من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يحيى ابن عبد الرحمن بن أبي بكر بن علي بن داود القرشي المقري
الصفحة ٢ من ٢
ومن فصل الاعتقال:
سرت بفؤادي إذ سرت فيه نظرتيوسارت ولم تثن العنان بعطفة
وذلك لما أطلع الشمس في الدّجىمحيّا ابنة الحيّين في خير ليلة
يمانيّة لو أنجدت حين أنجدتلما أبصرت عيناك حيّا كميّت
لأصحمة في نصحها قدم بنىلكلّ نجاشيّ بها حصن ذمّة
ألمّت فحطّت رحلها ثم لم يكنسوى وقفة التّوديع حتى استقلّت
فلو سمحت لي بالتفات وحلّ منمهاوي الهوى والهون جدّ تفلّتي
ولكنها همّت بنا فتذكّرتقضاء قضاة الحسن قدما فصدّت
أجلت خيالا إنني لا أجلّهولم أنتسب منه لغير تعلّة
على أنني كلّي وبعضي حقيقةوباطل أوصافي وحقّ حقيقتي
وجنسي وفصلي والعوارض كلّهاونوعي وشخصي والهواء وصورتي
وجسمي ونفسي والحشا وغرامهوعقلي وروحانيّتي القدسيّة
وفي كلّ لفظ عنه ميل لمسمعيوفي كل معنى منه معنى للوعتي
ودهري به عيد ليوم عروبةوأمري أمري والورى تحت قبضتي
ووقتي شهود في فناء شهدتهولا وقت لي إلّا مشاهد غيبة
أراه معي حسّا ووهما وإنهمناط الثّريّا من مدارك رؤيتي
وأسمعه من غير نطق كأنهيلقّن سمعي ما توسوس مهجتي
ملأت بأنوار المحبّة باطنيكأنّك نور في سرار سريرتي
وجلّيت بالإجلال أرجاء ظاهريكأنّك في أفقي كواكب زينة
فأنت الذي أخفيه عند تستّريوأنت الذي أبديه في حين شهرتي
فته أحتمل، واقطع أصل واعل استفلومر أمتثل واملل أمل، وارم أثبت
فقلبي إن عاتبته فيك لم أجدلعتبي فيه الدهر موقع نكنة
ونفسي تنبو عن سواك نفاسةفلا تنتمي إلّا إليك بمنّة
تعلّقت الآمال منك بفوق ماأرى دونه ما لا ينال بحيلة
وحامت حواليها وما وافقت حمىسحائب يأس أمطرت ماء عبرتي
فلو فاتني منك الرّضى ولحقتنيبعفو بكيت الدهر فوت فضيلة
ولو كنت في أهل اليمين منعّمابكيت على ما كان من سبقيّة
وكم من مقام قمت عنك مسائلاأرى كلّ حيّ كلّ حيّ وميّت
أتيت بفاراب أبا نصرها فلمأجد عنده علما يبرّد غلّتي
ولم يدر قولي ابن سيناء سائلافقل كيف أرجو عنده برء علّتي
فهل في ابن رشد بعد هذين مرتجىوفي ابن طفيل لاحتثاث مطيّتي؟
لقد ضاع لولا أن تداركني حمىمن الله سعي بينهم طول مدّتي
فقيّض لي نهجا إلى الحقّ سالكاوأيقظني من نوم جهلي وغفلتي
فحصّنت أنظار الجنيد جنيدهابترك فلي من رغبة ريح رهبة
وكسّرت عن رجل ابن أدهم أدهماوأنقذته من أسر حبّ الأسرة
وعدت على حلّاج شكري بصلبهوألقيت بلعام التّفاتي بهوّة
فقولي مشكور ورأيي ناجحوفعلي محمود بكلّ محلّة
رضيت بعرفاني فأعليت للعلاوأجلسني بعد الرّضا فيه جلّتي
فعشت ولا ضيرا أخاف ولا قلىوصرت حبيبا في ديار أحبّتي
فها أنا ذا أمسي وأصبح بينهممبلّغ نفسي منهم ما تمنّت
وأنشدني قوله في حال قبض وقيّدتها عنه:
إليك بسطت الكفّ أستنزل الفضلاومنك قبضت الطّرف أستشعر الذّلّا
وها أنا ذا قد قمت يقدمني الرّجاويحجمني الخوف الذي خامر العقلا
أقدّم رجلا إن يضيء برق مطمعوتظلم أرجائي فلا أنقل الرّجلا
ولي عثرات لست آمل أن هوتبنفسي ألّا أستقل وأن أصلى
فإن تدرّكني رحمة أنتعش بهاوإن تكن الأخرى فأولى بي الأولى
قال، ومما نظمته من الشعر:
وجد تسعّره الضلوع وما تبرّده المدامع
همّ تحرّكه الصّبابة والمهابة لا تطاوع
أملي إذا وصل الرّجاأسبابه فالموت قاطع
بالله يا هذا الهوىما أنت بالعشّاق صانع؟
قال: ومما كتبت به لمن بلغني عنه بعض الشيء:
نحن، إن تسأل بناس، معشرأهل ماء فجّرته الهمم
عرب من بيضهم أرزاقهمومن السّمر الطوال الخيم
عرّضت أحسابهم أرواحهمدون نيل العرض وهي الكرم
أورثونا المجد حتى إننانرتضي الموت ولا نزدحم
ما لنا في الناس من ذنب سوىأننا نلوي إذا ما اقتحموا
قال: ومما قلته مذيّلا به قول القاضي أبي بكر بن العربي:
أما والمسجد الأقصىوما يتلى به نصّا
لقد رقصت بنات الشوق بين جوانحي رقصا
قولي:
فأقلع بي إليه هوىجناحا عزمه قصّا
أقلّ القلب واستعدىعلى الجثمان فاستعصى
فقمت أجول بينهمافلا أدنى ولا أقصى
قال: ومما قلته في التورية بشأن راوي المدوّنة:
لا تعجبنّ لظبي قد دها أسدافقد دها أسدا من قبل سحنون
قال: ومما قلته من الشعر:
أنبتّ عودا بنعماء بدأت بهافضلا وألبستها بعد اللّحى الورقا
فظلّ مستشعرا مستدثرا أرجاريّان ذا بهجة يستوقف الحدقا
فلا تشنه بمكروه الجنى فلكمعوّدته من جميل من لدن خلقا
وانف القذى عنه واثر الدهر منبتهوغذّه برجاء واسقه غدقا
واحفظه من حادثات الدهر أجمعهاما جاء منها على ضوء وما طرقا
ومما قيّدت عنه أيام مجالسته ومقامه بغرناطة، وقد أجرى ذكر أبي زيد ابن الإمام، أنه شهد مجلسا بين يدي السلطان أبي تاشفين عبد الرحمن بن أبي حمّو،
ذكر فيه أبو زيد المذكور، أن ابن القاسم مقيد بالنظر بأصول مالك، ونازعه أبو موسى عمران بن موسى المشذالي، وادّعى أنه مطلق الاجتهاد، واحتج له بمخالفته لبعض ما يرويه أو يبلغه عنه لما ليس من قوله، وأتى من ذلك بنظائر كثيرة. قال: فلو تقيّد بمذهبه لم يخالفه لغيره، فاستظهر أبو زيد بنصّ لشرف الدين بن التلمساني، ومثّل فيه الاجتهاد المخصوص باجتهاد ابن القاسم بالنظر إلى مذهب مالك، والمزني إلى الشافعي. فقال أبو موسى عمران: هذا مثال، والمثال لا يلزم صحّته، فصاح به أبو زيد ابن الإمام وقال لأبي عبد الله بن أبي عمر: تكلّم، فقال: لا أعرف ما قال هذا الفقيه، والذي أذكره من كلام أهل العلم أنه لا يلزم من فساد المثال فساد الممثّل به، فقال أبو موسى للسلطان: هذا كلام أصولي محقق، فقلت لهما يومئذ، وأنا حديث السن: ما أنصفهما الرّجل، فإن المثل كما يؤخذ على جهة التحقيق، كذلك يؤخذ على جهة التقريب، ومن ثمّ جاء ما قال هذا الشيخ، أعني ابن أبي عمران، وكيف لا وهذا سيبويه يقول: وهذا مثال ولا يتكلّم به، فإذا صحّ أن المثال قد يكون تقريبا، فلا يلزم صحة المثال، ولا فساد الممثّل لفساده، فهذان القولان من أصل واحد.
وقال: شهدت مجلسا آخر عند هذا السلطان، قرىء فيه على أبي زيد ابن الإمام حديث: «لقّنوا موتاكم لا إله إلا الله»، من صحيح مسلم، فقال له الأستاذ أبو إسحاق بن حكم السّلوي: هذا الملقّن محتضر حقيقة، ميّت مجازا، فما وجه ترك محتضريكم إلى موتاكم، والأصل الحقيقة؟ فأجابه أبو زيد بجواب لم يقنعه. وكنت قد قرأت على الأستاذ بعض «التنقيح»، فقلت: زعم القرافي أن المشتقّ إنما يكون حقيقة في الحال، مجازا في الاستقبال، مختلفا فيه في الماضي، إذا كان محكوما به.
وأمّا إذا كان متعلّق الحكم كما هنا، فهو حقيقة مطلقا إجماعا، وعلى هذا التقرير لا مجاز ولا سؤال. ولا يقال: إنه احتجّ على ذلك بما فيه نظر؛ لأنّا نقول: إنه نقل الإجماع، وهو أحد الأربعة التي لا يطالب عنها بالدليل، كما ذكر أيضا. بل
نقول: إنه أساء حيث احتجّ في موضع الوفاق، كما أساء اللخمي وغيره في الاحتجاج على وجوب الطّهارة ونحوها. بل هذا أشنع، لكونه مما علم كونه من الدّين ضرورة. ثم إنّا لو سلّمنا نفي الإجماع، فلنا أن نقول: إن ذلك إشارة إلى ظهور العلامات التي يعقبها الموت عادة؛ لأنّ تلقينه قبل ذلك، إن لم يدهش، فقد يوحش، فهو تنبيه على وقت التلقين: أي لقّنوا من تحكمون بأنه ميت. أو يقال: إنما عدل عن الاحتضار لما فيه من الإبهام، ألا ترى اختلافهم فيه: هل هو أخذ من حضور الملائكة أو حضور الأجل، أو حضور الجلّاس؟ ولا شك أن هذه حالة خفيّة يحتاج في نصها إلى دليل الحكمة أو إلى وصف ظاهر يضبطها، وهو ما ذكرناه، أو من حضور الموت، وهو أيضا ممّا لا يعرّف بنفسه، بل بالعلامات. فلمّا وجب اعتبارها، وجب كون تلك التسمية إشارة إليها، والله أعلم.
وقال: وكان أبو زيد يقول، فيما جاء من الأحاديث: ما معنى قول ابن أبي زيد: «وإذا سلّم الإمام، فلا يلبث بعد سلامه ولينصرف»، وذلك بعد أن ينتظر من يسلّم من خلفه لئلّا يمر بين يدي أحد، وقد ارتفع عنه حكمه، فيكون كالداخل مع المسبوق جمعا بين الأدلة.
وقلت: وهذا من ملح الفقيه. وقال: كان أبو زيد يعني الإمام، يصحّف قول الخونجي في الجمل والمقارنات التي يمكن اجتماعه معها، فيقول: و «المفارقات»، ولعلّه في هذا كما قال أبو عمرو بن العلاء للأصمعي لمّا قرأ عليه:
وغررتني وزعمت أنكلابن في الصّيف تامر
فقال:
وغررتني وزعمت أنكلا تني بالضّيف تامر
فقال: أنت في تصحيفك أشهر من الحطيئة، أو كما يحكى عن الشافعي أنه لما صلّى في رمضان بالخليفة، لم يكن يومئذ يحفظ القرآن، فكان ينظر في
المصحف، وقرأ الآية «صنعة الله أصيب بها من أساء. إنما المشركون نحس. وعدها إياه، تقية لكم خير لكم. هذا أن دعوا للرحمن ولدا، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه».
وقال: وذكر أبو زيد ابن الإمام في مجلسه يوما أنه سئل بالمشرق عن هاتين الشريطتين: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ
، فإنهما يستلزمان بحكم الإنتاج «ولو علم الله فيهم خيرا لتولّوا وهم معرضون» وهو محال. ثم أراد أن يرى ما عند الحاضرين، فقال ابن حكم: قال الخونجي: والإهمال بإطلاق لفظه، لو وأن في المتّصلة، فهاتان القضيتان على هذا مهملتان، والمهملة في قوة الجزئية، ولا قياس على جزئيّتين. فلما اجتمعت ببجاية بأبي علي حسين بن حسين، أخبرته بهذا، وبما أجاب به الزّمخشري وغيره، ممّا يرجع إلى انتفاء أمر تكرار الوسط. فقال لي: الجوابان في المعنى سواء؛ لأن القياس على الجزئيّتين إنما امتنع لانتفاء أمر تكرار الوسط. وأخبرت بذلك شيخنا أبا عبد الله الآبلي، فقال: إنما يقوم القياس على الوسط، ثم يشترط فيه بعد ذلك أن لا يكون من جزئيتين ولا سالبتين، إلى سائر ما يشترط، فقلت: ما المانع من كون هذه الشروط تفصيلا لمجمل ما ينبني عليه الوسط وغيره، وإلا فلا مانع لما قاله ابن حسين. قال الآبلي: وأجبت بجواب السّلوي، ثم رجعت إلى ما قاله الناس، لوجوب كون مهملات القرآن كلّية؛ لأن الشّرطية لا تنتج جزئيّة. فقلت: هذا فيما يساق منها للحجة مثل لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
. أما في مثل هذا فلا قلت. وكان يلزم السؤال الأول لو لم يكن للمتولي سبب تأخر، حسبما تبين في مسألة، لو لم يطع الله، فلينظر ذلك في اسم شيخنا أبي بكر يحيى بن هذيل ﵀.
وقال: لما ورد تلمسان الشيخ الأديب أبو الحسن بن فرحون، نزيل طيبة، على تربتها السلام، سأل ابن حكم عن معنى هذين البيتين:
رأت قمر السماء فأذكرتنيليالي وصلنا بالرّقمتين
كلانا ناظر قمرا ولكنرأيت بعينها ورأت بعيني
ففكّر ثم قال: لعل هذا الرجل كان ينظر إليها، وهي تنظر إلى قمر السماء، فهي تنظر إلى القمر حقيقة، وهو لفرط الاستحسان يرى أنها الحقيقة. فقد رأى بعينها لأنها ناظرة الحقيقة. وأيضا وهو ينظر إلى قمر مجازا، وهو لإفراطه استحسانها يرى أنّ قمر السماء هو المجاز، فقد رأت بعينه؛ لأنها ناظرة المجاز.
قلت: ومن هذا يعلم وجه الفاء في قوله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
والفاء فأذكرتني بمثابة قولك أذكرتني، فتأمّله، فإن بعض من لا يفهم كلام الأستاذ كل الفهم، ينشده: «وأذكرتني». فالفاء في البيت الأول، منبّهة على الثاني، وهذا النحو يسمى «الإيذان في علم البيان».
وقال: سألني ابن حكم عن نسب هذا المجيب في هذا البيت:
ومهفهف الأعطاف قلت له انتسبفأجاب ما قتل المحبّ حرام
ففكرت ثم قلت له: أراه تميميا؛ لإلغائه «ما» النافية. فاستحسنه مني لصغر سني يومئذ. وسأل ابن فرحون ابن حكم يوما: هل تجد في التّنزيل ستّ فاءات مرتبة ترتيبها في هذا البيت:
رأى فحبّ فرام الوصل فامتنعتفسام صبرا فأعيا نيله فقضى
ففكر ابن حكم، ثم قال: نعم قوله ﷿: فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ فَتَنادَوْا
إلى آخرها، فمنعت له البناء في فَتَنادَوْا.
فقال لابن فرحون: فهل عندك غيره؟ فقال: نعم، قوله ﷿: فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها
إلى آخرها، فمنع لهم بناء الآخرة لقراءة الواو. فقلت له: امنع ولا تسند، فيقال: إن المعاني قد تختلف باختلاف الحروف، وإن كان السّند لا يسمع الكلام عليه. وأكثر ما وجدت الفاء تنتهي في كلامهم إلى هذا العدد، سواء بهذا الشرط وبدونه، كقول نوح ﵇: فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ
وَشُرَكاءَكُمْ
. وكقول امرئ القيس: «غشيت ديار الحيّ بالبكرات، البيتين ». لا يقال قوله: فالحبّ سابع؛ لأنا نقول إنه عطف على «عاقل» المجرّد منها، ولعلّ حكمة السّتة أنها أول الأعداد التامة، كما قيل في حكمة خلق السماوات والأرض فيها، وشأن اللسان عجيب.
وقال: سمعت ابن حكم يقول: كتب بعض أدباء فاس إلى صاحب له:
ابعث إليّ بشيءمدار فاس عليه
وليس عندك شيءممّا أشير إليه
فبعث إليه ببطّة من مرّي شرب، يشير بذلك إلى الرّياء.
وحدّثت أن قاضيها أبا محمد عبد الله بن أحمد بن الملجوم دعي إلى وليمة، وكان كثير البلغم، فوضع بين يديه صهره أبو العباس بن الأشقر غضارا من اللّوز المطبوخ بالمرّي، لمناسبة لمزاجه، فخاف أن يكون قد عرّض له بالرياء. وكان ابن الأشقر يذكر بالوقوع في الناس، فقدّم له القاضي غضار المقروض، فاستحسن الحاضرون فطنته.
وقال عند ذكر شيخه أبي محمد عبد الله بن عبد الواحد المجاصي: دخلت عليه بالفقيه أبي عبد الله السّطي في أيام عيد، فقدّم لنا طعاما، فقلت: لو أكلت معنا، فرجونا بذلك ما يرفع من حديث «من أكل مع مغفور له، غفر له» فتبسّم، وقال لي: دخلت على سيدي أبي عبد الله الفاسي بالإسكندرية، فقدّم
لنا طعاما، فسألته عن هذا الحديث فقال: وقع في نفسي شيء، فرأيت النبيّ ﷺ في المنام، فسألته عنه، فقال: لم أقله، وأرجو أن يكون كذلك. وصافحته بمصافحته الشيخ أبا عبد الله زيان، بمصافحته أبا سعيد عثمان بن عطية الصعيدي، بمصافحته أبا العباس أحمد الملثّم، بمصافحته المعمّر، بمصافحته رسول الله ﷺ.
وحدّث عن شيخه أبي محمد الدّلاصي، أنه كان للملك العادل مملوك اسمه محمد، فكان يخصّه لدينه وعقله، بالنداء باسمه، وإنما كان ينعق بمماليكه: يا ساقي، يا طبّاخ، يا مزين. فناداه ذات يوم: يا فرّاش، فظنّ أن ذلك لموجدة عليه. فلم ير أثر ذلك، وتصوّرت له به خلوة، فسأله عن مخالفته لعادته، فقال له: لا عليك، كنت يومئذ جنبا، فكرهت أن أذكر اسم رسول الله ﷺ، على تلك الحالة. وقال: أنشدني المجاصي، قال: أنشدني الإمام نجم الدين الواسطي، قال: أنشدني شرف الدين الدمياطي، قال: أنشدني تاج الدين الآمدي، مؤلف «الحاصل»، قال: أنشدني الإمام فخر الدين لنفسه:
نهاية إقدام العقول عقالوأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومناوحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرناسوى أن جمعنا فيه قيل وقال
وكم من رجال قد رأينا ودولةفبادوا جميعا مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتهارجال فماتوا والجبال جبال
وقال: وقد مرّ من ذكر الشريف القاضي أبي علي حسين بن يوسف بن يحيى الحسني في عداد شيوخه وقال: حدّثني أبو العباس الرّندي عن القاضي أبي العباس بن الغمّاز، قال: لمّا قدم القاضي أبو العباس بن الغماز من بلنسية، نزل بجاية؛ فجلس بها في الشهود مع عبد الحق بن ربيع، فجاء عبد الحق يوما، وعليه برنس أبيض، وقد حسنت شارته، وكملت هيئته، فلمّا نظر إليه ابن الغماز أنشده:
لبس البرنس الفقيه فباهىورأى أنه المليح فتاها
لو زليخا رأته حين تبدّىلتمنّته أن يكون فتاها
وقال أيضا: إن ابن الغمّاز جلس لارتقاب الهلال بجامع الزّيتونة، فنزل الشهود من المئذنة وأخبروا أنهم لم يهلّوه. وجاء حفيد له صغير، فأخبره أنه أهلّه، فردّهم معه، فأراهم إياه، فقال: ما أشبه الليلة بالبارحة. وقد وقع لنا مثل هذا مع أبي الربيع بن سالم، فأنشدنا فيه:
توارى هلال الأفق عن أعين الورىوأرخى حجاب الغيم دون محيّاه
فلمّا تصدّى لارتقاب شقيقهتبدّى له دون الأنام فحيّاه
وجرى في ذكر أبي عبد الله بن النجار، الشيخ التعالمي من أهل تلمسان، فقال: ذكرت يوما قول ابن الحاجب فيما يحرّم من النساء بالقرابة، وهي «أصول وفصول، أول أصوله، وأول فصل من كل أصل وإن علا»، فقال: إن تركّب لفظ التّسمية العرفية من الطّرفين حلّت، وإلّا حرمت، فتأمّلته، فوجدته كما قال: لأن أقسام هذا الضابط أربعة: التّركيب من الطرفين، كابن العم وابنة العم مقابله كالأب والبنت، والتركيب من قبل الرجل كابنة الأخ والعمّ مقابله كابن الأخت والخالة.
وذكر الشيخ الرئيس أبا محمد عبد المهيمن بن محمد الحضرمي. وقال:
كان ينكر إضافة الحول إلى الله ﷿، فلا يجيز أن يقال: «بحول الله وقوّته»، قال: لأنه لم يرد إطلاقه، والمعنى يقتضي امتناعه؛ لأنّ الحول كالحيلة، أو قريب منها.
وحكى عن شيخه أبي زيد عبد الرحمن الصّنهاجي، عن القاضي أبي زيد عبد الرحمن بن علي الدّكالي، أنه اختصم عنده رجلان في شاة، ادّعى أحدهما أنه أودعها الآخر، وادّعى الآخر أنها ضاعت منه، فأوجب اليمين على المودع أنها ضاعت من غير تضييع، فقال: كيف أضيّع، وقد شغلتني حراستها عن الصلاة، حتى خرج وقتها؟ فحكم عليه بالغرم، فقيل له في ذلك، فقال: تأوّلت قول عمر: و «من ضيّعها فهو لما سواها أضيع».
وحكى عن الشيخ الفقيه رحلة الوقت أبي عبد الله الآبلي، حكاية في باب الضّرب، وقوة الإدراك، قال: كنت يوما مع القاسم بن محمد الصّنهاجي، فوردت عليه طومارة من قبل القاضي أبي الحجاج الطرطوشي فيها:
خيرات ما تحويه مبذولةومطلبي تصحيف مقلوبها
فقال لي: ما مطلبه؟ فقلت: «نارنج». ودخل عليه وأنا عنده بتلمسان الشيخ الطبيب أبو عبد الله الدبّاغ المالقي، فأخبرنا أن أديبا استجدى وزيرا بهذا الشّطر:
«ثمّ حبيب قلّما ينصف» فأخذته وكتبته، ثم قلبته وصحّفته، فإذا به: قصبتا ملفّ شحمي.
وقال: قال شيخنا الآبلي: لما نزلت تازة مع أبي الحسن بن برّي، وأبي عبد الله التّرجالي، فاحتجت إلى النوم، وكرهت قطعهما إلى الكلام، فاستكشفت منهما عن معنى هذا البيت للمعري:
أقول لعبد الله لمّا سقاؤناونحن بوادي عبد شمس وهاشم
فجعلا يفكّران فيه، فنمت حتى أصبحا، ولم يجداه، وسألوني عنه، فقلت:
معناه «أقول لعبد الله لمّا وهي سقاؤنا، ونحن بوادي عبد شمس: شم لنا برقا».
قلت: وفيه نظر. وإن استقصينا مثل هذا، خرجنا عن الغرض.
مولده: نقلت من خطه: كان مولدي بتلمسان أيام أبي حمّو موسى بن عثمان بن يغمراسن بن زيّان. وقد وقفت على تاريخ ذلك، ورأيت الصّفح عنه؛ لأن أبا الحسن بن موسى سأل أبا الطاهر السّلفي عن سنّه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا الفتح بن زيّان بن مسعدة عن سنّه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت محمد بن علي بن محمد اللبّان عن سنّه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت حمزة بن يوسف السّهمي عن سنّه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا بكر محمد بن علي النفزي عن سنّه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت بعض أصحاب الشافعي عن سنّه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا إسماعيل التّرمذي عن سنّه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت الشافعي عن
سنّه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت مالك بن أنس عن سنّه، فقال: أقبل على شأنك، ليس من المروءة إخبار الرجل عن سنّه.
وفاته: توفي بمدينة فاس في أخريات محرم من عام تسعة وخمسين وسبعمائة، وأراه توفي في ذي حجة من العام قبله. ونقل إلى تربة سلفه بمدينة تلمسان حرسها الله.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع