تجاوز إلى المحتوى

من «إخبار العلماء بأخبار الحكماء» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)

كتب جالينوس الخارجة عن الستة عشر المتقدم شرحها

الصفحة ٢ من ٢

ومن أخبار جبرائيل أنه اجتمع فِي بعض الأوقات مع عشرة أطباء من أهل زمانه وفيهم ابن داوود بن سرافيون وتحادثوا طويلاً وجرى حديث شرب الماء عند الأنبياء من النوم فقال ابن داوود بن سرافيون مَا فِي الدنيا أحمق ممن يشرب الماء عند الانتباه من نومه فقال جبرائيل أحمق منه من يتضرم نار عَلَى كبده فلا يطفئها فقال لَهُ الغلام فكأنك تطلق شرب الماء عند الانتباه من النوم فقال لَهُ جبرائيل أما المحرور المعدة ومن أكل طعاماً مالحاً فأطلقه لَهُ وأمنع المرطوبي المعدة وأصحاب البلغم المالح فإن فِي منعهم شفاء لما يجدونه فقال الحدث وَقَدْ بقيت الآن واحدة وعي أن يكون العطشان يفهم من الطب مثل فهمك فيعرف عطشه من مرارة أَوْ من بلغم مالح فضحك جبرائيل وقال متى عطشت ليلاً فأبرز رجلك من دثارك فاصبر قليلاً فإن تزيد عطشك فهو من حرارة أَوْ من طعام تحتاج إِلَى شرب الماء عَلَيْهِ فاشرب وإن نقص عطشك فأمسك من شرب الماء فإنه بلغم مالح.

وقال يوسف بن الحكم دخلت دار جبرائيل يوماً والمائدة بَيْنَ يديه يأكل فِي يوم من تموز وعليها فراخ طيور مسرولة كبار وَقَدْ عملت كردناك بفلفل فأكل منها وطالبني أن آكل منها فقلت لَهُ كيْفَ آكل فِي مثل هَذَا الوقت من السنة

وسني من الشباب فقال مَا الحمية عندك فقلت تجنب الأغذية الردية فقال لي غلطت لَيْسَ مَا ذكرت حمية ثُمَّ قال لا أعرف أحداً أعظم قدرة ولا أصغر يصل إِلَى الإمساك عن غذاء من الأغذية كل دهره إِلاَّ أن يكون ببغضه ولا تتوق نفسه إِلَيْهِ لأن الإنسان قَدْ يمسك عن أكل شيء برهة ثُمَّ يضطره إِلَى أكله عدم سواء لعلة من العلل أَوْ لمساعدة صديق أَوْ شهوة تتجدد لَهُ فمتى أكله وَقَدْ احتمى منه مدة طويلة لَمْ تقبله طبيعته ونفرت منه فأحدث فِي بدن آكله مرضاً صعباً والأصلح للأبدان تدربها عَلَى الأغذية الردية حَتَّى تألفها وأن تأكل منها كل يوم شيئاً واحداً ولا تجمع بَيْنَ شيئين رديين فِي يوم واحد وإذا أكلت شيئاً منها فِي يوم لَمْ تعاوده فِي غد ذَلِكَ اليوم لأن الأبدان إذَا تربت عَلَى استعمال هَذِهِ الأشياء ثُمَّ اضطر الإنسان إِلَى الإكثار من بعضها لَمْ تنفر من استعماله وإنا قَدْ رأينا الأدوية المسهلة إذَا أدمتها مدمن وألفها بدنه فإن فعلها فِيهِ وَلَمْ تسهله وأهل الأندلس إذَا أراد أحدهم إسهال طبيعته أخذ من السقمونيا وزن ثلاثة دراهم حَتَّى يلين طبيعته مقدار مَا يلينها وزن نصف درهم فِي بلدته وإذا كَانَتْ الأبدان تألف الأدوية حَتَّى تمنعها من فعلها فهي بالأغذية وغن كَانَتْ ردية أشد إلفاً قال يوسف فحدثت بهذا الحديث بختيشوع أباه فسألني إملاءه عَلَيْهِ فكتبه عني بخطه.

جبرائيل بن عبيد الله بن بختيشوع بن جبرائيل كَانَ والده عبيد الله بن بن بختيشوع منصرفاً ولما ولي المقتدر استخصه لخدمته وأقام فِي خدمة المقتدر مدة ثُمَّ مات وخلف ولده جبرائيل هذا وأختاً لَهُ صغيرين وانفذ المقتدر ليلة موت عبيد الله بن بختيشوع ثمانين فراشاً حملوا الموجود فِي بيته من رحل وأثاث وآنية وبعد مواراته فِي القبر اختفت امرأته وَكَانَتْ ابنة إنسان عامل من أجلاء العمال يعرف بالجرشون فقبض عَلَى والدها بسببها وطلب منه ودائع ابنته وأخذ منه مال كثير فخرجت ابنته ومعها ولدها جبرائيل وأخته وهما صغيران إِلَى عكبرا مستترة من السلطان فتزوجت برجل طبيب فأقامت مديدة عند ذَلِكَ الرجل وماتت وأخذ الرجل جميع مَا كَانَ معها ودفع ولدها عنه فدخل جبرائيل بغداد وَمَا معه إِلاَّ شيء يسير وقصد طبيبها وَكَانَ يعرف بهرمزد فلازمه وقرأ عَلَيْهِ

وَكَانَ من أطباء المقتدر وقرأ عَلَى ابن يوسف الواسطي الطبيب ولازم البيمارستان والعلم والدرس وَكَانَ يأوي إِلَى أخوال لَهُ ثلاثة وكانوا يسكنون بدار الروم وكانوا يسيئون عشرتهم عَلَيْهِ ويلومونه عَلَى تعرضه للعلم والصناعة ويمجنون معه بأنه يريد أن يكون مثل جديه بختيشوع وجبرائيل مَا يرضى أن يكون مثل أخواله وهو لا يلتفت وهو لا يلتفت إِلَى أقوالهم واتفق أنه جاء رسول من كرمان إِلَى معز الدولة وحمل إِلَيْهِ الحمار المخطط والرجل الَّذِي طوله سبعة أشبار والآخر الَّذِي طوله شبران وكتاب الهدايا المعروفة واتفق أنه نزل قصر فرج من الجانب الشرقي فِي قريب من الدكان الذي كَانَ يجلس جبرائيل فِيهِ وصار ذَلِكَ الرسول يجلس إِلَيْهِ كثيراً ويحادثه ويباسطه فلما كَانَ فِي بعض الأيام استدعاه وشاوره فِي الفصد فأشار بِهِ وفصده وتردد إِلَيْهِ يومين فانفذ إِلَيْهِ الرسول عَلَى رسم الديلم الصينية الَّتِي كَانَتْ فِيهَا العصائب والطشت والإبريق وجميع الآلة ثُمَّ استدعاه وقال لَهُ أدخل إِلَى هؤلاء القوم فانظر مَا يصلح لهم وَكَانَ مع الرسول جارية يهواها قَدْ عرض لَهَا نزف الدم وَمَا بقي بفارس ولا بكرمان ولا بالعراق طبيب مذكور إِلاَّ وعالجها ولك ينجع فِيهَا العلاج فلما رآها رتب لَهَا تدبيراً وعمل لَهَا معجوناً وسقاها إياه فما مضي إِلاَّ مديدة حَتَّى برئت وصلح جسمها وفرح بذلك سيدها فرحاً عظيماً ولما كَانَ بعد مدة يسيرة استدعاه الرسول وأعطاه ألف درهم ودراعة سقلاطون وثوباً توزياً وعمامة قصب وقال ادخل إليهم وطالبهم بحقك فأعطته الجارية ألف درهم وقطعتين من كل نوع من الثياب وحمل عَلَى بغلة بمركب واتبع ذَلِكَ بمملوك زنجي فخرج وهو أحسن الناس حالاً ولما رآه أخواله وثبوا لَهُ وتلقوه لقياً جميلاً فقال لهم للثياب تكرمون لَيْسَ لي.

ولما مضى الرسول ذكره بفارس وكرمان بما عمل وَكَانَ ذَلِكَ داعياً إِلَى خروجه إِلَى شيراز وكان هَذَا أول مَا نبغ عضد الدولة وولي شيراز ولما دخل رفع خبره فاستدعي وسئل عن عصبتي العين فتكلم فِيهَا بكلام حسن موقعه فاغتبط بِهِ وقر لَهُ دار وجراية طافيتان ثُمَّ أنه عرض لكوكبين خال عضد الدولة فلما وصل إِلَيْهِ أكرمه وأجعله وَكَانَ بِهِ وجع المفاصل والنقرس وضعف الأحشاء فركب لَهُ جوارش تفاحي وذلك فِي سنة سبع وخمسين وثلاثمائة فانتفع بِهِ منفعة عظيمة فأعطاه وأجزل إعطاءه ورده إِلَى شيراز مكرماً ثُمَّ أن

عضد الدولة دخل إِلَى بغداد وهو معه فِي خاصته وجدد البيمارستان فصار يأخذ رزقين وهما برسم الخواص ثلاثمائة درهم شجاعية وبرسم البيمارستان ثلاثمائة درهم شجاعية سوى الجراية وكانت نوبته فِي الأسبوع يومين وليلتين لملازمته الدار.

واتفق أن الصاحب أبا القاسم بن عباد عرض لَهُ معرض صعب فِي معدته فكاتب عضد الدولة يلتمس منه طبيباً فأمر عضد الدولة بجميع الأطباء البغداديين وغيرهم ومشاورتهم فيمن يصلح أن ينفذ إِلَيْهِ قال الأطباء البغداديون عَلَى سبيل الإبعاد لَهُ من بينهم وحسداً لَهُ عَلَى تقدمه مَا يصلح أن يلقي مثل ذَلِكَ الرجل إِلاَّ أبو عيسى لأنه متكلم جيد الحجة عالم باللغة الفارسية فوقعه هَذَا القول موافقاً لعضد الدولة فأطلق لَهُ مالاً ألح أمره وحمل إِلَيْهِ مركوباً جميلاً وبغالاً للحمل وأنفذه ولما وصل إِلَى الري تلقاه الصاحب تلقياً جميلاً وأنزل فِي دار قَدْ أعدت لمثله بفراش وطباخ وخازن ووكيل وبواب وغير ذَلِكَ ولما أقام عنده أسبوعاً استدعاه يوماً وَقَدْ جمع عنده أهل العلم من أصناف العلوم ورتب لمناظرته إنساناً من أهل الري قَدْ قرأ طرفاً من الطب فسأله عن أشياء من أمر النبض فبدأ وشرح أكثر مما تحتمله المسألة وعلل وتعليلات لَمْ يكن فِي الجماعة من سمع بِهَا وأورد شكوكاً ملاحاً فلك يكن فِي الحاضرين إِلاَّ من أكرمه وعظمه وخله عَلَيْهِ صاحب فِي ذَلِكَ اليوم خلعاً حسنة وسأله أن يعمل لَهُ كناشاً يختص بذكر الأمراض الَّتِي تعرض من الرأس وإلى القدم ولا يخلط بِهَا غيرها فعمل كناشة الصغير فحسن موقعه عند الصاحب ووصله بشيء قيمته ألف دينار وَكَانَ دائماً يقول صنفت مائتي ورقة أخذت عنها ألف دينار ورفع خبره إِلَى عضد الدولة فأعجب بِهِ وزاد موضعه فلما عاد من الري دخل إِلَى بغداد بزي جميل صالح وأمر وغلمان وخدم وصادف من عضد الدولة كل مَا سره وقال من يوثق بِهِ أنه دخل الأطباء عَلَيْهِ ليهنئونه بوروده وسلامته فقال أبو الحسن بن كشكرايا المعروف بتلميذ سنان يَا أبا عيسى زرعنا فأكلت أردناك تبعد فازددت قرباً فضحك جبرائيل من قوله وقال لَيْسَ الأمور إلينا لَهَا مدبر وصاحب.

وأقام جبرائيل ببغداد مدة ثلاث سنين واعتل خشروشاه ملك الديلم ونحف جسمه وقوي استشعاره وَكَانَ عنده أطباء كلما عالوه ازداد مرضه

فأنفذ إِلَى الصاحب يلتمس منه طبيباً فقال مَا أعرف من يصلح لهذا غير جبرائيل فكاتب الصاحب عضد الدولة وسأله إنفاذه فأنفذه مكرماً ولما وصل إِلَى الديلمان أقام عند الملك وباشر بتدبيره وعلاجه وعاد بأمر الله إِلَى حال الصحة وقابله بما يحتمله ملك فِي حق مثله وسأله أن يعمل لَهُ صورة المرض وتدبيراً يعول عَلَيْهِ ويعمل ب فعمل. مقالة ترجمها فِي ألم لدماغ بمشاركة المعدة والحجاب يعني الحجاب الفاصل بَيْنَ آلات الغذاء وآلات التنفس المسمى ذيالرغما ولما اجتاز بالصاحب سأله عن أفضل اسطقسات البدن فقال هَذَا الدم فسأله أن يعمل لَهُ كتاباً يبرهن فِيهِ عَلَى علل ذَلِكَ فعمل لَهُ. مقالة مليحة بيّن فِيهَا البراهين الَّتِي تدل عَلَى هَذَا ودعاه إِلَى بغداد وعمل. كناشه الكبير ووسمه بالكافي ووقف منه نسخة عَلَى دار العلم ببغداد وعمل فِي البيمارستان عَلَيْهَا وأنه عرف بذلك الكتاب فيقال أبو عيسى صاحب الكناش وعمل. كتاب المطابقة بَيْنَ قول الأنبياء والفلاسفة وهو كتاب لَمْ يعمل للشرع مثله لكثرة احتوائه عَلَى الأقاويل وذكر المواضع الَّتِي استخرجت منها وعمل. مقالة فِي الرد عَلَى اليهود جمع فِيهَا أشياء منها شهادات عَلَى صحة مجيء المسيح ﵇ وأنه قَدْ كَانَ ويطل انتظارهم ومنها صحة القربان بالخبز والخمر ومناه لم جعل من الخمر قربا وأصلحه محرم رأيان علل التحليل والتحريم.

وعرض لَهُ أن سافر إِلَى أرض المقدس وصام بِهِ يوماً واحداً ومضى منه إِلَى دمشق واتصل خبره بالعزيز بن المعز العلوي المستولي عَلَى مصر وكوتب من حضرته بكتاب جميل واستدعي فامتنع واحتج بأن لَهُ ببغداد أسباباً ينجزها ويعود إِلَى الحضرة قاصداً ليفوز بحق القصد ولما عاد إِلَى بغداد أقام بِهَا وعدل عن المضي إِلَى مصر ثُمَّ أن ممهد الدولة أنفذ إِلَيْهِ ولاطفه حَتَّى توجه إِلَيْهِ إِلَى ميافارقين لأسقاها الله ولا المستولى عَلَيْهَا صوب الغيث وأخجله وجد لَهُ ولا جدّ لَهُ ولا أهمله بعد أن أمهله أعني المستولي عَلَيْهَا الآن ولما وصل إِلَيْهِ إكراماً مشهوراً ومن ظريف مَا جرى لَهُ مه أنه أول ستة ورد فِيهَا سقى الأمير مسهلاً وقال لَهُ يجب أن نأخذ الدواء سحراً فعمد الأمير وأخذه أول الليلي فلما أصبح ركب إِلَى الدار ودخل إِلَيْهِ وأخ نبضه وسأله عن الدواء فقال مَا عمل معي شيئاً امتحاناً لَهُ فقال لَهُ جبرائيل النبض يدل عَلَى نفاذ دوائي والأمير أصدق فضحك وقال لَهُ كم ظنك بالدواء فقال يعمل مع الأمير خمسة وعشرين مجلساً ومع غيره زائداً وناقصاً فقال قَدْ عمل إِلَى

الساعة ثلاثة وعشرين فقال هو يعمل تمام مَا قلت ورتب لَهُ مَا يستعمله وخرج من عنده وأمر بأن يشد رحله ويصلح أسباب الانصراف فبلغ ممهد الدولة ذَلِكَ فأنفذ إِلَيْهِ يستعلم سبب انصرافه فقال مثلي لا يجرب لأنني أشهر من أن أحتاج إِلَى تجربة فترضاه وحمل إِلَيْهِ بغلة ودارهم لَهَا قدر.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الجيم فِي أسماء الحكماء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.