من «إخبار العلماء بأخبار الحكماء» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)
كتب جالينوس الخارجة عن الستة عشر المتقدم شرحها
الصفحة ١ من ٢
كتاب التشريح الكبير خمس عشرة مقالة نقل حبيش. كتاب اختلاف التشريح نقل حبيش مقالتان. كتاب تشريح الحيوان الميت نقل حبيش مقالة. كتاب تشريح الحيوان الحي نقل حبيش نقالتان. كتاب علم بقراط بالتشريح نقل حبيش خمس مقالات. كتاب علم أرسطوطاليس فِي التشريح نقل حبيش ثلاث مقالات. كتاب تشريح الرحم نقل حبيش إِلَى العربي مقالة. كتاب حركات الصدر والرئة نقل اصطفن ابن بسيل إِلَى العربي وإصلاح حنين ثلاث مقالات. كتاب علل النفس نقل اصطفن أيضاً وإصلاح حنين لولده مقالتان. كتاب حركة العضل نقل اصطفن أيضاً وإصلاح حنين مقالة. كتاب الصوت نقل حنين لمحمد بن عبد الملك الزيات إِلَى العربي أربع مقالات. كتاب الحاجة إِلَى النبض نقل حبيش مقالة. كتاب الحركة المجهولة نقل حبيش الى العربي مقالة. كتاب الحاجة إِلَى النفس نقل اصطفن نصفه ونقل حنين نصفه مقالة. كتاب آراء بقراط وأفلاطون نقل حبيش عشر مقالات. كتاب منافع الأعضاء نقل حبيش إِلَى العربي وإصلاح حنين لإسقاطه سبع عشرة مقالة. كتاب خصب البدن نقل حنين مقالة. كتاب أفضل الهيئات نقل حنين إِلَى السرياني والعربي مقالة. كتاب سوء المزاج المختلف نقل حنين مقالة. كتاب الامتلاء ترجمة اصطفن مقالة. كتاب الأدوية المفردة نقل حنين إحدى عشر مقالة. كتاب الأورام ترجمة إبراهيم بن الصلت مقالة. كتاب المنى نقل حنين مقالتان. كتاب المولود لسبعة أشهر
ترجمة حنين مقالة. كتاب المرة السوداء نقل اصطفن مقالة. كتاب رداءة التنفس نقل حنين لولده ثلاث مقالات. كتاب تقدمة المعرفة نقل عيسى بن يحيى مقالة. كتاب الذبول نقل حنين مقلة. كتاب الفصد نقل عيسى بن يحيى ترجمة اصطفن مقالة. كتاب صفات لصبي يصرع نقل الصلت إِلَى السرياني والعربي مقالة. كتاب التدبير بقراط للأمراض الحادة نقل حنين مقالة. كتاب الكيموس نقل ثابت وشملي وحبيش إِلَى العربي مقالة. كتاب الأدوية المقابلة للإدواء نقل عيسى بن يحيى مقالتان. كتاب تركيب الأدوية نقل حبيش الأعسم سبع عشر مقالة. كتاب إِلَى ثراسابولوس نقل حنين مقالة. كتاب الترياق إِلَى قيصر نقل يحيى بن البطريق مقالة. كتاب فِي أن الطبيب الفاضل فيلسوف نقل حنين. كتاب الرياضة بالكرة الصغيرة نقل حبيش مقالة. كتاب فِي تركيب بقراط الصحيحة نقل حنين مقالة. كتاب الحث عَلَى تعلم الطب نقل حبيش مقالة. كتاب محنة الطبيب نقل حنين مقالة. كتاب مَا يعتقده رأياً نقل ثابت مقالة. كتاب البرهان خمس عشرة مقالة الموجود بعضه. كتاب تعريف المرء عيوبه ترجمة توما وإصلاح حنين مقالة. كتاب الأخلاق نقل حبيش أربع مقالات. كتاب انتفاع الخيار بأعدائهم نقل حنين مقالة. كتاب مَا ذكره أفلاطون فِي طيماؤس الموجود منه عشرون مقالة بنقل حنين وترجم إسحاق الثلاثة الباقية. كتاب فِي أن المحرك الأول لا يتحرك نقل حنين مقالة ونقل عيسى بن يحيى وإسحاق. كتاب فِي أن قوى النفس تابعة لمزاج البدن نقل حبيش مقالة. كتاب عدد المقاييس نقل اصطفن وإسحاق أيضاً لعلي بن يحيى ولمحت فِي كتاب الفصد لجالينوس وَلَيْسَ بالرسالة الصغيرة المشهورة وهذا كتاب أكبر من الرسالة قَدْ خرجه حنين بن إسحاق من اليونانية إِلَى العربية وهذيه وزاد فِيهِ مقدمة فيما يجب عَلَى الطبيب اعتماده فِي الصنعة والعلاج وتلاه بكلام جالينوس فِي الفصد نص فِيهِ كلاماً عن جالينوس مثاله أنه قال أخبرك أني رأيت فِي بعض البوادي فِي ناحية النوبة قوماً من رجال ونساء يفصد بعضهم بعضاً عَلَى غير معرفة وَكَانَ الرجال يفصدون النساء والنساء يفصدون الرجال فرأيت من قلة بصرهم بالفصد مَا أخبرك بِهِ رأيت رجلاً فصد رجلاً عرقاً من ذراعه أسفل من عرق الباسليق وهي شعبة تنشعب منه
فضربه ضربة بزجاجة وَكَانَتْ عروق ذَلِكَ الرجل صعبة صلبة كأنها أعصاب إذَا اشتدت لا تمتلئ عند الشد وإذا حلت لا تنضم عند الحل فضربه ضربة كسرت الزجاجة فِي جوف العرق ثُمَّ وسع جالينوس الكلام فِي ذَلِكَ قلت وهذا دليل عَلَى أن جالينوس دخل الإقليم المصري وسلكه إِلَى آخر. فإن النوبة وبواديهم عَلَى طرف إقليم مصر من ناحية الجنوب.
جبرائيا بن بختيشوع بن جورجيس بن بختيشوع الجند يسابوري كَانَ طبيباً حاذقاً نبيلاً لَهُ تآليف فِي الطب وخدم الرشيد الخليفة ومن بعده وحل محل أبيه بختيشوع عند الخلفاء ونشأ فِي دولتهم وجبرائيل من أجل جند يسابور وأهل جند يسابور من الأطباء فيهم حذق بهذه الصناعة وعلم من زمن الأكاسرة وذلك سبب وصولهم إِلَى هَذِهِ المنزلة هو أن سابور بن أزدشير كَانَ قَدْ هادن فيلبس قيصر ملك الروم بعد تغلبه عَلَى بلد سوريا وافتتاحه أنكاكيه فطلب منه أن يزوجه ابنته عَلَى شيء تراضياً بِهِ ففعل قيصر ذَلِكَ وقبل أن تنقل إِلَيْهِ بني لَهَا مدينة عَلَى شكل قسطنطينية وهي مدينة جند يسابور وذكر فِي سيرهم أنها كَانَتْ قرية لرجل يعرف بجندا وأن سابور لما اختار موضعها ليبنيه مدينة بذل لَهُ ثمنها مالاً جزيلاً فأبى أن يبيعها فقال دعني أبنيها فأبى إِلاَّ أن يشاركه فِي البناء وَكَانَ المجتازون يسألون الصناع من يعمرها فيقولون جندا وسابور يعمرانها فصار اسمها جند يسابور ولما نقل إليها ابنة قيصر انتقل معها من كل صنف من أهل بلدها ممن هي محتاجة إِلَيْهِ فانتقل معها أطباء أفاضل ولما أقاموا بِهَا بدؤوا يعلمون أحداثاً من أهلها وَلَمْ يزل أمرهم يقوى فِي العلم ويتزايدون فِيهِ ويرتبون قوانين العلاج عَلَى مقتضي أمزجة بلدانهم حَتَّى برزوا فِي الفضائل وجماعة يفضلون علاجهم وطريقتهم عَلَى اليونانيين والهند لأنهم أخذوا فضائل كل فرقة فزادوا عَلَيْهَا بما استخرجوه من قبل نفوسهم فرتبوا لهم دساتير وقوانين وكتباً جمعوا فِيهَا كل حسنة حَتَّى أن فِي سنة عشرين من ملك كسرى اجتمع أطباء جند يسابور بأمر الملك وجرى بينهم مسائل وأجوبتها وأثبتت عنهم وَكَانَ أمراً مسهوراً واسطة المجلس جبرائيل دوستاباذ لأنه كَانَ طبيب كسرى
والثاني السوفسطائي وأصحابه ويوحنا وجماعة من الطباء وجرى بينهم من المسائل والتعريفات مَا إذا تأملها القارئ لَهَا استدل عَلَى فضلهم وغزارة عالمهم وَلَمْ يزالوا كذلك حَتَّى ولي المنصور الخلافة وبنى مدينة السلام فعرض لَهُ مرض فاستدعى منهم جورجيس ابن بختيشوع عَلَى مَا يرد فِي خبره إن شاء الله تعالى.
ولما كَانَ فِي سنة خمس وسبعين ومائة مرض جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك فتقدم الرشيد إِلَى يختيشوع بأن يخدمه وذلك أن من أدب الطبيب إذَا كَانَ خاصاً بالملك أن لا يخدم أحداً من أصحابه إِلاَّ بأمره ولما أفاق جعفر من مرضه قال لبختيشوع أريد أن تختار لي طبيباً ماهراً أكرمه وأحسن إِلَيْهِ قال لَهُ بختيشوع لست أعرف فِي هؤلاء أحذق من ابن جبرائيل وهو أمهر مني فِي الصناعة فقال لَهُ جعفر أحضرنيه فلما أحضره شكى إِلَيْهِ مرضاً كَانَ يخفيه فدبره فِي مدة ثلاثة أيام وبرأ فأحبه جعفر مثل نفسه وَكَانَ لا يصبر عنه ساعة ومعه يأكل ويشرب.
وفي بعض الأيام تمطت حظية للرشيد ورفعت يدها فبقيت منبسطة لا يمكنها ردها والأطباء يعالجونها بالتمريخ والأدهان فلا ينفع ذَاكَ شيئاً فقال الرشيد لجعفر بن يحيى قَدْ بقيت هَذِهِ الصبية بعلتها قال لَهُ جعفر لي طبيب ماهر وهو ابن بختيشوع تدعوه وتخاطبه فِي معنى هَذَا المرض فلعل عنده حيلة فِي علاجه فأنمر بإحضاره ولما حضر قال لَهُ الرشيد مَا اسمك قال جبرائيل قال أي شيء تعرف من الطب قال أبرد الحار وأسخن البارد وأرطب اليابس وأجفف الرطب الخارج عن الطبع فضحك الرشيد وقال هَذَا غاية مَا يحتاج إِلَيْهِ فِي صناعة الطب ثُمَّ شرح لَهُ حال الصبية فقال جبرائيل إن لَمْ يسخط علي أمير المؤمنين فلها عندي حيلة قال لَهُ الرشيد مَا هي قال تخرج الجارية إِلَى ههنا بحضرة الجميع حَتَّى أعمل مَا أريده وتمهل علي ولا تعجل بالسخط فأمر الرشيد بإحضار الجارية فخرجت وحين رآها جبرائيل أسرع إليها ونكس رأسه وأمسك ذيلها كأنه يريد أن يكشفها فانزعجت الجارية ومن شدة الحياء والانزعاج استرسلت أعضائها وبسطت يدها إِلَى أسفل وأمسكت ذيلها فقال جبرائيل قَدْ برأت يَا أمير المؤمنين فقال الرشيد للجارية ابسطي يدك يمنة ويسرة ففعلت فعجب الرشيد وكل من كَانَ حاضراً وأمر لجبرائيل فِي الوقت بخمسمائة ألف درهم وأحبه وجعله رئيساً عَلَى جميع
الأطباء ولما سئل عن سبب العلة قال هَذِهِ الجارية انصب إِلَى أعضائها وقت المجامعة خلق رقيق بالحركة وانتشار الحرارة ولأجل أن سكون حركة الجماع يكون بغتة جمدت الفضلة فِي بطون الأعصاب وَكَانَ كَانَ يحلها إِلاَّ حركة مثلها فاحتلت حَتَّى انبسطت حرارتها وحلت الفضلة فبرأت وهذا من الحيلة فِي البرء ولهذا قيل فِي كتاب امتحان الطبيب أنه يجب أن يكون الطبيب متيقظاً ذكياً لَهُ قدرة عَلَى استعمال القياس يستخرج للعلاج من تلقاء نفسه.
وَكَانَ محلو يقوى ويعلو فِي كل وقت حَتَّى أن الرشيد قال لأصحابه كل من كَانَتْ لَهُ حاجة إلي فليخاطب فِيهَا جبرائيل لأني أفعل كل مَا سألنيه ويطلبه مني فكان القواد يقصدونه فِي كل امورهم وحاله يتزايد ومنذ يوم خدم الرشيد وإلى أن انقضت مدته خمس عشرة سنة لَمْ يمرض الرشيد فحظي عنده وَفِي آخر أيام الرشيد عند حصوله بطوس مرض المرضة الَّتِي توفي فِيهَا وسنذكرها إن شاء الله تعالى.
قال يوسف بن إبراهيم مولى إبراهيم بن المهدي سأل مولاي أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي جبرائيل بن بختيشوع عن مسكن جالينوس أَيْنَ كَانَ من أرض الروم فذكر أن مسكنه كَانَ متوسطاً لأرض الروم وأنه فِي هَذَا الوقت فِي طرف من أطرافها وذكر أن حد الروم كَانَ فِي أيام جالينوس من ناحية المشرق مما يلي الفرات القرية المعروفة ينقبا من طسوج الأتبار وكانت مسلحة يجتمع جند فارس والروم ونواظرهما فِيهَا وَكَانَ الحد من ناحية دجلة دارا إِلاَّ فِي بعض الأوقات فإن ملوك فارس كَانَتْ تغلبهم عَلَى مَا بَيْنَ دارا ورأس العين وَكَانَ الحد فيما بَيْنَ فارس والروم من ناحية الشمال أرمينية ومن ناحية المعرب مصر إِلاَّ أن الروم قَدْ كَانَتْ تغلب فِي بعض الأوقات عَلَى أرمينية فتلقيت قوله بالإنكار لَهُ وجحدت أن تكون الروم غلبت عَلَى أرمينية إِلاَّ عَلَى الموضع الَّذِي تسمى بأرض الروم أرميناس فإن الروم يسمون أهل هَذَا البلد إِلَى هَذِهِ الغاية الأرمن فشهد لَهُ مولاي أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي بالتصديق وأتي بالدليل عَلَى ذَلِكَ لَمْ أدفعه وهو نمط أرمني كأحسن مَا رأيت من الأرمني صنعة فِيهِ صور جوار يلعبن فِي بستان بأصناف الملاهي الرومية وهو مطرز مسمى باسم ملك الرزم فسلمت لجبرائيل ورجع الحديث إِلَى القول فِي جالينوس قال واسم البلد الَّذِي ولد فِيهِ
وَكَانَ يسكنه جالينوس سرنا وقيل سمرنا وكان منزله بالقرب من قرة بينه وبينها فرسخان قال جبرائيل ولما نزل الرشيد عَلَى قرة ورأيته طيب النفس فقلت لَهُ يَا أمير المؤمنين أطال الله بقاك منزل أستاذي الكبر عَلَى فرسخين فإن رأى أمير المؤمنين أن يطلق لي الذهاب إِلَيْهِ حَتَّى أطعم وأشرب وأصول بذلك عَلَى متطببي أهل دهري وأقول إني أكلت وشربت فِي منزل أستاذي فاستضحك الرشيد من قولي ثُمَّ قال لي ويلك يَا جبرائيل أتخوف أن يخرج جيش الروم أَوْ منسر من مناسرهم فتخطفك فقلت لَهُ من المحال أن يقدم منسر الروم عَلَى القرب من معسكرك هَذَا القرب كله فأحضر إبراهيم بن عثمان بن نهيك وأمره أن يضم إلي خمسمائة رجل حَتَّى أوافي الناحية فقلت لَهُ مَا بي إِلَى النظر إِلَى منزل جالينوس حاجة فازداد ضحكاً ثُمَّ قال وحق المهدي لينفذن ألف فارس قال جبرائيل فخرجت وأنا أشد الناس غماً وأكسفهم بالاً وقد أعددت لنفسي مَا لا يكفي عشرة أنفس من الطعام والشراب قال فما استقر فِي الموضع حتى وافاني من الخبز والمطاعم المعدة للمسافر مَا عم من معي وفضل كثير فأقمت فِي ذَلِكَ الموضع قطعت فِيهِ ومضى فتيان الجند فأغاروا إلى مواضع خمور الروم فأكلوا اللحم كباباً بالخبز وشربوا الخمور وانصرفوا فِي آخر النهار وسأل إبراهيم بن المهدي جبرائيل هل تبين فِي رسم منزل جالينوس مَا يدل أنه كَانَ لَهُ سرو فقال لَهُ أما الرسم فكبير ورأيت لَهُ أبياتاً شرقية وأبياتاً عربية وأبياتاً قبلية وَلَمْ أرى لَهُ بيتاً فراتياً هَذَا يدل عَلَى أن الفرات كَانَ شمالي المدينة ثُمَّ قال وكذلك كَانَتْ فلاسفة الروم تجعل بيوتها وكذلك كَانَتْ ترى عظماء فارس وكذلك أرى أنا إذَا صدقت نفسي وعملت بما تحب لأن كل بيت لا تدخله الشمس يكون وبيئاً وإنما كان جالينوس عَلَى حكمته خادماً لملوم الروم وملوك الروم أهل قصد فِي جميع أمورهم فإذا قست منزل جالينوس عَلَى حكمته بمنازل الروم رأيت من كبر خطته وكثرة بيوته وأن كنت لَمْ أرها إِلاَّ خراباً عَلَى أنني قَدْ وجدت منها أبياتاً مسقفة استدللت بِهَا عَلَى أنه ذا مروءة فسكت عنه إبراهيم فقلت يَا أبا عيسى أن ملوك الروم عَلَى مَا ذكرت فِي القصد وَلَيْسَ قصدهم فِي هباتهم وعطاياهم إِلاَّ مثل قصدهم فِي مروآت أنفسهم فالنقص يدخل المخدوم
والخادم فإذا نظرت إلي قصد ملوك الروم وموضع جالينوس ثُمَّ نظرت إِلَى فضل أمير المؤمنين ومنزلك يكون نسبة منزل جالينوس إِلَى منزل ملك الروم مثل نسبة منزلك إِلَى منزل أمير المؤمنين وكان جبرائيل أحياناً يعجب مني لكثرة السؤال والاستقصاء فِيهِ ويمدحني بِهِ عند مولاي إبراهيم بن المهدي وأحياناً يغضب حَتَّى يكاد يطير غيظاً فقال لي وَمَا معنى ذكرك النسبة فقلت أردت بذكر النسبة أنها لفظة يتكلم بِهَا حكماء الروم وأنت رئيس تلامذة أولئك الحكماء فأردت التقرب إِلَيْكَ بمخاطبتك بألفاظ أستاذيك
وإنما معنى قولي نسبة دار جالينوس إِلَى دار ملك الروم مثل نسبة دارك إِلَى دار أمير المؤمنين أنها إن كَانَتْ دار جالينوس مثل نصف أَوْ ثلث أَوْ ربع أَوْ خمس أَوْ قدر من الأقدار من دار ملك الروم هل يكون قدرها من دار ملك الروم مثل قدر دار من دار أمير المؤمنين أَوْ أقل فإن دار أمير المؤمنين إن كَانَتْ فرسخاً فقدر دارك عُشر فرسخ ثُمَّ أن دار ملك الروم أن كَانَتْ عشر فرسخ ودار جالينوس عُشر عشر فرسخ كَانَ قدر دار جالينوس من دار ملك الروم مثل مقدار دارك من أمير المؤمنين .. قال قدر مَا عاينته من ذَلِكَ بكثير فقلت لَهُ أتخبر عما أسأل فقال لست آبي عَلَيْكَ فقلت إنك قَدْ أخبرت عن صاحبك أنه كان أنقص مروءة منك فغضب وقال إن عيش جبرائيل وبختيشوع أبيه وجورجيس جده لَمْ يكن من الخلفاء فقط وإنما كَانَ من الخلفاء وولاة العهد وإخوة الخلفاء وعمومتها وقرابتها ووجوه مواليها وقوادها وكل ملك الروم ففي ضنك من العيش وقلة ذات يد فكيف يمكن أن أكون مثل جالينوس وَلَمْ يكن لَهُ متقدم نعمة لأن أباه كَانَ زراعاً وصاحب أجنة وكروم فكيف يمكن من كَانَ معاشه من أهل هَذَا المقدار أن يكون مثلي ولي أبوان قَدْ خدما خلفاء وأفضلوا عليهما وأفضل عليهما غيرهم ممن هو دونهم وَقَدْ أفضل عليّ الخلفاء ورفعوني من حد الطب إِلَى المعاشرة والمسامرة وأنه لَيْسَ لأمير المؤمنين أخ ولا قرابة ولا قائد ولا عامل إِلاَّ وهو يداريني إن لَمْ يكن مائلاً بمحبته إلي وشاكراً لي عَلَى علاج ومحضر جميل حضرته لَهُ ووصفته وصفاً حسناً عند الخليفة فنفعته وكل واحد من هؤلاء يفضل عليَّ ويحسن إليَّ وإذا قدر داري من دار الخليفة عَلَى جزء من عشرة أجزاء وَكَانَ قدر دار جالينوس من دار ملك الروم عَلَى قدر جزء من مائة جزء فهو اعظم مني مروءة فقال لَهُ إبراهيم بن المهدي أرى حدتك عَلَى إبراهيم مولاي إنما كَانَتْ لأنه قدمك فِي المروءة عَلَى جالينوس فقال أجل والله لعن الله من لا يشكر النعم ولا يكافئ عَلَيْهَا بكل مَا أمكنه أي والله إني لأغضب أن أساوي بجالينوس فِي حالة من الحالات وأشكر عَلَى تقديمه علي فِي كل الحالات فاستحسن ذَلِكَ منه إبراهيم بن المهدي وأزهر استصوابه لَهُ وقال هَذَا لعمري الَّذِي يحسن بالأحرار والأدباء فانكب جبرائيل عَلَى قدم أبي إسحاق إبراهيم بن المهدي يقبلها فمنعه من ذَلِكَ وضمه إِلَيْهِ. ما معنى قولي نسبة دار جالينوس إِلَى دار ملك الروم مثل نسبة دارك إِلَى دار أمير المؤمنين أنها إن كَانَتْ دار جالينوس مثل نصف أَوْ ثلث أَوْ ربع أَوْ خمس أَوْ قدر من الأقدار من دار ملك الروم هل يكون قدرها من دار ملك الروم مثل قدر دار من دار أمير المؤمنين أَوْ أقل فإن دار أمير المؤمنين إن كَانَتْ فرسخاً فقدر دارك عُشر فرسخ ثُمَّ أن دار ملك الروم أن كَانَتْ عشر فرسخ ودار جالينوس عُشر عشر فرسخ كَانَ قدر دار جالينوس من دار ملك الروم مثل مقدار دارك من أمير المؤمنين .. قال قدر مَا عاينته من ذَلِكَ بكثير فقلت لَهُ أتخبر عما أسأل فقال لست آبي عَلَيْكَ فقلت إنك قَدْ أخبرت عن صاحبك أنه كان أنقص مروءة منك فغضب وقال إن عيش جبرائيل وبختيشوع أبيه وجورجيس جده لَمْ يكن من الخلفاء فقط وإنما كَانَ من الخلفاء وولاة العهد وإخوة الخلفاء وعمومتها وقرابتها ووجوه مواليها وقوادها وكل ملك الروم ففي ضنك من العيش وقلة ذات يد فكيف يمكن أن أكون مثل جالينوس وَلَمْ يكن لَهُ متقدم نعمة لأن أباه كَانَ زراعاً وصاحب أجنة وكروم فكيف يمكن من كَانَ معاشه من أهل هَذَا المقدار أن يكون مثلي ولي أبوان قَدْ خدما خلفاء وأفضلوا عليهما وأفضل عليهما غيرهم ممن هو دونهم وَقَدْ أفضل عليّ الخلفاء ورفعوني من حد الطب إِلَى المعاشرة والمسامرة وأنه لَيْسَ لأمير المؤمنين أخ ولا قرابة ولا قائد ولا عامل إِلاَّ وهو يداريني إن لَمْ يكن مائلاً بمحبته إلي وشاكراً لي عَلَى علاج ومحضر جميل حضرته لَهُ ووصفته وصفاً حسناً عند الخليفة فنفعته وكل واحد من هؤلاء يفضل عليَّ ويحسن إليَّ وإذا قدر داري من دار الخليفة عَلَى جزء من عشرة أجزاء وَكَانَ قدر دار جالينوس من دار ملك الروم عَلَى قدر جزء من مائة جزء فهو اعظم مني مروءة فقال لَهُ إبراهيم بن المهدي أرى حدتك عَلَى إبراهيم مولاي إنما كَانَتْ لأنه قدمك فِي المروءة عَلَى
جالينوس فقال أجل والله لعن الله من لا يشكر النعم ولا يكافئ عَلَيْهَا بكل مَا أمكنه أي والله إني لأغضب أن أساوي بجالينوس فِي حالة من الحالات وأشكر عَلَى تقديمه علي فِي كل الحالات فاستحسن ذَلِكَ منه إبراهيم بن المهدي وأزهر استصوابه لَهُ وقال هَذَا لعمري الَّذِي يحسن بالأحرار والأدباء فانكب جبرائيل عَلَى قدم أبي إسحاق إبراهيم بن المهدي يقبلها فمنعه من ذَلِكَ وضمه إِلَيْهِ.
وذكر جبرائيل فِي جملة مَا ذكره لإبراهيم بن المهدي يوماً أنه دخل ذات يوم عَلَى الفضل بن سهل ذي الرئاساتين بعد إسلامه وهو مخنتن وبين يديه مصحف قرآن وهم يقرأ فِيهِ قال فقلت جون بيني نامه إيزد فقال خوش وجون كليلة ودمنة تفسيرها هَذَا الكلام قال جبرائيل قلت لَهُ كيْفَ ترى كتاب الله فقال طيب ومثل كليلة ودمنة.
ولما حصل الرشيد بطوس وقوي عَلَيْهِ المرض قال لجبرائيل لَمْ لا تبرئني قال لَهُ قَدْ كنت أنهاك دائماً عن التخليط وكثرة الجماع ولا تسمع منى والآن سألتك أن ترجع إِلَى بلدك فإنه أوفق لمزاجك فلم تقبل وهذا هو مرض شديد وأرجو أن الله بعافيتك فأمر بحبسه عنه وقيل أن بفارس أسقفاً يفهم الطب فوجه إِلَيْهِ وأحضره ولما حضر ورآه قال لَهُ الَّذِي عالجك لَمْ يكن يفهم الطب فزاد ذَلِكَ فِي إيعاء جبرائيل وَكَانَ الفضل بن الربيع يحب جبرائيل ورأى الأسقف كذاباً يريد إقامة السوق وَكَانَ الأسقف يعالج الرشيد ومرضه يزيد ويقول فِيهِ أنت قريب من الصحة ثُمَّ قال لَهُ هَذَا المرض كله من خطأ جبرائيل فاغتاظ الرشيد وأمر الفضل بن الربيع بقتله فلم يقبل منه الفضل لأن جبرائيل كَانَ قَدْ قال للفضل أنه يموت بعد أيام يسيرة واستبقى جبرائيل وعرض للفضل بن الربيع قولج صعب يئس الأطباء منه فعالجه جبرائيل بألطف علاج فبرئ الفضل وازدادت محبته لجبرائيل وأعجب بِهِ.
وملك محمد الأمين ووافى إِلَيْهِ جبرائيل فقبله أحسن قبول وأكرمه ووهب لَهُ أموالاً جليلة أكثر مما كَانَ أبوه يهبه وَكَانَ الأمين لا يأكل ولا يشرب إِلاَّ بإذنه فلما كَانَ من أمر الأمين مَا كَانَ وولي المأمون كتب إِلَى بغداد بحبس جبرائيل ولما مرض الحسن بن سهل فِي سنة ثلاث ومائتين مرض مرضاً شديداً وعالجه الأطباء فلم ينتفع فأخرج جبرائيل وعالجه فبرئ فِي أيام يسيرة
فوهب لَهُ وافراً وكتب إِلَى المأمون يعرفه خبر علته وكيف برئ عَلَى يد جبرائيل وسأله فِي أمره فأجابه بالصفح عنه ولما دخل المأمون الحضرة فِي سنة خمس ومائتين أمر بحبس جبرائيل فِي منزله وأن لا يخدم ووجه من أحضر ميخائيل المتطبب وهو صهر جبرائيل وجعله مكانه وأكرمه إكراماً وافراً كياداً لجبرائيل ولما كَانَ فِي ستة عشر ومائتين مرض المأمون مرضاً صعباً وَكَانَ وجوه الأطباء يعالجونه ولا يصلح فقال لميخائيل هو ذا تزيدني الأدوية الَّتِي تعطيني شراً فاجمع وشاورهم فِي أمري فقال أخوه أبو عيسى يَا أمير المؤمنين نحضر جبرائيل فإنه يعرف أمزجتنا منذ الصبا فتغافل عن كلامه وأحضر أبو إسحاق أخوه يوحنا بن ماسويه فثلبه ميخائيل ووقع فِيهِ فلما ضعفت قوة المأمون عن أخذ الدوية أذكروه بجبرائيل فأمر بإحضاره ولما حضر غير تدبيره كله فاستقام وبعد ثلاثة أيام صلح فسر بِهِ المأمون سروراً عظيماً ولما كَانَ بعد أيام صلح صلاحاً تاماً وأذن لَهُ جبرائيل فِي الأكل والشرب ففعل ذَلِكَ فقال لَهُ أخوه أبو عيسى يوماً وهو جالس عَلَى الشراب معه مثل هَذَا الرجل الَّذِي لَمْ يكن مثله ولا يكون سبيله أن يكرم فأمر لَهُ المأمون بألف ألف درهم ورد عَلَيْهِ سائر ما قبض عنه من الأملاك والضياع وصار إذَا خاطبه كناه بأبي عيسى جبرائيل وأكرمه زيادة عَلَى مَا كَانَ أبوه يكرمه وانتهى بن الأمر فِي إجلاله إِلَى أن كَانَ كل من تقلد عملاً لا يخرج إلى عمله إِلاَّ بعد أن يلقى جبرائيل ويكرمه.
وَفِي سنة ثلاث عشرة ومائتين مرض جبرائيل مرضاً شديداً فلما رآه المأمون ضعيفاً التمس منه إنفاذ ابنه بختيشوع معه إِلَى بلد الروم فأحضره وَكَانَ مثل أبيه فِي الفهم والعقل ولما خاطبه المأمون فرح بِهِ فرحاً شديداً وأكرمه غاية الإكرام ورفع منزلته وأخرجه إِلَى بلد الرزم وطال مرض جبرائيل إِلَى أن بلغ الموت فصل وصية إِلَى المأمون تشتمل عَلَى سبعمائة ألف دينار هَذَا بعدما نُهب لَهُ وَمَا أنكره أصحاب الودائع وَمَا أخذه الأمين وَمَا بذله فِي الكفالات والمصادرات والنفقات وشراء الضياع والأملاك عَلَى ذكر مَا فِي الدرج الَّذِي وجد بخطه ودفع الوصية إِلَى ميخائيل صهره ومات وَكَانَتْ جنازته مشهورة ودفن فِي دير مارسرجس بالمداين ولما عاد المأمون من بلد الروم دفع الوصية
جميعها إِلَى بختيشوع ابنه فعمد بختيشوع إِلَى الدير فعمره وجمع لَهُ رهباناً وأجرى عليهم الحرايات والنفقات .. وهذا ثبت مَا كان لجبرائيل من الرزق والرسوم والصلات ذكر أن رزقه كَانَ برسم العامة فِي كل شهر من الورق عشرة آلاف درهم وبرسم الخاصة فِي المحرم فِي كل سنة من الورق خمسون ألف درهم وثياب بقيمة عشرة آلاف درهم ولفصد الرشيد دفعتين فِي السنة مائة ألف درهم ولشرب الدواء دفعتين فِي السنة مائة ألف درهم ومن أصحاب الرشيد كل سنة عَلَى مَا فصل مع مَا فِيهِ من قيمة الكسوة وثمن الطيب والدواب من الورق أربعمائة ألف درهم .. تفصيل ذَلِكَ عيسى بن جعفر خمسون ألف درهم زبيدة أم جعفر خمسون ألف درهم العباسة خمسون ألف درهم فاطمة سبعون ألف درهم إبراهيم بن عثمان ثلاثون ألف درهم الفضل بن الربيع خمسون ألف درهم كسوة وطيب ودواب مائة ألف درهم ومن غلة ضياعه بجند يسابور والسوس والبصرة والسواد فِي كل سنة ثمانمائة ألف درهم ومن فضل المقاطعة سبعمائة ألف درهم وَكَانَ يصير إِلَيْهِ من البرامكة فِي كل سنة من الورق ألفا ألف وأربعمائة ألف درهم .. تفصيل ذَلِكَ يحيى بن خالد ستمائة ألف درهم جعفر بن يحيى الوزير ألف ألف ومائتا ألف درهم الفضل بن يحيى ستمائة ألف درهم فيكون جميع ذَلِكَ فِي خدمته للرشيد وهي ثلاث وعشرون سنة وخدمته للبرامة وهي ثلاث عشر سنة سوى الصلات الجسام فإنها لَمْ تذكر فِي هَذَا المدرج من الورق ثمانية ألف ألف درهم وثمانمائة ألف درهم الخرج من ذَلِكَ فِي النفقات والصلات والكفالات والصدقات عَلَى مَا تضمنه المدرج من العين تسعمائة ألف دينار ومن الورق سبعون ألف ألف وستمائة ألف درهم ثُمَّ بعد ذَلِكَ وصى لابنه يختيشوع وجعل المأمون الوصي فِيهَا كما ذكرنا سالفاً سبعمائة ألف دينار وذكر إبراهيم بن المهدي أنه تخلف عن مجلس محمد الأمين فِي أيام خلافته عشية من العشايا لدواء وَكَانَ أخذه وإن جبرائيل باكره غداة اليوم الثاني فأبلغه سلام الأمين وسأله عن حاله كيْفَ كَانَتْ فِي دوائه ثُمَّ دنا منه فقال أمير المؤمنين فِي تجهيز علي بن عيسى إِلَى خراسان ليأتيه بالمأمون أسيراً فِي قيد من
فضة وجبرائيل برئ من النصرانية إن لَمْ يغلب المأمون محمداً ويقتله ويحوز ملكه قال فقلت لَهُ ويحك ولِم قلت هَذَا القول قال لأن الخليفة الموسوس قَدْ سكر فِي هَذِهِ الليلة فدعا أبا عصمة السبيعي صاحب حرسه وأمره بسواد فنزع عنه وألبسه ثيابي وزناري وقلنسوتي وألبسني أقبيته وسيفه ومنطقته وأجلسني فِي مجلس صاحب الحرس إِلَى وقت طلوع الفجر وأجلسه فِي مجلسي وقال لكل واحد مني ومن أبي عصمة قَدْ قلدتك مَا كَانَ يتقلده صاحبك فقلت أن الله مغير مَا بِهِ من نعمة لتغيره مَا بنفسه منها وأنه إذَا جعل حجبته وحراسته إِلَى رجل نصراني والنصرانية أذل الأديان لأنه لَيْسَ فِي عقد دين غيرها التسليم لما يراد بِهِ من عدوه من المكروه مثل الإذعان لمن سخره بالسخرة ميلاً وإن لعلم لَهُ قَدْ حول الأخر ليعلم فقضيت أعزك الله أن عز الرجل زائل وقضيت أنه حين أجلس فِي مجلس متطببه الحافظ عنده لحياته والقائم بمصالح بدنه والخادم لطبيعته أبا عصمة الذي لا يفهم من ذَلِكَ قليلاً ولا كثيراً بأنه لا عمر لَهُ وأن نفسه تالفة قال إبراهيم بن المهدي فكان الأمر شهد الله عَلَى مَا قال جبرائيل.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع