تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

محمد بن عياض بن محمد بن عياض بن موسى اليحصبي

من أهل سبتة، حفيد القاضي الإمام أبي الفضل عياض، يكنى أبا عبد الله.

حاله: قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: كان من عدول القضاة، وجلّة سراتهم، وأهل النزاهة فيهم، شديد التحري في الأحكام والاحتياط، صابرا على الضعيف فيهم والملهوف، شديد الوطأة على أهل الجاه وذوي السّطوة، فاضلا، وقورا، حسن السّمت، يعرّفه كلامه أبدا، ويزينه ذلك لكثرة وقاره، محبّا في العلم وأهله، مقرّبا لأصاغر الطلبة، ومكرّما لهم، ومعتنيا بهم، معملا جهده في الدّفع عنهم، لما عسى أن يسوءهم؛ ليحبّب إليهم العلم وأهله، ما رأينا بعده في هذا مثله. سكن مالقة مع أبيه عند انتقال أبيه إليها، إلى أن مات أبوه سنة خمس وخمسين وستمائة.

حدّثني شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب، وجرى ذكر إعرابه لفظ من حديثه عن شيوخه، قال: دخلت على القاضي المذكور، فسأل أحدنا عن أبيه، فقال: ابن فلان.

وذكر معرفة مشتركة بين تجّار فاس، فقال: أيهما الذي ينحت في الخشب، والذي يعمل في السلاح؟ فما فطن لقصده لسذاجته. وحدّثني عن ذكر جزالته أنها كانت تقع له مع السلطان مستقضيه، مع كونه مرهوبا، شديد السّطوة، وقائع تنبىء عن تصميمه، وبعده عن الهوادة؛ منها أن السلطان أمر بإطلاق محبوس كان قد سجنه، فأنفذ بين يدي السلطان الأمر للسّجّان بحبسه، وتوعّده إن أطلقه. ومنها إذاعة ثبوت العيد في أخريات يوم كان قد أمل السلطان البروز إلى العيد في صباحه، فنزل عن القلعة ينادي: عبد الله، يا ميمون، أخبر الناس عن عيدهم اليوم، وأمثال ذلك.

مشيخته: قرأ بسبتة، وأسند بها، فأخذ عن أبي الصبر أيوب بن عبد الله الفهري وغيره، ورحل إلى الجزيرة الخضراء، فأخذ بها كتاب سيبويه وغيره تفقيها على النحويّ الجليل أبي القاسم عبد الرحمن بن القاسم القاضي المتفنن. وأخذ بها أيضا كتاب «إيضاح الفارسي» عن الأستاذ أبي الحجاج بن مغرور، وأخذ بإشبيلية وغيرها

عن آخرين. وقرأ على القاضي أبي القاسم بن بقيّ بن نافحة، وأجاز له. وكتب له من أهل المشرق جماعة كثيرة، منهم أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر بن أبي الفتح الصّيدلاني، وأجاز له بأصبهان، وهو سبط حسن بن مندة، أجاز له في شوال سنة ثمان وتسعين وخمسمائة. وتحمل عن أبي علي الحداد، شيخ السّلفي الحافظ عن محمود الصيرفي ونظائرهما، وجماعة من إصبهان كثيرة كتبوا له بالإجازة. وكتب له من غيرها من البلاد نيّف وثمانون رجلا، منهم أحد وستون رجلا كتبوا له مع الشيخ المحدث أبي العباس المغربي، والقاضي أبي عبد الله الأزدي، وقد نصح على جميعهم في برنامجيهما، واستوفى أبو العباس الغربي نصوص الإسترعات، وفيها اسم القاضي أبو عبد الله بن عياض.

من روى عنه: قال الأستاذ أبو جعفر، ﵀: أجاز لي مرتين اثنتين.

وقال: حدّثني أبو عبد الله مشافهة بالإذن، أنبأنا أبو الطاهر بركات بن إبراهيم الخشوعي كتابة من دمشق، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الرّازي، المعروف بابن الحطّاب، بالحاء المهملة، أخبرنا محمد بن أحمد بن عبد الوهاب البغدادي بالفسطاط، أخبرنا موسى بن محمد بن عرفة السمسار ببغداد، قال أبو عمرو بن أحمد بن الفضل النّفزي: أخبرنا إسماعيل بن موسى، أخبرنا عمر بن شاكر عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «يأتي على الناس زمان، الصّابر منهم على دينه، كالقابض على الجمر».

هذا الإسناد قريب يعزّ مثله في القرب لأمثالنا، ممن مولده بعد الستمائة، وإسماعيل بن موسى من شيوخ التّرمذي، قد خرّج عنه الحديث المذكور، لم يقع له في مصنّفه ثلاثي غيره.

مولده: بسبتة سنة أربع وثمانين وخمسمائة.

وفاته: توفي بغرناطة يوم الخميس الثامن والعشرين لجمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.