من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
محمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم ابن محمد بن خلف بن محمد بن سليمان بن سوار ابن أحمد بن حزب الله بن عامر بن سعد الخير بن عيّاش
المكنى بأبي عيشون بن حمّود، الداخل إلى الأندلس صحبة موسى بن نصير، ابن عنبسة بن حارثة بن العباس بن المرداس، يكنّى أبا البركات، بلفيقي الأصل، مروي النشأة والولادة والسلف، يعرف بابن الحاج، وشهر الآن في غير بلده بالبلفيقي، وفي بلده بالمعرفة القديمة.
أوّليّته: قد تقدم اتصال نسبه بحارثة بن العباس بن مرداس، صاحب رسول الله ﷺ، وأحد خطبائه وشعرائه، رئيس في الإسلام، ورئيس في الجاهلية. وكان لسلفه، وخصوصا لإبراهيم، من الشهرة بولاية الله، وإيجاب الحقّ من خلقه ما هو مشهور، حسبما تنطق به الفهارس، يعضّد هذا المجد من جهة الأمومة، كأبي بكر بن صهيب، وابن عمه أبي إسحاق، وغيرهم، الكثير ممن صنّف في رجال الأندلس، كأبي عبد المجيد المالقي، وابن الأبار، وابن طلحة، وابن فرتون، وابن صاحب الصلاة، وابن الزّبير، وابن عبد الملك، فلينظر هناك.
حاله: نشأ ببلده ألمرية عمود العفة، فضفاض جلباب الصّيانة، غضيض طرف الحياء، نائي جنب السّلام، حليف الانقباض والازورار، آويا إلى خالص النّشب وبحت الطّعمة، لا يرى إلّا في منزل من سأله، وفي حلق الأسانيد، أو في مسجد من المساجد خارج المدينة المعدّة للتّعبّد، لا يجيء سوقا، ولا مجمعا، ولا وليمة، ولا مجلس حاكم أو وال، ولا يلابس أمرا من الأمور التي جرت عادته أن يلابسها بوجه من الوجوه. ثم ترامى إلى رحلة، فجاس خلال القطر الغربي إلى بجاية، نافضا إياه من العلماء والصلحاء والأدباء والآثار بتقييده، وأخذه قيام ذكر، وإغفال شهرة. ثم صرف عنانه إلى الأندلس، فتصرف في الإقراء، والقضاء، والخطابة. وهو الآن نسيج
وحده في أصالة عريقة، وسجيّة على السلامة مفطورة، فما شئت من صدر سليم، وعقد وثيق، وغور قريب، ونصح مبذول، وتصنّع مرفوض، ونفس ساذجة، وباطن مساو للظاهر، ودمعة سريعة، وهزل يثمر تجلّة، وانبساط يفيد حسن نيّة، إلى حسن العهد، وفضل المشاركة، ورقّة الحاشية، وصلابة العود، وصدق العزيمة، وقوة الحامية، وبلاغة الموعظة، وجلّة الوقت، وفائدة العصر، تفننا وإمتاعا، فارس المنابر غير الهيّابة، ولا الجزوع، طيّب النّغمة بالقرآن، مجهشا في مجال الرّقة، كثير الشفقة لصالح العامة، متأسفا لضياع الأوقات، مدمعا على الفيئة، مجمّا، محوّلا في رئاسة الدين والدنيا. هذا ما يسامح فيه الإيجاز، ويتجافى عنه الاختصار، ويكفي فيه الإلماع والإشارة، أبقى الله شيخنا أبا البركات.
مشيخته وولايته: تقدم قاضيا بقنالش، في جمادى الثانية عام خمسة عشر وسبع مائة ثم ولّي مربلّة، وإستبونة ثم كانت رحلته إلى بجاية. ثم عاد فقعد بمجلس الإقراء من مالقة للكلام على صحيح مسلم، متّفقا على اضطلاعه بذلك. ثم رحل إلى فاس. ثم آب إلى الأندلس، واستقرّ ببلده ألمرية، فقعد بمسجدها الجامع للإقراء، ثم قدّم قاضيا ببرجة ودلّاية، والبينول وفنيانة، ثم نقل عنها إلى بيرة، ثم غربي ألمرية. ثم قدّم قاضيا بمالقة، ثم قدّم بغربها مضافا إلى الخطابة، ثم أعيد إلى قضاء ألمرية، بعد وفاة القاضي أبي محمد بن الصائغ. ومن كتاب «طرفة العصر» من تأليفنا في خبر ولايته ما نصه:
فتقلّد الحكم في الثالث والعشرين لشعبان من عام سبعة وأربعين وسبعمائة، ثالث يوم وصوله مستدعى، وانتابه الطّلبة ووجوه الحضرة والدولة، مهنئين بمثواه من دار الصيانة، ومحل التّجلّة، إحدى دور الملوك بالحمراء، فطفقوا يغشونه بها زرافات ووحدانا، في إتاحة الخير، وإلهام السّداد، وتسويغ الموهبة. وكان وصوله، والأفق قد اغبرّ، والأرض قد اقشعرّت لانصرام حظّ من أيام الشتاء الموافق لشهر ولايته، لم
يسح فيه الغمام بقطرة، ولا لمعت السماء بنزعة، حتى أضرّت الأنفس الشحّ، وحسر العسر عن ساقه، وتوقفت البذور، فساعده الجدّ بنزول الرّحمة عند نزوله من مرقاة المنبر، مجابة دعوة استسقائه، ظاهرة بركة خشوعه، ولذلك ما أنشدته في تلك الحال:
ظمئت إلى السّقيا الأباطح والرّباحتى دعونا العام عاما مجدبا
والغيث مسدول الحجاب وإنماعلم الغمام قدومكم فتأدّبا
وتولى النظر في الأحكام فأجال قداحها، مضطلعا بأصالة النظر، وإرجاء المشبّهات، وسلك في الخطابة طريقة مثلى، يفرغ في قوالب البيان أغراضها، ويصرف على الأحكام الكوائن والبساطات أساليبها، من المحاكاة، باختلاف القبض والبسط، والوعد والوعيد، حظوظها على مقبض العدل، وسبب الصواب يقوم على كثير مما يصدع به، من ذلك شاهد البديهة، ودليل الاستيعاب. قال شيخنا أبو البركات: ثم صرفت عنها للسبب المتقدم، وبقيت مقيما بها، لما اشتهر من وقوع الوباء بألمريّة، ثم أعدت إلى القضاء والخطابة بألمرية، وكتب بذلك في أوايل رجب عام تسعة وأربعين. وبقيت على ذلك إلى أن صرفت بسبب ما ذكر. ثم أعدت إليها في أواخر رجب سنة ست وخمسين، عسى أن يكون الانقطاع لله سبحانه. فأنا الآن أتمثل بما قاله أبو مطرّف بن عميرة ﵀:
قد نسبنا إلى الكتابة يوماوأتت خطّة القضاء تليها
وبكلّ لم نطق للمجد إلّامنزلا نابيا وعيشا كريها
نسبة بدّلت فلم تتغيّرمثل ما يزعم المهندس فيها
بدّل من لفظ الكتابة إلى الخطابة. وأغرب ما رأيت ما أحكي لك، وأنت أعلم ببعض ذلك، أن أفضل ما صدر عني في ذلك، الخطة من العمل الذي أخلصت لله فيه، ورجوت منه المثوبة عليه، وفيه مع ذلك مفتخر لمن أراد أن يفتخر غير ملتفت للدنيا، فعليه عوّلت سبحانه. انتهى كلامه.
تصانيفه: كتب إليّ بخطّه ما نصه، وهو فصل من فصول: وأما تواليفي فأكثرها، أو كلها عير متمّمة، في مبيّضات. منها كتاب قد يكبو الجواد في أربعين
غلطة عن أربعين من النّقّاد، وهو نوع من تصحيف الحفّاظ للدّارقطني، منها «سلوة الخاطر فيما أشكل من نسبة النّسب الرّتب إلى الذّاكر». ومنها كتاب «قدر جمّ في نظم الجمل». ومنها كتاب «خطر فبطر، ونظر فحظر، على تنبيهات على وثائق ابن فتّوح». ومنها كتاب «الإفصاح فيمن عرف بالأندلس بالصّلاح». ومنها «حركة الدّخولية في المسألة المالقية». ومنها «خطرة المجلس في كلمة وقعت في شعر استنصر به أهل الأندلس» جزء صغير. ومنها «تاريخ ألمريّة» غير تام. ومنها ديوان شعره المسمى ب «العذب والأجاج في شعر أبي البركات ابن الحاج». ومختصره سمّاه القاضي الشريف «اللؤلؤ والمرجان، اللذان من العذب والأجاج يستخرجان». ومنها «عرائس بنات الخواطر المجلوّة على منصّات المنابر» يحتوي على فصول الخطب التي أنشئت بطول بنى والخطابة. ومنها «المؤتمن على أنباء أبناء الزمن». ومنها تأليف في أسماء الكتب، والتّعريف بمؤلفيها، على حروف المعجم.
ومنها «ما اتفق لأبي البركات فيما يشبه الكرامات». ومنها كتاب «ما رأيت وما رئي لي من المقامات». ومنها كتاب «المرجع بالدّرك على من أنكر وقوع المشترك».
ومنها «مشبّهات اصطلاح العلوم». ومنها «ما كثر وروده في مجلس القضاء». ومنها «الغلسيّات»، وهو ما صدر عني من الكلام على صحيح مسلم أيام التكلّم عليه في التّغليس. ومنها «الفصول والأبواب، في ذكر من أخذ عني من الشيوخ والأتباع والأصحاب».
ثم قال: وقد ذهب شرخ الشّباب ونشاطه، وتقطّعت أوصاله، ورحل رباطه، وأصبحت النفس تنظر لهذا كله بعين الإمهال والإغفال، وقلّة المبالاة التي لا يصل أحد بها إلى منال. وهذه الأعمال لا ينشّط إليها إلّا المحرّكات التي هي مفقودة عندي، أحدها طلبة مجتمعون متعطّشون إلى ما عندي، متشوّفون غاية التّشوّف، وأين هذه بألمرية؟ الثاني، طلب رياسة على هذا، ومتى يرأس أحد بهذا اليوم، وعلى تقدير أن يرأس به وهو محال في عادة هذا الوقت، فالتشوّف لهذه الرياسة مفقود عندي.
الثالث، سلطان يملأ يد من يظهر مثل هذا، على يده غبطة، وما تم هذا. الرابع، نيّة خالصة لوجه الله تعالى في الإفادة، وهذا أيضا مفقود عندي، ولا بدّ من الإنصاف.
الخامس، قصد بقاء الذّكر، وهذا خيال ضعيف بعيد عني. السادس، الشفقة على شيء ابتدى، وسعي في تحصيل مباديه، أن يضيع على قطع ما سوى هذا الإشفاق،
وهذا السادس، هو الذي في نفسي منه شيء، وبه أنا أقيد أسماء من لقيت، وما أخذت، ويكون إن شاء الله إبراز إذا الصّحف نشرت. وأكثر زماني يذهب في كيفية الخروج عما أنا فيه، فإذا ينظر إليّ العاقل في هذا الوقت بعين البصيرة، لا يسعه إلّا الشّفقة عليّ، والرّحمة لي، فإنه يرى رجلا مطرقا أكثر نهاره، ينظر إلى مآله، فلا ينشط إلى إصلاحه، وهو سابع ولا يلبس بالعبادة، وهو في زمانها المقارب للفوت، ولا ينهض إلى إقامة حقّ كما ينبغي لعدم المعين، ولا يجنح إلى شيء من راحات الدنيا، ويشاهد من علوم الباطل الذي لا طاقة له على رفعه ما يضيّق صدر الحرّ يقضي نصف النهار، محتلّا في مكان غير حسن، تارة يفكر، وتارة يكتب ما هو على يقين منه أنه كذا لا ينتفع به، ونصف النهار يقعد للناس، تارة يرى ما يكره، وتارة يسمع ما يكره، لا صديق يذكّره بأمر الآخرة، ولا صديق يسليه بأمر الدنيا، يكفيني من هذه الغزارة، اللهمّ إليك المشتكى يا من بيده الخلق، ولا حول ولا قوة إلّا بالله.
شعره: من مطوّلاته في النزعة الغربية التي انفرد بها، منقولا من ديوانه، قال:
ومما نظمته بسبتة في ذي الحجة من عام خمسة وعشرين وسبعمائة، في وصف حالي، وأخذها عني الأستاذ بسبتة، أبو عبد الله بن هاني، والأديب البارع أبو القاسم الحسيني، وأبو القاسم بن حزب الله، وسواهم. ولما انفصلت من سبتة إلى بلاد الريف زدت عليها أبياتا في أولها، وكثر ذلك بوادي لو من بلاد الريف وهي:
تأسفت لكن حين عزّ التأسّفوكفكفت دمعا حين لا عين تذرف
ورام سكونا هو في رجل طائرونادى بأنس والمنازل تعنف
أراقب قلبي مرّة بعد مرةفألفيه ذيّاك الذي أنا أعرف
سقيم ولكن لا يحسّ بدائهسوى من له في مأزق الموت موقف
وجاذب قلبا ليس يأوي لمألفوعالج نفسا داؤها يتضاعف
وأعجب ما فيه استواء صفاتهإذ الهمّ يشقيه أو السرّ ينزف
إذا حلّت الضّرّاء لم ينفعل لهاوإن حلّت السّراء لا يتكيّف
مذاهبه لم تبد غاية أمرهفؤاد، لعمري، لا يرى منه أطرف
فما أنا من قوم قصارى همومهمبنوهم وأهلهم وثوب وأرغف
ولا لي بالإسراف فكر محدثسيغدو حبيبي أو سيشعر مطرف
ولا أنا ممّن لهوه جلّ شأنهبروض أنيق أو غزال مهفهف
ولا أنا ممّن أنسه غاية المنىبصوت رخيم أو نديم وقرقف
ولا أنا ممّن تزدهيه مصانعويسبيه بستان ويلهيه مخرّف
ولا أنا ممن همّه جمعها فإنتراءت يثب بسعي لها وهو مرجف
على أنّ دهري لم تدع لي صروفهمن المال إلّا مسحة أو مجلف
ولا أنا ممن هذه الدار همّهوقد غرّه منها جمال وزخرف
ولا أنا ممن للسّؤال قد انبرىولا أنا ممن صان عنه التّعطف
ولا أنا ممن نجّح الله سعيهمفهمّتهم فيها مصلّى ومصحف
فلا في هوى أضحى إلى اللهو قائداولا في تقى أمسى إلى الله يزلف
أحارب دهري في نقيض طباعهوحربك من يقضي عليك تعجرف
وأنظره شزرا بأصلف ناظرفيعرض عنّي وهو أزهى وأصلف
وأضبطه ضبط المحدّث صحفهفيخرج في التّوقيع أنت المصحف
ويأخذ مني كلّ ما عزّ نيلهويبدو بجهلي منه في الأخذ محتف
أدور له في كل وجه لعلّنيسأثبته وهو الذي ظلّ يحذف
ولما يئسنا منه تهنّا ضرورةفلم تبق لي فيها عليه تشوّف
تكلّفت قطع الأرض أطلب سلوةلنفسي فما أجدى بتلك التكلّف
وخاطرت بالنفس العزيزة مقدماإذا ما تخطّى النّصل قصد مرهف
وصرّفت نفسي في شؤون كثيرةلحظّي فلم يظفر بذاك التّصرّف
وخضت لأنواع المعارف أبحراففي الحين ما استجرتها وهي تترف
ولم أحل من تلك المعاني بطائلوإن كان أهلوها أطالوا وأسرفوا
وقد مرّ من عمري الألذّ وها أناعلى ما مضى من عهده أتلهّف
وإني على ما قد بقي منه إن بقيلحرمة ما قد ضاع لي أتخوّف
أعدّ ليالي العمر والفرض صومهاوحسبك من فرض المحال تعسّف
على أنها إن سلّمت جدليّةتعارض آمالا عليها ينيّف
تحدّثني الآمال وهي كدينهاتبدّل في تحديثها وتحرّف
بأنّي في الدّنيا سأقضي مآربيوبعد يحقّ الزهد لي والتقشّف
وتلك أمان لا حقيقة عندهاأفي قرني الضّدّين يبقى التكلّف؟
وربّ أخلّاء شكوت إليهمولكن لفهم الحال إذ ذاك لم يفوا
فبعضهم يزري عليّ وبعضهميغضّ وبعض يرثي ثم يصدف
وبعضهم يومي إليّ تعجّباوبعض بما قد رأيته يتوقف
وبعضهم يلقي جوابه علىمقتضى العقل الذي عنه يتوقّف
يسيء استماعا ثم يعدّ إجابةعلى غير ما تحذوه يحذو ويخصف
ولا هو يبدي لي عليّ تعقّلاولا هو يرثي لي ولا هو يعنف
وما أمرنا إلّا سواء إنماعرفنا وكلّ منهم ليس يعرف
فلو قد فرغنا من علاج نفوسناوحطّوا الدنيّة من عليل وأنصفوا
أما لهم من علّة أرمت بهمولم يعرفوا أغوارها وهي تتلف؟
وحضنا لهم في الكتب عن كنه أمرهمومثلي عن تلك الحقائق يكشف
وصنّفت في الآفات كلّ غريبةفجاء كما يهوى الغريب المصنّف
وليس عجيبا من تركّب جهلهمفإن يحجبوا عن مثل ذاك وصرّفوا
إذا جاءنا بالسّخف من نزو عقلهإذا ما مثلناه أزهى وأسخف
فما جاءنا إلّا بأمر مناسبأينهض عن كفّ الجبان المثقّف؟
ولكن عجيب الأمر علمي وغفلتيفديتكم أيّ المحاسن أكشف
إلّا أنها الأقدار يظهر سرّهاإذا ما وفى المقدور فالرأي يخلف
أيا ربّ إن اللّب طاش بما جرىبه قلم الأقدار والقلب يرجف
وإنّا لندعوهم ونخشى وإنماعلى رسمك الشّرعي من لك يعكف
أقول وفي أثناء ما أنا قائلرأيت المنايا وهي لي تتخطّف
وإني مع السّاعات كيف تقلّبتلأسهمها إن فوّقت متهدّف
وما جرّ ذا التّسويف إلّا شيبتيتخيّل لي طول المدى فأسوّف
إذا جاء يوم قلت هو الذي يليووقتك في الدنيا جليس مخفّف
أقدّم رجلا عند تأخير أختهاإذا لاح شمس فالنّفس تكسف
كأنّي لداني المراقد منهمولم أودعهم والخضّ ريّان ينسف
وهبني أعيش هل إذا شاب مفرقيوولّى شبابي هل يباح التّشوّف؟
وكيف ويستدعي الطريق رياضةوتلك على عصر الشّباب توظّف
متى يقبل التّقويم غير عطوفةوبي بعده حسّان فالنّار تنسف؟
ولو لم يكن إلّا ظهورة سرّهإذا ما دنا التّدليس هان التنطّف
أمولى الأسارى أنت أولى بعذرهموأنت على المملوك أحقّ وأعطف
قذفنا بلجّ البحر والقيد آخذبأرجلنا والرّيح بالموج تعصف
وفي الكون من سرّ الوجود عجائبأطلّ عليها العارفون وأشرفوا
وكعت عليهم نكثة فتأخّرواوددت بأن القوم بالكل أسعف
فليس لنا إلّا أن نحطّ رقابنابأبواب الاستسلام والله يلطف
فهذا سبيل ليس للعبد غيرهاوإلّا فماذا يستطيع المكلّف
وقال: وضمنها محاورة بينه وبين نفسه، وقيّدتها عنه زوال يوم الثلاثاء التاسع والعشرين لمحرم خمس وخمسين وسبعمائة، برابطة العقاب، متعبد الشيخ ولي الله أبي إسحاق الإلبيري، ﵀، فمنها:
يأبى شجون حديثي الإفصاحإذ لا تقوم بشرحه الألواح
قالت صفية إذ مررت بهاأفلا تنزّل ساعة ترتاح؟
فأجبتها لولا الرقيب لكان ليما تبتغي بعد الغدوّ رواح
قالت: وهل في الحيّ حيّ غيرنا؟فاسمح فديتك فالسماح رياح
فأجبتها: إنّ الرقيب هو الذيبيديه منّا هذه الأرواح
وهو الشهيد على موارد عبدهسيّان ما الإخفاء والإفصاح
قالت وأين يكون جود الله إذيخشى ومنه هذه الأفراح
فافرح بإذن الله ﷻواشطح فنشوان الهوى شطّاح
وانهج على ذمم الرجال ولا تخففالحكم رحب والنّوال مباح
وانزل على حكم السّرور ولا تبلفالوقت صاف ما عليك جناح
واخلع عذارك في الخلاعة يا أخيباسم الذي دارت به الأقداح
وانظر إلى هذا النهار فسنّهضحكت ونور جبينه وضّاح
أنواره ضحكت وأترع كأسهفقد استوى ريحانه والرّاح
وانظر إلى الدنيا بنظرة رحمةفجفاؤها بوفائها ينزاح
فأجبتها لو كنت تعلم ما الذييبدو لتاركها وما يلتاح
من كلّ معنى غامض من أجلهقد ساح قوم في الجبال وناحوا
حتى لقد سكروا من الأمر الذيهاموا به عند العيان فباحوا
لعذرتني وعلمت أني طالبما الزهد في الدنيا له مفتاح
فاترك صفيّك قارعا باب الرضىوالله ﷻ الفتّاح
يا حيّ، حيّ على الفلاح وخلّنيفجماعتي حثّوا المطيّ وراحوا
وقيدت من خطه في جملة ما كتب إليّ ما نصه:
ومما نظمته بغرناطة، وبعضه ببرجة، وهو مما يعجبني، وأظنه كتبه لك، وهو غريب المنزع، وإنه لكما، قال:
خذها على رغم الفقيه سلافةتجلى بها الأقمار في شمس الضّحى
أبدى أطباء القلوب لأهلهامنها شرابا للنفس مبرّحا
وإذا المرائي قال في نشوانهاقل أنت بالإخلاص فيمن قد صحا
ياقوتة دارت على أربابهافاهتزّت الأقدام منها واللّحا
مزجت فغار الشيخ من تركيبهافلذاك جرّدها وصاح وسرّحا
فبدت فغار الشيخ من إظهارهافاشتدّ يبتدر الحجاب ملوّحا
لا تعترض أبدا على مسترفدقد غار من أسرارها أن يفضحا
وكذاك لا تعتب على مستهترلم يدر ما الإيضاح لمّا أوضحا
سكران يعثر في ذيول لسانهكفرا ويحسب أنه قد سبّحا
كتم الهوى حريّة بعض وبعض ضاق ذرعا بالغرام فبرّحا
لا تخشينّ على العدالة هاتفاثغر ارتياح العاشقين فجرّحا
الحبّ خمر العارفين قد ضفتحتما على من ذاقها أن يشطحا
فاشطح على هذا الوجود وأهلهعجبا فليس براجح من رجّحا
كبّر عليهم إنهم موتى علىغير الشّهادة ما أغرّ وأقبحا
واهزأ بهم فمتى يقل نصحاؤهمأهج فقل حتى ألاقي مفلحا
وإذا أريبهم استخفّ فقل لهبالله يا يحيى بن يحيى دع جحا
أبني سليم قد نجا مجنونكممجنون ليلى العارفين به قد محا
هل يستوي من لم يبح بحبيبهمع من بذكر حبيبه قد أفصحا
فافرح وطب وابهج وقل ما شئتهما أملح الفقراء يا ما أملحا
ومن مقطوعاته التي هي آيات العجائب، وطرر حلل البدائع في شتى الأغراض والمقاصد، قوله يعتذر لبعض الطلبة، وقد استدبره ببعض حلق العلم بسبتة:
إن كنت أبصرتك لا أبصرتبصيرتي في الحقّ برهانها
لا غرو أني لم أشاهدكمفالعين لا تبصر إنسانها
ومنها قوله في غرض التورية، وهو بديع في معناه:
يلومونني بعد العذار على الهوىومثلي في وجدي له لا يفنّد
يقولون أمسك عنه قد ذهب الصّباوكيف يرى الإمساك والخيط أسود؟
ومنها قوله في المجبّنات، وهو من الغريب البديع:
ومصفرّة الخدّين مطويّة الحشاعلى الجبن والمصفرّ يؤذن بالخوف
لها هيئة كالشمس عند طلوعهاولكنها في الحين تغرب في الجوف
ومنها قوله في النّصح، ولها حكاية تقتضي ذلك:
لا تبذلنّ نصيحة إلّا لمنتلقى لبذل النّصح منه قبولا
فالنصح إن وجد القبول فضيلةويكون إن عدم القبول فضولا
ومنها في الحكم:
ما رأيت الهموم تدخل إلّامن دروب العيون والآذان
غضّ طرفا وسدّ سمعا ومهماتلق همّا فلا تثق بضمان
ومنها قوله، وهو من المعاني المبتكرات:
حزنت عليك العين يا مغنى الهوىفالدمع منها بعد بعدك ما رقا
ولذاك قد صبغت بلون أزرقأو ما ترى ثوب المآتم أزرقا؟
ومنها قوله في المعاني الغربية. قال: ومما نظمته في عام أربعة وأربعين في التفكر في المعاني، مغلق العينين:
أبحث فيما أنا حصّلتهعند انغماض العين في جفنها
أحسبني كالشاة مجترّةتمضغ ما يخرج من بطنها
وقال: ومما نظمته بين أندرش وبرجة عام أربعة وأربعين، وأنا راكب مسافر، وهو مما يعجبني، إذ ليس كل ما يصدر عني يعجبني. قلت ويحقّ أن يعجبه:
تطالبني نفسي بما ليس لي بهيدان فأعطيها الأمان فتقبل
عجبت لخصم لجّ في طلباتهيصالح عنها بالمحال فيفصل
[قال: ومما نظمته في السنّة المذكورة من ذمّ النساء]:
ما رأيت النّساء يصلحن إلّاللذي يصلح الكنيف لأجله
فعلى هذه الشريطة صالحهنّ لا تعد بامرئ عن محلّه
قال: ومما نظمته في السنّة المذكورة:
قد هجرت النساء دهرا فلم أبلغ أذاني صفاتهنّ الذميمه
ما عسى أن يقال في هجو من قدخصّه المصطفى بأقبح شيمه
أو يبقى لناقص العقل والدّين إذا عدّت المثالب قيمه؟
وقال: وما نظمته في تاريخ لا أذكره الآن، هذان البيتان، ولم أر معناهما لمن مضى. ولو رحل رجل إلى خراسان، ولم يأت إلّا بهما، كان ممن لم يخفق
مسعاه، ولا أجدب مرعاه، ينفتح بهما للقلب باب من الراحة فسيح، إذا أجهده ما يكابد من المضاضة، ونقض العهود، واختلاف الوعود. وهذه المحنة من شرّ ما ابتلي به بنو آدم، شنشنة نعرفها من أمرهم. ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي:
رعى الله إخوان الخيانة إنهمكفونا مؤونات البقاء على العهد
فلو قد وفوا كنّا أسارى حقوقهمنراوح ما بين النّسيئة والنقد
وقال يداعبني، وعلى سبيل الكناية يخاطبني: ولقد لقيت رجلا ببلاد الهند يعرف بأبي البركات ابن الحاج، وكان برد في بستان كان له، فقلت أهجوه عام أربعة وأربعين وسبعمائة:
قالوا أبو البركات جمّ ماؤهفغدا أبو البركات لا البركات
قلنا لأن يكنى بموجوداتهأولى من أن يكنى بمعدومات
ومما نظمته عام خمسة وأربعين وسبعمائة:
قد كنت معذورا بعلمي وماأبثّ من وعظي بين البشر
من حيث قد أمّلت إصلاحهمبالوعظ والعلم فخان النّطر
فلم أجد أوعظ للناس منأصوات وعّاظ جلود البقر
ومما نظمته بمرسى تلهى، من بلد هنين، عام ثلاثة وخمسين، وقد أصابني هوس في البحر وخاطبت به بعض الأصحاب:
رأسي به هوس جديد لا الذيتدريه من هوس قديم فيه
قد حلّ ما أبديه من هذا كماقد حلّ من ذاك الذي أخفيه
ومن الملح قوله: قال: وبتّ بحمام الخندق من داخل ألمرية ليلة الجمعة الثامن من شهر محرم عام اثنين وثلاثين منفردا، فطفىء المصباح، وبقيت مفكرا، فخطر ببالي ما يقول الناس من تخيّل الجنّ في الأرحاء والحمامات، وعدم إقدام كافة الناس إلّا ما شذّ عند دخولها منفردين بالليل، لا سيما في الظلام، واستشعرت قوة في نفسي عند ذلك، أعراض وأوهام، فقلت مرتجلا، رافعا بذلك صوتي:
زعم الذين عقولهم قدرهاإن عرّضت للبيع غير ثمين
أن الرّحا معمورة بالجن والحمّام عندهم كذا بيقين
إن كان ما قالوه حقا فاحضرواللحرب هذا اليوم من صفّين
فلئن حضرتم فاعلموا بحقيقةبأني مصارع قيس المجنون
قال: ودخلت رياضا يوما، فوجدت كساء منشورا للشمس لم أعرفه من حوائجي، ولا من حوائج حارسة البستان، فسألتها فقالت: هو لجارتي، فقلت:
من منصفي من جارتي جارت علىمالي كأني كنت من أعدائها
عمدت إلى الشمس التي انتشرت علىأرضي وأمّت فيه بئس كسائها
لولا غيوم يوم تيبس الكساسرّت لحجب السّحب جلّ ضيائها
لقضيت منهم الخسار لأننيأصبحت مزورا على بخلائها
قلت: وصرت إلى مغنى بحمّة بجّانة، وسار معي كلب كان يحرس رياضي اسمه قطمير، وهو، فيما يذكر، كلب أهل الكهف، في بعض الأقوال، فتبعني من ألمريّة إلى الحمّة، ثم من الحمّة إلى ألمرية، فقلت:
رحلت وقطمير كلبي رفيقييونس قلبي بطول الطريق
فلمّا أنخت أناخ حذائييلاحظني لحظ خلّ شفيق
ويرعى أذمّة رفقي كمايتغنّى الصديق الصدوق
على حين قومي بني آدمبلؤمهم لم يوفوا حقوقي
ولا فرق بين الأباعد منهموبين أخ مستحب شفيق
أو ابن متى تلقاه تلقههويّ اشتياق بقلب خفوق
فما منهم من وليّ حميمولا ذي إخاء صحيح حقيق
وناهيك ممن يفضّل كلباعليهم فيا ويلهم من رفيق
ألا من يرقّ لشيخ غريبأبي البركات الفتى البلفيق
وقال: وممّا نظمته بتاريخ لا أذكره هذين البيتين:
وإنّي لخير من زماني وأهلهعلى أنني للشّرّ أوّل سائق
لحى الله دهرا قد تقدّمت أهلهفتلك لعمر الله إحدى البوائق
ومن النزعات الشاذة الأغراض:
لا بارك الله في الزّهاد إنهملم يتركوا عرض الدنيا لفضلهم
بل أثقلتهم تكاليف الحياة فلميصايروها فملّوا ثقل حملهم
وعظّم الناس منهم تركها فغدوامن غبطة التّرك في حرص لأجلهم
نعم أسلّم أن القوم إذ زهدوازادا وأعلى الناس طرّا فضل تركهم
من حيث قد أحرزوا التّرجيح دونهملا شيء أبين من ترجيح فضلهم
فالمال والجود والراحات غاية مايحكي لنا الزهد في ذاعن أجلّهم
والزاهدون براحات القلوب مع الأبدان سرّوا وعزّوا بعد ذلّهم
فكل ما فرّقوا قد حصّلوا غرضامنه وزادوا ثناء الناس كلّهم
قال: ومما نظمته عام أربعين في ذم الخمر من جهة الدنيا، لا من جهة الدين، إذ ليس بغريب:
لقد ذمّ بعض الخمر قوم لأنهاتكرّ على دين الفتى بفساد
وقد سلّموا قول الذي قال إنهاتحلّ من الدنيا بأعظم ناد
وتذهب بالمال العظيم فلن ترىلمدمنها من طارف وتلاد
فيمسي كريما سيّدا ثم يغتديسفيها حليف الغيّ بعد رشاد
وقالوا: تسلّى وهو عارية لهاوإلّا فلم يأتوا لذاك بشاد
وصلّ ونور وحسناء طفلةومرأى به للطّريف سير جواد
وهلّا يداوى من مرارتها التيأواخرها مقرونة بمهاد؟
ولو أشرب الإنسان مهلا بهذهلأصبح مسرورا بأطيب زاد
ومن حسن حال الشّاربين يقيّؤنها بالرغم من برق وساد
ومن حسن ذا المحروم أنّ مدامهإذا غلبت تكسوه ثوب رقاد
فيختلف النّدمان طرّا لروحهويحدوهم نحو المروءة حادي
ومن حسنه بين الورى ضرب ظهرهفيمسي بلا حرب رهين جلاد
مجانين في الأوهام قد ضلّ سعيهميخففون بيعا بحسن غواد
ومن نظمه في الإنحاء على نفسه، واستبعاد وجوه المطالب في جنسه، ممّا نظمته يوم عرفة عام خمسين وأنا منزو في غار ببعض جبال ألمرية:
زعموا أنّ في الجبال رجالاصالحينا قالوا من الأبدال
وادّعوا أنّ كلّ من ساح فيهافسيلقاهم على كلّ حال
فاخترقنا تلك الجبال مرارابنعال طورا ودون نعال
ما رأينا فيها سويّ الأفاعيوشبا عقرب كمثل النبال
وسباعا يجرون بالليل عدوالا تسلني عنهم بتلك الليالي
ولو أنّا لدى العدوة الأخرى رأينا نواجذ الرّئبال
وإذا أظلم الدّجى جاء إبليس إلينا يزور طيف الخيال
هو كان الأنيس فيها ولولاهـ أصيبت عقولنا بالخبال
خلّ عنك المحال يا من تعنّىليس يلقى الرّجال غير الرجال
قال: ومن المنازع الغريبة ذمّ الأصحاب ومدح الأعداء، فمن ذلك قولي:
جزى الله بالخير أعداءنافموردهم أنسى المصدر
هم حملونا على العرف كرهاوهم صرفونا عن المنكر
وهم أقعدونا بمجلس حكموهم بوّؤونا ذرى المنبر
وهم صيّرونا أئمة علمودين وحسبك من مفخر
عدوّي بأول فدي مأثموإن جئت بالإثم لم يعذر
وأنت ترى تمحيص من يعدل بين المسيء وبين البري
ولا زوّد الله أصحابنابزاد تقيّ ولا خيّر
هم جرّؤونا على كل إثموما كنت لولاهم بالمخبر
وعدّوا من اكبار آثامنافكانوا أضرّ من الفاتر
أعارني القوم ثوب التّقىوإني مما أعاروني بري
إذا خدعوني ولم ينصحواوإني بالنّصح منهم حري
فمن كان يكذب حال الرّضىيصدق في غضب يفتري
بلى سوف تلقى لدى الحالتينيحكم النّفس هوى الفري
فياربّ أبق علينا عقولنانبيع بها وبها نشتري
قال: وما رأيت هذا المعنى قط لأحد، ثم رأيت بعد ذلك لبعضهم ما معناه:
عداتي لهم فضل عليّ ومنّةفلا أذهب الرحمن عنّي الأعاديا
هم بحثوا عن زلّتي فاجتنبتهاوهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
فوقع حافري على ساق هذا. قال: ومما نظمته، متخيّلا أني سابق معناه:
خلسنا ليلة من كفّ دهرضنين بالليالي الطيّبات
سلكنا للهوى والعقل فيهامسالك قد جلين على الشّتات
قضينا بعض حقّ النفس فيهاوحقّ الله مرعيّ الثّبات
فلم نر قبله في الدهر وقتابدت حسناته في السيّئات
ثم رأيت بعد ذلك على هذا:
لا وليال على المصلّىتسرق في نسكها الذنوب
فوقعت ساقي على حافر هذا المحروم، إلا أني جرّدت ذلك في المعنى، وأوضحته، وجلوته على كرسي التّقعيد والتّنجيد، فلولا التاريخ لعاد سارق البرق.
نثره: وأمّا نثره، فنمط مرتفع عن معتاد عصره، استنفارا وبلاغة، واسترسالا وحلاوة، قلّما يعرّج على السّجع، أو يأمر على التّكليف، وهو كثير بحيث لا يتعيّن عيونه، ولكن نلمع منه نبذة، ونجلب منه يسيرا. كتب إليّ عند إيابي من الرّسالة إلى ملك المغرب، متمثّلا ببيتين لمن قبله، صدّر بهما:
أيتها النفس إليه اذهبيفحبّه المشهور من مذهبي
أيأسني التّوبة من حبّهطلوعه شمسا من المغرب
بل محلّك أمثل من التمثيل بالشمس، فلو كان طلوعك على هذه الأقطار شمسا، لأصبح جلّها لك عبّاد. ولو كان نزولك مطرا لتكيّفت الصّخور ترابا دمثا.
ولولا معرفتنا معشر إخوان الصّفا، بإقرار أنفسنا، لحكمنا بأن قلوبنا تمائم لأصدقائنا، ولكن سبقت عيون السعادة بالكلّات، فلو تصادف بالرضى محلّا؛ لأنّ تحصيل الحاصل محال، لا زلت محروسا، بعين الذي لا تأخذه سنة ولا نوم مكنوفة ببركة الذي يرومه رائم، والسلام.
وكتب إليّ عند ما تقلّدت من رئاسة الإنشاء ما تقلدت: تخصكم يا محلّ الابن الأرضى ولادة، والأخ الصادق إخلاصا وودّا، خصّكم الله من السعادة بأعلاها مرقى، وأفضلها عقبى، وأحمدها غنى، وأكرمها مسعى، تحيّة اللهفان إلى أيام لقائك، المسلى عنها بتأميل العود إليها، المزجى أوقاته بترداد الفكر فيها، محمد بن الحاج، أبقاه الله، عن شوق، والذي لا إله إلّا هو، لم أجد قط مثله إلى وليّ حميم. والله على ما نقول وكيل، معرّفا أنني بعلاقمه، وتصليني عن كسره مجامعه، لما اعتنى به
من توقّلكم بالرّتبة التي ما زال أحبّاؤكم بها ممطولي برّه، على أنك لم تزد بذلك رتبة على ما كنت باعتبار الأهليّة، والمكانة العليّة، إلّا عند الأطفال والأغفال، والمحلّقين من النساء والرجال، لكن أفزعتنا هذه المخاطبة المحظيّة في قالب الجمهور، ولم نسر فيها، على الأصح، لكن على الجمهور، ولو كانت مصارف الوجود بيدي، لوافتك من الوجود منازل أسمائه منازل، وأوطأتك أفلاكه مراكب، وأوردتك كوثره مشربا، وأحللتك أرفعه معقلا، وأقبستك بدره مصباحا، وأهدتك أسراره تحفا. وقد تبلغ المقاصد مبالغ لا تنتهي أقاصيها الأعمال، فنحن وما نضمره لتلك الجملة الجليلة الفاضلة، مما الله رقيب عليه، ومحيط بدقائقه. ولو كانت لهذا العبد الغافل، المأسور في قيد نفسه، المحزون على انتهاب الأيام، رأس عمره في غير شيء، دعوة يساعدها الوجد حتى يغلب على ظنّه أن العليم بذات الصدور، ولّاها من قبوله بارقة لخصّك بها، والله شهيد على ما تكنّه الأفئدة، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
والفضل جمّ، والمحاسن عديدة، فلنقصر اضطرارا، ولنكفّ امتثالا للرسم، وانقيادا، أمتع الله به.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع