من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
الحسين بن عتيق بن الحسين بن رشيق التغلبي
يكنى أبا علي، مرسيّ الأصل، سبتيّ الاستيطان، منتم إلى صاحب الثورة على المعتمد.
حاله: كان نسيج وحده، وفريد دهره، إتقانا ومعرفة، ومشاركة في كثير من الفنون اللسانية والتعالميّة، متبحّرا في التاريخ، ريّانا من الأدب، شاعرا مفلقا، عجيب الاستنباط، قادرا على الاختراع والأوضاع، جهم المحيّا، موحش الشكل، يضمّ برداه طويّا لا كفاء له، تحرّف بالعدالة، وبرّز بمدينة سبتة، وكتب عن أميرها، وجرت بينه وبين الأديب أبي الحكم مالك بن المرحّل من الملاحات والمهاترات أشدّ ما يجري بين متناقضين، آلت به إلى الحكاية الشهيرة، وذلك أنه نظم قصيدة نصّها:
لكلاب سبتة في النّباح مداركوأشدّها دركا لذلك مالك
شيخ تفانى في البطالة عمرهوأحال فكّيه الكلام الآفك
كلب له في كلّ عرض عضّةوبكلّ محصنة لسان آفك
متهمّم بذوي الخنا متزمّعمتهازل بذوي التّقى متضاحك
أحلى شمائله السّباب المفتريوأعفّ سيرته الهجاء الماعك
وألذّ شيء عنده في محفللمز لأستار المحافل هاتك
يغشى مخاطره اللئيم تفكّهاويعاف رؤيته الحليم النّاسك
لو أن شخصا يستحيل كلامهخرءا للاك الخرء منه لائك
فكأنه التمساح يقذف جوفهمن فيه ما فيه ولا يتماسك
أنفاسه وفساؤه من عنصروسعاله وضراطه متشارك
ما ضرفا من معدّ اللهلو أسلمته نواجذ وضواحك
في شعره من جاهلية طبعهأثقال أرض لم ينلها فاتك
صدر وقافية تعارضتا معافي بيت عنس أو بعرس فارك
قد عمّ أهل الأرض بلعنهفللأعنية في السماء ملائك
ولأعجب العجبين أنّ كلامهلخلاله مسك يروح ورامك
إن سام مكرمة جثا متثاقلايرغو كما يرغو البعير البارك
ويدبّ في جنح الظلام إلى الخناعدوا كما يعدو الظّليم الراتك
نبذ الوقار لصبية يهجونهفسياله فرش لهم وأرائك
يبدي لهم سوآته ليسوءهمبمسالك لا يرتضيها سالك
والدهر باك لانقلاب صروفهظهرا لبطن وهو لاه ضاحك
واللسن تنصحه بأفصح منطقلو كان ينجو بالنّصيحة هالك
تب يا ابن تسعين فقد جزت المداوارتاح للّقيا بسنّك مالك
أو ما ترى من حافديك نشابهاابن يضاجع جدّه ويناسك
هيهات أيّة عشرة لهجت بههنوات مملوك وطيّع مالك
يا ابن المرحّل لو شهدت مرحّلاوقد انحنى بالرّحل منه الحارك
وطريد لوم لا يحلّ بمعشرإلّا أمال قفاه صفع دالك
مركوب لهو لجاجة وركاكةوأراك من ذاك اللجاج البارك
لرأيت للعين اللئيمة سحّةوعلا بصفع عرك أذنك عارك
وشغلت عن ذمّ الأنام بشاغلوثناك خصم من أبيك مماحك
قسما بمن سمك السماء مكانهاولديه نفس رداء نفسك شائك
لأقول للمغرور منك بشيبةبيضاء طيّ الصّحف منها حالك
لا تأمنن للذئب دفع مضرّةفالذئب إن أعفيته بك فاتك
عار على الملك المنزّه أن يرىفي مثل هذا للملوك مسالك
فكلامه للدّين سمّ قاتلودنوّه للعرض داء ناهك
فعليه ثم على الذي يصغى لهويل يعاجله وحتف واشك
وأتاه من مثواه آت مجهزلدم الخناجر بالخناجر سافك
وهي طويلة، تشتمل من التعريض والصريح على كل غريب، واتخذ لها كنانة خشبية كأوعية الكتب، وكتب عليها: «رقاص معجّل، إلى مالك بن المرحّل». وعمد إلى كلب، وجعلها في عنقه، وأوجعه خبطا حتى لا يأوي إلى أحد، ولا يستقرّ، وطرده بالزّقاق متكتّما بذلك. وذهب الكلب وخلفه من الناس أمّة، وقرىء مكتوب الكنانة، واحتمل إلى أبي الحكم، ونزعت من عنق الكلب، ودفعت إليه، فوقف منها على كل فاقرة كفّت من طماحه، وغضّت عن عنان مجاراته، وتحدّث بها مدة، ولم يغب عنه أنها من حيل ابن رشيق، فعوّق سهام المراجعة، ثم أقصر مكبوحا، وفي أجوبته عن ذلك يقول:
كلاب المزابل آذيننيبأبوالهنّ على باب داري
وقد كنت أوجعها بالعصاولكن عوت من وراء الجدار
واستدعاه بآخرة أمير المغرب السلطان أبو يعقوب، فاستكتبه، واستكتب أبا الحكم صدقة، فيقال إنه جرّ عليه خجلة كانت سبب وفاة أبي علي. ودخل الأندلس، وحطّ بها بألمريّة، وقد أصيب بأسر عياله، فتوسّل إلى واليها من قرابة السلطان الغالب بالله، بشعر مدحه فيه من قصيدة أولها:
ملقي النوى ملق لبعض نوالكافاشف المحبّ ولو بطيف خيالكا
ومنها:
لا تحسبنّي من فلان أو فلاأنا من رجال الله ثم رجالكا
ومنها:
نصب العدوّ حبائلا لحبائبيوعلقت في استخلاصها بحبالكا
وفي خاتمها:
وكفاك شرّ العين عيب واحدلا عيب فيه سوى فلول نصالكا
ولحق بغرناطة، ومدح السلطان بها، ونجحت لديه مشاركة الرئيس بألمريّة.
فجبر الله حاله، وخلّص أسره.
ومما جمع فيه بين نثره ونظمه ما كتبه لمّا كتب إليه الأديب الطبيب صالح بن شريف بهاتين القصيدتين اللتين تنازع فيهما الأقوام، واتفقوا على أن يحكم بينهما الأحلام، وعبّر عن ذلك الأقلام، ولينظرهما من تشوّق إليهما بغير هذا الموضع.
تواليفه: وأوضاعه غريبة، واختراعاته عجيبة، تعرّفت أنه اخترع في سفرة الشطرنج شكلا مستديرا. وله الكتاب الكبير في التاريخ، والتلخيص المسمّى ب «ميزان العمل» وهو من أظرف الموضوعات، وأحسنها شهرة.
وفاته: كان حيّا عام أربعة وسبعين وستمائة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع