من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت ٦٦٨هـ)
عماد الدّين الدنيسري
هُوَ الْحَكِيم الْعَالم الأديب الأريب عماد الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن القَاضِي الْخَطِيب تَقِيّ الدّين عَبَّاس ابْن أَحْمد بن عبيد الربعِي ذُو النَّفس الفاضلة والمروءة الْكَامِلَة والأريحية التَّامَّة والعوارف الْعَامَّة والذكاء الوافر وَالْعلم الباهر
مولده بِمَدِينَة دنيسر فِي سنة خمس وسِتمِائَة
وَنَشَأ بهَا واشتغل بصناعة الطِّبّ اشتغالا برع بِهِ فِيهَا وَحصل جمل مَعَانِيهَا وَحفظ الصِّحَّة حَاصِلَة واستردها زائلة
وَأول اجتماعي بِهِ كَانَ بِدِمَشْق فِي شهر ذِي الْقعدَة سنة سبع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة فَوجدت لَهُ نفسا حاتمية وشنشنة أخزمية وخلقا ألطف من النسيم ولفظا أحلى من مزاج التسنيم
واسمعني من نظمه الشّعْر البديع مَعْنَاهُ الْبعيد مرماه الَّذِي قد جمع أَجنَاس التَّجْنِيس وطبقات التطبيق النفيس والألفاظ الفصيحة والمعاني الصَّحِيحَة
فَهُوَ فِي علم الطِّبّ قد تميز على الْأَوَائِل والأواخر وَفِي الْأَدَب قد عجز كل ناظم وناثر
هَذَا مَعَ مَا أَنه فِي علم الْفِقْه على مَذْهَب الإِمَام الشَّافِعِي سيد زَمَانه وأوحد أَوَانه
وسافر من دنيسر إِلَى الديار المصرية ثمَّ رَجَعَ إِلَى الشَّام وَأقَام بِدِمَشْق وخدم الآدر الناصرية اليوسفية بقلعة دمشق
ثمَّ خدم فِي البيمارستان الْكَبِير النوري بِدِمَشْق
وَمن شعره وَهُوَ مِمَّا أَنْشدني لنَفسِهِ فَمن ذَلِك قَالَ
بِاللَّه يَا قَارِئًا شعري وسامعهأسبل عَلَيْهِ رِدَاء الحكم وَالْكَرم
واستر بِفَضْلِك مَا تَلقاهُ من زلليفَإِن علمي قد أثرى من الْعَدَم) الْبَسِيط
وَقَالَ أَيْضا
نعم فَلْيقل من شَاءَ عني فإننيكلفت بِذَاكَ الْخَال والمقلة الكحلا
وعذبني بالصد مِنْهُ وَكلماتجنى فَمَا أشهاه عِنْدِي وَمَا أحلى
وَحرمت نومي بعد مَا صد معرضًاكَمَا حلل الهجران أَن حرم الوصلا
غزال غزا قلبِي بعامل قدهوَمكن من أجفانه فِي الحشا نبْلًا
فَلَا تعذلوني فِي هَوَاهُ فإننيحَلَفت بِذَاكَ الْوَجْه لَا أسمع العذلا) الطَّوِيل
وَقَالَ أَيْضا
عذارك المخضر يَا منيتيلما بدا فِي الخد ثمَّ اسْتَدَارَ
أَقَامَ عُذْري عِنْد أهل الْهوىوَصَحَّ مَا قيل عَن الْأَعْذَار
وَكَانَ فِي ذَلِك لنا آيَةإِذْ جمع اللَّيْل مَعًا وَالنَّهَار) السَّرِيع
وَقَالَ أَيْضا
غزال لَهُ بَين الجوانح والحشامقيل وَفِي قلبِي مَكَان وَإِمْكَان
فَلَا تطمع العذال مني بسلوةوَإِن رمت سلوانا فَإِنِّي خوان
فَفِي كَبِدِي من فرط وجدي ولوعتيوَفِي الجفن نيران عَليّ وطوفان) الطَّوِيل
وَقَالَ أَيْضا
عشقت بَدْرًا مليحاعَلَيْهِ بالْحسنِ هاله
مثل الغزال وَلَكِنتغار مِنْهُ الغزاله
بعثت من نَار وجديمني إِلَيْهِ رساله
وَقلت أَنْت حَبِيبِيومالكي لَا محاله
ولي عَلَيْك شُهُودمَعْرُوفَة بالعداله
جسمي يذوب وجفنيدُمُوعه هطاله) الْبَسِيط
وَقَالَ من أَبْيَات
أسكنتك الْقلب المليء من الوفاوَجعلت فِي سودائه مغناكا
وَقطعت عَن كل الْأَنَام مطامعيوهجرتهم لما عرفت هواكا) الْكَامِل
وَقَالَ أَيْضا
نعم عِنْد قلبِي من لواحظه شغلفكفوا فَلَا عتب يُفِيد وَلَا عذل
وَمهما سَمِعْتُمْ من قديم صبَابَةفَذَاك حَدِيث صَحَّ عِنْدِي بِهِ النَّقْل
أجيراننا بِاللَّه مهلا فإننيأَسِير لما جَاءَت بِهِ الحدق النجل
عَزِيز على خديه نبت عذارهشغلت بِهِ عَن كل مَا كَانَ لي شغل
وَمن شا يلمني فِي هَوَاهُ فإننيحَلَفت بِهِ عَن حبه قطّ لَا أسلو) الطَّوِيل
وَقَالَ أَيْضا
يَا سادة رحلوا عني وَوَافَقَهُمْصبري وَمَا بعثوا لي عَنْهُم خَبرا
لَا تسألوا مَا جرى لي يَوْم بَيْنكُمبل اسألوا عَن مصون كَيفَ جرى
وارحمتا لكئيب قل ناصرهيقْضِي غراما وَمَا قضى بكم وطرا
قد بَات مِمَّا بِهِ من طول هجركمطول اللَّيَالِي بكم يستعذب السهرا
وَالْوَرق فَوق غصون البان تسعدهبنوحها ونسيم الرَّوْض حِين سرى
فَهَل تجودون يَوْمًا بالوصال لَهُوَإِن تمنعتموا جودوا بطيف كرى
فذكركم فِي صميم الْقلب مَسْكَنهوغيركم فِي صميم الْقلب مَا خطرا
وكل من لامه فِيكُم يَقُول لَهُوَقد رأى حسنكم قُم كرر النظرا) الْبَسِيط
وَقَالَ أَيْضا من أَبْيَات
حَلَفت لَهُ لَا حلت عَن ولهي بِهِوقلبي على مَا قد حَلَفت لَهُ حلف
إِذا بَاعَنِي مِنْهُ الْوِصَال بمهجتيشريت وَهَا قلبِي أقدمه سلف) الطَّوِيل
قَالَ أَيْضا
كفوا من اللوم فِي محبتهقد سئمت من ملامكم نَفسِي
بيني وَبَين المسلو مرحلةلَكِنَّهَا من مراحل الشمش) المنسرح
قَالَ أَيْضا
أما الحَدِيث فعنهم مَا أجملهوَالْمَوْت من جور الْهوى مَا أعدله
قل للعذول أطلت لست بسامعبَين السلو وَبَين قلبِي مرحله
لَا أَنْتَهِي من حب من أحببتهمَا دَامَ قلبِي والهوى فِي منزله
ظَبْي تنبأ بالجمال على الورىيَا لَيْت شعري صُدْغه من أرْسلهُ
قد حل فِي قلبِي وكل جوانحيفدمي لَهُ فِي حبه من حلله
وحياة ناظره وعامل قدهروحي بِعَارِض خَدّه متململه
هَب إِنَّنِي متجنن فِي حبهفعذاره فِي خَدّه من سلسله) الْكَامِل
وَقَالَ أَيْضا
قف على بَان الْحمى والأبرقفَعَسَى تذْهب مني حرقي
فجفوني بعدهمْ قد أَقْسَمتأَنَّهَا لَا تلتقي أَو نَلْتَقِي
ودموعي كلما كفكفتهابهم قد أَقْسَمت لَا ترتقي
يَا عريب الْحَيّ رقوا وارحموابحب بجفاكم قد شقي
قد فني كلي فِي حبكموَبَقِي لي بعد كلي رمقي
وَالَّذِي أبقى هواكم والجفاليته لما هجرتم لَا بَقِي) الرمل
وَقَالَ أَيْضا من أَبْيَات
سَأَلتك أَن تجير لمستهاموَمَا نفع السُّؤَال فَلم تجور
وَحرمت الْوِصَال على كئيبإِلَيْك من الصبابة يستجير
فَيوم الهجر أقصره طَوِيلوليل الْوَصْل أطوله قصير) الوافر
وَقَالَ أَيْضا
إِذا رفع الْعود تكبيرهونادى على الراح دَاعِي الْفَرح
رَأَيْت سجودي لَهَا دَائِماوَلَكِن عقيب رُكُوع الْقدح) المتقارب
وَقَالَ فِي مليح يلقب بالجمال
قَالُوا عشقت من الْأَنَام جَمِيعهمرشأ فَأَنت بحسنه مقتول
فأجبتهم لَا تعجبوا مِمَّا جرىسيف الْجمال بجفنه مسلول) الْكَامِل
وَقَالَ أَيْضا فِي مليح تعرض للوصل بعد ذهَاب ملاحته
لما سَأَلتك إشفاقا على كَبِدِينَادَى بك التيه لَا تعطف على أحد
ورحت تمرح فِي ثوب الْجمال وَقدتَرَكتنِي وَأخذت الرّوح من جَسَدِي
حَتَّى إِذا الدَّهْر أدنى مِنْك حَادِثَةوَأَنت تعجز عَن إبعاده بيد
بعثت تطلب وَصلي كي أَعُود وَقدأخنى عَلَيْك الَّذِي أخنى على لبد
وَقَالَ
كلفت بالمعسول من رِيقهوهمت بالعسال من قده
بدر إِذا أبصرته مُقبلاأَبْصرت بدار التم فِي سعده
يجرح قلبِي لحظه مثل مَايجرحه لحظي فِي خَدّه) السَّرِيع
وَمِنْهَا
قلت لعذالي على حبهوَالْقلب مَوْقُوف على صده
من يَده فِي الما إِلَى زندهيعرف حر المَاء من برده) السَّرِيع
وَقَالَ أَيْضا
إِن فاض مَاء جفوني قلت من فكريعَلَيْهِ أَو غاض دمعي قلت من نَارِي
وَكلما رمت أَن أسلو هَوَاهُأرى النَّار فِي حبه أولى من الْعَار) الْبَسِيط
وَقَالَ أَيْضا
وَلَقَد سَأَلت وصاله فَأَجَابَنِيعَنهُ الْجمال إِشَارَة عَن قَائِل
فِي نون حَاجِبه وَعين جفونهمَعَ مِيم مبسمه جَوَاب السَّائِل) الْكَامِل
وَقَالَ أَيْضا
فِي صَاد مقلته إِذا حققتهامَعَ نون حَاجِبه وَمِيم المبسم
عذر لمن قد ضل فِيهِ مولهافعلام يعذل فِيهِ من لم يفهم) الْكَامِل
وَقَالَ لغزا فِي عُثْمَان
سَأَلت جَمِيع النَّاس ظنا بأننيأرى فيهم من يعرف الْحق والصدقا
عَن اسْم مُسَمَّاهُ تناهى جمالهوَمن هجره قلبِي وإعراضه يشقى
وأحرفه لَا شكّ خَمْسَة أحرفوكل صَحِيح الذِّهْن يعرفهُ حَقًا
إِذا زَالَ عَنهُ الْخمس وَالْخمس وَاحِدتبقى ثَمَان وَهِي أعجب مَا يبْقى) الطَّوِيل
وَقَالَ من قصيدة مدح بهَا الْملك السعيد غَازِي ابْن الْملك الْمَنْصُور صَاحب ماردين
مؤيد الرَّأْي مِقْدَام كتائبهملْء البسيطة من سهل وَمن جبل
ويركب الْجد يَوْم الْحَرْب معتقلابعد الصوافن بالعسالة الذبل
فيشكل الْأسد يَوْم الروع صارمهوالشكل بالبيض بعد النقط بالأسل) الْبَسِيط
وَقَالَ مخمسا هَذِه الأبيات
وَحقّ هَوَاك وجدي لَا يحولوجسمي قد أضرّ بِهِ النحول
وقلبي والفؤاد غَدا يَقُولأرى الْأَيَّام صبغتها تحول
(وَمَا لهواك من قلبِي نصول ...)
عذولي رَاح فِي قيل وَقَالَوَمَا أَنا عَن محبتكم بسالي
وَكَيف يمر هجركم بباليوَحب لَا تغيره اللَّيَالِي
(محَال أَن يُغَيِّرهُ العذول ...)
فَلَمَّا كَانَ بالهجران فتكيوطرفي والفؤاد لذاك يبكي
وَقد جد الرحيل بِغَيْر شكّأَتَت ودموعها فِي الخد تحكي
(قلائدها وَقد جعلت تَقول ...)
فَقلت لَهَا رويدك بالرعايافَفِي قلبِي لبعدكم بلايا
فَقَالَت والمنى مِنْهَا مناياغَدَاة غَد تزم بِنَا المطايا
(فَهَل لَك من وداع يَا خَلِيل ...)
معذبتي تَقول بِلَا بِلَالإِذا أزف الرحيل وَحَال حَالي
وَأصْبح ربعنا بالبين خَالِيفَقلت لَهَا وعيشك لَا أُبَالِي
(أَقَامَ الْحَيّ أم جد الرحيل ...)
غَدا بالهجر مِنْك يذوب قلبِيوَلَا يجد الشِّفَاء بِغَيْر قرب
ولي أمل يَزُول بِذَاكَ كربيإِذا كَانَت بَنَات الْكَرم شربي
(ونقلي وَجهك الْحسن الْجَمِيل ...)
مَتى عوضت عَن سهر اللَّيَالِيبِقرب مِنْك مَعَ حسن الْوِصَال
وعاينت الْجمال على الْكَمَالأمنت بِذَاكَ حَادِثَة اللَّيَالِي
(وَهَان عَليّ مَا قَالَ العذول ...) الوافر
وَقَالَ فِي مليح صَنعته رفاء
قطعت قلبِي بمر الهجر يَا أمليعَسى بحلو حَدِيث مِنْك ترفيه
فقد عصيت عذولا بَات يعذلنيوَفِي مخالفتي للعذل ترفيهي
وَقَالَ فِي مليح اسْمه عِيسَى
يَا من هوى الِاسْم الْمَسِيح وَقد حوىكأس الردى فِي الجفن والأحداق
خَالَفت عِيسَى فِي الفعال وَقد غَدايحيي وَأَنت تميت بالأشواق) الْكَامِل
وَقَالَ دوبيت
يَا من نقض الْعَهْد مَعَ الْمِيثَاقهَا حسنك زائل ووجدي بَاقِي
إِن كنت عذرت فالوفا عَلمنِيأَن اسلك فِي الْهوى مَعَ العشاق
وَقَالَ أَيْضا
مولَايَ إِلَى مَتى على الصب تجوريَا غادر كم كَذَا صدود ونفور
يحظى بك غَيْرِي والهوى فِي كَبِدِيلَا صَبر لمن يحب إِن كَانَ غيور
وَقَالَ أَيْضا
فِي الْقلب من الغرام نَار تقدوَالله وَإِن هجرت زَالَ الْجلد
يَا من سلب الرقاد عَن عاشقهصلني فسواك مَا بقى لي أحد
وَقَالَ أَيْضا
الْأَمر بِأَن أَمُوت فِي الْحبّ إِلَيْكإِن رمت تلافي هَا أَنا بَين يَديك
وَالله وقلبي قَالَ لَو أمكنهسعيا لسعى مني على الرَّأْس إِلَيْك
وَقَالَ أَيْضا
مولَايَ وَحقّ من قضى لي بهواكمَا أسعد يَوْمًا فِيهِ وَالله أَرَاك
إِن كَانَ تلاف مهجتي فِيهِ رضاكأتلف كَبِدِي فَالْكل وَالله فدَاك
ولعماد الدّين الدنيسري من الْكتب الْمقَالة المرشدة فِي درج الْأَدْوِيَة المفردة
كتاب نظم الترياق الْفَارُوق
كتاب فِي المثروديطوس
كتاب فِي تقدمة الْمعرفَة لأبقراط
أرجوزة
كتاب ديوَان شعر
النص من طبعة دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع