من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت ٦٦٨هـ)
جِبْرَائِيل بن بختيشوع بن جورجس
الصفحة ١ من ٢
كَانَ مَشْهُورا بِالْفَضْلِ جيد التَّصَرُّف فِي المداواة
عالي الهمة سعيد الْجد حظيا عِنْد الْخُلَفَاء رفيع الْمنزلَة عِنْدهم كثيري الْإِحْسَان إِلَيْهِ
وَحصل من جهتهم من الْأَمْوَال مَا لم يحصله غَيره من الْأَطِبَّاء
قَالَ فثيون الترجمان لما كَانَ فِي سنة خمس وَسبعين وَمِائَة مرض جَعْفَر بن يحيى بن خَالِد بن برمك فَتقدم الرشيد إِلَى بختيشوع أَن يتَوَلَّى خدمته ومعالجته
وَلما كَانَ فِي بعض الْأَيَّام قَالَ لَهُ جَعْفَر أُرِيد أَن تخْتَار لي طَبِيبا ماهرا أكْرمه وَأحسن إِلَيْهِ
قَالَ لَهُ بختيشوع ابْني جِبْرَائِيل أمهر مني وَلَيْسَ فِي الْأَطِبَّاء من يشاكله
فَقَالَ لَهُ أحضرنيه
وَلما أحضرهُ عالجه فِي مُدَّة ثَلَاثَة أَيَّام وبرأ فَأَحبهُ جَعْفَر مثل نَفسه
وَكَانَ لَا يصبر عَنهُ سَاعَة وَمَعَهُ يَأْكُل وَيشْرب
وَفِي تِلْكَ الْأَيَّام تمطت حظية الرشيد وَرفعت يَدهَا فَبَقيت منبسطة لَا يُمكنهَا ردهَا
والأطباء يعالجونها بالتمريخ والإدهان وَلَا ينفع ذَلِك شَيْئا
فَقَالَ الرشيد لجَعْفَر بن يحيى قد بقيت هَذِه الصبية بعلتها
قَالَ لَهُ جَعْفَر لي طَبِيب ماهر وَهُوَ ابْن بختيشوع نَدْعُوهُ ونخاطبه فِي معنى هَذَا الْمَرَض فَلَعَلَّ عِنْده حِيلَة فِي علاجه
فَأمر بإحضاره وَلما حضر قَالَ لَهُ الرشيد مَا اسْمك قَالَ جِبْرَائِيل
قَالَ لَهُ أَي شَيْء تعرف من الطِّبّ فَقَالَ أبرد الْحَار وأسخن الْبَارِد وأرطب الْيَابِس وأيبس الرطب الْخَارِج عَن الطَّبْع
فَضَحِك الْخَلِيفَة وَقَالَ هَذَا غَايَة مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي صناعَة الطِّبّ
ثمَّ شرح لَهُ حَال الصبية فَقَالَ لَهُ جِبْرَائِيل إِن لم يسْخط عَليّ أَمِير الْمُؤمنِينَ فلهَا عِنْدِي حِيلَة
فَقَالَ لَهُ وَمَا هِيَ قَالَ تخرج الْجَارِيَة إِلَى هَهُنَا بِحَضْرَة الْجمع حَتَّى أعمل مَا أريده وتمهل عَليّ وَلَا تعجل بالسخط
فَأمر الرشيد بإحضار الْجَارِيَة فَخرجت
وَحين رَآهَا جِبْرَائِيل عدا إِلَيْهَا ونكس رَأسه ومسك ذيلها كَأَنَّهُ يُرِيد أَن يكشفها فانزعجت الْجَارِيَة وَمن شدَّة الْحيَاء والانزعاج استرسلت أعضاؤها وَبسطت يَديهَا إِلَى أَسْفَل ومسكت ذيلها
فَقَالَ جِبْرَائِيل قد بَرِئت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
فَقَالَ الرشيد لِلْجَارِيَةِ أبسطي يَديك يمنة ويسرة فَفعلت ذَلِك وَعجب الرشيد وكل من كَانَ بَين يَدَيْهِ
وَأمر الرشيد فِي الْوَقْت لجبرائيل بِخَمْسِمِائَة ألف دِرْهَم وأحبه مثل نَفسه وَجعله رَئِيسا على جَمِيع الْأَطِبَّاء
وَلما سُئِلَ جِبْرَائِيل عَن سَبَب الْعلَّة قَالَ هَذِه الْجَارِيَة انصب إِلَى أعضائها وَقت المجامعة خلط رَقِيق بالحركة وانتشار الْحَرَارَة وَلأَجل أَن سُكُون حَرَكَة الْجَمَاعَة تكون بَغْتَة جمدت الفضلة فِي بطُون جَمِيع الأعصاب وَمَا كَانَ يحلهَا إِلَّا حَرَكَة مثلهَا
فاحتلت حَتَّى انبسطت حَرَارَتهَا وانحلت الفضلة
قَالَ فثيون وَكَانَ مَحل جِبْرَائِيل يقوى فِي كل وَقت حَتَّى أَن الرشيد قَالَ لأَصْحَابه كل من كَانَت لَهُ إِلَيّ حَاجَة فليخاطب بهَا جِبْرَائِيل لِأَنِّي أفعل كل مَا يسألني فِيهِ ويطلبه مني
فَكَانَ القواد يقصدونه فِي كل أُمُورهم وحاله تتزايد
ومنذ يَوْم خدم الرشيد وَإِلَى أَن انْقَضتْ خمس عشرَة سنة لم يمرض الرشيد فحظي عِنْده
وَفِي آخر أَيَّام الرشيد عِنْد حُصُوله بطوس مرض المرضة الَّتِي توفّي فِيهَا
وَلما قوي عَلَيْهِ الْمَرَض قَالَ لجبرائيل لم لَا تبرئني فَقَالَ لَهُ قد كنت أَنهَاك دَائِما عَن التَّخْلِيط
وَأَقُول لَك قَدِيما أَن تخفف من الْجِمَاع فَلَا تسمع مني
والآن سَأَلتك أَن ترجع إِلَى بلدك فَأَنَّهُ أوفق لمزاجك فَلم تقبل وَهَذَا مرض شَدِيد وَأَرْجُو أَن يمن الله بعافيتك
فَأمر بحبسه
وَقيل لَهُ إِن بِفَارِس أسقفا يفهم الطِّبّ فَوجه من يحضرهُ إِلَيْهِ وَلما حَضَره وَرَآهُ قَالَ لَهُ
الَّذِي عالجك لم يكن يفهم الطِّبّ
فَزَاد ذَلِك أبعاد جِبْرَائِيل
وَكَانَ الْفضل بَين الرّبيع يحب جِبْرَائِيل وَرَأى أَن الأسقف كَذَّاب يُرِيد إِقَامَة السُّوق فَأحْسن فِيمَا بَينه وَبَين جِبْرَائِيل
وَكَانَ الأسقف يعالج الرشيد ومرضه يزِيد وَهُوَ يَقُول لَهُ أَنْت قريب من الصِّحَّة
ثمَّ قَالَ لَهُ هَذَا الْمَرَض كُله من خطأ جِبْرَائِيل
فَتقدم الرشيد بقتْله فَلم يقبل مِنْهُ الْفضل بن الرّبيع لِأَنَّهُ كَانَ يئس من حَيَاته فاستبقى جِبْرَائِيل
وَلما كَانَ بعد أَيَّام يسيرَة مَاتَ الرشيد وَلحق الْفضل بن الرّبيع فِي تِلْكَ الْأَيَّام قولنج صَعب أيس الْأَطِبَّاء مِنْهُ فعالجه جِبْرَائِيل بألطف علاج وَأحسنه فبرأ الْفضل وازدادت محبته لَهُ وعجبه بِهِ
قَالَ فثيون وَلما تولى مُحَمَّد الْأمين وافى إِلَيْهِ جِبْرَائِيل فَقبله أحسن قبُول وأكرمه
ووهب لَهُ أَمْوَالًا جليلة أَكثر مِمَّا كَانَ أَبوهُ يهب لَهُ
وَكَانَ الْأمين لَا يَأْكُل وَلَا يشرب إِلَّا بِإِذْنِهِ فَلَمَّا كَانَ من الْأمين مَا كَانَ وَملك الْأَمر الْمَأْمُون كتب إِلَى الْحسن بن سهل وَهُوَ يخلفه بالحضرة بِأَن يقبض على جِبْرَائِيل ويحبسه لِأَنَّهُ ترك قصره بعد موت أَبِيه الرشيد وَمضى إِلَى أَخِيه الْأمين
فَفعل الْحسن بن سهل هَذَا
وَلما كَانَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ مرض الْحسن بن سهل مَرضا شَدِيدا وعالجه الْأَطِبَّاء فَلم ينْتَفع بذلك فَأخْرج جِبْرَائِيل من الْحَبْس حَتَّى عالجه وبرأ فِي أَيَّام يسيرَة فوهب لَهُ سرا مَالا وافرا
وَكتب إِلَى الْمَأْمُون يعرفهُ خبر علته وَكَيف برأَ على يَد جبرئيل ويسأله فِي أمره
فَأَجَابَهُ بالصفح عَنهُ
قَالَ فثيون وَلما دخل الْمَأْمُون الحضرة فِي سنة خمس وَمِائَتَيْنِ أَمر بِأَن يجلس جِبْرَائِيل فِي منزله وَلَا يخْدم وَوجه من أحضر ميخائيل المتطبب وَهُوَ صهر جِبْرَائِيل وَجعله مَكَانَهُ وأكرمه إِكْرَاما وافرا كيادا لجبرائيل
قَالَ وَلما كَانَ فِي سنة عشر وَمِائَتَيْنِ مرض الْمَأْمُون مَرضا صعبا وَكَانَ وُجُوه الْأَطِبَّاء يعالجونه وَلَا يصلح فَقَالَ ليمخائيل الْأَدْوِيَة الَّتِي تُعْطِينِي تزيدني شرا فاجمع الْأَطِبَّاء وشاورهم فِي أَمْرِي
فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ أَبُو عِيسَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ نحضر جِبْرَائِيل فَإِنَّهُ يعرف مزاجاتنا مُنْذُ الصِّبَا فتغافل
عَن كَلَامه
وأحضر أَبُو إِسْحَق أَخُوهُ يوحنا بن ماسويه فثلبه ميخائيل طبيبه وَوَقع فِيهِ وَطعن عَلَيْهِ
فَلَمَّا ضعفت قُوَّة الْمَأْمُون عَن أَخذ الْأَدْوِيَة أذكروه بجبرائيل فَأمر بإحضاره
وَلما حضر غير تَدْبيره كُله فاستقل بعد يَوْم وَبعد ثَلَاثَة أَيَّام صلح
فسر بِهِ الْمَأْمُون سُرُورًا عَظِيما
وَلما كَانَ بعد أَيَّام يسيرَة صلح صلاحا تَاما وَأذن لَهُ جِبْرَائِيل فِي الْأكل وَالشرب فَفعل ذَلِك
وَقَالَ لَهُ أَبُو عِيسَى أَخُوهُ وَهُوَ جَالس مَعَه على الشّرْب مثل هَذَا الرجل الَّذِي لم يكن مثله وَلَا يكون سَبيله أَن يكرم
فَأمر لَهُ الْمَأْمُون بِأَلف ألف دِرْهَم وبألف كرّ حِنْطَة ورد عَلَيْهِ سَائِر مَا قبض مِنْهُ من الْأَمْلَاك والضياع وَصَارَ إِذا خاطبه كناه بِأبي عِيسَى جِبْرَائِيل وأكرمه زِيَادَة على مَا كَانَ أَبوهُ يُكرمهُ
وانْتهى بِهِ الْأَمر فِي الْجَلالَة إِلَى أَن كَانَ كل من تقلد عملا لَا يخرج إِلَى عمله إِلَّا بعد أَن يلقى جِبْرَائِيل ويكرمه
وَكَانَ عِنْد الْمَأْمُون مثل أَبِيه وَنقص مَحل ميخائيل الطَّبِيب صهر جِبْرَائِيل وانحط
قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم دخلت على جِبْرَائِيل دَاره الَّتِي بالميدان فِي يَوْم من تموز وَبَين يَدَيْهِ الْمَائِدَة وَعَلَيْهَا فراخ طيور مسرولة كبار وَقد عملت كردناجا بفلفل وَهُوَ يَأْكُل مِنْهَا وطالبني بِأَن آكل مَعَه
فَقلت لَهُ كَيفَ آكل مِنْهَا فِي مثل هَذَا الْوَقْت من السّنة وسني سنّ الشَّبَاب فَقَالَ لي مَا الحمية عنْدك فَقلت تجنب الأغذية الرَّديئَة
فَقَالَ لي غَلطت لَيْسَ مَا ذكرت حمية
ثمَّ قَالَ لَا أعرف أحدا عظم قدره وَلَا صغر يصل إِلَى الْإِمْسَاك عَن غذَاء من الأغذية كل دهره إِلَّا أَن يكون يبغضه وَلَا تتوق نَفسه إِلَيْهِ
لِأَن الْإِنْسَان قد يمسك عَن أكل الشَّيْء بُرْهَة من دهره ثمَّ يضطره إِلَى أكله عدم أَدَم سواهُ لعِلَّة من الْعِلَل أَو مساعدة لعليل يكون عِنْده أَو صديق يحلف عَلَيْهِ أَو شَهْوَة تتجدد لَهُ
فَمَتَى أكله وَقد أمسك عَن أكله مِنْهُ الْمدَّة الطَّوِيلَة لم تقبله طَبِيعَته ونفرت مِنْهُ وأحدث ذَلِك فِي بدن آكله مَرضا كثيرا وَرُبمَا أَتَى على نَفسه
والأصلح للأبدان تمرينها على أكل الأغذية الرَّديئَة حَتَّى تألفها
وَأَن يَأْكُل مِنْهَا فِي كل يَوْم شَيْئا وَاحِدًا وَلَا يجمع أكل شَيْئَيْنِ رديئين فِي يَوْم وَاحِد وَإِذا أكل من بعض هَذِه الْأَشْيَاء فِي يَوْم لم يعاود أكله فِي غَد ذَلِك الْيَوْم
فَإِن الْأَبدَان إِذا مرنت على أكل هَذِه الْأَشْيَاء ثمَّ اضْطر الْإِنْسَان إِلَى الْإِكْثَار من أكل بَعْضهَا لم تنفر الطبيعة مِنْهُ
فقد رَأينَا الْأَدْوِيَة المسهلة إِذا أدمنها مدمن وألفها بدنه قل فعلهَا وَلم تسهل
وَهَؤُلَاء أهل الأندلس إِذا أَرَادَ أحدهم إسهال طَبِيعَته أَخذ من السقمونيا وزن ثَلَاثَة دَرَاهِم حَتَّى تلين طَبِيعَته مِقْدَار مَا يلينها نصف دِرْهَم فِي بلدنا وَإِذا كَانَت
الْأَبدَان تألف الْأَدْوِيَة حَتَّى تمنعها من فعلهَا فَهِيَ للأغذية وَإِن كَانَت رَدِيئَة أَشد إلفا
قَالَ يُوسُف فَحدثت بِهَذَا الحَدِيث بختيشوع بن جِبْرَائِيل فَسَأَلَنِي إملاءه عَلَيْهِ وَكتبه عني بِخَطِّهِ
قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم حَدثنِي سُلَيْمَان الْخَادِم الْخُرَاسَانِي مولى الرشيد إِنَّه كَانَ وَاقِفًا على رَأس الرشيد بِالْحيرَةِ يَوْمًا وَهُوَ يتغدى إِذْ دخل عَلَيْهِ عون الْعَبَّادِيّ الْجَوْهَرِي وَهُوَ حَامِل صَحْفَة فِيهَا سَمَكَة منعوتة بالسمن فوضعها بَين يَدَيْهِ وَمَعَهَا محشي قد اتَّخذهُ لَهَا
فحاول الرشيد أكل شَيْء مِنْهَا فَمَنعه من ذَلِك جِبْرَائِيل وغمز صَاحب الْمَائِدَة بعزلها لَهُ
وفطن الرشيد فَلَمَّا رفعت الْمَائِدَة وَغسل الرشيد يَده خرج جِبْرَائِيل عَن حَضرته
قَالَ سُلَيْمَان فَأمرنِي الرشيد باتباعه وإخفاء شخصي عَنهُ وَأَن اتفقد مَا يعمله وارجع إِلَيْهِ بِخَبَرِهِ فَفعلت مَا أَمرنِي بِهِ وأحسب أَن أَمْرِي لم يسْتَتر عَن جِبْرَائِيل لما تبينت من تحرزه
فَصَارَ إِلَى مَوضِع من دَار عون ودعا بِالطَّعَامِ فأحضر لَهُ وَفِيه السَّمَكَة ودعا بِثَلَاثَة أقداح من فضَّة فَجعل فِي وَاحِد قِطْعَة مِنْهَا وصب عَلَيْهِ خمرًا من خمر طيرناباذ بِغَيْر مَاء وَقَالَ هَذَا أكل جِبْرَائِيل
وَجعل فِي قدح آخر قِطْعَة وصب عَلَيْهَا مَاء بثلج وَقَالَ هَذَا أكل أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن لم يخلط السّمك بِغَيْرِهِ
وَجعل فِي الْقدح الثَّالِث قِطْعَة من السّمك وَمَعَهَا قطعا من اللَّحْم من ألوان مُخْتَلفَة وَمن شواء وحلواء وبوارد وفراريج وَبقول وصب عَلَيْهِ مَاء بثلج وَقَالَ هَذَا طَعَام أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن خلط السّمك بِغَيْرِهِ
وَرفع الثَّلَاثَة الأقداح إِلَى صَاحب الْمَائِدَة وَقَالَ احتفظ بهَا إِلَى أَن ينتبه أَمِير الْمُؤمنِينَ من قائلته
قَالَ سُلَيْمَان الْخَادِم ثمَّ أقبل جِبْرَائِيل على السَّمَكَة فَأكل مِنْهَا حَتَّى تضلع
وَكَانَ كلما عَطش دَعَا بقدح مَعَ الْخمر الصّرْف فشربه ثمَّ نَام
فَلَمَّا انتبه الرشيد من نَومه دَعَاني فَسَأَلَنِي عَمَّا عِنْدِي من خبر جِبْرَائِيل وَهل أكل من السَّمَكَة شَيْئا أم لم يَأْكُل فَأَخْبَرته بالْخبر فَأمر بإحضار الثَّلَاثَة الأقداح فَوجدَ الَّذِي صب عَلَيْهِ الْخمر الصّرْف قد تفتت وَلم يبْق مِنْهُ شَيْء
وَوجد الَّذِي صب عَلَيْهِ المَاء بالثلج قد رَبًّا وَصَارَ على أَكثر من الضعْف مِمَّا كَانَ وَوجد الْقدح الَّذِي السّمك وَاللَّحم فِيهِ قد تَغَيَّرت رَائِحَته وَحدثت لَهُ سهوكة شَدِيدَة
فَأمرنِي الرشيد بِحمْل خَمْسَة آلَاف دِينَار إِلَى جِبْرَائِيل وَقَالَ من يلومني على محبَّة هَذَا الرجل الَّذِي يدبرني هَذَا التَّدْبِير
فأوصلت إِلَيْهِ المَال
وَقَالَ إِسْحَق بن عَليّ الرهاوي فِي كتاب أدب الطَّبِيب عَن عِيسَى بن ماسة أَن يوحنا
بن ماسويه أخبرهُ أَن الرشيد قَالَ لجبرائيل بن بختيشوع وَهُوَ حَاج بِمَكَّة يَا جِبْرَائِيل علمت مرتبتك عِنْدِي
قَالَ يَا سَيِّدي وَكَيف لَا أعلم قَالَ لَهُ دَعَوْت لَك وَالله فِي الْموقف دُعَاء كثيرا ثمَّ الْتفت إِلَى بني هَاشم فَقَالَ عَسى أنكرتم قولي لَهُ فَقَالُوا يَا سيدنَا ذمِّي فَقَالَ نعم وَلَكِن صَلَاح بدني وقوامه بِهِ وَصَلَاح الْمُسلمين بِي
فصلاحهم بصلاحه وبقائه
فَقَالُوا صدقت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
ونقلت من بعض التواريخ قَالَ جِبْرَائِيل بن بختيشوع المتطبب اشْتريت ضَيْعَة بسبعماية ألف دِرْهَم فنقدت بعض الثّمن وَتعذر عَليّ بعضه فَدخلت على يحيى بن خَالِد وَعِنْده وَلَده وَأَنا أفكر
فَقَالَ مَالِي أَرَاك مفكرا فَقلت اشْتريت ضَيْعَة بسبعمائة ألف فنقدت بعض الثّمن وَتعذر عَليّ بعضه
قَالَ فَدَعَا بالدواة وَكتب يعْطى جِبْرَائِيل سَبْعمِائة ألف دِرْهَم
ثمَّ دفع إِلَى كل وَاحِد من وَلَده فَوَقع فِيهِ ثلثمِائة ألف
قَالَ فَقلت جعلت فدَاك قد أدّيت عَامَّة الثّمن وَإِنَّمَا بَقِي أَقَله
قَالَ اصرف ذَلِك فِيمَا يَنُوبك ثمَّ صرت إِلَى دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ
فَلَمَّا رَآنِي قَالَ مَا أَبْطَأَ بك قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كنت عِنْد أَبِيك وأخوتك فَفَعَلُوا بِي كَذَا وَكَذَا وَإِنَّمَا ذَلِك لخدمتي لَك
قَالَ فَمَا حَالي أَنا ثمَّ دَعَا بدابته فَركب إِلَى يحيى فَقَالَ يَا أَبَت أَخْبرنِي جِبْرَائِيل بِمَا كَانَ فَمَا حَالي أَنا من بَين ولدك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مر بِمَا شِئْت يحمل إِلَيْهِ
فَأمر لي بِخَمْسِمِائَة ألف
قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم الحاسب الْمَعْرُوف بِابْن الداية كَانَ لأم جَعْفَر بنت أبي الْفضل فِي قصر عِيسَى بن عَليّ الَّذِي كَانَت تسكنه مجْلِس لَا يجلس فِيهِ إِلَّا الْحساب والمتطببون وَكَانَت لَا تَشْتَكِي عِلّة إِلَى متطبب حَتَّى يحضر جَمِيع أهل الصناعتين وَيكون مقامهم فِي ذَلِك الْمجْلس إِلَى وَقت جلوسها فَكَانَت تجْلِس لَهُم فِي أحد موضِعين إِمَّا عِنْد الشباك الَّذِي على الدّكان الْكَبِير المحاذي للشباك وللباب الأول من أَبْوَاب الدَّار أَو عِنْد الْبَاب الصَّغِير المحاذي لمَسْجِد الدَّار
فَكَانَ الْحساب والمتطببون يَجْلِسُونَ من خَارج الْموضع الَّذِي تجْلِس فِيهِ
ثمَّ تَشْتَكِي مَا تَجِد فيتناظر المتطببون فِيمَا بَينهم حَتَّى يجتمعوا على الْعلَّة والعلاج فَإِن كَانَ بَينهم اخْتِلَاف دخل الْحساب بَينهم وَقَالُوا بِتَصْدِيق الْمُصِيب عِنْدهم
ثمَّ تسْأَل الْحساب عَن اخْتِيَار وَقت لذَلِك العلاج
فَإِن اجْتَمعُوا على وَقت وَإِلَّا نظر المتطببون فِيمَا بَين الْحساب وحكموا لألزمهم الْقيَاس فاعتلت عِنْد اجتماعها على الْحَج آخر حجَّة حجتها عِلّة أجمع متطببوها على إِخْرَاج الدَّم من سَاقيهَا بالحجامة وَاخْتَارَ الْحساب لَهَا يَوْمًا تحتجم فِيهِ وَكَانَ ذَلِك فِي شهر رَمَضَان فَلم يُمكن أَن تكون الْحجامَة إِلَّا فِي آخر النَّهَار
فَكَانَ مِمَّن يخْتَلف إِلَيْهَا من الْحساب الْحسن بن مُحَمَّد الطوسي التَّمِيمِي الْمَعْرُوف بالأبح وَعمر بن الفرخان الطَّبَرِيّ وَشُعَيْب الْيَهُودِيّ
قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم وَكنت مَتى عرضت للأبح عِلّة أَو عاقه عَن حُضُور دَار أم جَعْفَر عائق حضرت عَنهُ
فَحَضَرت ذَلِك الْمجْلس فِي الْوَقْت الَّذِي وَقع الِاخْتِيَار على حجامة أم جَعْفَر فِيهِ
فوافيت ابْنا لداؤد بن سرافيون حَدثا يشبه أَن يكون ابْن أقل من عشْرين سنة قد أمرت أم جَعْفَر بإحضاره مَعَ المتطببين ليتأدب بِحُضُور ذَلِك الْمجْلس وَقد تقدّمت إِلَى جَمِيع من يطِيف بهَا من المتطببين فِي تَعْلِيمه وتوقيفه عناية بِهِ لمَكَان أَبِيه من خدمتها فوافيته وَهُوَ يلاحي متطببا رَاهِبًا أحضر دارها فِي ذَلِك الْيَوْم من أهل الأهواز فِي شرب المَاء للمنتبه من نَومه لَيْلًا
فَقَالَ ابْن داؤد مَا الله خلق بأحمق مِمَّن يشرب مَاء بعد انتباهه من نَومه
ووافى جِبْرَائِيل عِنْدَمَا قَالَ الْغُلَام هَذَا القَوْل بَاب الْبَيْت فَلم يدْخل الْمجْلس إِلَّا وَهُوَ يَقُول أَحمَق وَالله مِنْهُ من تتضرم نَار على كبده فَلم يطفئها
ثمَّ دخل فَقَالَ من صَاحب الْكَلَام الَّذِي سمعته فَقيل لَهُ ابْن داؤد فعنفه على ذَلِك وَقَالَ لَهُ كَانَت لأَبِيك مرتبَة جليلة فِي هَذِه الصِّنَاعَة وتتكلم بِمثل مَا سمعته مِنْك فَقَالَ لَهُ الْغُلَام فكأنك أعزّك الله تطلق شرب المَاء بِاللَّيْلِ عِنْد الانتباه من النّوم فَقَالَ جِبْرَائِيل المحرور الجاف الْمعدة وَمن تعشى وَأكل طَعَاما مالحا فَأَطْلقهُ لَهُ
وَأَنا أمنع مِنْهُ الرطبي الْمعد وَأَصْحَاب البلغم المالح لِأَن فِي مَنعهم من ذَلِك شِفَاء من رطوبات معدهم وَأكل بعض البلغم المالح بَعْضًا
فَسكت عَنهُ جَمِيع من حضر ذَلِك الْمجْلس غَيْرِي فَقلت يَا أَبَا عِيسَى قد بقيت وَاحِدَة
قَالَ وَمَا هِيَ قلت أَن يكون العطشان يفهم من الطِّبّ مثل فهمك فيفهم عطشه من مرار أَو من بلغم مالح
فَضَحِك جِبْرَائِيل ثمَّ قَالَ لي مَتى عطشت لَيْلًا فأبرز رجلك من لحافك وتناوم قَلِيلا فَإِن تزايد عطشك فَهُوَ من حرارة أَو من طَعَام يحْتَاج إِلَى شرب المَاء عَلَيْهِ فَاشْرَبْ
وَأَن نقص من عطشك شَيْء فَأمْسك عَن شرب المَاء فَإِنَّهُ من بلغم مالح
قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم وَسَأَلَ أَبُو إِسْحَق إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي جِبْرَائِيل عَن عِلّة الورشكين فَقَالَ هُوَ اسْم ركبته الْفرس من الْكسر والصدر وَاسم الصَّدْر بِالْفَارِسِيَّةِ الفصيحة ور والعامة تسميه بر
وَاسم الْكسر أشكين فَإِذا جمعت اللفظتين كَانَتَا ورشكين أَي هَذِه الْعلَّة من الْعِلَل الَّتِي يجب أَن يكسر عَلَيْهَا الصَّدْر وَهِي عِلّة لَا تستحكم بِإِنْسَان فيكاد ينْهض مِنْهَا
وَإِن من نَهَضَ مِنْهَا لم يُؤمن عَلَيْهِ النكسة سنة إِلَّا أَن يخرج مِنْهُ استفراغ دم كثير تقذفه الطبيعة من الْأنف أَو من أَسْفَل فِي وَقت الْعلَّة أَو بعْدهَا قبل السّنة فَمَتَى حدث ذَلِك سلم مِنْهُ
فَقَالَ أَبُو إِسْحَق كالمتعجب سنة قَالَ نعم جعلني الله فدَاك
وَعلة أُخْرَى يستخف بهَا النَّاس وَهِي الحصبة
فَإِنِّي مَا أمنت على من أَصَابَته من النكسة سنة إِلَّا أَن يُصِيبهُ بعقبها استطلاق بطن يكَاد أَن يَأْتِي على نَفسه أَو يخرج بِهِ خراج كثير فَإِذا أَصَابَهُ أحد هذَيْن أمنت عَلَيْهِ
قَالَ يُوسُف وَدخل جِبْرَائِيل على أبي إِسْحَق يَوْمًا بعقب عِلّة كَانَ فِيهَا وَقد أذن لَهُ فِي أكل اللَّحْم الغليظ فحين جلس وضعت بَين يَدَيْهِ كشكية رطبَة فَأمر برفعها فَسَأَلته عَن السَّبَب
فَقَالَ مَا أطلقت لخليفة قطّ حم يَوْمًا وَاحِدًا أكل الكشك سنة كَامِلَة
قَالَ أَبُو إِسْحَق أَي الكشكين أردْت الَّذِي بِلَبن أم الَّذِي بِغَيْر لبن قَالَ الَّذِي بِغَيْر لبن لَا أطلق لَهُ أكله سنة وعَلى قِيَاس مَا يُوجِبهُ الطِّبّ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَن يُطلق لَهُ أكل الكشك الْمَعْمُول بِلَبن إِلَّا بعد استكمال ثَلَاث سِنِين
حدث مَيْمُون بن هرون قَالَ حَدثنِي سعيد بن اسحق النَّصْرَانِي قَالَ قَالَ لي جِبْرَائِيل بن بختيشوع كنت مَعَ الرشيد بالرقة وَمَعَهُ الْمَأْمُون وَمُحَمّد الْأمين ولداه وَكَانَ رجلا بادنا كثير الْأكل وَالشرب فَأكل فِي بعض الْأَيَّام أَشْيَاء خلط فِيهَا وَدخل المستراح فَغشيَ عَلَيْهِ وَأخرج فقوي عَلَيْهِ الغشي حَتَّى لم يشك فِي مَوته
وَأرْسل إِلَيّ فَحَضَرت وجسست عرقه فَوَجَدته نبضا خفِيا وَقد كَانَ قبل ذَلِك بأيام يشكو امتلاء وحركة الدَّم فَقلت لَهُم يَمُوت وَالصَّوَاب أَن يحجم السَّاعَة
فَأجَاب الْمَأْمُون إِلَيْهِ وأحضر الْحجام وَتَقَدَّمت بإقعاده فَلَمَّا وضع المحاجم عَلَيْهِ ومصها رَأَيْت الْموضع قد احمر فطابت نَفسِي وَعلمت أَنه حَيّ
فَقلت للحجام اشرط
فَشرط فَخرج الدَّم فسجدت شكرا لله
وَجعل كلما خرج الدَّم يُحَرك رَأسه ويسفر لَونه إِلَى أَن تكلم
وَقَالَ أَيْن أَنا فطيبنا نَفسه وغديناه بصدر دراج وسقيناه شرابًا وَمَا زلنا نشمه الروائح الطّيبَة ونجعل فِي أَنفه الطّيب حَتَّى تراجعت قوته وَأدْخل النَّاس إِلَيْهِ ثمَّ وهب الله عافيته فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام دَعَا صَاحب حرسه فَسَأَلَهُ عَن غَلَّته فِي السّنة فَعرفهُ أَنَّهَا ثلثمِائة ألف دِرْهَم
وَسَأَلَ حَاجِبه عَن غَلَّته فَعرفهُ أَنَّهَا ألف دِرْهَم
فَقَالَ مَا انصفناك حَيْثُ غلات هَؤُلَاءِ وهم يحرسوني من النَّاس على مَا ذكرُوا وَأَنت تحرسني من الْأَمْرَاض والأسقام وَتَكون غلتك مَا ذكرته وَأمر بإقطاعي غلَّة ألف ألف دِرْهَم
فَقلت لَهُ يَا سَيِّدي مَالِي حَاجَة إِلَى الإقطاع وَلَكِن تهب لي مَا اشْترِي بِهِ ضيَاعًا غَلَّتهَا ألف ألف دِرْهَم فَجَمِيع ضياعي أَمْلَاك لَا اقطاع
قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم حَدثنِي أَبُو إِسْحَق إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي أَن جِبْرَائِيل لَجأ إِلَيْهِ حِين انتهبت الْعَوام دَاره فِي خلَافَة مُحَمَّد الْأمين فأسكنه مَعَه فِي دَاره وحماه مِمَّن كَانَ يحاول قَتله
قَالَ أَبُو إِسْحَق فَكنت أرى من هلع جِبْرَائِيل وَكَثْرَة أسفه على مَا تلف من مَاله وَشدَّة اغتمامه مَا لم أتوهم أَن أحدا بلغ بِهِ الوجد بِمَالِه مثل الَّذِي بلغ بجبرائيل
قَالَ أَبُو إِسْحَق فَلَمَّا ثارت المبيضة فظهرت العلوية بِالْبَصْرَةِ والأهواز أَتَانِي وَهُوَ مسرور كَأَنَّهُ قد وصل بِمِائَة ألف دِينَار فَقلت لَهُ أرى أَبَا عِيسَى مَسْرُورا فَقَالَ إِنِّي وَالله لمسرور عين السرُور
فَسَأَلته عَن سَبَب سروره فَقَالَ إِنَّه حَاز العلوية ضيَاعًا وضربوا عَلَيْهَا الْمنَار
فَقلت لَهُ مَا أعجب أَمرك انتهبت لَك
الْعَوام جُزْءا من مَالك فَخرجت نَفسك من الْجزع إِلَى مَا خرجت إِلَيْهِ وتحوز العلوية جَمِيع مَا تملك فَيظْهر مِنْك من السرُور مثل الَّذِي ظهر فَقَالَ جزعي بِمَا ركبني بِهِ الْعَوام لِأَنِّي أُوتيت فِي مَنَامِي وسلبت فِي عزي وأسلمني من يجب عَلَيْهِ حمايتي
وَلم يتعاظمني مَا كَانَ من العلوية لِأَنَّهُ من أكبر الْمحَال عَيْش مثلي فِي دولتين بِنِعْمَة وَاحِدَة وَلَو لم تفعل العلوية فِي ضياعي مَا فعلوا وَقد كَانَ يجب عَلَيْهِم مَعَ علمهمْ بِصِحَّة طويتي لموَالِي الَّذين أنعم الله عَليّ بنعمتهم الَّتِي ملكونيها أَن يتقدموا فِي حفظ وكلائي والوصاة بضياعي ومزارعي وَإِن يَقُولُوا لم يزل جِبْرَائِيل مائلا إِلَيْنَا فِي أَيَّام دولة أَصْحَابه ومتفضلا علينا من أَمْوَاله وَيُؤَدِّي إِلَيْنَا أَخْبَار سادته
فَكَانَ الْخَبَر مَتى تأدى بذلك إِلَى السُّلْطَان قتلني فسروري بحيازة ضياعي وبسلامة نَفسِي مِمَّا كَانَ هَؤُلَاءِ الْجُهَّال ملكوه مِنْهَا فَلم يهتدوا إِلَيْهِ
قَالَ يُوسُف وحَدثني فرخ الْخَادِم الْمَعْرُوف بِأبي خُرَاسَان مولى صَالح بن الرشيد ووصيه قَالَ كَانَ مولَايَ صَالح بن الرشيد على الْبَصْرَة وَكَانَ عَامله عَلَيْهَا أَبُو الرَّازِيّ
فَلَمَّا أحدث جِبْرَائِيل ابْن بختيشوع عمَارَة دَاره الَّتِي فِي الميدان سَأَلَ مولَايَ أَن يهدي لَهُ خَمْسمِائَة ساجة وَكَانَت الساجة بِثَلَاثَة عشر دِينَارا فَاسْتَكْثر مولَايَ المَال
وَقَالَ لَهُ أما خَمْسمِائَة فَلَا وَلَكِنِّي أكتب إِلَى ابْن الرَّازِيّ فِي حمل مِائَتي ساجة إِلَيْك
وَقَالَ جِبْرَائِيل فَلَيْسَتْ بِي حَاجَة إِلَيْهَا
فال فرخ فَقلت لسيدي أرى جِبْرَائِيل سيدبر عَلَيْك تدبيرا بغيضا
فَقَالَ جِبْرَائِيل أَهْون عَليّ من كل هَين لِأَنِّي لَا أشْرب لَهُ دَوَاء وَلَا أقبل لَهُ علاجا
ثمَّ استزار مولَايَ أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُون فَلَمَّا اسْتَوَى الْمجْلس بالمأمون قَالَ لَهُ جِبْرَائِيل أرى وَجهك متغيرا
ثمَّ قَامَ إِلَيْهِ فجس عرقه وَقَالَ لَهُ يشرب أَمِير الْمُؤمنِينَ شربة سكنجبين وَيُؤَخر الْغَدَاء حَتَّى يفهم الْخَبَر فَفعل الْمَأْمُون مَا أَشَارَ بِهِ وَأَقْبل يجس عرقه فِي الْوَقْت بعد الْوَقْت ثمَّ لم يشْعر بِشَيْء حَتَّى دخل غلْمَان جِبْرَائِيل وَمَعَهُمْ رغيف وَاحِد وَمَعَهُ ألوان قد اتَّخذت من قرع وماش وَمَا أشبه ذَلِك
فَقَالَ إِنِّي أكره لأمير الْمُؤمنِينَ أَن يَأْكُل فِي يَوْمه هَذَا شَيْئا من لُحُوم الْحَيَوَان فَليَأْكُل هَذِه الألوان فَأكل مِنْهَا ونام
النص من طبعة دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع