من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
أحمد بن محمد بن طلحة
من أهل جزيرة شقر، يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن جدّه طلحة.
حاله: قال صاحب «القدح المعلّى»: من بيت مشهور بجزيرة شقر من عمل بلنسية، كتب عن ولاة الأمر من بني عبد المؤمن، ثم استكتبه ابن هود، حين تغلّب على الأندلس، وربما استوزره، وهو ممّن كان والدي يكثر مجالسته، وبينهما مزاورة، ولم أستفد منه إلّا ما كنت أحفظه من مجالسته.
شعره: قال: سمعته يوما يقول، تقيمون القيامة بحبيب، والبحتري، والمتنبي، وفي عصركم من يهتدي إلى ما لم يهتد إليه المتقدّمون ولا المتأخّرون،
فانبرى إليه شخص له همّة وإقدام، فقال: يا أبا جعفر، أين برهان ذلك، فما أظنك تعني إلّا نفسك، فقال: ما أعني إلّا نفسي، ولم لا، وأنا الذي أقول:
يا هل ترى أظرف من يومناقلّد جيد الأفق طوق العقيق
وأنطق الورق بعيدانهامطربة كلّ قضيب وريق
والشّمس لا تشرب خمر النّدىفي الرّوض إلّا بكؤوس الشّقيق
فلم ينصفوه في الاستحسان، وردّوه في الغيظ كما كان، فقلت له: يا سيدي، هذا والله السّحر الحلال، وما سمعت من شعراء عصرنا مثله، فبالله إلّا ما لازمتني وزدتني من هذا النمط، فقال لي: لله درّك، ودرّ أبيك من منصف ابن منصف. اسمع، وافتح أذنيك. ثم أنشد:
أدرها فالسماء بدت عروسامضمّخة الملابس بالغوالي
وخدّ الأرض خفّره أصيلوجفن النّهر كحّل بالظّلال
وجيد الغصن يشرف في لآلتضيء بهنّ أكناف اللّيالي
فقلت: بالله أعد وزد، فأعاد والارتياح قد ملأ عطفه، والتّيه قد رفع أنفه،
ثم قال:
لله نهر عندما زرتهعاين طرفي منه سحرا حلال
إذ أصبح الطّلّ به ليلةوجال فيه الغصن مثل الخيال
فقلت: ما على هذا مزيد في الاستحسان، فعسى أن يكون المزيد في الإنشاد، فزاد ارتياحه وأنشد:
ولمّا ماج بحر الليل بينيوبينكم وقد جدّدت ذكرا
أراد لقاءكم إنسان عينيفمدّ له المنام عليه جسرا
فقلت: إيه زادك الله إحسانا، فزاد:
ولمّا أن رأى إنسان عينيبصحن الخدّ منه غريق ماء
أقام له العذار عليه جسراكما مدّ الظلام على الضّياء
فقلت: فما تكرّر ويطول، فإنه مملول، إلّا ما أوردته آنفا، فإنه كنسيم الحياة، وما إن يملّ، فبالله إلّا ما زدتني، وتفضّلت عليّ بالإعادة، فأعاد وأنشد:
هات المدام إذا رأيت شبيههافي الأفق يا فردا بغير شبيه
فالصّبح قد ذبح الظلام بنصلهفغدت حمائمه تخاصم فيه
دخوله غرناطة: دخلها مع مخدومه المتوكل على الله ابن هود وفي جملته، إذ كان يصحبه في حركاته، ويباشر معه الحرب، وجرت عليه الهزائم، وله في ذلك كلّه شعر.
محنته: قالوا: لم يقنع بما أجرى عليه أبو العباس الينشتي من الإحسان، فكان يوغر صدره من الكلام فيه، فذكروا أن الينشتي قال يوما في مجلسه: رميت يوما بسهم من كذا، فبلغ إلى كذا؛ فقال ابن طلحة لشخص كان إلى جانبه: والله لو كان قوس قزح؛ فشعر أبو العباس إلى قوله ما يشبه ذلك، واستدعى الشخص، وعزم عليه، فأخبره بقوله، فأسرّها في نفسه، إلى أن قوّى الحقد عليه، من ما بلغه عنه من قوله يهجوه:
سمعنا بالموفّق فارتحلناوشافعنا له حسب وعلم
ورمت يدا أقبّلها وأخرىأعيش بفضلها أبدا وأسمو
فأنشدنا لسان الحال عنهيد شلّا وأمر لا يتمّ
فزادت موجدته عليه، وراعى أمره إلى أن بلغته أبيات قالها في شهر رمضان، وهو على حال الاستهتار:
يقول أخو الفضول وقد رآناعلى الإيمان يغلبنا المجون
أتنتهكون شهر الصّوم هلّاحماه منكم عقل ودين؟
فقلت اصحب سوانا، نحن قومزنادقة مذاهبنا فنون
ندين بكلّ دين غير دين الررعاع فما به أبدا ندين
فحيّ على الصّبوح الدّهر ندعووإبليس يقول لنا أمين
أيا شهر الصيام إليك عنّاإليك ففيك أكفر ما نكون
قال: فأرسل إليه من هجم عليه، وهو على هذا الحال، وأظهر إرضاء العامّة بقتله، وذلك في سنة إحدى وثلاثين وستمائة. ولا خفاء أنه من صدور الأندلس، وأشدّهم عثورا على المعاني الغريبة المخترعة، ﵀.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع