تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

محمد بن أحمد بن محمد ابن محمد بن أبي بكر بن مرزوق العجيسي»

الصفحة ٢ من ٢

وإن رميت بأحجاري، وأوجرت المرّ من أشجاري، فو الله ما تلبّست منها اليوم بشيء قديم ولا حديث، ولا استاثرت بطيّب فضلا عن خبيث. وما أنا إلّا عابر سبيل، وهاجر مرعى وبيل، ومرتقب وعد قدر فيه الإنجاز، وعاكف على حقيقة لا تعرف المجاز، قد فررت من الدنيا كما يفرّ من الأسد، وحاولت المقاطعة حتى بين روحي والجسد، وغسل الله قلبي، ولله الحمد، من الطّمع والحسد، فلم أبق عادة إلّا قطعتها، ولا جنّة للصّبر إلّا ادّرعتها، أمّا اللّباس فالصّوف، وأما الزّهد فيما في أيدي الناس فمعروف، وأما المال الغبيط فعلى الصّدقة مصروف. وو الله

لو علمت أنّ حالي هذه تتّصل، وعراها لا تنفصل، وأن ترتيبي هذا يدوم، ولا يحيّرني الوعد المحتوم، والوقت المعلوم، لمتّ أسفا، وحسبي الله وكفى. ومع هذا يا سيدي، فالموعظة تتلقّى من لسان الوجود، والحكمة ضالّة المؤمن يطلبها ببذل المجهود، ويأخذها من غير اعتبار بمحلّها المذموم أو المحمود. ولقد أعملت نظري فيما يكافىء عني بعض يدك، أو ينتهي في الفضل إلى أمدك، فلم أر لك الدّنيا كفاء هذا لو كنت صاحب دنيا، وألفيت بذل النّفس قليلا لك من غير شرط ولا ثنيا، فلمّا ألهمني الله لمخاطبتك بهذه النّصيحة المفرغة في قالب الجفا، لمن لا يثبت عين الصّفا، ولا يشيم بارقة الوفا، ولا يعرف قاذورة الدنيا معرفة مثلي من المتدنّسين بها المنهمكين، وينظر عوّارها القادح بعين اليقين، ويعلم أنها المومسة التي حسنها زور، وعاشقها مغرور، وسرورها شرور، تبيّن لي أني قد كافيت صنيعتك المتقدّمة، وخرجت عن عهدتك الملتزمة، وأمحضت لك النّصح الذي يعزّ بعزّ الله ذاتك، ويطيب حياتك، ويحيي مواتك، ويريح جوارحك من الوصب، وقلبك من النّصب، ويحقّر الدنيا وأهلها في عينك إذا اعتبرت، ويلاشي عظائمها لديك إذا اختبرت. كلّ من تقع عليه عينك حقير قليل، وفقير ذليل، لا يفضلك بشيّ إلّا باقتفاء رشد أو ترك غيّ، أثوابه النّبيهة يجرّدها الغاسل، وعروة عزّه يفصّلها الفاصل، وماله الحاضر الحاصل، يعيث فيه الحسام الفاصل، والله ما تعيّن للخلف إلّا ما تعيّن للسّلف، ولا مصير المجموع إلّا إلى التّلف، ولا صحّ من الهياط والمياط، والصّياح والعياط، وجمع القيراط إلى القيراط، والاستظهار بالوزعة والأشراط، والخبط والخبّاط، والاستكثار والاغتباط،

والغلوّ والاشتطاط، وبنا الصّرح وعمل السّاباط، ورفع العماد وإدارة الفسطاط، إلّا ألم يذهب القوة، وينسي الآمال المرجوّة، ثمّ نفس يصعد، وسكرات تتردّد، وحسرات لفراق الدّنيا تتجدّد، ولسان يثقل، وعين تبصر الفراق الحقّ وتمقل قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ

. ثم القبر وما بعده، والله منجز وعيده ووعده، فالإضراب الإضراب، والتّراب التّراب. وإن اعتذر سيدي بقلّة الجلد، لكثرة الولد، فهو ابن مرزوق لا ابن رزّاق، وبيده من التّسبّب ما يتكفّل بإمساك أرماق، أين النّسخ الذي يتبلّغ الإنسان بأجرته، في كن حجرته؟ لا بل السؤال الذي لا عار عند الحاجة بمعرّته؟ السؤال والله أقوم طريقا، وأكرم فريقا، من يد تمتدّ إلى حرام، لا يقوم بمرام، ولا يومّن من ضرام، أحرقت فيه الحلل، وقلبت الأديان والملل، وضربت الأبشار، ونحرت العشار، ولم يصل منه على يدي واسطة السّوء المعشار.

ثم طلب عند الشّدّة ففضح، وبان سومه ووضح، اللهمّ طهّر منها أيدينا وقلوبنا، وبلّغنا من الانصراف إليك مطلوبنا، وعرّفنا بمن لا يعرف غيرك، ولا يسترفد إلّا خيرك، يا الله. وحقيق على الفضلاء إن جنح سيدي منها إلى إشارة، أو أعمل في احتلابها إضبارة، أو لبس منها شارة، أو تشوّف إلى خدمة إمارة، ألا يحسنوا ظنونهم بعدها بابن ناس، ولا يغترّوا بسمة ولا خلق ولا لباس، فما عدا، عمّا بدا؟ تقضّى العمر في سجن وقيد، وعمرو وزيد، وضرّ وكيد، وطراد صيد، وسعد وسعيد، وعبد وعبيد، فمتى تظهر الأفكار، ويقرّ القرار، وتلازم الأذكار، وتشام الأنوار، وتتجلّى الأسرار؟ ثم يقع الشّهود الذي تذهب معه الأفكار، ثم يحقّ الوصول الذي إليه من كلّ ما سواه الفرار، وعليه المدار. وحقّ الحقّ الذي ما سواه فباطل، والفيض الرّحماني الذي ربابه الأبد هاطل، ما شابت

مخاطبتي لك شائبة تريب، ولقد محضت لك ما يمحضه الحبيب إلى الحبيب، فيحمل جفاء في الذي حملت عليه الغيره، ولا تظنّ بي غيره. وإن أقدر قدري في مكاشفة سيادتك بهذا البثّ، في الأسلوب الرّث، فالحقّ أقدم، وبناؤه لا يهدم، وشأني معروف في مواجهة الجبابرة على حين يدي إلى رفدهم ممدودة، ونفسي في النّفوس المتهافتة عليهم معدودة، وشبابي فاحم، وعلى الشّهوات مزاحم، فكيف بي اليوم مع الشّيب، ونصح الجيب، واستكشاف العيب؟ إنما أنا اليوم على كلّ من عرفني كلّ ثقيل، وسيف العذل في كفّي صقيل، أعذل أهل الهوى، وليست النّفوس في القبول سوا، ولا لكلّ مرض دوا، وقد شفيت صدري، وإن جهلت قدري، فاحملني، حملك الله، على الجادّة الواضحة، وسحب عليك ستر الأبوّة الصّالحة، والسّلام.

ولمّا شرح كتاب «الشّفا» للقاضي أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض، ﵀، واستبحر فيه، طلب أهل العدوتين بنظم مقطوعات تتضمّن الثّناء على الكتاب المذكور، وإطراء مؤلّفه، فانثال عليه من ذلك الطّم والرّم، بما تعدّدت منه الأوراق، واختلفت في الإجادة وغيرها الأرزاق، إيثارا لغرضه، ومبادرة من أهل الجهات لإسعاف أربه، وطلب مني أن ألمّ في ذلك بشيء، فكتبت في ذلك:

شفاء عياض للصّدور شفاءوليس بفضل قد حواه خفاء
هديّة برّ لم يكن لجزيلهاسوى الأجر والذّكر الجميل كفاء
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «شفاء عياض للنفوس شفاء»
وفى لنبيّ الله حقّ وفائهوأكرم أوصاف الكرام وفاء
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «شفاء عياض للنفوس شفاء»
وجاء به بحرا يقول بفضلهعلى البحر طعم طيّب وصفاء
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «شفاء عياض للنفوس شفاء»
وحقّ رسول الله بعد وفاتهرعاه، وإغفال الحقوق جفاء
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «شفاء عياض للنفوس شفاء»
هو الذّخر يغني في الحياة عتادهويترك منه لليقين رفاء
هو الأثر المحمود ليس ينالهدثور ولا يخشى عليه عفاء
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «شفاء عياض للنفوس شفاء»
حرصت على الإطناب في نشر فضلهوتمجيده لو ساعدتني فاء
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «شفاء عياض للنفوس شفاء»

واستزاد من هذا الغرض الذي لم يقنع منه بالقليل، فبعثت إليه من محلّ انتقالي بمدينة سلا حرسها الله:

أأزاهير رياضأم شفاء لعياض
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أأزاهير رياض»
جدّل الباطل للحقّبأسياف مواض
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أأزاهير رياض»
وجلا الأنوار برهانا بحقّ وافتراض
وشفى من يشتكي الغلّة في زرق الحياض
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أأزاهير رياض»
أيّ بنيان معارآمن فوق انقضاض
أيّ عهد ليس يرمىبانتكاث وانتقاض
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أأزاهير رياض»
ومعان في سطوركأسود في غياض
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أأزاهير رياض»
وشفاء لصدورمن ضنى الجهل مراض
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أأزاهير رياض»
حرّر القصد فما شين بنقد واعتراض
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أأزاهير رياض»
يا أبا الفضل أدر أنّالله عن سعيك راض
فاز عبد أقرض اللّهـ برجحان القراض
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أأزاهير رياض»
وجبت عزّ المزايامن طوال وعراض
لك يا أصدق راولك يا أعدل قاض
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أأزاهير رياض»
لرسول الله وفّيت بجدّ وانتهاض
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أأزاهير رياض»
خير خلق الله في حال وفي آت وماض
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أأزاهير رياض»
سدّد الله ابن مرزوق إلى تلك المراضي
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أأزاهير رياض»
زبدة العرفان معنىكلّ نسك وارتياض
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أأزاهير رياض»
فتولّى بسط ما أجملت من غير انقباض
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أأزاهير رياض»
ساهر لم يدر في استخلاصه طعم اغتماض
إن يكن دينا على الأيام قد حان التّقاضي
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أأزاهير رياض»
دام في علوّ ومن عاداه يهوي في انخفاض
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أأزاهير رياض»
ما وشى الصّبح الدّياجيفي سواد ببَياض
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أأزاهير رياض»

ثم نظمت له أيضا في الغرض المذكور، والإكثار من هذا النمط، في هذا الموضع، ليس على سبيل التّبجّح بغرابته وإجادته، ولكن على سبيل الإشادة بالشّرح المشار إليه، فهو بالغ غاية الاستبحار:

حيّيت يا مختطّ سبت بن نوحبكلّ مزن يغتدي أو يروح
وحمل الرّيحان ريح الصّباأمانة فيك إلى كلّ روح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «حييت يا مختط سبت ابن نوح»
دار أبي الفضل عياض الذيأضحت بريّاه رياضا تفوح
يا ناقل الآثار يعنى بهاوواصلا في العلم جري الجموح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «حييت يا مختط سبت ابن نوح»
طرفك في الفخر بعيد المدىطرفك للمجد شديد الطّموح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «حييت يا مختط سبت ابن نوح»
كفاك إعجازا كتاب الشّفاوالصبح لا ينكر عند الوضوح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «حييت يا مختط سبت ابن نوح»
لله ما أجزلت فينا به منمنحة تقصر عنها المنوح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «حييت يا مختط سبت ابن نوح»
روض من العلم همى فوقهمن صيّب الفكر الغمام السّفوح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «حييت يا مختط سبت ابن نوح»
فمن بيان الحقّ زهر ندومن لسان الصّدق طير صدوح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «حييت يا مختط سبت ابن نوح»
تأرّج العرف وطاب الجنىوكيف لا يثمر أو لا يفوح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «حييت يا مختط سبت ابن نوح»
وحلّة من طيب خير الورىفي الجيب والأعطاف منها نضوح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «حييت يا مختط سيف ابن نوح»
ومعلم للدين شيّدتهفهذه الأعلام منه تلوح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «حييت يا مختط سبت ابن نوح»
فقل لهامان كذا أو فلايا من أضلّ الرّشد تبني الصّروح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «حييت يا مختط سبت ابن نوح»
في أحسن التّقويم أنشأتهخلقا جديدا بين جسم وروح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «حييت يا مختط سبت ابن نوح»
فعمره المكتوب لا ينقضيإذا تقضّى عمر سام ونوح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «حييت يا مختط سبت ابن نوح»
كأنّه في الحفل ريح الصّباوكلّ عطف فهو غضّ مروح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «حييت يا مختط سبت ابن نوح»
ما عذر مشغوف بخير الورىإن هاج منه الذّكر أن لا يبوح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «حييت يا مختط سبت ابن نوح»
عجبت من أكباد أهل الهوىوقد سطا البعد وطال النّزوح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «حييت يا مختط سبت ابن نوح»
إن ذكر المحبوب سالت دماما هنّ أكباد ولكن جروح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «حييت يا مختط سبت ابن نوح»
يا سيّد الأوضاع يا من لهبسيّد الإرسال فضل الرّجوح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «حييت يا مختط سبت ابن نوح»
يا من له الفخر على غيرهوالشّهب تخفى عند إشراق يوح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «حييت يا مختط سبت ابن نوح»
يا خير مشروح وفي واكتفىمنه ابن مرزوق بخير الشّروح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «حييت يا مختط سبت ابن نوح»
فتح من الله حباه بهومن جناب الله تأتي الفتوح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «حييت يا مختط سبت ابن نوح»

مولده: بتلمسان عام أحد عشر وسبعمائة.

محمد بن عبد الرحمن بن سعد التّميمي التّسلي الكرسوطي

من أهل فاس، نزيل مالقة، يكنى أبا عبد الله.

حاله: الشيخ الفقيه المتكلّم أبو عبد الله، غزير الحفظ، متبحّر الذّكر، عديم القرين، عظيم الاطّلاع، عارف بأسماء الأوضاع، ينثال منه على المسائل كثيب مهيل، ينقل الفقه منسوبا إلى أمانة، ومنوطا برجاله، والحديث بأسانيده ومتونه،

خوّار العنان، وسّاع الخطو، بعيد الشأو، يفيض من حديث إلى فقه، ومن أدب إلى حكاية، ويتعدّى ذلك إلى غرائب المنظومات، ممّا يختصّ بنظمه أولو الشّطارة والحرفة من المغاربة، ويستظهر مطوّلات القصاص، وطوابير الوعّاظ، ومساطير أهل الكدية، في أسلوب وقاح يفضحه الإعراب، حسن الخلق، جمّ الاحتمال، مطرّح الوقار، رافض التّصنّع، متبذّل اللّبسة، رحيب أكناف المرارة لأهل الولايات، يلقي بمعاطنهم البرك، وينوط بهم الوسائل، كثير المشاركة لوصلائه، مخصب على أهل بيته، حدب على بنيه. قدم على الأندلس عام اثنين وعشرين وسبعمائة، فأقام بالجزيرة مقرئا بمسجد الصّواع منها، ومسجد الرّايات، ثم قدم على مالقة وأقرأ بها، ثم قدم على غرناطة عام خمسة وعشرين وسبعمائة، فتعرف على أرباب الأمر، بما نجحت حيلته، وخفّ به موقعه، فلم يعدم صلة، ولا فقد مرفقة، حتى ارتاش وتأثّل بمحل سكناه من مالقة، مدرة مغلّة، وعقارا مفيدا. وطال قعوده لسرد الفقه بمسجدها الجامع، نمير في الركب، مهجور الحلقة، حملا من الخاصّة والعامّة، لتلبّسه بالعرض الأدني. وهو الآن خطيب مسجد القصبة بها، ومحلّه من الشهرة، بالحفظ والاستظهار لفروع الفقه، كبير.

مشيخته: قرأ القرآن على الجماعة بالمغرب والأندلس، منهم أبوه، والأستاذ أبو الحسن القيجاطي البلوي، وأبو إسحاق الحريري، وأبو الحسن بن سليمان، وأبو عبد الله بن أجروم. وقرأ الفقه على أبي زيد الجزولي، وعبد الرحمن بن عفّان، وأبي الحسن الصغير، وعبد المؤمن الجاناتي، وقرأ الكتاب بين يديه مدة، ثم عزله، ولذلك حكاية. حدّثني الشيخ أبو عبد الله الكرسوطي، المترجم به، قال: قرأت بين يديه، في قول أبي سعيد في التهذيب، والدّجاج والأوز المخلات، فقال: انظر، هل يقال الدّجاج أو الجدّاد، لغة القرآن أفصح، قال الله تعالى: وجدد بيض، وحمر مختلف ألوانها، وغرابيب سود. فأزرى به، ونقل إليه إزاره، فعزله. وقعد بعد ذلك للإقراء بفاس، كذا حدث. وأخذ عن أبي إسحاق الزناتي، وعن خلف الله المجاصي، وأبي عبد الله بن عبد الرحمن الجزولي، وأبي الحسين المزدغي، وأبي الفضل ابنه، وأبي العبّاس بن راشد العمراني، وأبي عبد الله بن رشيد. وروى الحديث بسبتة عن أبي عبد الله الغماري، وأبي عبد الله بن هاني، وذاكر أبا الحسن بن وشّاش. وبمالقة عن الخطيب الصالح الطّنجالي، وأبي عمرو بن منظور.

وبغرناطة عن أبي الحسن القيجاطي، وأبي إسحاق بن أبي العاص. وببلّش عن أبي جعفر الزيات.

تواليفه: منها «الغرر في تكميل الطّرر»، طرر أبي إبراهيم الأعرج. ثم «الدّرر في اختصار الطّرر» المذكور. وتقييدان على الرسالة، كبير وصغير.

ولخّص «التهذيب» لابن بشير، وحذف أسانيد المصنّفات الثلاثة، البخاري، والترمذي، ومسلم، والتزم إسقاط التكرار، واستدراك الصّحاح الواقعة في التهذيب على مسلم والبخاري. وقيّد على مختصر الطّليطلي، وشرع في تقييد على قواعد الإمام أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض، برسم ولدي، أسعده الله.

شعره: أنشدني، وأنا أحاول بمالقة لوث العمامة، وأستعين بالغير على إصلاح العمل، وإحكام اللّياثة:

أمعمّما قمرا تكامل حسنهأربى على الشمس المنيرة في البها
لا تلتمس ممّن لديك زيادةفالبدر لا يمتار من نور السّها

ويصدر منه الشعر مصدّرا، لا تكنفه العناية.

محنته: أسر ببحر الزّقاق، قادما على الأندلس في جملة من الفضلاء، منهم والده. واستقرّ بطريف عام ستة وعشرين وسبعمائة، ولقي بها شدّة ونكالا، ثم سرّح والده، لمحاولة فكاك نفسه، وفكّ ابنه، ويسّر الله عليه، فتخلّصا من تلك المحنة في سبيل كدية، وأفلت من بين أنياب مشقّة.

بعض أخباره: قال: لقيت الشيخ وليّ الله أبا يعقوب بساحل بادس، قاصدا الأخذ عنه، والتّبرّك به، ولم يكن رآني قط، وألفيت بين يديه عند دخولي عليه، رجلا يقرأ عليه القرآن، فلمّا فرغ أراد أن يقرأ عليه أسطرا من الرّسالة، فقال له:

اقرأها على هذا الفقيه، وأشار إليّ، ورأيت في عرصة له أصول خصّ، فتمنيت الأكل منها، وكان ربّاعها غير حاضر، فقام عن سرعة، واقتلع منها أصولا ثلاثة، ودفعها إليّ، وقال: كل. فقلت في نفسي، تصرف في الخضرة قبل حضور ربّاعها، فقال لي: إذا أردت الأكل من هذه الخضرة، فكل من هذا القسم، فإنّه لي. قلت: وخبرت من اضطلاع هذا المترجم به بعبارة الرّؤيا ما قضيت منه العجب في غير ما شيء جرّبته. وهو الآن بحاله الموصوفة. وأصابه لهذا العهد جلاء عن وطنه؛ لتوفر الحمل عليه من الخاصّ والعامّ، بما طال به نكده. ثم آلت حاله إلى بعض صلاح، والله يتولّاه.

مولده: بمدينة فاس عام تسعين وستمائة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.