تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يحيى ابن عبد الرحمن بن أبي بكر بن علي بن داود القرشي المقري

الصفحة ١ من ٢

يكنى أبا عبد الله، قاضي الجماعة بفاس وتلمسان.

أوّليّته: نقلت من خطّه، قال: وكان الذي اتخذها من سلفنا قرارا بعد أن كانت لمن قبله مرارا، عبد الرحمن بن أبي بكر بن علي المقري، صاحب أبي مدين، الذي دعا له ولذرّيته، بما ظهر فيهم من قبول وتبيّن. وهو أبي الخامس؛ فأنا محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الرحمن، وكان هذا الشيخ عروي الصلاة، حتى أنه ربما امتحن بغير شيء فلم يؤنس منه التفات، ولا استشعر منه شعور، ويقال: إن هذا الحضور، ممّا أدركه من مقامات شيخه أبي مدين. ثم اشتهرت ذريّته على ما ذكر من طبقاتهم بالتجارة، فمهّدوا طريق الصحراء

بحفر الآبار، وتأمين التّجار، واتخذوا طبل الرّحيل، وراية التّقدم عند المسير.

وكان ولد يحيى، الذي كان أحدهم أبو بكر، خمسة رجال، فعقدوا الشّركة بينهم فيما ملكوه وفيما يملكونه على السواء بينهم والاعتدال، وكان أبو بكر ومحمد، وهما أرومتا نسبي من جميع جهات الأم والأب بتلمسان، وعبد الرحمن وهو شقيقهما الأكبر بسجلماسة، وعبد الواحد وعلي، وهما شقيقاهم الصغيران، بأي والأتن فاتخذوا هذه الأقطار والحوايط والدّيار، فتزوجوا النساء، واستولدوا الإماء. وكان التلمساني يبعث إلى الصّحراوي بما يرسم له من السلع. ويبعث إليه الصحراوي بالجلد والعاج والجوز والتّبر، والسّجلماسي كلسان الميزان يعرّفهما بقدر الرّجحان والخسران، ويكاتبهما بأحوال التّجار، وأخبار البلدان، حتى اتسعت أموالهم، وارتفعت في الفخامة أحوالهم. ولما افتتح التّكرور كورة أي والأتن وأعمالها، أصيبت أموالهم فيما أصيب من أموالها، بعد أن جمع من كان بها منهم إلى نفسه الرّجال، ونصب دون ماله القتال. ثم اتصل بملكهم فأكرم مثواه، ومكّنه من التجارة بجميع بلاده، وخاطبه بالصديق الأحبّ، والخلاصة الأقرب. ثم صار يكاتب من بتلمسان، يستقضي منهم مآربه، فيخاطبه بمثل تلك المخاطبة، وعندي من كتبه وكتب الملوك بالمغرب، ما ينبئ عن ذلك، فلما استوثقوا من الملوك، تذلّلت لهم الأرض للسّلوك، فخرجت أموالهم عن الحدّ، وكادت تفوق الحصر والعدّ؛ لأن بلاد الصحراء، قبل أن يدخلها أهل مصر، كانت تجلب لها من المغرب ما لا بال له من السّلع، فيعاوض عنه بماله بال من الثمن. ثم قال أبو مدين:

الدنيا ضمّ جنب أبو حمو، وشمل ثوباه. كان يقول: لولا الشناعة لم أزل في بلادي تاجرا من غير تجار الصحراء الذين يذهبون بخبيث السّلع، ويأتون بالتّبر الذي

كلّ أمر الدنيا له تبع، ومن سواهم يحمل منها الذّهب، ويأتي إليها بما يضمحلّ عن قريب ويذهب، إلى ما يغيّر من العوائد، ويجرّ السفهاء إلى المفاسد.

ولما هلك هؤلاء الأشياخ، جعل أبناؤهم ينفقون مما تركوا لهم ولم يقوموا بأمر التثمير قيامهم، وصادفوا توالي الفتن، ولم يسلموا من جور السلطان، فلم تزل حالهم في نقصان إلى هذا الزمان، فها أنا ذا لم أدرك في ذلك إلا أثر نعمة اتخذنا فصوله عيشا، وأصوله حرمة. ومن جملة ذلك خزانة كبيرة من الكتب، وأسباب كثيرة تعين على الطلب، فتفرّغت بحول الله، ﷿، للقراءة، فاستوعبت أهل البلد لقاء، وأخذت عن بعضهم عرضا وإلقاء، سواء المقيم القاطن، والوارد والظاعن.

حاله: هذا الرجل مشار إليه بالعدوة المغربية اجتهادا، ودؤوبا، وحفظا وعناية، واطلاعا، ونقلا ونزاهة، سليم الصدر، قريب الغور، صادق القول، مسلوب التّصنّع، كثير الهشّة، مفرط الخفّة، ظاهر السذاجة، ذاهب أقصى مذاهب التخلّق، محافظ على العمل، مثابر على الانقطاع، حريص على العبادة، مضايق في العقد والتوجّه، يكابد من تحصيل النيّة بالوجه واليدين مشقّة، ثم يغافض الوقت فيها، ويوقعها دفعة متبعا إياها زعقة التكبير، برجفة ينبو عنها سمع من لم يكن تأنّس بها عادة، بما هو دليل على حسن المعاملة، وإرسال السّجية، قديم النّعمة، متصل الخيريّة، مكبّ على النظر والدرس والقراءة، معلوم الصّيانة والعدالة، منصف في المذاكرة، حاسر الذراع عند المباحثة، راحب عن الصّدر في وطيس المناقشة، غير مختار للقرن، ولا ضانّ بالفائدة، كثير الالتفاف، متقلّب الحدقة، جهير بالحجّة، بعيد عن المراء والمباهتة، قائل بفضل أولي الفضل من الطّلبة، يقوم أتمّ القيام على العربيّة والفقه والتفسير، ويحفظ الحديث، ويتهجّر بحفظ الأخبار والتاريخ والآداب، ويشارك مشاركة فاضلة في الأصلين والجدل والمنطق، ويكتب ويشعر

مصيبا في ذلك غرض الإجادة، ويتكلم في طريقة الصّوفية كلام أرباب المقال، ويعتني بالتّدوين فيها. شرّق وحجّ، ولقي جلّة، واضطبن رحلة مفيدة، ثم آب إلى بلده، فأقرأ به، وانقطع إلى خدمة العلم. فلما ولي ملك المغرب السلطان، محالف الصّنع ونشيدة الملك، وأثير الله من بين القرابة والإخوة أمير المسلمين أبو عنان فارس، اجتذبه وخلطه بنفسه، واشتمل عليه، وولّاه قضاء الجماعة بمدينة فاس، فاستقلّ بذلك أعظم الاستقلال، وأنفذ الحكم، وألان الكلمة، وآثر التّسديد، وحمل الكلّ، وخفض الجناح، فحسنت عنه القالة، وأحبّته الخاصّة والعامة.

حضرت بعض مجالسه للحكم، فرأيت من صبره على اللّدد، وتأتّيه للحجج ورفقه بالخصوم، ما قضيت منه العجب.

دخوله غرناطة: ثم لمّا أخّر عن القضاء، استعمل بعد لأي في الرّسالة، فوصل الأندلس، أوائل جمادى الثانية من عام ستة وخمسين وسبعمائة. فلما قضى غرض الرسالة، وأبرم عقد وجهته، واحتلّ مالقة في منصرفه، بدا له في نبذ الكلفة، واطّراح وظيفة الخدمة، وحلّ التّقيّد، إلى ملازمة الإمرة، فتقاعد، وشهر غرضه، وبتّ في الانتقال، طمع من كان صحبته، وأقبل على شأنه، فخلّي بينه وبين همّه. وترك وما انتحله من الانقطاع إلى ربّه. وطار الخبر إلى مرسله، فأنف من تخصيص إيالته بالهجرة، والعدول عنها، بقصد التّخلّي والعبادة، وأنكر ما نحله غاية الإنكار، من إبطال عمل الرسالة، والانقباض قبل الخروج عن العهدة، فوغر صدره على صاحب الأمر، ولم يبعد حمله على الظّنّة والمواطأة على النّفرة، وتجهّزت جملة من الخدّام المجلّين في مآزق الشّبهة، المضطلعين بإقامة الحجة، مولين خطّة الملام، مخيّرين بين سحائب عاد من الإسلام، مظنّة إغلاق النعمة،

وإيقاع المثلة، والإساءة بسبب القطيعة والمنابذة. وقد كان المترجم به لحق بغرناطة فتذمّم بمسجدها، وجأر بالانقطاع إلى الله، وتوعّد من يجيره بنكير من يجير ولا يجار عليه سبحانه، فأهمّ أمره، وشغلت القلوب آبدته، وأمسك الرسل بخلال ما صدرت شفاعة اقتضت له رفع التّبعة، وتركه إلى تلك الوجهة.

ولمّا تحصّل ما تيسّر من ذلك، انصرف محفوفا بعالمي القطر، قاضي الجماعة أبي القاسم الحسني المترجم به قبله، والشيخ الخطيب أبي البركات بن الحاج، مستهلين لوروده، مشافهين للشفاعة في غرضه، فأقشعت الغمّة، وتنفّست الكربة. وجرى أثناء هذا من المراسلة والمراجعة، ما تضمّنه الكتاب المسمّى ب «كناسة الدّكان بعد انتقال السّكان» المجموع بسلا ما صورته:

«المقام الذي يحبّ الشّفاعة، ويرعى الوسيلة، وينجز العدّة، ويتمّم الفضيلة، ويضفي مجده المنن الجزيلة، ويعيى حمده الممادح العريضة الطويلة، مقام محلّ والدنا الذي كرم مجده، ووضح سعده، وصحّ في الله تعالى عقده، وخلص في الأعمال الصالحة قصده، وأعجز الألسنة حمده، السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا، أبقاه الله سبحانه لوسيلة يرعاها، وشفاعة يكرم مسعاها، وأخلاق جميلة تجيب دعوة الطّبع الكريم إذا دعاها، معظّم سلطانه الكبير، وممجّد مقامه الشهير، المتشيّع لأبوّته الرفيعة قولا باللّسان واعتقادا بالضمير، المعتمد منه بعد الله على الملجإ الأحمى والوليّ النّصير. فلان. سلام كريم، طيب برّ عميم، يخص مقامكم الأعلى، وأبوّتكم الفضلى، ورحمة الله وبركاته.

أما بعد حمد الله، الذي جعل الخلق الحميدة دليلا على عنايته بمن حلّاه حلاها، وميّز بها النفوس النفيسة، التي اختصّها بكرامته وتولّاها، حمدا يكون كفوا

للنعم التي أولاها، وأعادها ووالاها، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد عبده ورسوله، المترقّي من درجات الاختصاص أرفعها وأعلاها، الممتاز من أنوار الهداية بأوضحها وأجلاها، مطلع آيات السعادة يروق مجتلاها، والرضا عن آله وصحبه الذين خبر صدق ضمائرهم لمّا ابتلاها، وعسل ذكرهم في الأفواه فما أعذب أوصافهم على الألسن وأحلاها، والدعاء لمقام أبوّتكم حرس الله تعالى علاها، بالسعادة التي يقول الفتح: أنا طلّاع الثّنايا وابن جلاها، والصّنائع التي تخترق المفاوز بركائبها المبشّرات فتفلي فلاها. فإنّا كتبنا إليكم، كتب الله تعالى لكم عزّة مشيّدة البناء، وحشد على أعلام صنائعكم الكرام جيوش الثناء، وقلّدكم قلائد مكارم الأخلاق، ما يشهد لذاتكم منه بسابقة الاعتناء. من حمراء غرناطة حرسها الله، والودّ باهر السّناء، مجدّ على الأناء، والتشيّع رحب الدّسيعة والفناء.

وإلى هذا، وصل الله تعالى سعدكم، وحرس مجدكم! فإننا خاطبنا مقامكم الكريم، في شأن الشيخ الفقيه الحافظ الصالح أبي عبد الله المقري، خار الله تعالى لنا وله، وبلّغ الجميع من فضله العميم أمله، جوابا عمّا صدر من مثابتكم فيه من الإشارة المتمثّلة، والمآرب المعملة، والقضايا غير المهملة، نصادركم بالشفاعة التي مثلها بأبوابكم لا يردّ، وظمآها عن منهل قبولكم لا تجلى ولا تصدّ، حسبما سنّه الأب الكريم والجدّ، والقبيل الذي وضح منه في المكارم الرسم والحدّ. ولم نصدر الخطاب حتى ظهر لنا من أحواله صدق المخيّلة، وتبلّج صبح الزّهادة والفضيلة، وجود النفس الشّحيحة بالعرض الأدنى البخيلة، وظهر تخلّيه عن هذه الدار، واختلاطه باللفيف والغمار، وإقباله على ما يعني مثله من صلة الأوراد، ومداومة الاستغفار.

وكنّا لما تعرّفنا إقامته بمالقة لهذا الغرض الذي شهره، والفضل الذي أبرزه للعيان

وأظهره، أمرنا أن يعتنى بأحواله، ويعان على فراغ باله، ويجرى عليه سيب من ديوان الأعشار الشرعية وصريح ماله، وقلنا: أما أتاك من غير مسألة مستند صحيح لاستدلاله، ففرّ من مالقة على ما تعرّفنا لهذا السبب، وقعد بحضرتنا مستور المنتمى والمنتسب، وسكن بالمدرسة بعض الأماكن المعدّة لسكنى المتّسمين بالخير، والمحترفين ببضاعة الطّلب، بحيث لم يتعرّف وروده ووصوله إلّا ممّن لا يؤبه بتعريفه، ولم تتحقق زوائده وأصوله لقلّة تصريفه. ثم تلاحق إرسالكم الجلّة. فوجبت حينئذ الشفاعة، وعرضت على سوق الحلم والفضل من الاستلطاف والاستعطاف البضاعة، وقررنا ما تحققناه من أمره، وانقباضه عن زيد الخلق وعمره، واستقباله الوجهة التي من ولّى وجهه شطرها فقد آثر أثيرا، ومن ابتاعها بمتاع الدنيا فقد نال فضلا كبيرا وخيرا كثيرا، وسألنا منكم أن تبيحوه ذلك الغرض الذي رماه بعزمه، وقصر عليه أقصى همّه. فما أخلق مقامكم أن يفوز منه طالب الدّنيا بسهمه، ويحصل منه طالب الآخرة على حظّه الباقي وقسمه، ويتوسّل الزاهد بزهده والعالم بعلمه، ويعوّل البريء على فضله، ويثق المذنب بحلمه. فوصل الجواب الكريم بمجرد الأمان، وهو أرب من آراب، وفائدة من جراب، ووجه من وجوه إعراب، فرأينا أن المطل بعد جفاء، والإعادة ليس يثقلها خفاء، ولمجدكم بما ضمّنا عنه وفاء، وبادرنا الآن إلى العزم عليه في ارتحاله، وأن يكون الانتقال عن رضا منه من صفة حاله، وأن يقتضي له ثمرة المقصد، ويبلغ طيّة الإسعاف في الطريق إن قصد، إذ كان الأمان لمثله ممن تعلّق بجناب الله من مثلكم حاصلا، والدّين المتين بين نفسه وبين المخافة فاصلا، وطالب كيمياء السّعادة بإعانتكم واصلا. ولما مدّت اليد في تسويغ حالة هديكم عليها أبدا يحرّض، وعلمكم يصرّح بمزيتها ولا يعرّض، فكمّلوا أبقاكم الله ما لم تسعنا فيه مشاحة الكتاب، وألحقوا بالأصل حديث هذه الإباحة فهو أصحّ حديث في الباب، ووفّوا غرضنا من مجدكم، وخلّوا بينه وبين مراده من ترك الأسباب، وقصد غافر الذنب وقابل التّوب بإخلاص المتاب، والتّشمير ليوم العرض وموقف الحساب، وأظهروا عليه عناية الجناب، الذي تعلّق به، أعلق الله به يدكم من جناب، ومعاذ الله أن تعود شفاعتنا من لدنكم عير مكملة الآراب. وقد بعثنا من ينوب عنا في مشافهتكم بها أحمد المناب، ويقتضي خلاصها بالرّغبة لا بالغلاب، وهما فلان وفلان. ولولا الأعذار لكان في هذا الغرض إعمال الرّكاب، بسبق أعلام الكتاب، وأنتم تولون هذا القصد من مكارمكم ما يوفّر الثناء الجميل، ويربي على التّأميل، ويكتب على الودّ الصريح العقد وثيقة

التّسجيل. وهو سبحانه يبقيكم لتأييد المجد الأثيل، وإنالة الرّفد الجزيل. والسلام الكريم يخصّ مقامكم الأعلى، ومثابتكم الفضلى، ورحمة الله تعالى وبركاته. في الحادي والعشرين لجمادى الآخرة من عام سبعة وخمسين وسبعمائة، والله ينفع بقصده، وييسر علينا الرجعة إلى وجهه وفضله.

مشيخته: قال: فممّن أخذت عنه، واستفدت منه علماها، يعني تلمسان، الشامخان، وعالماها الراسخان: أبو زيد عبد الرحمن، وأبو موسى عيسى، ابنا محمد بن عبد الله بن الإمام، وحافظها ومدرّسها ومفتيها أبو موسى عمران بن موسى بن يوسف المشذالي، صهر شيخ المتأخرين أبي علي ناصر الدين على ابنته، ومشكاة الأنوار التي يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن حكيم الكناني السّلوى، ﵀. ومنهم القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد النور، والشيخ أبو عبد الله محمد بن الحسن البرّوني، وأبو عمران موسى بومن المصمودي الشهير بالبخاري. قال: سمعت البرّوني يقول: كان الشيخ أبو عمران يدرّس البخاري، ورفيق له يدرّس صحيح مسلم، وكانا يعرفان بالبخاري ومسلم، فشهدا عند قاض، فطلب المشهود عليه بالإعذار فيهما، فقال له أبو عمران: أتمكّنه من الإعذار في الصّحيحين البخاري ومسلم؟ فضحك القاضي، وأصلح بين الخصمين. ثم قال: ومن شيوخي الصلحاء الذين لقيت بها، خطيبها الشيخ أبو عثمان سعيد بن إبراهيم بن علي الخياط، أدرك أبا

إسحاق الطيّار. ومنهم أبو عبد الله بن محمد الكرموني، وكان بصيرا بتفسير الرّؤيا، فمن عجائب شأنه، أنه كان في سجن أبي يعقوب يوسف بن عبد الحق مع من كان فيه، من أهل تلمسان أيام محاصرته لها، فرأى أبا جمعة علي التّلالسي الجرايحي منهم، كأنه قائم على ساقية دائرة، وجميع أقداحها وأقواسها تصب في نقير في وسطها، فجاء ليشرب، فاغترف الماء، فإذا فيه فرث ودم، فأرسله، واغترف فإذا هو كذلك، ثلاثا أو أكثر، ثم عدل إلى خاصّة ماء، فجاءها وشرب منها. ثم استيقظ، وهو النهار، فأخبره، فقال: إن صدقت الرؤيا، فنحن عن قليل خارجون من هذا السجن. قال: كيف؟ قال: الساقية الزمان، والنّقير السلطان، وأنت جرايحي، تدخل يدك في جوفه فينالها الفرث والدّم، وهذا ما لا يحتاج معه إلى دليل، فأخرج، فوجد السلطان مطعونا بخنجر، فأدخل يده في جوفه، فناله الفرث والدّم، فخاط جراحته وخرج، فرأى خاصّة ماء، فغسل يده وشرب. ولم يلبث السلطان أن توفي، وسرّحوا من كان في سجنه. ومن أشياخه الإمام نسيج وحده، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن أحمد الآبلي التلمساني، وهو رحلة الوقت في القيام على الفنون العقلية، وإدراكه وصحّة نظره.

حدّث قال: قدم على مدينة فاس، شيخنا أبو عبد الله محمد بن يحيى الباهلي، عرف بابن المسفّر، رسولا من صاحب بجاية. وزاره الطلبة، فكان مما حدّثهم أنهم كانوا على زمان ناصر الدين، يستشكلون كلاما وقع في تفسير سورة الفاتحة من كتب فخر الدين، واستشكله الشيخ معهم. وهذا نصه: ثبت في بعض العلوم العقلية، أن المركّب مثل البسيط في الجنس، والبسيط مثل المركّب في الفصل، وأن الجنس أقوى من الفصل، فأخبروا بذلك الشيخ الآبلي لما رجعوا إليه، فتأمله ثم قال: هذا كلام مصحّف، وأصله أن المركّب قبل البسيط في الحسّ، والبسيط قبل المركّب في العقل، وأن الحسّ أقوى من العقل، فأخبروا ابن المسفّر، فلجّ، فقال لهم الشيخ: التمسوا النسخ، فوجدوا في لفظ بعضها كما قال الشيخ.

رحلته: رحل إلى بجاية مشرّقا، فلقي بها جلّة، منهم الفقيه أبو عبد الله محمد بن يحيى الباهلي، ابن المسفّر. ومنهم قاضيها أبو عبد الله محمد ابن الشيخ

أبي يوسف يعقوب الزّواوي، فقيه ابن فقيه. ومنهم أبو علي حسن بن حسن إمام المعقولات بعد ناصر الدين. وبتونس قاضي الجماعة وفقيهها أبو عبد الله بن عبد السلام، وحضر دروسه، وقاضي المناكح أبو محمد اللخمي، وهو حافظ فقهائها في وقته، والفقيه أبو عبد الله بن هارون شارح ابن الحاجب في الفقه والأصول. ثم حجّ فلقي بمكة إمام الوقت أبا عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن التّوزري، المعروف بخليل، وإمام المقام أبا العباس رضيّ الدين الشافعي، وغير واحد من الزّائرين والمجاورين وأهل البلد. ثم دخل الشام، فلقي بدمشق شمس الدين بن قيّم الجوزية، صاحب ابن تيميّة، وصدر الدين الغماري المالكي، وأبا القاسم بن محمد اليماني الشافعي وغيرهم. وببيت القدس أبا عبد الله بن مثبت، والقاضي شمس الدين بن سالم، والفقيه أبا عبد الله بن عثمان، وغيرهم.

تصانيفه: ألّف كتابا يشتمل على أزيد من مائة مسألة فقهية، ضمّنها كل أصيل من الرأي والمباحثة. ودوّن في التّصوّف إقامة المريد، ورحلة المتبتّل، وكتاب الحقائق والرّقائق، وغير ذلك.

شعره: نقلت من ذلك قوله: هذه لمحة العارض لتكملة ألفيّة ابن الفارض، سلب الدهر من فرائدها مائة وسبعة وسبعين، فاستعنت على ردّها بحول الله المعين.

من فصل الإقبال:

رفضت السّوى وهو الطّهارة عندماتلفّعت في مرط الهوى وهو زينتي
وجئت الحمى وهو المصلّى ميمّمابوجهة قلبي وجهها وهو قبلتي
وقمت وما استفتحت إلّا بذكرهاوأحرمت إحراما لغير تجلّة
فديني إن لاحت ركوع وإن دنتسجود وإن لاهت قيام بحسرة
على أننا في القرب والبعد واحدتؤلّفنا بالوصل عين التّشتّت
وكم من هجير خضت ظمآن طاوياإليها وديجور طويت برحلة
وفيها لقيت الموت أحمر والعدابزرقة أسنان الرّماح وحدّة
وبيني وبين العذل فيها منازلتنسّيك أيام الفجار ومؤتة
ولمّا اقتسمنا خطّتينا فحاملفجار بلا أجر وحامل برّة
خلا مسمعي من ذكرها فاستعدتهفعاد ختام الأمر أصل القضيّة
وكم لي على حكم الهوى من تجلّددليل على أنّ الهوى من سجيّتي
يقول سميري والأسا سالم الأسىولا توضع الأوزار إلّا لمحنة
لو أنّ مجوسا بتّ موقد نارهالما ظلّ إلّا منهلا ذا شريعة
ولو كنت بحرا لم يكن فيه نضحةلعين إذا نار الغرام استحرّت
فلا ردم من نقب المعاول آمنولا هدم إلّا منك شيد بقوّة
فممّ تقول الأسطقسّات منك أوعلام مزاج ركّبت أو طبيعة
فإن قام لم يثبت له منك قاعدوإلّا فأنت الدّهر صاحب قعدة
فما أنت يا هذا الهوى؟ ماء أو هواأم النار أم دسّاس عرق الأمومة؟
وإني على صبري كما أنت واصفوحالي أقوى القائمين بحجّة
أقلّ الضّنى أن عجّ من جسمي الضّنىوما شاكه معشار بعض شكيّتي
وأيسر شوقي أنني ما ذكرتهاولم أنسها إلّا احترقت بلوعة
وأخفي الجوى قرع الصواعق منك فيجواي وأخفى الوجد صبر المودّة
وأسهل ما ألقى من العذل أننيأحبّ أقلّي ذكرها وفضيحتي
وأوج حظوظي اليوم منها حضيضهابالأمس وسل حرّ الجفون الغزيرة
وأوجز أمري أنّ دهري كلّهكما شاءت الحسناء يوم الهزيمة
أروح وما يلقى التأسّف راحتيوأغدو ما يعدو التفجّع خطّتي
وكالبيض بيض الدهر والسّمر سودهمساءتها في طيّ طيب المسرّة
وشأن الهوى ما قد عرفت ولا تسلوحسبك أن لم يخبر الحبّ رؤيتي
سقام بلا برء، ضلال بلا هدىأوام بلا ريّ، دم لا بقيمة
ولا عتب فالأيام ليس لها رضاوإن ترض منها الصّبر فهو تعنّتي
ألا أيها اللّوّام عني قوّضواركاب ملامي فهو أول محنتي
ولا تعذلوني في البكاء ولا البكىوخلّوا سبيلي ما استطعتم ولوعتي
فما سلسلت بالدمع عيني إن جنتولكن رأت ذاك الجمال فجنّت
تجلّى وأرجاء الرّجاء حوالكورشدي غاو والعمايات عمّت
فلم يستبن حتى كأني كاسفوراجعت إبصاري له وبصيرتي

ومن فصل الاتصال:

وكم موقف لي في الهوى خضت دونهعباب الرّدى بين الظّبا والأسنّة
فجاوزت في حدّي مجاهدتي لهمشاهدتي لمّا سمت بي همّتي
وحلّ جمالي في الجلال فلا أرىسوى صورة التّنزيه في كلّ صورة
وغبت عن الأغيار في تيه حالتيفلم أنتبه حتى امتحى اسمي وكنيتي
وكاتبت ناسوتي بأمّارة الهوىوعدت إلى اللاهوت بالمطمئنّة
وعلم يقيني صار عينا حقيقةولم يبق دوني حاجب غير هيبتي
وبدّلت بالتّلوين تمكين عزّةومن كلّ أحوالي مقامات رفعة
وقد غبت بعد الفرق والجمع موقفيمع المحو والإثبات عند تثبّتي
وكم جلت في سمّ الخياط وضاق بيلبسطي وقبضي بسط وجه البسيطة
وما اخترت إلّا دنّ بقراط زاهداوفي ملكوت النفس أكبر عبرة
وفقري مع الصّبر اصطفيت على الغنىمع الشكر إذ لم يحظ فيه مثوبتي
وأكتم حبّي ما كنى عنه أهلهوأكني إذا هم صرّحوا بالخبيّة
وإنّي في جنسي ومنه لواحدكنوع، ففصل النوع علّة حصّتي
تسبّبت في دعوى التوكّل ذاهباإلى أنّ أجدى حيلتي ترك حيلتي
وآخر حرف صار مني أولامريدا وحرف في مقام العبودة
تعرّفت يوم الوقف منزل قومهافبتّ بجمع سدّ خرق التّشتّت
فأصبحت أقضي النفس منها منى الهوىوأقضي على قلبي برعي الرعيّة
فبايعتها بالنفس دارا سكنتهاوبالقلب منه منزلا فيه حلّت
فخلّص الاستحقاق نفسي من الهوىوأوجب الاسترقاق تسليم شفعة
فيا نفس لا ترجع تقطّع بينناويا قلب لا تجزع ظفرت بوحدة

ومن فصل الإدلال:

تبدّت لعيني من جمالك لمحةأبادت فؤداي من سناها بلفحة
ومرّت بسمعي من حديثك ملحةتبدّت لها فيك القران وقرّت
ملامي أبن، عذري استبن، وجدي استعنسماعي أعن، حالي أبن، قائلي اصمت
فمن شاهدي سخط ومن قاتلي رضاوتلوين أحوالي وتمكين رتبتي
مرامي إشارات، مراعي تفكّرمراقي نهايات، مراسي تثبّت
وفي موقفي والدّار أقوت رسومهاتقرّب أشواقي تبعّد حسرتي
معاني أمارات، مغاني تذكّرمباني بدايات، مثاني تلفّت
وبثّ غرام، والحبيب بحضرةوردّ سلام والرقيب بغفلة
ومطلع بدر في قضيب على نقافويق محلّ عاطل دون دجية
ومكمن سحر بابليّ له بماحوت أضلعي فعل القنا السّمهريّة
ومنبت مسك من شقيق ابن منذرعلى سوسن غضّ بجنّة وجنّة
ورصف اللآلي في اليواقيت كلّماتعلّ بصرف الرّاح في كل سحرة
سل السلسبيل العذب عن طعم ريقهونكهته يخبرك عن علم خبرة
ورمّان كافور عليه طوابعمن الندّ لم تحمل به بنت مزنة
ولطف هواء بين خفق وبانةورقّة ماء في قوارير فضّة
لقد عزّ الصّبر حتى كأنّهسراقة لحظ منك للمتلفّت
وأنت وإن لم تبق مني صبابةمنى النفس لم تقصد سواك بوجهة
وكلّ فصيح منك يسري لمسمعيوكلّ مليح منك يبدو لمقلتي
تهون عليّ النّفس فيك وإنهالتكرم أن تغشى سواك بنظرة
فإن تنظريني بالرّضا تشف علّتيوإن تظفريني باللقا تطف غلّتي
وإن تذكريني والحياة بقيدهاعدلت لأمتي منيتي بمنيّتي
وإن تذكريني بعدما أسكن الثرىتجلّت دجاه عند ذاك وولّت
صليني وإلّا جدّدي الوعد تدركيصبابة نفس أيقنت بتفلّت
فما أمّ بوّ هالك بتنوفةأقيم لها خلف الحلاب فدرّت
فلمّا رأته لا ينازع خلفهاإذا هي لم ترسل عليه وضنّت
بكت كلّما راحت عليه وإنهاإذا ذكرته آخر الليل حنّت
بأكثر منّي لوعة غير أننيرأيت وقار الصّبر أحسن حلية
فرحت كما أغدو إذا ما ذكرتهاأطامن أحشائي على ما أجنّت
أهوّن ما ألقاه إلّا من القلىهوى ونوى نيل الرّضا منك بغيتي
أخوض الصّلى أطفي العلا والعلوّ لاأصلّ السّلا أرعى الخلى بين عبرتي
ألا قاتل الله الحمامة غدوةلقد أصلت الأحشاء نيران لوعة
وقاتل مغناها وموقف شجوهاعلى الغصن ماذا هيّجت حين غنّت
فغنّت غناء أعجميّا فهيّجتغرامي من ذكرى عهود تولّت
فأرسلت الأجفان سحبا وأوقدتجواي الذي كانت ضلوعي أكنّت
نظرت بصحراء البريقين نظرةوصلت بها قلبي فصلّى وصلّت
فيا لهما قلبا شجيّا ونظرةحجازيّة لو جنّ طرف لجنّت
ووا عجبا للقلب كيف اعترافهوكيف بدت أسراره خلف سترة
وللعين لمّا سوئلت كيف أخبرتوللنفس لما وطّنت كيف دلّت
وكنّا سلكنا في صعود من الهوىيسامي بأعلام العلا كلّ رتبة
إلى مستوى ما فوقه فيه مستوىفلمّا توافينا ثبثّ وزلّت
وكنّا عقدنا عقدة الوصل بينناعلى نحر قربان لدى قبر شيبة
مؤكدة بالنّذر أيام عهدهفلمّا تواثقنا اشتددت وحلّت

ومن فصل الاحتفال:

أزور اعتمارا أرضها بتنسّكوأقصد حجّا بيتها بتحلّة
وفي نشأتي الأخرى ظهرت بما علتله نشأتي الأولى على كلّ فطرة
ولولا خفاء الرّمز لا ولن ولمتجدها لشملي مسلكا بتشتّت
ولو لم يجدّد عهدنا عقد خلّةقضيت ولم يقض المنى صدق توبة
بعثت إلى قلبي بشيرا بما رأتعلى قدم عيناي منه فكفّت
فلم يعد أن شام البشارة شام ماجفا الشّام من نور الصفات الكريمة
فيالك من نور لو أنّ التفاتةتعارض منه بالنفوس النّفيسة
تحدّث أنفاس الصّبا أن طيبهابما حملته من حراقة حرقة
وتنبىء آصال الربيع عن الرّباوأشجاره إن قد تجلّت فجلّت
وتخبر أصوات البلابل أنهاتغنّت بترجيعي على كلّ أيكة
فهذا جمالي منك في بعد حسرتيفكيف به إن قرّبتني بخلّة
تبدّى وما زال الحجاب ولا دناوغاب ولم يفقده شاهد حضرتي
له كلّ غير في تجلّيه مظهرولا غير إلّا ما محت كفّ غيرة
تجلّي دليل واحتجاب تنزهوإثبات عرفان ومحو تثبّت
فما شئت من شيء وآليت أنههو الشيء لم تحمد فجار أليّتي
وفي كل خلق منه كلّ عجيبةوفي كلّ خلق منه كل لطيفة
وفي كل خاف منه مكمن حكمةوفي كل باد منه مظهر جلوة
أراه بقلب القلب واللّغز كامناوفي الزّجر والفال الصحيح الأدلة
وفي طيّ أوفاق الحساب وسرّ مايتمّ من الأعداد فابدأ بستّة
وفي نفثات السّحر في العقد التيتطوع لها كلّ الطّباع الأبيّة
يصوّر شكلا مثل شكل ويعتليعليه بأوهام النفوس الخبيثة
وفي كلّ تصحيف وعضو بذاتهاختلاج وفي التّقويم مجلى لرؤية
وفي خضرة الكمّون تزجي شرابهمواعيد عرقوب على إثر صفرة
وفي شجر قد خوّفت قطع أصلهافبان بها حمل لأقرب مدّة
وفي النّخل في تلقيحه واعتبر بماأتى فيه عن غير البريّة واسكت
وفي الطابع السّبتي في الأحرف التييبيّن منها النّظم كلّ خفية
وفي صنعة الطّلسم والكيمياء والكنوز وتغوير المياه المعينة
وفي حرز أقسام المؤدّب محرزوحزب أصيل الشّاذليّ وبكرة
وفي سيمياء الحاتميّ ومذهب ابن سبعين إذ يعزى إلى شرّ بدعة
وفي المثل الأولى وفي النّحل الألىبها أوهموا لمّا تساموا بسنّة
وفي كل ما في الكون من عجب وماحوى الكون إلّا ناطقا بعجيبة
فلا سرّ إلّا وهو فيه سريرةولا جهر إلّا وهو فيه كحلية
سل الذّكر عن أنصاف أصناف ما ابتنىعليه الكلام من حروف سليمة
وعن وضعها في بعضها وبلوغ ماأتت فيه أمضى عدّها وتثبّت
فلا بدّ من رمز الكنوز لذي الحجاولا ظلم إلّا ظلم صاحب حكمة
ولولا سلام ساق للأمن خيفتيلعاجل مسّ البرد خوفي لميتتي
ولو لم تداركني ولكن بعطفهادرجت رجائي أن نعتني خيبتي
ولو لم تؤانسني عنّا قبل لم ولمقضى العتب منّي بغية بعد وحشتي
ونعم أقامت أمر ملكي بشكرهاكما هوّنت بالصبر كلّ بليّة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع