من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت ٦٦٨هـ)
أَبُو طَاهِر بن البرخشي
هُوَ موفق الدّين أَبُو طَاهِر أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْعَبَّاس يعرف بِابْن البرخشي من أهل وَاسِط
فَاضل فِي الصِّنَاعَة الطبية كَامِل فِي الْفُنُون الأدبية
وَقد رَأَيْت من خطه مَا يدل على رزانة عقله وغزارة فَضله وَكَانَ فِي أَيَّام المسترشد بِاللَّه
حَدثنِي شمس الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْحسن بن مُحَمَّد بن الْكَرِيم الْبَغْدَادِيّ قَالَ حَدثنِي أَحْمد بن بدر الوَاسِطِيّ قَالَ كَانَ الْحَكِيم أَبُو طَاهِر أَحْمد بن مُحَمَّد البرخشي بواسط يعالج مَرِيضا بِهِ أحد أَنْوَاع الاسْتِسْقَاء فطال بِهِ الْمَرَض وَلم ينجع فِيهِ علاج وَعبر حد الحمية فسهل لَهُ فِي اسْتِعْمَال مهما طلبته النَّفس ومالت إِلَيْهِ الطبيعة من المآكل والأغذية
فَأطلق الْمَرِيض يَده ثمَّ أكل مَا تهَيَّأ لَهُ
فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الْأَيَّام اجتاز بِهِ إِنْسَان يَبِيع الْجَرَاد المسلوق فِي المَاء وَالْملح
فمالت إِلَيْهِ نفس الْمَرِيض فَطَلَبه ثمَّ اشْترى مِنْهُ وَأكل فَعرض لَهُ من ذَلِك إسهال مفرط وَانْقطع الْحَكِيم عَنهُ لما رأى بِهِ من الإفراط فِي الإسهال
ثمَّ أَفَاق مِنْهُ بعد أَيَّام وَأخذ المزاج فِي الصّلاح وابتدأ بِهِ الْبُرْء وتدرجت حَاله إِلَى كَمَال الصِّحَّة والحكيم قد أيس من صَلَاحه
فَلَمَّا علم الْحَال أَتَاهُ وَسَأَلَهُ عَمَّا اسْتعْمل ومم وجد الْخُف فَقَالَ لَا أعرف إِلَّا أنني مُنْذُ أكلت الْجَرَاد المسلوق شرعت فِي الْعَافِيَة
ففكر الْحَكِيم فِي ذَلِك طَويلا ثمَّ قَالَ لَيْسَ هَذَا من فعل الْجَرَاد وَلَا من خاصته
وَسَأَلَ الْمَرِيض عَن بَائِع الْجَرَاد فَقَالَ لَا أعلم بمكانه وَلَكِنِّي إِن رَأَيْته عَرفته
فشرع الْحَكِيم فِي الْبَحْث وَالسُّؤَال عَن كل من يَبِيع الْجَرَاد وَهُوَ يحضرهُ إِلَى الْمَرِيض وَاحِدًا بعد وَاحِد إِلَّا أَن عرف صَاحبه الَّذِي اشْترى مِنْهُ
فَقَالَ لَهُ الْحَكِيم أتعرف الْموضع الَّذِي صدت مِنْهُ الْجَرَاد الَّذِي أكل مِنْهُ هَذَا الْمَرِيض قَالَ نعم
قَالَ امْضِ بِنَا إِلَيْهِ
فمضيا جَمِيعًا إِلَى الْمَكَان وَإِذا هُنَاكَ حشيشة يرعاها الْجَرَاد
فَأخذ الْحَكِيم من تِلْكَ الحشيشة ثمَّ كَانَ يداوي بهَا من الاسْتِسْقَاء وَأَبْرَأ بهَا جمَاعَة من هَذَا الْمَرَض وَذَلِكَ مَعْرُوف مَشْهُور بواسط
أَقُول وَهَذِه هِيَ حِكَايَة قديمَة قد جرى ذكرهَا وَإِن تِلْكَ الحشيشة الَّتِي كَانَ الْجَرَاد يرعاها هِيَ
المازريون وَقد ذكرهَا أَيْضا القَاضِي التنوخي فِي كتاب الْفرج بعد الشدَّة
وَكَانَ أَبُو طَاهِر بن البرخشي حَيا بواسط فِي سنة سِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَكَانَ عِنْده أدب بارع وَمَعْرِفَة فِي النّظم والنثر
وَمن شعره قَالَ فِي غُلَام ناول خلالا
وناولني من كَفه مثل خصرهوَمثل محب ذاب من طول هجره
وَقَالَ خلالي قلت كل حميدةسوى قتل صب حَار فِيك بأسره) الطَّوِيل
وَقَالَ فِي إِنْسَان سوء حج من بعض قرى وَاسِط
لما حججْت استبشرت وَاسِطوقولياثا وفتى مرشد
وانتقل الويل إِلَى مَكَّةوركنها وَالْحجر الْأسود) السَّرِيع
وَقَالَ أَيْضا وَقد رأى إنْسَانا يكْتب كتابا إِلَى صديق لَهُ فَكتب فِي صَدره الْعَالم
لما انمحت سنَن المكارم والعلىوَغدا الْأَنَام بِوَجْه جهل قاتم
وَرَضوا بأسماء وَلَا معنى لَهَامثل الصّديق تكاتبوا بالعالم) الْكَامِل
وَكتب إِلَيْهِ نجم الدّين أَبُو الْغَنَائِم مُحَمَّد بن عَليّ بن الْمعلم الهرثي الشَّاعِر الوَاسِطِيّ وَقد أبل من مرض وألزمه الحمية وَمنعه الْغذَاء
صبحت فخرا بالمنى واغتدىقدرك فَوق النَّجْم مَرْفُوعا
يَا منقذي من حلقات الردىحاشاك أَن تقتلني جوعا) السَّرِيع
فَكتب ابْن البرخشي إِلَيْهِ الْجَواب
تبِعت مرسومك يَا ذَا العلىلَا زَالَ مرسومك متبوعا
لَكِن إشفاقي على من بِهِأَمْسَى غَرِيب القَوْل مسموعا
أوجب تَأْخِيرا الغذا يَوْمنَاوَفِي غَد نستدرك الجوعا
أَصْبِر فَمَا أقصرها مُدَّةوَإِن تلكأت فاسبوعا
فَأَجَابَهُ هُوَ
يَا عَالما ايْنَ ثوى ر حلّهأجْرى من الْعلم ينابيعا
لم عنْدك الْأَعْمَار مَوْصُولَةيضحى ويمسي الرزق مَقْطُوعًا
وَالله إِن بت وَلم يجدنيشعري يَا ذَا الْفضل منفوعا
ليخلعن الْجُوع مني الحياوأوسعن الْعلم تقطيعا
النص من طبعة دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع