تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت ٦٦٨هـ)

غَالب طَبِيب المعتضد

شهر بِخِدْمَة المعتضد بِاللَّه وَكَانَ أَولا عِنْد الْمُوفق طَلْحَة بن المتَوَكل لِأَنَّهُ خدمه مُنْذُ أَيَّام المتَوَكل واختص بِهِ

وارتضع سَائِر أَبنَاء المتَوَكل من لبن أَوْلَاد غَالب فَكَانَ يسر بهم

فَلَمَّا تمكن الْمُوفق من الْأَمر أقطعه ونوله وأغناه وَكَانَ لَهُ مثل الْوَالِد ينادمه ويغلفه بِيَدِهِ

وعالج الْمُوفق من سهم كَانَ أَصَابَهُ فِي ثندوته وبرأ فَأعْطَاهُ مَالا كثيرا وأقطعه وخلع عَلَيْهِ

وَقَالَ لِغِلْمَانِهِ من أَرَادَ إكرامي فليكرمه وَليصل غَالِبا

فَوجه إِلَيْهِ مسرور بِعشْرَة آلَاف دِينَار وَمِائَة ثوب وَوجه إِلَيْهِ سَائِر الغلمان مثل ذَلِك وَصَارَ إِلَيْهِ مَال عَظِيم

وَلما قبض على صاعد وعبدون أَخذ لعبدون عدَّة غلْمَان نَصَارَى مماليك فَمن أسلم مِنْهُم أجري لَهُ رزق وَترك وَمن لم يسلم مِنْهُم بَعثه إِلَى غَالب

وَكَانَ

عدد من أنفذ إِلَيْهِ سبعين غُلَاما أزمة وَغَيرهَا

فَلَمَّا ورد عَلَيْهِ مَعَهم رَسُول من قبل الْحَاجِب قَالَ غَالب أَي شَيْء أعمل بهؤلاء وَركب من وقته إِلَى الْمُوفق فَقَالَ هَؤُلَاءِ يستغرقون مَال ضيعتي مَعَ رِزْقِي

فَضَحِك الْمُوفق وَتقدم إِلَى إِسْمَاعِيل زِيَادَة فِي إقطاعه الحرسيات وَكَانَت ضيَاعًا جليلة تغل سَبْعَة آلَاف دِينَار وأجرها لَهُ بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم فِي السّنة

وَبعد الْمُوفق طَلْحَة خدم لوَلَده المعتضد بِاللَّه أبي الْعَبَّاس أَحْمد وَكَانَ مكينا عِنْده حظيا فِي أَيَّامه

وَكَانَ المعتضد يحسن الظَّن بِهِ ويعتمد على مداواته

قَالَ ثَابت بن سِنَان بن ثَابت أَن غَالِبا الطَّبِيب توفّي مَعَ المعتضد بِاللَّه بآمد وَكَانَ كَبِيرا عِنْده

وَكَانَ سعيد بن غَالب مَعَ المعتضد بِاللَّه بآمد وَكَانَ يأنس إِلَيْهِ ويقدمه على جَمِيع المتطببين

واتصل الْخَبَر بوفاة غَالب بالمعتضد قبل وقُوف سعيد ابْنه على ذَلِك فَلَمَّا دخل سعيد عَلَيْهِ ابتدأه المعتضد وَعَزاهُ وَقَالَ لَهُ

يَا سعيد طول الْبَقَاء لَك لما تمّ عَلَيْك

فَانْصَرف سعيد إِلَى مضربه كئيبا حَزينًا

فَأتبعهُ المعتضد بخفيف السَّمرقَنْدِي وبنان الرصاصي وبسرخاب الْكسْوَة وَكَانُوا أجل خدم السُّلْطَان وجلسوا مَعَه طَويلا

وَعرف الْخَبَر فَلم يبْق أحد من أهل الدولة إِلَّا صَار إِلَى سعيد بن غَالب وَعَزاهُ بِأَبِيهِ من الْوَزير الْقَاسِم بن عبيد الله ومؤنس الْخَادِم وَمن بعدهمَا من الأستاذين والأمراء والقواد والأولياء على طبقاتهم

ثمَّ أنفذ إِلَيْهِ المعتضد وَقت الظّهْر بجون طَعَام وَتقدم إِلَيْهِ أَن لَا يبرح أَو يطعمهُ وَيطْعم دانيل كَاتب مؤنس وسعدون كَاتب يانس وَكَانَا صهريه على أختيه فَفعل ذَلِك

وَلم يزل يحضرهُ فِي كل يَوْم ويشاغله بِالْحَدِيثِ ويصرفه ويتبعه بجون الطَّعَام مُدَّة سَبْعَة أَيَّام

ورد إِلَيْهِ مَا كَانَ إِلَى أَبِيه من أَمر الجراية والتلامذة

وَأقر فِي يَده إقطاعاته وضياعه وَلم يزل ذَلِك لَهُ ولولده إِلَى آخر عمره

النص من طبعة دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.