من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
محمد بن أحمد بن محمد ابن محمد بن أبي بكر بن مرزوق العجيسي»
الصفحة ١ من ٢
من أهل تلمسان، يكنى أبا عبد الله، ويلقب من الألقاب المشرقية بشمس الدين.
حاله: هذا الرجل من طرف دهره ظرفا وخصوصيّة ولطافة، مليح التوسّل، حسن اللقاء، مبذول البشر، كثير التّودّد، نطيف البزّة، لطيف التّأنّي، خيّر البيت، طلق الوجه، خلوب اللسان، طيّب الحديث، مقدر الألفاظ، عارف بالأبواب، درب على صحبة الملوك والأشراف، متقاض لإيثار السلاطين والأمراء، يسحرهم بخلابة لفظه، ويفتلهم في الذّروة والغارب بتنزّله، ويهتدي إلى أغراضهم الكمينة بحذقه، ويصنع غاشيتهم بتلطّفه، ممزوج الدّعابة بالوقار، والفكاهة بالنّسك، والحشمة بالبسط، عظيم المشاركة لأهل ودّه، والتّعصّب لإخوانه، إلف مألوف، كثير الأتباع والعلق، مسخّر الرّقاع في سبيل الوساطة، مجدي الجاه، غاصّ المنزل بالطّلبة، منقاد الدّعوة، بارع الخطّ أنيقه، عذب التّلاوة، متّسع الرّواية، مشارك في فنون من أصول وفروع وتفسير، يكتب ويشعر ويقيّد ويؤلّف، فلا يعدو السّداد في ذلك، فارس منبر، غير جزوع ولا هيابة. رحل إلى المشرق في كنف حشمة من جناب والده، ﵀، فحجّ وجاور، ولقي الجلّة، ثم فارقه، وقد عرف بالمشرق حقّه، وصرف وجهه إلى المغرب، فاشتمل عليه السلطان أبو الحسن أميره اشتمالا خلطه بنفسه، وجعله مفضى سرّه، وإمام جمعته، وخطيب منبره، وأمين رسالته، فقدم في غرضها على الأندلس في أواخر عام ثمانية وأربعين وسبعمائة، فاجتذبه سلطانها، ﵀، وأجراه على تلك الوتيرة، فقلّده الخطبة بمسجده في السادس لصفر عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، وأقعده للإقراء بالمدرسة من حضرته. وفي أخريات عام أربعة
وخمسين بعده أطرف عنه جفن برّه، في أسلوب طماح، ودالّة، وسبيل هوى وقحة، فاغتنم العبرة، وانتهز الفرصة، وأنفذ في الرّحيل العزمة، وانصرف عزيز الرّحلة، مغبوط المنقلب، في أوائل شعبان عام أربعة وخمسين وسبعمائة، فاستقرّ بباب ملك المغرب، أمير المؤمنين أبي عنان فارس في محلّ تجلّة، وبساط قرب، مشترك الجاه، مجدي التوسّط، ناجع الشّفاعة، والله يتولّاه ويزيده من فضله.
مشيخته: من كتابه المسمى «عجالة المستوفز المستجاز في ذكر من سمع من المشايخ دون من أجاز، من أئمة المغرب والشّام والحجاز»: فممن لقيه بالمدينة المشرّفة على ساكنها الصلاة والسلام، الإمام العلّامة عزّ الدين محمد أبو الحسن بن علي بن إسماعيل الواسطي، صاحب خطّتي الإمامة والخطابة بالمسجد النبوي الكريم، وأفرد جزءا في مناقبه. ومنهم الشيخ الإمام جمال الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خلف بن عيسى الخزرجي السّعدي العبادي، تحمّل عن عفيف الدين أبي محمد عبد السلام بن مزروع وأبي اليمن وغيره. والشيخ الإمام خادم الوقت بالمسجد الكريم، ونائب الإمامة والخطابة به، ومنشد الأمداح النبوية هنالك وبمكة، شرّفها الله، الشيخ المعمّر الثّقة شرف الدين أبو عبد الله عيسى بن عبد الله الحجي المكيّ. والشيخ الصالح شرف الدين خضر بن عبد الرحمن العجمي.
والشيخ مقرئ الحرم برهان الدين إبراهيم بن مسعود بن إبراهيم الآبلي المصري.
والشيخ الإمام الصالح أبو محمد عبد الله بن أسعد الشافعي الحجّة، انتهت إليه الرّياسة العلمية والخطط الشّرعية بالحرم. والشيخ قاضي القضاة وخطيب الخطباء عز الدين أبو عمر عبد العزيز بن محمد بن جماعة الكناني، قاضي القضاة بمصر.
وبمصر الشيخ علاء الدين القونوي. والتّقي السعدي، وقاضي القضاة القزويني، والشرف أقضى القضاة الإخميمي، وكثيرون غيرهم. وسمع من عدد عديد آخر من أعلام القضاة والحفّاظ والعلماء بتونس، وبجاية، والزّاب، وتلمسان.
محنته: اقتضى الخوض الواقع بين يدي تأميل الأمير أبي الحسن، ﵀، وتوقّع عودة الأمر إليه، وقد ألقاه اليمّ بالسّاحل بمدينة الجزائر، أن قبض
عليه بتلمسان أمراؤها المتوثّبون عليها في هذه الفترة من بني زيّان، إرضاء لقبيلهم المتّهم بمداخلته، وقد رحل عنهم دسيسا من أميرهم عثمان بن يحيى بن عبد الرحمن بن يغمراسن، فصرف مأخوذا عليه طريقه، منتهبا رحله، منتهكة حرمته، وأسكن قرارة مطبق عميق القعر، مقفل المسلك، حريز القفل، ثاني اثنين. ولأيام قتل ثانيه ذبحا بمقربة من شفى تلك الرّكيّة، وانقطع لشدّة الثّقاف أثره، وأيقن الناس بفوات الأمر فيه. ولزمان من محنته ظهرت عليه بركة سلفه في خبر ينظر بطرفه إلى الكرامة، فنجا ولا تسل كيف، وخلّصه الله خلاصا جميلا، وقدم على الأندلس، والله ينفعه بمحنته.
شعره، وما وقع من المكاتبة بيني وبينه: ركب مع السلطان خارج الحمراء، أيام ضربت اللّوز قبابها البيض، وزيّنت الفحص العريض، والرّوض الأريض، فارتجل في ذلك:
انظر إلى النّوار في أغصانهيحكي النجوم إذا تبدّت في الحلك
حيّا أمير المسلمين وقال: قدعميت بصيرة من بغيرك مثّلك
يا يوسفا حزت الجمال بأسرهفمحاسن الأيام تومي هيت لك
أنت الذي صعدت به أوصافهفيقال فيه: ذا مليك أو ملك
ولما قدمت على مدينة فاس في غرض الرسالة، خاطبني بمنزل الشاطبي على مرحلة منها بما نصه:
يا قادما وافى بكلّ نجاحأبشر بما تلقاه من أفراح
هذي ذرى ملك الملوك فلذ بهاتنل المنى وتفز بكلّ سماح
مغنى الإمام أبي عنان يمّمنتظفر ببحر في العلى طفّاح
من قاس جود أبي عنان ذي الندىبسواه قاس البحر بالضّحضاح
ملك يفيض على العفاة نوالهقبل السّؤال وقبل بسطة راح
فلجود كعب وابن سعدى في الندىذكر محاه من نداه ماح
ما أن رأيت ولا سمعت بمثلهمن أريحيّ للندى مرتاح
بسط الأمان على الأنام فأصبحواقد ألحفوا منه بظلّ جناح
وهمى على العافين سيب نوالهحتى حكى سحّ الغمام الساحي
فنواله وجلاله وفعالهفاقت وأعيت ألسن المدّاح
وبه الدّنا أضحت تروق وأصبحتكلّ المنى تنقاد بعد جماح
من كان ذا ترح فرؤية وجههمتلافة الأحزان والأتراح
فانهض أبا عبد الإله تفز بماتبغيه من أمل ونيل نجاح
لا زلت ترتشف الأماني راحةمن راحة المولى بكلّ صباح
والحمد»
لله يا سيدي وأخي على نعمه التي لا تحصى، حمدا يؤمّ به جميعنا المقصد الأسنى، فيبلغ الأمد الأقصى، فطالما كان معظّم سيدي للأسى في خبال، وللأسف بين اشتغال بال، واشتغال بلبال. ولقدومكم على هذا المقام العلي في ارتقاب، ولمواعدكم بذلك في تحقّق وقوعه من غير شكّ ولا ارتياب، فها أنت تجتلي، من هذا المقام العلي، لتشيّعك وجوه المسرّات صباحا، وتتلقّى أحاديث مكارمه ومواهبه مسندة صحاحا، بحول الله. ولسيدي الفضل في قبول مركوبه الواصل إليه بسرجه ولجامه، فهو من بعض ما لدى المحب من إحسان مولاي وإنعامه. ولعمري لقد كان وافدا على سيدي في مستقرّه مع غيره. فالحمد لله الذي يسّر في إيصاله، على أفضل أحواله.
فراجعته بقولي:
راحت تذكّرني كؤوس الرّاحوالقرب يخفض للجنوح جناحي
وسرت تدلّ على القبول كأنمادلّ النسيم على انبلاج صباح
حسناء قد غنيت بحسن صفاتهاعن دملج وقلادة ووشاح
أمست تحضّ على اللّياذ بمن جرتبسعوده الأقلام في الأفراح
بخليفة الله المؤيّد فارسشمس المعالي الأزهر الوضّاح
ما شئت من همم ومن شيم غدتكالزّهر أو كالزّهر في الأدواح
فضل الملوك فليس يدرك شأوهأنّى يقاس الغمر بالضّحضاح؟
أسنى بني عبّاسهم بلوائه المنصور أو بحسامه السّفّاح
وغدت مغاني الملك لمّا حلّهاتزهى ببدر هدى وبحر سماح
وحياة من أهداك تحفة قادمفي العرف منها راحة الأرواح
ما زلت أجعل ذكره وثناءهروحي وريحاني الأريج وراحي
ولقد تمازج حبّه بجوارحيكتمازج الأجسام بالأرواح
ولو أنني أبصرت يوما في يديأمري لطرت إليه دون جناح
فالآن ساعدني الزّمان وأيقنتمن قربه نفسي بفوز قداحي
إيه أبا عبد الإله وإنهلنداء ودّ في علاك صراح
أما إذا استنجدتني من بعد ماركدت لما خبت الخطوب رياحي
فإليكها مهزولة وأنا امرؤقرّرت عجزي واطّرحت سلاحي
سيدي، أبقاك الله لعهد تحفظه، ووليّ بعين الولاء تلحظه، وصلتني رقعتك التي ابتدعت، وبالحق من مدح المولى الخليفة صدعت، وألفتني وقد سطت بي الأوحال، حتى كادت تتلف الرّحال، والحاجة إلى الغذاء قد شمّرت كشح البطين، وثانية العجماوين قد توقع فوات وقتها وإن كانت صلاتها صلاة الطّين، والفكر قد غاض معينه، وضعف وعلى الله جزاء المولى الذي يعينه، فغزتني بكتيبة بيان أسدها هصور، وعلمها منصور، وألفاظها ليس فيها قصور، ومعانيها عليها الحسن مقصور، واعتراف مثلي بالعجز في المضايق حول ومنّة، وقول «لا أدري» للعالم فكيف لغيره
جنّة، لكنها بشّرتني بما يقلّ لمهديه بذل النفوس وإن جلّت، وأطلعتني من السرّاء على وجه تحسده الشمس إذا تجلّت، بما أعلمت به من جميل اعتقاد مولانا أمير المؤمنين أيّده الله، في عبده، وصدق المخيلة في كرم مجده. وهذا هو الجود المحض، والفضل الذي شكره هو الفرض. وتلك الخلافة المولويّة تتّصف بصفة من يبدأ بالنّوال، من قبل الضّراعة والسؤال، من غير اعتبار للأسباب ولا مجازاة للأعمال. نسأل الله أن يبقي منها على الإسلام أوفى الظّلال، ويبلغها من فضله أقصى الآمال. ووصل ما بعثه سيدي صحبتها من الهديّة، والتحفة الوديّة، وقبلتها امتثالا، واستجليت منها عتقا وجمالا. وسيدي في الوقت أنسب إلى اتخاذ ذلك الجنس، وأقدر على الاستكثار من إناث البهم والإنس. وأنا ضعيف القدرة، غير مستطيع لذلك إلّا في النّدرة، فلو رأى سيدي، ورأيه سداد، وقصده فضل ووداد، أن ينقل القضيّة إلى باب العارية من باب الهبة، مع وجوب الحقوق المترتّبة، لبسط خاطري وجمعه، وعمل في رفع المؤنة على شاكلة حالي معه، وقد استصحبت مركوبا يشقّ عليّ هجره، ويناسب مقامي شكله ونجره، وسيدي في الإسعاف على الله أجره، وهذا أمر عرض، وفرض فرض، وعلى نظره المعوّل، واعتماد إغضائه هو المعقول الأول. والسلام على سيدي من معظّم قدره، وملتزم برّه، ابن الخطيب، في ليلة الأحد السابع والعشرين لذي قعدة سنة خمس وخمسين وسبعمائة، والسّماء قد جادت بمطر سهرت منه الأجفان، وظنّ أنه طوفان، واللّحاف في غد بالباب المولوي، مؤمل بحول الله.
ومن الشعر المنسوب إلى محاسنه، ما أنشد عنه، وبين يديه، في ليلة الميلاد المعظم، من عام ثلاثة وستين وسبعمائة بمدينة فاس المحروسة:
أيا نسيم السّحربالله بلّغ خبري
إن أنت يوما بالحمىجررت فضل المئزر
ثم حثثت الخطو منفوق الكثيب الأعفر
مستقريا في عشبهخفيّ وطء المطر
تروي عن الضّحاك في الروض حديث الزّهر
مخلّق الأذيال بالعبير أو بالعنبر
وصف لجيران الحمىوجدي بهم وسهري
وحقّهم ما غيّرتودّي صروف الغير
لله عهد فيه قضّيت حميد الأثر
أيّامه هي التيأحسبها من عمري
وبالليل فيه ماعيب بغير القصر
العمر فينان ووجهـ الدهر طلق الغرر
والشّمل بالأحباب منظوم كنظم الدّرر
صفو من العيش بلاشائبة من كدر
ما بين أهل تقطف الأنس جنيّ الثمر
وبين آمال تبيح القرب صافي الغدر
يا شجرات الحيّ حيّاك الحيا من شجر
إذا أجال الشوق فيتلك المغاني فكري
خرّجت من خدّي حديث الدمع فوق الطّرر
وقلت يا خدّ أرو مندمعي صحاح الجوهري
عهدي بحادي الرّكب كالورقاء عند السّحر
والعيس تجتاب الفلاواليعملات تنبري
تخبط بالأخفاف مظلوم البرى وهو بري
قد عطفت عن ميدوالتفتت» عن حور
قسيّ سير ما سوى العزم لها من وتر
حتى إذا الأعلام حللت لحفيّ البشر
واستبشر النازح بالقرب ونيل الوطر
وعيّن الميقات للسّفر نجاح السّفر
والناس بين محرمبالحجّ أو معتمر
لبّيك لبيك إلهـ الخلق باري الصّور
ولاحت الكعبة بيت الله ذات الأثر
مقام إبراهيم والمأمن عند الذّعر
واغتنم القوم طواف القادم المبتدر
وأعقبوا ركعتي السّعي استلام الحجر
وعرّفوا في عرفات كلّ عرف أذفر
ثم أفاض الناس سعيا في غد للمشعر
فوقفوا وكبّرواقبل الصباح المسفر
وفي منّى نالوا المنىوأيقنوا بالظّفر
وبعد رمي الجمرات كان خلق الشّعر
أكرم بذاك الصّحب والله وذاك النّفر
يا فوزه من موقفيا ربحه من متجر
حتى إذا كان الوداع وطواف الصّدر
فأيّ صبر لم يخنأو جلد لم يغدر
وأيّ وجد لم يصلوسلوة لم تهجر
ما أفجع البين لقلب الواله المستغفر
ثم ثنوا نحو رسول الله سير الضّمّر
فعاينوا في طيبةلألاء نور نيّر
زاروا رسول الله واستشفعوا بلثم الجدر
نالوا به ما أمّلواوعرّجوا في الأثر
على الضّجيعين أبيبكر الرّضا وعمر
زيارة الهادي الشّفيع جنّة في المحشر
فأحسن الله عزاء قاصد لم يزر
ربع ترى مستنزل الآي به والسّور
وملتقى جبريل بالهادي الزّكيّ العنصر
وروضة الجنّة بين روضة ومنبر
منتخب الله ومختار الورى من مضر
والمنتقى والكون منملابس الخلق عري
إذ لم يكن في أفقمن زحل أو مشتري
ذو المعجزات الغرّ أمثال النجوم الزّهر
يشهد بالصّدق لهمنها انشقاق القمر
والضّبّ والظّبي إلىنطق الحصى والشّجر
من أطعم الألف بصاع في صحيح الخبر
والجيش روّاه بماء الرّاحة المنهمر
يا نكتة الكون التيفاتت منال الفكر
يا حجّة الله على الرائح والمبتكر
يا أكرم الرّسل على الله وخير البشر
يا من له التّقدم الحقّ على التّأخر
يا من لدى مولدهالمقدّس المطهّر
إيوان كسرى ارتجّ إذضاقت قصور قيصر
وموقد النار طفاكأنها لم تسعر
يا عمدتي يا ملجئييا مفزعي يا وزري
يا من له اللّواء والحوض وورد الكوثر
يا منقذ الغرقى وهمرهن العذاب الأكبر
إن لم تحقّق أمليبؤت بسعي المخسر
صلّى عليك الله يانور الدّجا المعتكر
يا ويح نفسي كم أرىمن غفلتي في غمر
وا حسرتا من قلّة الزّاد وبعد السّفر
يحجّني والله بالبرهان وعظ المنبر
يا حسنها من خطبلو حرّكت من نظري
يا حسنها من شجرلو أورقت من ثمر
أومّل الأوبة والأمر بكفّ القدر
أسوف العزم بهامن شهر لشهر
من صفر لرجبمن رجب لصفر
ضيّعت في الكبرة ماأعددته في صغري
وليس ما مرّ من الأيام بالمنتظر
وقلّ ما أن حمدتسلامة في غرر
ولي غريم لا ينيعن طلب المنكسر
يا نفس جدّي قد بدا الصبح ألا فاعتبري
واتّعظي بمن مضىوارتدعي وازدجري
ما بعد شيب الفود منمرتقب فشمّري
أنت وإن طال المدىفي قلعة أو سفر
وليس من عذر يقيم حجّة المعتذر
يا ليت شعري والمنىتسرق طيب العمر
هل أرتجي من عودةأو رجعة أو صدر
فأبرّد الغلّة منذاك الزّلال الخصر؟
مقتديا بمن مضىمن سلف ومعشر
نالوا جوار الله وهـوالفخر للمفتخر
أرجو بإبراهيم مولانا بلوغ الوطر
فوعده لا يمتريفي الصّدق منه الممتري
فهو الإمام المرتضىوالخيّر ابن الخيّر
أكرم من نال المنىبالمرهفات البتر
ممهّد الملك وسيف الحقّ والليث الجري
خليفة الله الذيفاق بحسن السّير
وكان منه الخبر في العلياء وفق الخبر
فصدّق التّصديق منمرآه للتّصور
ومستعين الله فيورد له وصدر
فاق الملوك الصّيدا بالمجد الرّفيع الخطر
فأصبحت ألقابهممنسيّة لم تذكر
وحاز منهم أوحدوصف العديد الأكثر
برأيه المأمون أوعسكره المظفّر
بسيفه السّفاح أوبعزمه المقتدر»
بالعلم المنصور أوبالذّابل المستنصر
بابن الإمام الطاهر البرّ الزّكي السّير
مدحك قد علّم نظم الشّعر من لم يشعر
جهد المقلّ اليوم منمثلي كوسع المكثر
فإن يقصّر ظاهريفلم يقصّر مضمري
ووردت على باب السلطان الكبير العالم أبي عنان، فبلوت من مشاركته، وحميد سعيه ما يليق بمثله. ولمّا نكبه لم أقصّر عن ممكن حيلة في أمره.
ولما هلك السلطان أبو عنان، ﵀، وصار الأمر لأخيه المتلاحق من الأندلس أبي سالم بعد الولد المسمّى بالسّعيد، كان ممن دمث له الطّاعة، وأناخ راحلة الملك، وحلب ضرع الدّعوة، وخطب عروس الموهبة، فأنشب ظفره في متات معقود من لدن الأب، مشدود من لدن القربة، فاستحكم عن قرب، واستغلظ عن كثب، فاستولى على أمره، وخلطه بنفسه، ولم يستأثر عنه ببثّه، ولا انفرد بما سوى بضع أهله، بحيث لا يقطع في شيء إلّا عن رأيه، ولا يمحو ويثبت إلّا واقفا عند حدّه، فغشيت بابه الوفود، وصرفت إليه الوجوه، ووقفت عليه الآمال، وخدمته الأشراف وجلبت إلى سدّته بضائع العقول والأموال، وهادته الملوك، فلا تحدو الحداة إلّا إليه، ولا تحطّ الرّحال إلّا لديه. إن حضر أجري الرسم، وأنفذ الأمر والنّهي، لحظا أو سرارا أو مكاتبة، وإن غاب، تردّدت الرّقاع، واختلفت الرّسل. ثم انفرد أخيرا ببيت الخلوة، ومنتبذ المناجاة، من دونه مصطفّ الوزراء، وغايات الحجّاب، فإذا انصرف تبعته الدّنيا، وسارت بين يديه الوزراء، ووقفت ببابه الأمراء، قد وسع الكلّ لحظه، وشملهم بحسب الرّتب والأموال رعيه، ووسم أفذاذهم تسويده، وعقدت ببنان عليتهم بنانه. لكن رضى الناس غاية لا تدرك، والحقد بين بني آدم قديم، وقبيل الملك مباين لمثله، فطويت الجوانح منه على سل،
وحنيت الضّلوع على بثّ، وأغمضت الجفون على قذى، إلى أن كان من نكبته ما هو معروف، جعلها الله له طهورا.
ولمّا جرت الحادثة على السلطان بالأندلس، وكان لحاق جميعنا بالمغرب، جنيت ثمرة ما أسلفته في ودّه، فوفّى كيل الوفا، وأشرك في الجاه، وأدرّ الرّزق، ورفع المجلس بعد التّسبيب في الخلاص والسّعي في الجبر، جبره الله تعالى، وكان له أحوج ما يكون إلى ذلك، يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
ولما انقضى أمر سلطانه، ﵀، وقذف به بحر التّمحيص إلى شطّه، وأضحى جوّ النّكبة بعد انطباقه، آثر التّشريق بأهله وجملته، واستقرّ بتونس خطيب الخلافة، مقيما على رسمه من التّجلّة، ذائع الفضل هنالك والمشاركة، وهو بحاله الموصوفة إلى الآن، كان الله له.
وكنت أحسست منه في بعض الكتب الواردة صاغية إلى الدّنيا، وحنينا لما فارق من غرورها، فحملني الطّور الذي ارتكبته في هذا الأيام، بتوفيق الله، على أن خاطبته بهذه الرسالة، وحقّها أن يجعلها خدمة الملوك ممّن ينسب إلى نبل، أو يلمّ بمعرفة، مصحفا يدرسه، وشعارا يلتزمه، وهي:
سيدي الذي يده البيضاء لم تذهب بشهرتها المكافاة، ولم تختلف في مدحها الأفعال ولا تغايرت في حمدها الصّفات، ولا تزال تعترف بها العظام الرّفات، أطلقك الله من أسر الكون كما أطلقك من أسر بعضه، ورشّدك في سمائه العالية وأرضه، وحقّر الحظّ في عين بصيرتك بما يحملك على رفضه. اتّصل بي الخبر السّار من تركك لشانك، وإجناء الله إيّاك ثمرة إحسانك، وانجياب ظلام
الشّدة الحالك، عن أفق حالك، فكبّرت لانتشاق عفو الله العطر، واستعبرت لتضاؤل الشّدة بين يدي الفرج لا بسوى ذلك من رضى مخلوق يؤمر فيأتمر، ويدعوه القضاء فيبتدر، إنما هو فيء»
، وظلّ ليس له من الأمر شيء، ونسأله جلّ وتعالى أن يجعلها آخر عهدك بالدّنيا وبنيها، وأوّل معارج نفسك التي تقرّبها من الحقّ وتدنيها، وكأنّني والله أحسّ بثقل هذه الدعوة على سمعك، ومضادّتها ولا حول ولا قوة إلّا بالله لطبعك، وأنا أنافرك إلى العقل الذي هو قسطاس الله في عالم الإنسان، والآلة لبثّ العدل والإحسان، والملك الذي يبين عنه ترجمان اللّسان، فأقول: ليت شعري ما الذي غبط سيدي بالدّنيا، وإن بلغ من زبرجها الرّتبة العليا، وأفرض المثال لحالة إقبالها، ووصل حبالها، وضراعة سبالها، وخشوع جبالها.
التوقّع المكروه صباح مسا، وارتقاب الحوالة التي تديل من النّعيم البأساء، ولزوم المنافسة التي تعادي الأشراف والرؤسا؟ ألترتّب العتب، حتى على التّقصير في الكتب، وضعينة جار الجنب، وولوع الصّديق بإحصاء الذّنب؟ ألنسبة وقائع الدولة إليك وأنت بري، وتطويقك الموبقات وأنت منها عري؟ ألاستهدافك للمضّار التي تنتجها غيرة الفروج، والأحقاد التي تضطبنها ركبة السّروج وسرحة المروج، ونجوم السّما ذات البروج؟ ألتقليدك التّقصير فيما ضاقت عنه طاقتك، وصحّت إليه فاقتك، من حاجة لا يقتضي قضاءها الوجود، ولا يكيّفها الرّكوع للملك والسّجود؟ ألقطع الزّمان بين سلطان يعبد، وسهام للغيوب تكبّد، وعجاجة شرّ تلبّد، وأقبوحة تخلّد وتوبّد؟ ألوزير يصانع ويدارى، وذي حجّة صحيحة يجادل في مرضاة السّلطان ويمارى، وعورة لا توارى؟ ألمباكرة كلّ عائب حاسد، وعدوّ مستأسد، وسوق للإنصاف والشّفقة كاسد، وحال فاسد؟ أللوفود تتزاحم بسدّتك،
مكلّفة لك غير ما في طوقك، فإن لم تنل أغراضها قلبت عليك السّماء من فوقك؟ ألجلساء ببابك، لا يقطعون زمن رجوعك وإيابك، إلّا بقبيح اغتيابك؟
فالتّصرّفات تمقت، والقواطع النّجوميّات توقّت، والألاقيّ تبثّ، والسعايات تحثّ، والمساجد يشتكى فيها البثّ، يعتقدون أن السلطان في يدك بمنزلة الحمار المدبور، واليتيم المحجور، والأسير المأمور، ليس له شهوة ولا غضب، ولا أمل في الملك ولا أرب، ولا موجدة لأحد كامنة، وللشّر ضامنة، وليس في نفسه عن رأي نفرة، ولا بإزاء ما لا يقبله نزوة وطفرة، إنما هو جارحة لصيدك، وعان في قيدك، وآلة لتصرّف كيدك، وأنّك علّة حيفه، ومسلّط سيفه: الشّرار يسملون عيون الناس باسمك، ثم يمزّقون بالغيبة مزق جسمك، قد تنخّلهم الوجود أخبث ما فيه، واختارهم السّفيه فالسّفيه، إذ الخير يسرّه الله عن الدّول ويخفيه، ويقنعه بالقليل فيكفيه، فهم يمتاحون بك ويولونك الملامة، ويقتحمون عليك أبواب القول ويسدّون طرق السّلامة، وليس لك في أثناء هذه إلّا ما يعوزك مع ارتفاعه، ولا يفوتك مع انقشاعه، وذهاب صداعه، من غذاء يشبع، وثوب يقنع، وفراش ينيم، وخديم يقعد ويقيم. وما الفائدة في فرش تحتها جمر الغضا، ومال من ورائه سوء القضا، وجاه يحلّق عليه سيف منتضى؟ وإذا بلغت النّفس إلى الالتذاذ بما لا تملك، واللّجاج حول المسقط الذي تعلم أنها فيه تهلك، فكيف تنسب إلى نبل، أو تسير مع السعادة في سبل؟ وإن وجدت في القعود بمجلس التّحية، بعض الأريحيّة، فليت شعري أيّ شيء زادها، أو معنى أفادها، إلّا مباكرة وجه الحاسد، وذي القلب الفاسد، ومواجهة العدوّ المستأسد؟ أو شعرت ببعض الإيناس، في الركوب بين الناس. هل التذّت إلّا بحلم كاذب، أو جذبها غير الغرور مجاذب؟ إنما الحلية وافتك من يحدّق إلى البزّة، ويستطيل مدّة العزّة، ويرتاب إذا حدّث »
بخبرك، ويتبع بالنّقد والتّجسّس مواقع نظرك، ويمنعك من مسايرة أنيسك، ويحتال على فراغ كيسك، ويضمر الشّرّ لك ولرئيسك. وأيّ راحة لمن لا يباشر قصده، ويسير متى شاء وحده؟ ولو صحّ في هذه الحال لله حظّ، وهبه زهيدا، أو عيّن للرّشد عملا حميدا، لساغ الصّاب، وخفّت الأوصاب، وسهل المصاب. لكن الوقت أشغل، والفكر أوغل، والزّمن قد غمرته الحصص الوهميّة، واستنفدت منه الكميّة، أما ليله ففكر أو نوم، وعتب يجرّ الضّراس ولوم، وأمّا يومه فتدبير، وقبيل ودبير، وأمور يعيا بها ثبير، وبلاء مبير، ولغط لا يدخل فيه حكيم كبير، وأنا بمثل ذلك خبير. وو الله يا سيّدي، ومن فلق الحبّ وأخرج الأبّ، وذرأ من مشى ومن دبّ، وسمّى نفسه الربّ، لو تعلّق المال الذي يجده هذا الكدح، ويوري سقيطه هذا القدح، بأذيال الكواكب، وزاحمت البدر بدره بالمناكب، لما ورثه عقب، ولا خلص به محتقب، ولا فاز به سافر ولا منتقب. والشّاهد الدّول والمشائيم الأول: فأين الرّباع المقتناة؟ وأين الدّيار المبتناة؟ وأين الحدائق المغترسات، وأين الذّخائر المختلسات؟ وأين الودائع المؤمّلة، وأين الأمانات المحمّلة؟ تأذّن الله بتتبيرها، وإدناء نار التّبار من دنانيرها، فقلّما تلقى أعقابهم إلّا أعراء الظّهور، مترمّقين بجرايات الشّهور، متعلّلين بالهباء المنثور، يطردون من الأبواب التي حجب عندها آباؤهم، وعرف
منها إباؤهم، وشمّ من مقاصيرها عنبرهم وكباؤهم، لم تسامحهم الأيام إلّا في إرث محرّر، أو حلال مقرّر، وربما محقه الحرام، وتعذّر منه المرام. هذه، أعزّك الله، حال قبولها ومالها مع التّرفيه، وعلى فرض أن يستوفي العمر في العزّ مستوفيه. وأما ضدّه من عدوّ يتحكّم وينتقم، وحوت بغي يبتلع ويلتقم، وطبق يحجب الهواء، ويطيل في التّراب الثّواء، وثعبان قيد يعضّ السّاق، وشؤبوب عذاب يمزّق الأبشار الرّقاق، وغيلة يهديها الواقب الغاسق، ويجرعها العدوّ الفاسق، [فصرف السوق، وسلعته المعتادة الطروق،] مع الأفول والشروق. فهل في شيء من هذا مغتبط لنفس حرّة، أو ما يساوي جرعة حال مرّة؟ وا حسرتاه للأحلام ضلّت، وللأقدام زلّت، ويا لها مصيبة جلّت! ولسيدي أن يقول: حكمت عليّ باستثقال الموعظة واستجفائها، ومراودة الدّنيا بين خلّانها وأكفائها، وتناسي عدم وفائها، فأقول: الطّبيب بالعلل أدرى، والشّفيق بسوء الظّنّ مغرى، وكيف لا وأنا أقف على السّحاءات بخطّ يد سيدي من مطارح الاعتقال، ومثاقف النّوب الثّقال، وخلوات الاستعداد للقاء الخطوب الشّداد، ونوش الأسنّة الحداد، وحيث يجمل بمثله إلّا يصرف في غير الخضوع لله بنانا، ولا يثني لمخلوق عنانا.
وأتعرف أنها قد ملأت الجوّ والدوّ، وقصدت الجماد والبوّ، تقتحم أكفّ أولي الشّمات، وحفظة المذمّات، وأعوان النّوب الملمّات، زيادة في الشّقاء، وقصدا بريّا من الاختيار والانتقاء، مشتملة من التّجاوز على أغرب من العنقاء، ومن النّقاق على أشهر من البلقاء. فهذا يوصف بالإمامة، [وهذا ينسب في الجود إلى كعب بن مامة]، وهذا يجعل من أهل الكرامة، وهذا يكلّف الدّعاء وليس من أهله، وهذا يطلب منه لقاء الصّالحين وليسوا من شكله، إلى ما أحفظني والله من البحث عن
السّموم، وكتب النجوم، والمذموم من المعلوم، هلّا كان من ينظر في ذلك قد قوطع بتاتا، وأعتقد أنّ الله قد جعل لزمن الخير والشّرّ ميقاتا، وأنّا لا نملك موتا ولا نشورا ولا حياتا، وأنّ اللّوح قد حصر الأشياء محوا وإثباتا، فكيف نرجو لما منع منالا أو نستطيع مما قدر إفلاتا؟ أفيدونا ما يرجّح العقيدة المقررة نتحوّل إليه، وبيّنوا لنا الحقّ نعوّل عليه. الله الله يا سيدي في النّفس المرشّحة، والذّات المحلّاة بالفضائل الموشّحة، والسّلف الشهير الخير، والعمر المشرف على الرّحلة بعد حثّ السّير، ودع الدنيا لأهلها فما أوكس حظوظهم، وأخسّ لحوظهم، وأقلّ متاعهم، وأعجل إسراعهم، وأكثر عناءهم، وأقصر آناءهم:
ما ثمّ إلّا ما رأيت، وربما تعيي السّلامة
والناس إمّا جائرأو حائر يشكو ظلامه
والله ما احتقب الحريص سوى الذّنوب أو الملامه
هل ثمّ شكّ في المعاد الحقّ أو يوم القيامه
قولوا لنا ما عندكمأهل الخطابة والإمامه
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع