تـــأسَّفـــَ لكـــن حـــيـــن عـــزَّ التــأسَّفُ

الشاعر: ابن الحاج البلفيقي · البحر: الطويل

هذه القصيدة من شعر ابن الحاج البلفيقي، من المغرب والأندلس، وتقع في 69 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الفاء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

تـــأسَّفـــَ لكـــن حـــيـــن عـــزَّ التــأسَّفُ — وكــفــكـف دمـعـاً حـيـن لا عـيـن تـذرِفُ

ورام سُــكــونــاً وهــو فــي رِجـل طـائرٍ — ونــادى بــأنــس والمــنــازلُ تــهــتِــفُ

أراقـــبُ قـــلبـــي مـــرَّةً بـــعـــد مــرَّةٍ — فـــألفـــيــه ذيّــاك الذي أنــا أعــرفُ

ســـقـــيـــمٌ ولكـــن لا يُـــحِـــسُّ بــدائِهِ — ســوى مَـن له فـي مـأزِقِ المـوتِ مـوقـفُ

وجـــاذبَ قـــلبــاً ليــس يــأوي لمــألفٍ — وعــالجَ نــفــســاً داؤهــا يــتــضــاعــفُ

وأعــجــبُ مــا فــيـه اسـتـواءُ صـفـاتـه — إذا الهــمُّ يــشـقـيـه أو السـرُّ يُـتـرِفُ

إذا حــلَّتِ الضــرّاءُ لم يــنـفـعـل لهـا — وإن حــــلَّتِ الســــراء لا يــــتـــكـــيَّفُ

مـــذاهـــبُه لم تُـــبـــدِ غــايــةَ أمــرِهِ — فــؤادٌ لعــمــري لا يُــرى مــنـه أطـرفُ

فــمــا أنـا مـن قـوم قُـصـارى هـمـوهـم — بـــنـــوهُــم وأهــلوهــم وثــوبٌ وأرغــفُ

ولا ليَ بـــالإِســـراف فـــكـــرٌ مُــحــدِّثٌ — ســيــبــو حــبـيـبـي أو بـشـيـريَ مُـطـرفُ

ولا أنـــا مـــمــن لهــوهُ جُــلُّ شــأنــهِ — بـــروضٍ أنـــيـــقٍ أو غـــزالٍ يُهَــفــهِــفُ

ولا أنــا مـمـن أنـسـهُ غـايـةُ المـنـى — بـــصـــوتٍ رخــيــمٍ أو نــديــمٍ وقــرقــفُ

ولا أنــا مــمــن تــزدهــيــه مــصـانـعٌ — ويُــســليــهِ بــســتـانٌ ويُـلهـيـه مَـخـرَفُ

ولا أنــا مــمــن هــمــه جـمـعُهـا فـإن — تـوارت يَـتُـب يـسـعـى لهـا وهـو مُـرجِـفُ

عــلى أن دهــري لم تــدع لي صــروفــهُ — مــن المــالِ إلا مُــســحَـتـا أو مُـجـلَّفُ

ولا أنـــا مـــمـــن هـــذه الدارُ هــمُّهُ — وقـــد غـــرَّه مــنــهــا جــمــالٌ وزُخــرُفُ

ولا أنــا مــمــن للسـؤال قـد انـبـري — ولا أنــا مــمــن صــان عـنـه التَـعَـطُّفُ

ولا أنــا مــمــن نـجَّحـ اللَه سـعـيـهُـم — فــهِــمَّتــُهــم فــيــهــا مُــصـلّى ومـصـحـف

فـلا فـي هوىً أَضحى إلى اللهو قائداً — ولا فـي تُـقـىً أمـسـى إلى اللَه يُـزلِفُ

أحــارب دهــري فــي نــقــيــضِ طــبــاعِهِ — وحــربُــك مــن يــقــضـي عـليـك تَـعـجـرُفُ

وأنـــظُـــرُه شَـــزراً بـــأصـــلفِ نـــاظــرٍ — فــيُــعــرض عــنــي وهــو أزهــى وأصــلَفُ

وأضـــبِـــطُه ضـــبـــط المــحــدِّث صُــحــفَهُ — فـيـخـرُجُ فـي التَـوقـيـعِ أنـتَ المُـصـحِّفُ

ويــأخــذ مــنّــي كــل مــا عــزَّ نــيــلُهُ — ويـبـدو بـجـهـلي مـنه في الأَخذِ محتف

أَدُوُر له فــــي كــــل وجــــهٍ لعـــلَّنـــي — ســـأثـــبــتــهُ وهــو الذي ظــلَّ يَــحــذِفُ

ولمــا يــئســنــا مـنـه تـهـنـا ضـرورةً — فــلم يــبــقَ لي فــيـهـا عـليـه تـشـوُّف

تــكــلَّفــتُ قــطــعَ الأَرضِ أطــلُبُ ســلوةً — لنــفــسـي فـمـا أجـدي بـتـلك التـكـلفُ

وخـاطـرت بـالنـفـسِ العـزيـزةِ مـقـدِمـاً — إذا مـا تـخـطّـى النـصـلُ أقـصـدَ مُـرهَـفُ

وصــرَّفــت نــفــســي فــي شـؤونٍ كـثـيـرةٍ — لحــظّــي فــلم يــظــفُـر بـذاك التـصـرَّفُ

وخُــضــتُ لأنــواعِ المــعــارفِ أبــحُــراً — فـفـي الحينِ ما استخرجتُها وهي تنزِفُ

ولم أحـلَ مـن تـلك المـعـانـي بـطـائلٍ — وإن كـان أهـلوهـا أطـالوا وأسـرفـوا

وقــد مـرَّ مـن عـمـري الألذُّ وهـا أنـا — عــلى مــا مــضــى مــن عــهــده أتــلهَّفُ

وإنـي عـلى مـا قـد بـقـي منه إن بقي — لحـــرمـــةِ مــا قــد ضــاع لي أتــخــوَّفُ

أعُــدُّ ليـالي العـمـر والفـرضُ صـومُهـا — وحــســبُــك مــن فــرضِ المــحــالِ تـعـسُّفُ

عـــلى أنـــهـــا إن ســـلِّمـــت جـــدليــةً — تــعــارض آمــالاً عــليــهــا نُهــفــهــفُ

تُــحــدثــنــي الآمــال وهــي كَــديـنِهـا — تُـــبـــدِّل فــي تــحــديــثــهــا وتــحــرِّفُ

بــأنــيَ فـي الدنـيـا سـأقـضـي مـآربـي — وبــعــدُ يــحــقُّ الزُهــد لي والتــقــشُّفُ

وتــلك أمــانٍ لا حــقــيــقــةَ عــنـدهـا — أفــي قـرنـيَ الضـديـن يـبـقـى التـألفُ

ورُبَّ أخـــــلاءٍ شـــــكـــــوتُ إليـــــهــــمُ — ولكـن لفـهـم الحـالِ إذ ذاك لم يفوا

فــبــعــضــهُــم يُــزري عــليَّ وبــعــضـهـم — يــغُــضــذُ وبــعــضٌ يــرثِ لي ثــمَّ يـصـدِفُ

وبـــعـــضـــهُـــم يــومــي إليَّ تــعــجُّبــاً — وبـــعـــضٌ بـــمـــا قــد رابــهُ يــتــوقَّفُ

يُــســيـء اسـتـمـاعـاً ثـم بـعـدُ إجـابـةً — عـلى غـيـر مـا تـحـذوه يـحـذو ويـخـصِفُ

ولا هــو يــبــدي لي عــليَّ تــغــافُــلاً — ولا هــو يــرثــي لي ولا هــو يــعـنُـفُ

ومــــا أمـــرُنـــا إلا ســـواء وإنَّمـــا — عــرَفــنــا وكــلٍّ مــنــهُــم ليــسَ يـعـرِفُ

فـلو قـد فَـرَغـنـا مـن عـلاجِ نـفـوسِـنا — لحـطّـوا الدنـايـا من عيوبي وأنصفوا

أنـــا لهـــمُ مـــن عـــلَّة أرِمَــت بــهــم — ولم يــعــرِفـوا أغـوارَهـا وهـي تُـتـلفُ

وقـفـنا لهم في الكُتب عن كُنهِ أمرهم — ومــثــليَ عــن تــلك الحــقـائقِ يـكـشِـفُ

وصــنَّفــتُ فــي الآفــاق كــل غــريــبــةٍ — فـجـاء كـمـا يـهـوي الغـريـبُ المـصـنَّفُ

وليــس عــجــيــبــاً مـن تـركُّبـِ جـهـلهِـم — بـأن يُـحـجـبـوا عـن مثل ذاك ويُصرفوا

فـإن جـاءنـا بـالسُـحـف مـن نَـزو عقلِهِ — إذا مــا مَـثَـلنـا فـهـو أوهَـى وأسـخَـفُ

فــمــا جــاءنــا إلا بــأمــرٍ مــنـاسـبٍ — أيــنــهــض عــن كــفِّ الجـبـانِ المـثـقَّفُ

ولكـن عـجـيـبُ الأمـر عـلمـي وغَـفـلَتـي — فـــديـــتُــكــم أيَّ المــحــاسِــن أكــشِــفُ

ألا إِنَّهــا الأَقــدارُ يــظــهــرُ سـرُّهـا — إذا ما وفى المقدورُ ما الرأي يُخلِفُ

أيـــا ربِّ إن اللُبَّ طـــاشَ بــمــا جــرى — بــه قــلمُ الأَقــدارِ والقــلبُ يــرجُــفُ

وإِنــا لنــدعــوهــم ونــخــشــى وإنَّمــا — عــلى رســمــك الشـرعـي مـن لك يَـعـكِـفُ

أقــول وفــي أثــنــاءِ مــا أنـا قـائلٌ — رأيــتُ المــنــايــا وهــيَ لي تــتـخـطَّف

وإنّــي مــع الســاعــات كــيـف تـقـلَّبـت — لأســـهُـــمـــهـــا إن فـــوَّقـــت مُــتَهَــدَّفُ

ومـا جـرَّ ذا التـسـويـفَ إلا شـبـيـبتي — تُـــخـــيَّلـــُ لي طـــولَ المــدى فــأُســوِّفُ

إذا جــاء يــومٌ قــلت هــوَ الذي يــلي — ووقــتــك فــي الدنــيــا جـليـسٌ مـخـفَّفُ

أُقــدِّم رِجــلاً عــنــد تـأخـيـر أخـتـهـا — إذا لاحَ شــمــسٌ فــالكــواكــب تُــكـسَـفُ

كـــأنَّ لِداتـــي فـــي مـــراقــدهــم ولم — أودِّعـــهُـــمُ والغــصــنُ ريــانُ يــنــطِــفُ

وهـبـنـي أعـيـشُ هـل إذا شـابَ مـفـرِقـي — وولّى شــبــابــي هــل يُــبــاحُ التـسـوُّف

وكــيــف ويــســتـدعـي الطـريـقُ ريـاضـةً — وتـــلكَ عـــلى عــصــرِ الشَــبــابِ تُــوَطَّفُ

ولو لم يــــكُــــن إلا ظُهــــورٌ لســــرِّه — إذا مـا دنـا التَـدليـس هـانَ التـنطُفُ

أمــولى الأُســارى أنـت أولى بـعـزِّهـم — وأنــت عــلى المـمـلوك أحـنـى وأعـطـفُ

قُــذِفــنــا بـلُجِّ البـحـرِ والقـيـدُ آخـذٌ — بــأرجــلِنــا والريـحُ بـالمـوجِ تـعـصِـفُ

وفــي الكـون مـن سِـرِّ الوجـود عـجـائبٌ — أطــلَّ عــليــهــا العـارفـونَ وأشـرفـوا

أكــلَّت عــليــهــم نُــكــتــةٌ فــتـأخـروا — ودِدتُ بــأنَّ القــومَ بــالكُـلِّ اسـعـفـوا

فـــليـــس لنــا ألا نــحُــطَّ رقــابَــنــا — بــأبــوابِ الاســتـسـلامِ واللَهُ يـلطُـفُ

فــهــذا ســبــيــلٌ ليــس للمــرءِ غـيـرهُ — وإلّا فــمــاذا يــســتــطــيــعُ المُـكَـلَّفُ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف الفاء — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • استواء: الاسْتِوَاءُ [سوي]: مصـ. -: الاعتدال والاستقامة/ خطُّ الاستواء، هو دائرة عرض الصفر الذي يقسم الأرْض إلى نصفين، شمالي وجنوبي ويمتدُّ في منتصف المسافة بين القطبين.
  • السراء: سرأ: السِّرْءُ والسِّرْأَةُ، بِالْكَسْرِ: بَيْضُ الجَراد والضَّبِّ والسَّمَك وَمَا أَشْبَهه، وَجَمْعُهُ: سرْءٌ. وَيُقَالُ: سِرْوةٌ، وأَصله الْهَمْزُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الأَصبهاني: السِّرْأَةُ، بِالْكَسْرِ: بَ …
  • الضراء: ضرا: ضَرِيَ بِهِ ضَراً وضَراوَةً: لهِجَ، وَقَدْ ضَرِيتُ بِهَذَا الأَمر أَضْرَى ضَراوَةً. وَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّ للإِسلام ضَراوَةً أَي عَادَةً ولَهجاً بِهِ لَا يُصْبَرُ عَنْهُ. وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ …
  • بدائه: جمع: ـات. [ب د ا]. 1."في بِدَايَةِ الأمْرِ كانَ مُهَذَّباً" : فِي أوّلِهِ. 2."البِدَايَةُ وَالنِّهايَةُ" : الابْتِدَاءُ، أَوَّلُ شَيْءٍ.
  • ذياك: ذيأ: تَذَيَّأَ الجُرْحُ والقُرْحةُ: تَقَطَّعت وفَسَدَتْ. وَقِيلَ: هُوَ انْفصالُ اللَّحْم عَنِ العَظْمِ بذَبْح أَو فَسَادٍ. الأَصمعي: إِذَا فَسدت القُرْحةُ وتَقَطَّعت قِيلَ قَدْ تَذَيَّأَت تَذَيُّؤاً وتَهَذَّأَتْ تَهَذُّؤ …

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة