ما تشتهى الأنفس وتلذّ العين، قد اشتملت عليها المكارم، وارحجنّت فى أرجائها بالخيرات الفائضة للعالم، فكم كان فيها من حبر راقت حبره، ومن إمام توّجهت جباه الإسلام سيره، آثار علومهم على صفحات الدهر مكتوبة، وفضائلهم في محاسن الدنيا والدين محسوبة، وإلى كلّ قطر مجلوبة. فما من متين علم، وقويم رأى، إلّا ومن مشرقهم مطلعه، ولا من مغرّبة فضل إلا وعندهم مغربه وإليهم منزعه، وما تشاء من كرم أخلاق بلا اختلاق إلّا وجدته فيهم، ولا إعراق.

فى طيب أعراق إلا اجتنيته من معانيهم، أطفالهم رجال، وشبّانهم أبطال، ومشايخهم

أبدال، شواهد مناقبهم باهرة، ودلائل مجدهم ظاهرة. ومن العجب العجاب، أن سلطانهم المالك، هان عليه ترك تلك الممالك، وقال لنفسه اله وآلك، وإلا فأنت في الهوالك، وأجفل إجفال الرّال، وطفق إذا رأى غير شىء ظنه رجلا بل رجال، (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ)

. لكنّه جلّ وعزّ لم يورّثها قوما آخرين، تنزيها لأولئك الأبرار عن مقام المجرمين؛ بل ابتلاهم فوجدهم شاكرين، وبلاهم فألفاهم صابرين، فألحقهم بالشّهداء الأبرار، ورفعهم إلى درجات المصطفّين الأخيار، (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)

، فجاس خلال تلك الدّيار- أهل الكفر والإلحاد، وتحكّم في تلك الأبشار أولو الزّيغ والعناد، فأصبحت تلك القصور، كالمحوّ من السّطور، واضت تلك الأوطان، مأوى الصّدى والغربان، تتجاوب في نواحيها البوم، وتتناوح في أرجائها الريح السّموم، يستوحش فيها الأنيس، ويرثى لمصابها إبليس

كأن لم يكن فيها أوانس كالدّمىوأقيال ملك في بسالتهم أسد
فمن حاتم في جوده وابن مامةومن أحنف إن عدّ حلم، ومن سعد!
تداعى بهم صرف الزمان فأصبحوالنا عبرة تدمى الحشا ولمن بعد

(فإنّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ)

من حادثة تقصم الظّهر، وتهدم العمر، وتفتّ فى العضد، وتوهى الجلد، وتضاعف الكمد، وتشيب الوليد، وتنخب لبّ الجليد، وتسوّد القلب، وتذهل اللّبّ، فحينئذ تقهقر المملوك على عقبيه ناكصا، ومن الأوبة إلى حيث تستقرّ فيه النفس بالأمن آيسا، بقلب واجب، ودمع ساكب، ولبّ عازب، وحلم غائب، وتوصّل، وما كاد حتّى استقرّ بالموصل، بعد مقاساة أخطار، وابتلاء واصطبار، وتمحيص الأوزار، وإشراف غير مرة على البوار والتّبار. لأنّه مرّبين سيوف مسلولة، وعساكر مغلولة، ونظم محلولة. ودماء مسكوبة مطلولة، وكان شعاره كلّما علا قتبا، أو قطع سبسبا: (لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً)

. فالحمد لله الّذى أقدرنا على الحمد، وأولانا نعماء تفوت الحصر والعدّ.

وجملة الأمر [أنه] لولا فسحة في الأجل، لعزّ أن يقال: سلم من البأس أوصل، ولصفّق عليه أهل الوداد صفقة المغبون، وألحق بألف ألف ألف ألف ألف هالك بأيدى الكفار أو يزيدون، وخلّف خلفه جلّ ذخيرته، ومستمدّ معيشته.

تنكّر لى دهرى ولم يدر أنّنىأعزّ وأحداث الزمان تهون
للشاعر الأبيوردي، من قصيدة «تنكر لي دهري ولم يدر أنني»
وبات يرينى الخطب كيف اعتداؤهوبتّ أريه الصّبر كيف يكون

وبعد؛ فليس للملوك ما يسلّى به خاطره، ويعزّى به قلبه وناظره، إلّا التّعليل بإزاحة العلل، إذا هو بالحضرة الشريفة مثل.

فاسلم ودم وتملّ العيش في دعةففى بقائك ما يسلى عن السّلف
فأنت للمجد روح، والورى جسدوأنت درّ فلا نأسى على الصّدف

والمملوك الآن بالموصل مقيم، يعالج ممّا حزبه من هذا الأمر المقعد المقيم، يزجى وقته، ويمارس حرفته وبخته، تكاد تقول له باللسان القويم: (تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ)

يذيب نفسه في تحصيل أغراض، هى لعمر الله أعراض، من صحف يكتبها، وأوراق يستصحبها، نصبه فيها طويل، واستماعه بها قليل، ثمّ الرحيل. وقد عزم بعد قضاء نهمته، وبلوغ بعض وطر قرونته، أن يستمدّ التوفيق، ويركب سنن الطريق، عساه يبلغ أمنيّته من المثول بالحضرة، وإتحاف بصره من خلالها ولو بنظرة، ويلقى عصا التّرحال بفنائها الفسيح، ويقيم تحت ظلّ كنفها إلى أن يصادفه الأجل المريح، وينظم نفسه في سلك مماليكها بحضرتها، كما ينتمى إليها في غيبتها، إن مدّت السعادة بضبعه، وسمح له الدّهر بعد الخفض برفعه، فقد ضعفت قواه عن درك الآمال، وعجز عن معاركة الزّمان والنزّال، إذ ضمّت البسيطة إخوانه، وحجب الجديدان أقرانه، ونزل المشيب بعذاره،

وضعفت منه أوطاره، وانقضّ باز الشّيب على غراب شبابه فقنصه، وأكبّ نهار الحلم على ليل الجهل فوقصه، وتبدّلت محاسنه عند أحبابه مساوئ وخصصة، واستعاض من حلّة الشّباب القشيب، خلق الكبر والمشيب.

وشباب بان منّى وانقضىقبل أن أقضى منه أربى
وما أرجّى بعده الّا الفناضيّق الشيب على مطّلبى

وقد ندب المملوك أيام الشباب بهذه الأبيات، وما أقلّ غناء الباكى على من عدّ فى الرّفات!

تنكّر لى مذ شبت دهرى وأصبحتمعارفه عندى من النّكرات
للشاعر ياقوت الحموي، اقرأ القصيدة
إذا ذكرتها النّفس حنّت صبابةوجادت شئون العين بالعبرات
للشاعر ياقوت الحموي، اقرأ القصيدة
إلى أن أتى دهر يحسّن ما مضىويوسعنى تذكاره حسرات
للشاعر ياقوت الحموي، اقرأ القصيدة
فكيف ولمّا يبق من كأس مشربىسوى جرع في قعره كدرات
للشاعر ياقوت الحموي، اقرأ القصيدة
وكلّ أناء صفوه في ابتدائهوفي القعر مزجى حمأة وقذاة

والمملوك يتيّقن أنه لا ينفق هذا الهذر الّذى مضى؛ إلا النّظر إليه بعين الرّضا، ولرأى مولانا الوزير الصاحب، كهف الورى بمشارق ومغارب، فيما يلاحظه منه بعادة مجده منه مزيد مناقب ومراتب، والسّلام.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله خير الأنام وشرّف وكرّم.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.