تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

أحمد بن أيوب اللّمائي

من أهل مالقة، يكنى أبا جعفر.

حاله: قال صاحب الذّيل: كان أديبا ماهرا، وشاعرا جليلا، وكاتبا نبيلا. كتب عن أوّل الخلفاء الهاشميين بالأندلس، علي بن حمّود، ثم عن غيره من أهل بيته؛ وتولّى تدبير أمرهم، فحاز لذلك صيتا شهيرا، وجلالة عظيمة.

وذكره ابن بسّام في كتاب «الذّخيرة»، فقال: كان أبو جعفر هذا في وقته أحد أئمة الكتّاب، وشهب الآداب، ممّن سخّرت له فنون البيان، تسخير الجنّ لسليمان، وتصرّف في محاسن الكلام، تصرّف الرياح بالغمام، طلع من ثناياه، واقتعد مطاياه؛ وله إنشاءات سريّة، في الدولة الحمّودية، إذ كان علم أدبائها، والمضطلع بأعبائها، إلّا أني لم أجد عند تحريري هذه النّسخة، من كلامه، إلّا بعض فصول له من منثور، وهي ثماد من بحور.

فصل: من رقعة خاطب بها أبا جعفر بن العباس: «غصن ذكرك عندي ناضر، وروض شكرك لديّ عاطر، وريح إخلاصي لك صبا، وزمان آمالي فيك صبا، فأنا شارب ماء إخائك، متفيّئ ظلّ وفائك؛ جان منك ثمرة فرع طاب أكله، وأجناني البرّ قديما أصله، وسقاني إكراما برقه، وروّاني إفضالا ودقه؛ وأنت الطّالع في فجاجه، السّالك لمنهاجه؛ سهم في كنانة الفضل صائب، وكوكب في سماء المجد ثاقب، إن أتبعت الأعداء نوره أحرق، وإن رميتهم به أصاب الحدق؛ وعلى الحقيقة فلساني يقصر عن جميل أسرّه، ووصف ودّ أضمره».

شعره: قال، ومما وجد بخطه لنفسه:

طلعت طلائع للربيع فأطلعتفي الرّوض وردا قبل حين أوانه
حيّا أمير المسلمين مبشّراومؤمّلا للنّيل من إحسانه
ضنّت سحائبه عليه بمائهافأتاه يستسقيه ماء بنانه
دامت لنا أيّامه موصولةبالعزّ والتّمكين في سلطانه

قال: وأنشدني الأديب أبو بكر بن معن، قال: أنشدني أبو الربيع بن العريف لجدّه الكاتب أبي جعفر اللمائي، وامتحن بداء النّسمة من أمراض الصّدر، وأزمن به، نفعه الله، وأعياه علاجه، بعد أن لم يدع فيه غاية، وفي ذلك يقول:

لم يبق من شيء أعالجها بهطمع الحياة، وأين من لا يطمع؟
«وإذا المنيّة أنشبت أظفارهاألفيت كلّ تميمة لا تنفع»
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»

ودخل عليه بعض أصحابه فيها، وجعل يروّح عليه فقال له بديهة:

روّحني عائدي فقلت له: مه ...، لا تزدني على الذي أجد

أما ترى النار وهي خامدةعند هبوب الرياح تتّقد؟
للشاعر ابن هذيل القرطبي، اقرأ القصيدة

ودخل غرناطة غير ما مرة، منها متردّدا بين أملاكه، وبين من بها من ملوك صنهاجة؛ قالوا: ولم تفارقه تلك الشّكاية حتى كانت سبب وفاته.

وفاته: بمالقة عام خمسة وستين وأربعمائة. ونقل منها إلى حصن الورد، وهو عند حصن منت ميور إذ كان قد حصّنه، واتّخذه لنفسه ملجأ عند شدّته، فدفن به،

بعهد منه بذلك، وأمر أن يكتب على قبره بهذه الأبيات:

بنيت ولم أسكن وحصّنت جاهدافلمّا أتى المقدور صيّره قبري
ولم يك حظّي غير ما أنت مبصربعينك ما بين الذّراع إلى الشّبر
فيا زائرا قبري أوصّيك جاهداعليك بتقوى الله في السّرّ والجهر
فلا تحسنن بالدّهر ظنّا فإنمامن الحزم ألّا يستنام إلى الدهر

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.