تجاوز إلى المحتوى

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)

يونس بن حبيب أبو عبد الرحمن الضبى النحوى

مولى لهم، وكان من أهل جبّل. أخذ عن أبى عمرو وحمّاد بن سلمة، وكان النّحو أغلب عليه، ودخل المسجد يوما وهو يهادى بين اثنين من الكبر، فقال له رجل كان يتّهمه على مودته: بلغت ما أرى يا أبا عبد الرحمن، قال:

هو الذى ترى فلا بلّغته.

وقال أبو الخطاب زياد بن يحيى: مثل يونس كمثل كوز ضيّق الرأس، لا يدخله شىء إلا بعسر، فإذا دخله لم يخرج منه- يعنى لا ينسى.

وقال أبو عبيدة: لم يكن عنده- يعنى يونس- علم إلا ما رآه بعينه.

وقال أبو زيد النحوىّ: ما رأيت أبذل لعلم من يونس.

وقال أبو عبيدة، عن يونس، قال: كنت عند أبى عمرو [بن العلاء] فجاءه شبيل بن عزرة الضّبعىّ، فقام إليه وألقى له لبد بغلته، فجلس عليه، ثم أقبل عليه يحدّثه، فقال شبيل: يا أبا عمرو، سألت رؤيبتكم عن اشتقاق اسمه فما عرفه- يعنى رؤبة- قال يونس: فلم أملك نفسى عند ذكره، فرجعت إليه، ثم قلت له: لعللّك تظنّ أن معدّ بن عدنان أفصح منه ومن أبيه، أفتعرف أنت ما الرّوبة، والرّوبة، والرّوبة، والرّوبة والرّؤبة، فأنا غلام رؤبة، فلم يحر جوابا، وقام مغضبا فأقبل علىّ أبو عمرو، وقال: هذا رجل شريف يقصد مجالسنا، ويقضى حقوقنا، وقد أسأت فيما فعلت ممّا واجهته به. فقلت له: لم أملك نفسى عند ذكر رؤبة، فقال أبو عمرو: أو سلّطت على تقويم الناس! ثم فسّر لنا يونس فقال:

الرّوبة خميرة اللبن، والرّوبة قطعة من اللّيل، وفلان لا يقوم بروبة أهله، أى بما أسندوا إليه من أمورهم، والرّوبة جمام ماد الفحل، والرؤبة (مهموز): القطعة التى يشعب بها الإناء.

وقال ابن سلّام: قلت ليونس: تجيز: إياك زيدا؟ فقال: قد أجاز ابن أبى إسحاق للفضل بن عبد الرحمن [فى قوله]:

إيّاك إيّاك المراء فإنّهإلى الشرّ دعّاء وللشّرّ جالب

وذكر ابن سلّام محمد أنه كان يشرب المطبوخ.

وتوفّى سنة اثنتين وثمانين ومائة، ما بين السبعين والثمانين وفي بعض الروايات أنه جاوز المائة.

وجرى القدر في مجلسه فقال: لا فكر لى فيه.

قال المبرّد محمد بن يزيد: يونس بن حبيب بن عبد الرحمن، أراه مولى بنى ليث.

وقال الأصمعىّ: كان أصل يونس من جبّل، فلقيه رجل من ولد أبى عمير، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما تقول في جبّل، أينصرف؟ فافترى عليه، والتفت العميرىّ، فلم ير أحدا يشهده عليه، فتركه حتى إذا كان من الغد، وجلس يونس للناس أتاه العميرىّ، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما تقول في جبّل، أينصرف؟

قال يونس: الجواب ما قلته لك أمس.

وكان يونس بارعا في النحو، وقد سمع من العرب كما سمع من قبله، وروى عنه سيبويه وأكثر، وله قياس في النحو ومذاهب ينفرد بها، وقد سمع منه الكسائىّ والفرّاء، وكان من الطبقة الخامسة، وكانت حلقته بالبصرة ينتابها الأدباء، وفصحاء الأعراب والبادية.

قال أبو عبيدة: اختلفت إلى يونس أربعين سنة، أملأ كلّ يوم ألواحى من حفظه.

وقال أبو زيد النّحوىّ: جلست إلى يونس بن حبيب عشر سنين، وجلس إليه قبلى خلف الأحمر عشرين سنة.

وقال يونس: قال رؤبة بن العجاج: حتّام تسألنى عن هذه البواطل وأزخرفها لك! أما ترى الشّيب قد بلغ في لحيتك! وقال أبو عبيدة: كنت في حلقة يونس، فجاء أعرابىّ، فوقف علينا، فقال:

من ينصرنى نصره الله. فقال يونس: أتتكم والله من قرب، من يرزقنى رزقه الله قال الله ﷿: (مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ)

، أى يرزقه الله.

وقال محمد بن إسحاق النّديم: قرأت بخطّ أبى عبد الله بن مقلة: قال أبو العباس ثعلب: جاوز يونس المائة، وقد تفرّغ من الكبر، ومات في سنة ثلاث وثمانين ومائة. ومن خط إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ: عاش يونس ثمانيا وثمانين سنة لم ينزوّج ولم يتسّر، ولم تكن له همة إلا طلب العلم ومحادثة الرجال.

وله من الكتب التى صنّفها: كتاب «معانى القرآن». كتاب «اللّغات».

[كتاب «النوادر» الكبير]. كتاب «الأمثال». كتاب «النّوادر» الصغير.

وقال محمد بن سلّام: قدم الكسائىّ البصرة على الرّشيد، فجلس إلى يونس فى حلقته، فألقى عليه بعض من حضر في المجلس بيت الفرزدق:

غداة أحلّت لابن أصرم طعنةحصين عبيطات السّدائف والخمر
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا سومت للبأس أغشى صدورها»

وأنشده هكذا، فقيل للكسائىّ: على أى شىء رفعت «الخمر»؟ فقال: أضمرت فعلا، كأنه: «وحلّت له الخمر»، فقال يونس: ما أحسن والله ما وجّهته.

غير أنى سمعت الفرزدق ينشد:

غداة أحلّت لابن أصرم ضربةحصين عبيطات السّدائف والخمر

جعل الفاعل مفعولا، كما قال الحطيئة:

فلما خشيت الهون والعير ممسكعلى رغمه ما أمسك الحبل حافره
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «عفا مسحلان من سليمى فحامره»

والقصيدة على الرفع، جعل الفاعل مفعولا، فقال الكسائىّ: هذا على هذا وجه.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.