من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت ٦٦٨هـ)
موفق الدّين عبد اللَّطِيف الْبَغْدَادِيّ
الصفحة ١ من ٢
هُوَ الشَّيْخ الإِمَام الْفَاضِل موفق الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد اللَّطِيف بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي سعد وَيعرف بِابْن اللباد
موصلي الأَصْل بغدادي المولد
كَانَ مَشْهُورا بالعلوم متحليا بالفضائل مليح الْعبارَة كثير التصنيف
وَكَانَ متميزا فِي النَّحْو واللغة الْعَرَبيَّة عَارِفًا بِعلم الْكَلَام والطب
وَكَانَ قد اعتنى كثيرا بصناعة الطِّبّ لما كَانَ بِدِمَشْق واشتهر بعلمها
وَكَانَ يتَرَدَّد إِلَيْهِ جمَاعَة من التلاميذ وَغَيرهم من الْأَطِبَّاء للْقِرَاءَة عَلَيْهِ وَكَانَ وَالِده قد أشغله بِسَمَاع الحَدِيث فِي صباه من جمَاعَة مِنْهُم أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي الْمَعْرُوف بِابْن البطي وَأَبُو زرْعَة طَاهِر بن مُحَمَّد الْقُدسِي وَأَبُو الْقَاسِم يحيى بن ثَابت الْوَكِيل وَغَيرهم
وَكَانَ يُوسُف وَالِد الشَّيْخ موفق الدّين مشتغلا بِعلم الحَدِيث بارعا فِي عُلُوم الْقُرْآن والقراءات مجيدا فِي الْمَذْهَب وَالْخلاف والأصولين
وَكَانَ متطرفا من الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة
وَكَانَ سُلَيْمَان عَم الشَّيْخ موفق الدّين فَقِيها مجيدا
وَكَانَ الشَّيْخ موفق الدّين عبد اللَّطِيف كثير الِاشْتِغَال لَا يخلي وقتا من أوقاته من النّظر فِي الْكتب والتصنيف وَالْكِتَابَة
وَالَّذِي وجدته من خطه أَشْيَاء كَثِيرَة جدا بِحَيْثُ أَنه كتب من مصنفاته نسخا مُتعَدِّدَة وَكَذَلِكَ أَيْضا كتب كتبا كَثِيرَة من تصانيف القدماء
وَكَانَ صديقا لجدي وَبَينهمَا صُحْبَة أكيدة بالديار المصرية لما كُنَّا بهَا
وَكَانَ أبي وَعمي يشتغلان عَلَيْهِ بِعلم الْأَدَب
واشتغل عَلَيْهِ عمي أَيْضا بكتب أرسطوطاليس
وَكَانَ الشَّيْخ موفق الدّين كثير الْعِنَايَة بهَا والفهم لمعانيها
وأتى إِلَى دمشق من الديار المصرية وَأقَام بهَا مُدَّة وَكثر انْتِفَاع النَّاس بِعِلْمِهِ
ورأيته لما كَانَ مُقيما بِدِمَشْق فِي آخر مرّة أَتَى إِلَيْهَا وَهُوَ شيخ نحيف الْجِسْم ربع الْقَامَة حسن الْكَلَام جيد الْعبارَة وَكَانَت مسطرته أبلغ من لَفظه
وَكَانَ ﵀ رُبمَا تجَاوز فِي الْكَلَام لِكَثْرَة مَا يرى فِي نَفسه
وَكَانَ يستنقص الْفُضَلَاء الَّذين فِي زَمَانه وَكَثِيرًا من الْمُتَقَدِّمين
وَكَانَ وُقُوعه كثيرا جدا فِي عُلَمَاء الْعَجم ومصنفاتهم وخصوصا الشَّيْخ الرئيس ابْن سينا ونظرائه
ونقلت من خطه فِي سيرته الَّتِي ألفها مَا هَذَا مِثَاله قَالَ إِنِّي ولدت بدار لجدي فِي درب الفالوذج فِي سنة سبع وَخمسين وَخَمْسمِائة وتربيت فِي حجر الشَّيْخ أبي النجيب لَا أعرف اللّعب وَاللَّهْو وَأكْثر زماني مَصْرُوف فِي سَماع الحَدِيث وَأخذت لي إجازات من شُيُوخ بَغْدَاد وخرسان وَالشَّام ومصر
وَقَالَ لي وَالِدي يَوْمًا قد سَمِعتك جَمِيع عوالي بَغْدَاد وألحقتك فِي الرِّوَايَة بالشيوخ المسان
وَكنت فِي أثْنَاء ذَلِك أتعلم الْخط وأتحفظ الْقُرْآن والفصيح والمقامات وديوان المتنبي وَنَحْو ذَلِك ومختصرا
فِي الْفِقْه ومختصرا فِي النَّحْو
فَلَمَّا ترعرعت حَملَنِي وَالِدي إِلَى كَمَال الدّين عبد الرَّحْمَن الْأَنْبَارِي وَكَانَ يَوْمئِذٍ شيخ بَغْدَاد وَله بوالدي صُحْبَة قديمَة أَيَّام التفقه بالنظامية
فَقَرَأت عَلَيْهِ خطْبَة الفصيح فهذر كلَاما كثيرا مُتَتَابِعًا لم أفهم مِنْهُ شَيْئا لَكِن التلاميذ حوله يعْجبُونَ مِنْهُ
ثمَّ قَالَ أَنا أجفو عَن تَعْلِيم الصّبيان احمله إِلَى تلميذي الْوَجِيه الوَاسِطِيّ يقْرَأ عَلَيْهِ فَإِذا توسطت حَاله قَرَأَ عَليّ
وَكَانَ الْوَجِيه عِنْد بعض أَوْلَاد رَئِيس الرؤساء وَكَانَ رجلا أعمى من أهل الثروة والمروءة
فأخذني بكلتي يَدَيْهِ وَجعل يعلمني من أول النَّهَار إِلَى آخِره بِوُجُوه كَثِيرَة من التلطف فَكنت أحضر حلقته بِمَسْجِد الظفرية وَيجْعَل جَمِيع الشُّرُوح لي ويخاطبني بهَا
وَفِي آخر الْأَمر أَقرَأ درسي ويخصني بشرحه
ثمَّ نخرج من الْمَسْجِد فيذاكرني فِي الطَّرِيق فَإِذا بلغنَا منزله أخرج الْكتب الَّتِي يشْتَغل بهَا مَعَ نَفسه فأحفظ لَهُ وأحفظ مَعَه ثمَّ يذهب إِلَى الشَّيْخ كَمَال الدّين فَيقْرَأ درسه ويشرح لَهُ وَأَنا أسمع
وتخرجت إِلَى أَن صرت أسبقه فِي الْحِفْظ والفهم وأصرف أَكثر اللَّيْل فِي الْحِفْظ والتكرار وأقمنا على ذَلِك بُرْهَة كلما جَاءَ حفظي كثر وجاد وفهمي قوي واستنار وذهني احتد واستقام وَأَنا ألازم الشَّيْخ وَشَيخ الشَّيْخ
وَأول مَا ابتدأت حفظت اللمع فِي ثَمَانِيَة أشهر أسمع كل يَوْم شرح أَكْثَرهَا مِمَّا يَقْرَؤُهُ غَيْرِي وأنقلب إِلَى بَيْتِي فأطالع شرح الثَّمَانِينَ وَشرح الشريف عمر بن حَمْزَة وَشرح ابْن برهَان وكل مَا أجد من شروحها
وأشرحها لتلاميذ يختصون بِي إِلَى أَن صرت أَتكَلّم على كل بَاب كراريس وَلَا ينفذ مَا عِنْدِي
ثمَّ حفظت أدب الْكَاتِب لِابْنِ قُتَيْبَة حفظا متقنا
أما النّصْف الأول فَفِي شهور
وَأما تَقْوِيم اللِّسَان فَفِي أَرْبَعَة عشر يَوْمًا لِأَنَّهُ كَانَ أَرْبَعَة عشر كراسا
ثمَّ حفظت مُشكل الْقُرْآن لَهُ وغريب الْقُرْآن لَهُ وكل ذَلِك فِي مُدَّة يسيرَة
ثمَّ انْتَقَلت إِلَى الْإِيضَاح لأبي عَليّ الفاسي فحفظته فِي شهور كَثِيرَة ولازمت مطالعة شروحه وتتبعته التتبع التَّام حَتَّى تبحرت فِيهِ وجمعت مَا قَالَ الشُّرَّاح
وَأما التكملة فحفظتها فِي أَيَّام يسيرَة كل يَوْم كراسا وطالعت الْكتب المبسوطة والمختصرات وواظبت على المقتضب للمبرد وَكتاب ابْن درسْتوَيْه
وَفِي أثْنَاء ذَلِك لَا أغفل سَماع الحَدِيث والتفقه على شَيخنَا ابْن فضلان بدار الذَّهَب وَهِي مدرسة معلقَة بناها فَخر الدولة بن الْمطلب
قَالَ وللشيخ كَمَال الدّين مائَة تصنيف وَثَلَاثُونَ تصنيفا أَكْثَرهَا فِي النَّحْو وَبَعضهَا فِي الْفِقْه والأصولين وَفِي التصوف والزهد وأتيت على أَكثر تصانيفه سَمَاعا وَقِرَاءَة وحفظا
وَشرع فِي تصنيفين
كبيرين أَحدهمَا فِي اللُّغَة وَالْآخر فِي الْفِقْه وَلم يتَّفق لَهُ إِتْمَامهَا وحفظت عَلَيْهِ طَائِفَة من كتاب سِيبَوَيْهٍ وأكببت على المقتضب فأتقنته
وَبعد وَفَاة الشَّيْخ تجردت لكتاب سبيويه ولشرحه للسيرافي
ثمَّ قَرَأت على أبي عُبَيْدَة الْكَرْخِي كتبا كَثِيرَة مِنْهَا كتاب الْأُصُول لِابْنِ السراج وَالنُّسْخَة فِي وقف ابْن الخشاب برباط المأمونية
وقرأت عَلَيْهِ الْفَرَائِض وَالْعرُوض للخطيب التبريزي وَهُوَ من خَواص تلاميذ ابْن الشجري
وَأما ابْن الخشاب فَسمِعت بقرَاءَته مَعَاني الزّجاج على الكاتبة شهدة بنت الأبري وَسمعت مِنْهُ الحَدِيث المسلسل وَهُوَ الراحمون يرحمهم الرَّحْمَن ارحموا من فِي الأَرْض يَرْحَمكُمْ من فِي السَّمَاء
وَقَالَ أَيْضا موفق الدّين الْبَغْدَادِيّ إِن من مشايخه الَّذين انْتفع بهم كَمَا زعم ولد أَمِين الدولة بن التلميذ
وَبَالغ فِي وَصفه وَكثر وَهَذَا فلكثرة تعصبه للعراقيين وَإِلَّا فولد أَمِين الدولة لم يكن بِهَذِهِ المثابة وَلَا قَرِيبا مِنْهَا
وَقَالَ إِنَّه ورد إِلَى بَغْدَاد رجل مغربي جوال فِي زِيّ التصوف لَهُ أبهة ولسن مَقْبُول الصُّورَة عَلَيْهِ مسحة الدّين وهيئة السياحة ينفعل لصورته من رَآهُ قبل أَن يُخبرهُ وَيعرف بِابْن نائلي يزْعم أَنه من أَوْلَاد المتلثمة
خرج من الْمغرب لما استولى عَلَيْهَا عبد الْمُؤمن
فَلَمَّا اسْتَقر بِبَغْدَاد اجْتمع إِلَيْهِ جمَاعَة من الأكابر والأعيان وحضره الرضي الْقزْوِينِي وَشَيخ الشُّيُوخ ابْن سكينَة
وَكنت وَاحِدًا مِمَّن حَضَره فأقرأني مُقَدّمَة حِسَاب ومقدمة ابْن بابشاد فِي النَّحْو وَكَانَ لَهُ طَرِيق فِي التَّعْلِيم عَجِيب
وَمن يحضرهُ يظنّ أَنه متبحر وَإِنَّمَا كَانَ متطرفا وَلكنه أمعن فِي كتب الكيمياء والطلسمات وَمَا يجْرِي مجْراهَا وأتى على كتب جَابر بأسرها وعَلى كتب ابْن وحشية
وَكَانَ يجلب الْقُلُوب بصورته ومنطقه وإيهامه
فَمَلَأ قلبِي شوقا إِلَى الْعُلُوم كلهَا وَاجْتمعَ بِالْإِمَامِ النَّاصِر لدين الله وَأَعْجَبهُ
ثمَّ سَافر وَأَقْبَلت على الِاشْتِغَال وشمرت ذيل الْجد وَالِاجْتِهَاد وهجرت النّوم وَاللَّذَّات وأكببت على كتب الْغَزالِيّ الْمَقَاصِد والمعيار وَالْمِيزَان ومحك النّظر
ثمَّ انْتَقَلت إِلَى كتب ابْن سينا صغارها وكبارها وحفظت كتاب النجَاة وكتبت الشِّفَاء وبحثت فِيهِ وحصلت كتاب التَّحْصِيل لبهمنيار تلميذ ابْن سينا
وكتبت وحصلت كثيرا من كتب جَابر بن حَيَّان الصُّوفِي وَابْن وحشية وباشرت عمل الصَّنْعَة الْبَاطِلَة وتجارب الضلال الفارغة وَأقوى من أضلني ابْن سينا بكتابه فِي الصَّنْعَة الَّتِي تمم بِهِ فلسفته الَّتِي لَا تزداد بالتمام إِلَّا نقصا
قَالَ وَلما كَانَ فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة حَيْثُ لم يبْق بِبَغْدَاد من يَأْخُذ بقلبي ويملأ عَيْني وَيحل مَا يشكل عَلَيْهِ دخلت الْموصل فَلم أجد فِيهَا بغيتي لَكِن وجدت الْكَمَال بن يُونُس جيدا فِي الرياضيات وَالْفِقْه متطرفا من بَاقِي أَجزَاء الْحِكْمَة قد استغرق عقله وَوَقته حب الكيمياء وعملها حَتَّى صَار يستخف بِكُل مَا عَداهَا
وَاجْتمعَ إِلَيّ جمَاعَة كَثِيرَة وَعرضت عَليّ مناصب فاخترت مِنْهَا مدرسة ابْن مهَاجر الْمُعَلقَة وَدَار الحَدِيث الَّتِي تحتهَا
وأقمت بالموصل سنة فِي اشْتِغَال دَائِم متواصل لَيْلًا وَنَهَارًا
وَزعم أهل الْموصل أَنهم لم يرَوا من أحد قبلي مَا رَأَوْا مني من سَعَة الْمَحْفُوظ وَسُرْعَة وَسُكُون الطَّائِر وَسمعت النَّاس يهرجون فِي حَدِيث الشهَاب السهروردي المتفلسف ويعتقدون أَنه قد فاق الْأَوَّلين والآخرين وَأَن تصانيفه فَوق تصانيف القدماء فهممت لقصده ثمَّ أدركني التَّوْفِيق فطلبت من ابْن يُونُس شَيْئا من تصانيفه وَكَانَ أَيْضا مُعْتَقدًا فِيهَا فَوَقَعت على التلويحات واللمحة والمعارج فصادفت فِيهَا مَا يدل على جهل أهل الزَّمَان وَوجدت لي تعاليق كَثِيرَة لَا أرتضيها هِيَ خير من كَلَام هَذَا الأنوك
وَفِي أثْنَاء كَلَامه يثبت حروفا مقطعَة يُوهم بهَا أَمْثَاله أَنَّهَا أسرار إلهيه
قَالَ وَلما دخلت دمشق وجدت فِيهَا من أَعْيَان بَغْدَاد والبلاد مِمَّن جمعهم الْإِحْسَان الصلاحي جمعا كثيرا مِنْهُم جمال الدّين عبد اللَّطِيف ولد الشَّيْخ أبي النجيب وَجَمَاعَة بقيت من بَيت رَئِيس الرؤساء وَابْن طَلْحَة الْكَاتِب وَبَيت ابْن جهير وَابْن الْعَطَّار الْمَقْتُول الْوَزير وَابْن هُبَيْرَة الْوَزير وَاجْتمعت بالكندي الْبَغْدَادِيّ النَّحْوِيّ وَجرى بَيْننَا مباحثات وَكَانَ شَيخا بهيا ذكيا مثريا لَهُ جَانب من السُّلْطَان لكنه كَانَ معجبا بِنَفسِهِ مُؤْذِيًا لجليسه وَجَرت بَيْننَا مباحثات فأظهرني الله تَعَالَى عَلَيْهِ فِي مسَائِل كَثِيرَة
ثمَّ إِنِّي أهملت جَانِبه فَكَانَ يتَأَذَّى بإهمالي لَهُ أَكثر مِمَّا يتَأَذَّى النَّاس مِنْهُ
وعملت بِدِمَشْق تصانيف جمة مِنْهَا غَرِيب الحَدِيث الْكَبِير جمعت فِيهِ غَرِيب أبي عبيد الْقَاسِم بن سَلام وغريب ابْن قُتَيْبَة وغريب الْخطابِيّ وَكنت ابتدأت بِهِ فِي الْموصل وعملت لَهُ مُخْتَصرا سميته الْمُجَرّد وعملت كتاب الْوَاضِحَة فِي إِعْرَاب الْفَاتِحَة نَحْو عشْرين كراسا وَكتاب الْألف وَاللَّام وَكتاب رب وكتابا فِي الذَّات وَالصِّفَات الذاتية الْجَارِيَة على السّنة الْمُتَكَلِّمين
وقصدت بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة الرَّد على الْكِنْدِيّ وَوجدت بِدِمَشْق الشَّيْخ عبد الله بن نائلي نازلا بالماذنة الغربية وَقد عكف عَلَيْهِ جمَاعَة وتحزب النَّاس فِيهِ حزبين لَهُ وَعَلِيهِ فَكَانَ الْخَطِيب الدولعي عَلَيْهِ وَكَانَ من الْأَعْيَان لَهُ منزلَة وناموس
ثمَّ خلط ابْن نائلي على نَفسه فَأَعَانَ عدوه عَلَيْهِ وَصَارَ يتَكَلَّم فِي الكيمياء والفلسفة وَكثر التشنيع عَلَيْهِ
وَاجْتمعت بِهِ فَصَارَ يسألني عَن أَعمال اعْتقد أَنَّهَا خسيسة نزرة فيعظمها ويحتفل بهَا ويكتبها مني
وكاشفته فَلم أَجِدهُ كَمَا كَانَ فِي نَفسِي فسَاء بِهِ ظَنِّي وبطريقه ثمَّ باحثته فِي الْعُلُوم فَوجدت عِنْده مِنْهَا أطرافا نزرة فَقلت لَهُ يَوْمًا لَو صرفت زَمَانك الَّذِي ضيعته فِي طلب الصَّنْعَة إِلَى بعض الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة أَو الْعَقْلِيَّة كنت الْيَوْم فريد عصرك مخدوما طول عمرك
وَهَذَا هُوَ الكيمياء لَا مَا تطلبه
ثمَّ اعْتبرت بِحَالهِ وانزجرت بِسوء مَاله والسعيد من وعظ بِغَيْرِهِ
فأقلعت وَلَكِن لَا كل الإقلاع
ثمَّ إِنَّه توجه إِلَى صَلَاح الدّين بِظَاهِر عكا يشكو إِلَيْهِ الدولعي وَعَاد مَرِيضا وَحمل إِلَى البيمارستان فَمَاتَ بِهِ
وَأخذ كتبه الْمُعْتَمد شحنة دمشق وَكَانَ متيما بالصنعة
ثمَّ إِنِّي تَوَجَّهت إِلَى زِيَارَة الْقُدس ثمَّ إِلَى صَلَاح الدّين بِظَاهِر عكة فاجتمعت ببهاء الدّين بن شَدَّاد قَاضِي الْعَسْكَر يَوْمئِذٍ وَكَانَ قد اتَّصل بِهِ شهرتي بالموصل فانبسط إِلَيّ وَأَقْبل عَليّ
وَقَالَ نَجْتَمِع بعماد الدّين الْكَاتِب فقمنا إِلَيْهِ وخيمته إِلَى خيمة بهاء الدّين فَوَجَدته يكْتب كتابا إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز بقلم الثُّلُث من غير مسودة
وَقَالَ هَذَا كتاب إِلَى بلدكم وذاكرني فِي مسَائِل من علم الْكَلَام وَقَالَ قومُوا بِنَا إِلَى القَاضِي الْفَاضِل فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَرَأَيْت شَيخا ضئيلا كُله رَأس وقلب وَهُوَ يكْتب ويملي على اثْنَيْنِ وَوَجهه وشفتاه تلعب ألوان الحركات لقُوَّة حرصه فِي إِخْرَاج الْكَلَام وَكَأَنَّهُ يكْتب بجملة أَعْضَائِهِ
وسألني القَاضِي الْفَاضِل عَن قَوْله ﷾ ﴿حَتَّى إِذا جاؤوها وَفتحت أَبْوَابهَا وَقَالَ لَهُم خزنتها﴾ أَيْن جَوَاب إِذا
وَأَيْنَ جَوَاب لَو فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو أَن قُرْآنًا سيرت بِهِ الْجبَال﴾ وَعَن مسَائِل كَثِيرَة وَمَعَ هَذَا فَلَا يقطع الْكِتَابَة والإملاء
وَقَالَ لي ترجع إِلَى دمشق وتجري عَلَيْك الجرايات فَقلت أُرِيد مصر فَقَالَ السُّلْطَان مَشْغُول الْقلب بِأخذ الفرنج عكا وَقتل الْمُسلمين بهَا فَقلت لَا بُد لي من مصر فَكتب لي ورقة صَغِيرَة إِلَى وَكيله بهَا
فَلَمَّا دخلت الْقَاهِرَة جَاءَنِي وَكيله وَهُوَ ابْن سناء الْملك وَكَانَ شَيخا جليل الْقدر نَافِذ الْأَمر فأنزلني دَارا قد أزيحت عللها وَجَاءَنِي بِدَنَانِير وغلة
ثمَّ مضى إِلَى أَرْبَاب الدولة وَقَالَ هَذَا ضيف القَاضِي الْفَاضِل فَدرت الْهَدَايَا والصلات من كل جَانب
وَكَانَ كل عشرَة أَيَّام أَو نَحْوهَا تصل تذكرة القَاضِي الْفَاضِل إِلَى ديوَان مصر بمهمات الدولة وفيهَا فصل يُؤَكد الْوَصِيَّة فِي حَقي
وأقمت بِمَسْجِد الْحَاجِب لُؤْلُؤ ﵀ أَقْْرِئ وَكَانَ قصدي فِي مصر ثَلَاثَة أنفس ياسين السيميائي والرئيس مُوسَى بن مَيْمُون الْيَهُودِيّ وَأَبُو الْقَاسِم الشارعي وَكلهمْ جاؤوني
أما ياسين فَوَجَدته محاليا كذابا مشعبذا يشْهد للشاقاني بالكيمياء وَيشْهد لَهُ الشاقاني بالكيمياء وَيَقُول عَنهُ أَنه يعْمل أعمالا يعجز مُوسَى ابْن عمرَان عَنْهَا
وَأَنه يحضر الذَّهَب الْمَضْرُوب مَتى شَاءَ وَبِأَيِّ مِقْدَار شَاءَ وَبِأَيِّ سكَّة شَاءَ
وَأَنه يَجْعَل مَاء النّيل خيمة وَيجْلس فِيهِ وَأَصْحَابه تحتهَا
وَكَانَ ضَعِيف الْحَال
وَجَاءَنِي مُوسَى فَوَجَدته فَاضلا فِي الْغَايَة قد غلب عَلَيْهِ حب الرياسة وخدمة أَرْبَاب الدُّنْيَا وَعمل كتابا فِي الطِّبّ جمعه من السِّتَّة عشر لِجَالِينُوسَ وَمن خَمْسَة كتب أُخْرَى وَشرط أَن لَا يُغير فِيهِ حرفا إِلَّا أَن يكون وَاو عطف أَو فَاء وصل وَإِنَّمَا ينْقل فصولا لَا يختارها
وَعمل كتابا للْيَهُود سَمَّاهُ الدّلَالَة وَلعن من يَكْتُبهُ بِغَيْر الْقَلَم العبراني
ووقفت عَلَيْهِ فَوَجَدته كتاب سوء يفْسد أصُول الشَّرَائِع والعقائد بِمَا يظنّ أَنه يصلحها
وَكنت ذَات يَوْم بِالْمَسْجِدِ وَعِنْدِي جمع كثير فَدخل شيخ رث الثِّيَاب نير الطلعة مَقْبُول الصُّورَة فهابه الْجمع ورفعوه فَوْقهم وَأخذت فِي إتْمَام كَلَامي فَلَمَّا تصرم الْمجْلس جَاءَنِي أَمَام الْمَسْجِد وَقَالَ أتعرف هَذَا الشَّيْخ هَذَا أَبُو الْقَاسِم الشارعي فاعتنقته وَقلت إياك أطلب فَأَخَذته إِلَى منزلي وأكلنا الطَّعَام وتفاوضنا الحَدِيث فَوَجَدته كَمَا تشْتَهي الْأَنْفس وتلذ الْأَعْين سيرته سيرة الْحُكَمَاء الْعُقَلَاء وَكَذَا صورته
وَقد رَضِي من الدُّنْيَا ببرض لَا يتَعَلَّق مِنْهَا بِشَيْء يشْغلهُ عَن طلب الْفَضِيلَة
ثمَّ لازمني فَوَجَدته قيمًا بكتب القدماء وَكتب أبي نَاصِر الفرابي وَلم يكن لي اعْتِقَاد فِي أحد من هَؤُلَاءِ لِأَنِّي كنت أَظن أَن الْحِكْمَة كلهَا حازها ابْن سينا وحشاها كتبه وَإِذا تفاوضنا الحَدِيث أغلبه بِقُوَّة الجدل وَفضل اللسن ويغلبني بِقُوَّة الْحجَّة وَظُهُور المحجة
وَأَنا لَا تلين قناتي لغمزه وَلَا أحيد عَن جادة الْهوى والتعصب برمزه فَصَارَ يحضرني شَيْئا بعد شَيْء من كتب أبي نصر والاسكندر ثامسطيوس يؤنس نفاري ويلين عَرِيكَة شماسي حَتَّى عطفت عَلَيْهِ أقدم رجل وأؤخر أُخْرَى
وشاع أَن صَلَاح الدّين هادن الفرنج وَعَاد إِلَى الْقُدس فقادتني الضَّرُورَة إِلَى التَّوَجُّه إِلَيْهِ فَأخذت من كتب القدماء مَا أمكنني وتوجهت إِلَى الْقُدس فَرَأَيْت ملكا عَظِيما يمْلَأ الْعين روعة والقلوب محبَّة
قَرِيبا بَعيدا سهلا محببا وَأَصْحَابه يتشبهون بِهِ يتسابقون إِلَى الْمَعْرُوف كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ من غل﴾
وَأول ليل حَضرته وجدت مَجْلِسا حفلا بِأَهْل الْعلم يتذاكرون فِي أَصْنَاف الْعُلُوم وَهُوَ يحسن الِاسْتِمَاع والمشاركة وَيَأْخُذ فِي كَيْفيَّة بِنَاء الأسوار وحفر الْخَنَادِق ويتفقه فِي ذَلِك وَيَأْتِي بِكُل معنى بديع
وَكَانَ مهتما فِي بِنَاء سور الْقُدس وحفر خندقه يتَوَلَّى ذَلِك بِنَفسِهِ وينقل الْحِجَارَة على عَاتِقه ويتأسى بِهِ جَمِيع النَّاس الْفُقَرَاء والأغنياء والأقوياء والضعفاء حَتَّى الْعِمَاد الْكَاتِب وَالْقَاضِي الْفَاضِل ويركب لذَلِك قبل طُلُوع الشَّمْس إِلَى وَقت الظّهْر وَيَأْتِي دَاره ويمد الطَّعَام ثمَّ يستريح
ويركب الْعَصْر وَيرجع فِي الْمسَاء وَيصرف أَكثر اللَّيْل فِي تَدْبِير مَا يعْمل نَهَارا
فَكتب لي صَلَاح الدّين بِثَلَاثِينَ دِينَارا فِي كل شهر على ديوَان الْجَامِع وَأطلق أَوْلَاده رواتب حَتَّى تقرر لي فِي كل شهر مائَة دِينَار
وَرجعت إِلَى دمشق وأكببت على الِاشْتِغَال وإقراء النَّاس بالجامع
وَكلما أمعنت فِي كتب القدماء ازددت فِيهَا رَغْبَة وَفِي كتب ابْن سينا زهادة وأطلعت على بطلَان الكيمياء وَعرفت حَقِيقَة الْحَال فِي وَضعهَا وَمن وَضعهَا وَتكذب بهَا وَمَا كَانَ قَصده فِي ذَلِك
وخلصت من ضلالين عظيمين موبقين
وتضاعف شكري لله سُبْحَانَهُ على ذَلِك فَإِن أَكثر النَّاس إِنَّمَا هَلَكُوا بكتب ابْن سينا وبالكيمياء
ثمَّ إِن صَلَاح الدّين دخل دمشق وَخرج يودع الْحَاج ثمَّ رَجَعَ فَحم ففصده من لَا خبْرَة عِنْده فخارت الْقُوَّة وَمَات قبل الرَّابِع عشر وَوجد النَّاس عَلَيْهِ شَبِيها بِمَا يجدونه على الْأَنْبِيَاء
وَمَا رَأَيْت ملكا حزن النَّاس بِمَوْتِهِ سواهُ لِأَنَّهُ كَانَ محبوبا يُحِبهُ الْبر والفاجر وَالْمُسلم وَالْكَافِر
ثمَّ تفرق أَوْلَاده
وَأَصْحَابه أيادي سبأ ومزقوا فِي الْبِلَاد كل ممزق وَأَكْثَرهم توجه إِلَى مصر لخصبها وسعة صدر ملكهَا وأقمت بِدِمَشْق وملكها الْملك الْأَفْضَل وَهُوَ أكبر الْأَوْلَاد فِي السن إِلَى أَن جَاءَ الْملك الْعَزِيز بعساكر مصر يحاصر أَخَاهُ بِدِمَشْق فَلم ينل مِنْهُ بغية
ثمَّ تاخر إِلَى مرج الصفر لقولنج عرض لَهُ فَخرجت إِلَيْهِ بعد خلاصه مِنْهُ فَأذن لي فِي الرحيل مَعَه وأجرى عَليّ من بَيت المَال كفايتي وَزِيَادَة
وأقمت مَعَ الشَّيْخ أبي الْقَاسِم يلازمني صباح مسَاء إِلَى أَن قضى نحبه
وَلما اشْتَدَّ مَرضه وَكَانَ ذَات الْجنب عَن نزلة من رَأسه وأشرت عَلَيْهِ بدواء فَأَنْشد
لَا أذود الطير عَن شجرقد بلوت المر من ثمره) المديد
ثمَّ سَأَلته عَن ألمه فَقَالَ
(مَا لجرح بميت إيلام ...) الْخَفِيف
وَكَانَ سيرتي فِي هَذِه الْمدَّة أنني أَقْْرِئ النَّاس بالجامع الْأَزْهَر من أول النَّهَار إِلَى نَحْو السَّاعَة الرَّابِعَة
وسط النَّهَار يَأْتِي من يقْرَأ الطِّبّ وَغَيرهم وَآخر النَّهَار أرجع إِلَى الْجَامِع الْأَزْهَر فَيقْرَأ قوم آخَرُونَ
وَفِي اللَّيْل اشْتغل مَعَ نَفسِي
وَلم أزل على ذَلِك إِلَى أَن توفّي الْملك الْعَزِيز وَكَانَ شَابًّا كَرِيمًا شجاعا كثير الْحيَاء لَا يحسن قَول لَا
وَكَانَ مَعَ حَدَاثَة سنه وشرخ شبابه كَامِل الْعِفَّة عَن الْأَمْوَال والفروج
أَقُول ثمَّ إِن الشَّيْخ موفق الدّين أَقَامَ بِالْقَاهِرَةِ بعد ذَلِك مُدَّة وَله الرتب والجرايات من أَوْلَاد الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين وأتى إِلَى مصر ذَلِك الغلاء الْعَظِيم والموتان الَّذِي لم يُشَاهد مثله
وَألف الشَّيْخ موفق الدّين فِي ذَلِك كتابا ذكر فِيهِ أَشْيَاء شَاهدهَا أَو سَمعهَا مِمَّن عاينها تذهل الْعقل وسمى ذَلِك الْكتاب كتاب الإفادة وَالِاعْتِبَار فِي الْأُمُور الْمُشَاهدَة والحوادث المعاينة بِأَرْض مصر
ثمَّ لما ملك السُّلْطَان الْملك الْعَادِل سيف الدّين أَبُو بكر بن أَيُّوب الديار المصرية وَأكْثر الشَّام والشرق وَتَفَرَّقَتْ أَوْلَاد أَخِيه الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين وانتزع ملكهم توجه الشَّيْخ موفق الدّين إِلَى الْقُدس وَأقَام بهَا مُدَّة
وَكَانَ يتَرَدَّد إِلَى الْجَامِع الْأَقْصَى ويشتغل النَّاس عَلَيْهِ بِكَثِير من الْعُلُوم وصنف هُنَالك كتبا كَثِيرَة
ثمَّ أَنه توجه إِلَى دمشق وَنزل بِالْمَدْرَسَةِ العزيزية بهَا وَذَلِكَ فِي سنة أَربع وسِتمِائَة وَشرع فِي التدريس والاشتغال وَكَانَ يَأْتِيهِ خلق كثير يشتغلون عَلَيْهِ ويقرأون أصنافا من الْعُلُوم
وتميز فِي صناعَة الطِّبّ بِدِمَشْق صنف فِي هَذَا الْفَنّ كتبا كَثِيرَة وَعرف بِهِ
وَأما قبل ذَلِك فَإِنَّمَا كَانَت شهرته بِعلم النَّحْو وَأقَام بِدِمَشْق مُدَّة وانتفع النَّاس بِهِ
ثمَّ أَنه سَافر إِلَى حلب وَقصد بِلَاد الرّوم
وَأقَام بهَا سِنِين كَثِيرَة وَكَانَ فِي خدمَة الْملك عَلَاء الدّين دَاوُد بن بهران صَاحب أرزنجان
وَكَانَ مكينا عِنْده عَظِيم الْمنزلَة وَله من الجامكية الوافرة والافتقادات الْكَثِيرَة وصنف باسمه عدَّة كتب
وَكَانَ هَذَا الْملك عالي الهمة كثير الْحيَاء كريم النَّفس
وَقد اشْتغل بِشَيْء من الْعُلُوم وَلم يزل فِي خدمته إِلَى أَن استولى على ملكه صَاحب أرزن الرّوم وَهُوَ السُّلْطَان كيقباد بن كيخسرو ابْن قلج أرسلان ثمَّ قبض على صَاحب أرزنجان وَلم يظْهر لَهُ خبر
قَالَ الشَّيْخ موفق الدّين عبد اللَّطِيف وَلما كَانَ فِي سَابِع عشر ذِي الْقعدَة من سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة تَوَجَّهت إِلَى أرزن الرّوم وَفِي حادي صفر من سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة رجعت إِلَى أرزنجان من أرزن الرّوم وَفِي نصف ربيع الأول تَوَجَّهت إِلَى كماخ وَفِي جُمَادَى الأولى تَوَجَّهت مِنْهَا إِلَى دبركي وَفِي رَجَب تَوَجَّهت مِنْهَا إِلَى ملطية وَفِي آخر رَمَضَان تَوَجَّهت إِلَى حلب وصلينا صَلَاة عيد الْفطر بالبهنساء ودخلنا حلب يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع شَوَّال فَوَجَدْنَاهَا قد تضاعفت عمارتها وَخَيرهَا بِحسن سيرة أتابك شهَاب الدّين وَاجْتمعَ النَّاس على محبته لمعدلته فِي رَعيته
أَقُول وَأقَام الشَّيْخ موفق الدّين بحلب وَالنَّاس يشتغلون عَلَيْهِ وَكَثُرت تصانيفه
وَكَانَ لَهُ من شهَاب الدّين طغريل الْخَادِم أتابك حلب جَار حسن وَهُوَ متنحل لتدريس صناعَة الطِّبّ وَغَيرهَا ويتردد إِلَى الْجَامِع بحلب ليسمع الحَدِيث ويقرئ الْعَرَبيَّة
وَكَانَ دَائِم الِاشْتِغَال ملازما للكتابة والتصانيف
وَلما أَقَامَ بحلب قصدت إِنِّي أتوجه إِلَيْهِ وَاجْتمعَ بِهِ فَلم يتَّفق ذَلِك وَكَانَت كتبه أبدا تصل إِلَيْنَا ومراسلاته وَبعث إِلَيّ أَشْيَاء من تصانيفه من خطه وَهَذِه نُسْخَة كتاب كتبته إِلَيْهِ لما كَانَ بحلب الْمَمْلُوك يواصل بدعائه وثنائه وشكره وانتمائه إِلَى عبودية الْمجْلس السَّامِي المولوي السيدي السندي الْأَجَل الكبيري العالمي الفاضلي موفق الدّين سيد الْعلمَاء فِي الغابرين والحاضرين جَامع الْعُلُوم المتفرقة فِي الْعَالمين ولي أَمِير الْمُؤمنِينَ
أوضح الله بِهِ سبل الْهِدَايَة وأنار بِبَقَائِهِ طرق الدِّرَايَة وحقق بحقائق أَلْفَاظه صَحِيح الْولَايَة
وَلَا زَالَت سعادته دائمة الْبَقَاء وسيادته سامية الارتقاء وتصانيفه فِي الْآفَاق قدوة الْعلمَاء وعمدة سَائِر الأدباء والحكماء
النص من طبعة دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع