تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت ٦٦٨هـ)

سَلامَة بن رحمون

هُوَ أَبُو الْخَيْر سَلامَة بن مبارك بن رحمون بن مُوسَى من أطباء مصر وفضلائها وَكَانَ يَهُودِيّا وَله أَعمال حَسَنَة فِي صناعَة الطِّبّ واطلاع على كتب جالينوس والبحث عَن غوامضها

وَكَانَ قد قَرَأَ صناعَة الطِّبّ افرائيم واشتغل بهَا عَلَيْهِ مُدَّة

وَكَانَ لِابْنِ رحمون أَيْضا اشْتِغَال جيد بالْمَنْطق والعلوم الْحكمِيَّة وَله تصانيف فِي ذَلِك وَكَانَ شَيْخه الَّذِي اشْتغل عَلَيْهِ بِهَذَا الْفَنّ الْأَمِير أَبُو الْوَفَاء مَحْمُود الدولة المبشر بن فاتك

وَلما وصل أَبُو الصَّلْت أُميَّة بن عبد الْعَزِيز ابْن أبي الصَّلْت الأندلسي من الْمغرب إِلَى الديار المصرية اجْتمع بسلامة بن رحمون وَجَرت بَينهمَا مبَاحث ومشاغبات

وَقد ذكره ابْن أبي الصَّلْت فِي رسَالَته المصرية عِنْدَمَا ذكر من رَآهُ من أطباء مصر قَالَ وأشبه من رَأَيْته مِنْهُم وأدخلهم فِي عدد الْأَطِبَّاء رجل من الْيَهُود يدعى أَبَا الْخَيْر سَلامَة بن رحمون فَإِنَّهُ لَقِي أَبَا الْوَفَاء المبشر بن فاتك فَأخذ عَنهُ شَيْئا من صناعَة الْمنطق تخصص بِهِ وتميز عَن أضرابه

وَأدْركَ أَبَا كثير بن الزفان تلميذ أبي الْحسن بن رضوَان فَقَرَأَ عَلَيْهِ بعض كتب جالينوس

ثمَّ نصب نَفسه لتدريس جَمِيع كتب الْمنطق وَجَمِيع كتب الفلسفة الطبيعية والهيئة وَشرح بِزَعْمِهِ وَفسّر ولخص وَلم يكن هُنَاكَ فِي تَحْصِيله وتحقيقه واستقصائه عَن لطيف الْعلم ودقيقه

بل كَانَ يكثر كَلَامه فيضل ويسرع جَوَابه فيزل

وَلَقَد سَأَلته

أول لقائي لَهُ واجتماعي بِهِ عَن مسَائِل استفتحت مباحثه بهَا مِمَّا يُمكن أَن يفهمها من لم يكن يَمْتَد فِي الْعلم بَاعه وَلم يكثر تبحره واتساعه فَأجَاب عَنْهَا بِمَا أبان عَن تَقْصِيره ونطق بعجزه وأعرب عَن سوء تصَوره وفهمه وَكَانَ مثله فِي عظم دواعيه وقصوره عَن أيسر مَا هُوَ متعاطيه كَقَوْل الشَّاعِر

يشمر للج عَن سَاقهويغمره الموج فِي السَّاحِل) المتقارب
تمنيتم مِائَتي فَارسفردكم فَارس وَاحِد) المتقارب

قَالَ أَبُو الصَّلْت وَكَانَ طَبِيب من أهل أنطاكية يُسمى بجرجس ويلقب بالفيلسوف على نَحْو مَا قيل فِي الغرب أَبُو الْبَيْضَاء وَفِي اللديغ سليم قد تفرغ للتولع بِابْن رحمون والإزراء عَلَيْهِ وَكَانَ يزور فصولا طبية وفلسفية يقررها فِي معَارض أَلْفَاظ الْقَوْم وَهِي محَال لَا معنى لَهَا وفارغة لَا فَائِدَة فِيهَا ثمَّ أَنه ينفذها إِلَى من يسْأَله عَن مَعَانِيهَا ويستوضحه أغراضها

فيتكلم عَلَيْهَا ويشرحها بِزَعْمِهِ دون تيقظ وَلَا تحفظ بل باسترسال واستعجال وَقلة اكتراث واهتبال فيوجد فِيهَا عَنهُ مَا يضْحك مِنْهُ

وأنشدت لجرجس هَذَا فِيهِ وَهُوَ أحسن مَا سمعته فِي هجو طَبِيب مشؤوم

وَأَنا مُتَّهم لَهُ فِيهِ

إِن أَبَا الْخَيْر على جَهلهيخف فِي كفته الْفَاضِل
للشاعر جرجس الأنطاكي، اقرأ القصيدة
عليله الْمِسْكِين من شؤمهفِي بَحر هلك مَاله سَاحل
للشاعر جرجس الأنطاكي، اقرأ القصيدة
ثَلَاثَة تدخل فِي دفْعَةطلعته والنعش والغاسل) السَّرِيع

ولبعضهم

لأبي الْخَيْر فِي العلاجيَد مَا تقصر
كل من يستطبهبعد يَوْمَيْنِ يقبر
وَالَّذِي غَابَ عَنْكُموشهدناه أَكثر) الْخَفِيف

وَله

جُنُون أبي الْخَيْر الْجُنُون بِعَيْنِهوكل جُنُون عِنْده غَايَة الْعقل
للشاعر جرجس الأنطاكي، اقرأ القصيدة
خذوه فغلوه فشدو وثَاقهفَمَا عَاقل من يستهين بمختل
وَقد كَانَ يُؤْذِي النَّاس بالْقَوْل وَحدهفقد صَار يُؤْذِي النَّاس بالْقَوْل وَالْفِعْل) الطَّوِيل
للشاعر جرجس الأنطاكي، اقرأ القصيدة

ولسلامة بن رحمون من الْكتب كتاب نظام الموجودات مقَالَة فِي السَّبَب الْمُوجب لقلَّة الْمَطَر بِمصْر

مقَالَة فِي الْعلم الإلهي

مقَالَة فِي خصب أبدان النِّسَاء بِمصْر عِنْد تناهي الشَّبَاب

النص من طبعة دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.